أصواتٌ من غزّة

مها محمد أبو كويك – أبو رزق

(45 عامًا)، أم لثلاثة، تتحدث عن فقدان شقيقها وزوجته وابنتهما الصغيرة في قصف منزلهم وعن مصاعب إعادة تأهيل ابن شقيقها، عمر، الذي نجا وحده وبُتِرت ذراعه اليسرى

حتى اندلاع الحرب، كنت أسكن مع زوجي معين أبو رزق (50 عامًا) وأولادنا الثلاثة، لينا (19 عامًا) ومحمود (17 عامًا) ولانا (15 عامًا)، في برج سكني في مدينة الزهراء، جنوب مدينة غزة. كان أخي حازم أبو كويك يسكن مع عائلته في برج مجاور لنا وانتقل إلينا أخي الآخر، مصطفى أبو كويك (43 عامًا)، الذي كان يسكن في بداية الحرب في مدينة غزة مع زوجته ميساء (38 عامًا)، التي كانت مصابة بالسرطان، وأطفالهما.

الصورة
عمر أبو كويك بعد الإصابة. صورة قدمتها العائلة مشكورة
عمر أبو كويك بعد الإصابة. صورة قدمتها العائلة مشكورة

في 19.10.23، بعد حوالي أسبوع من وصول مصطفى وعائلته إلينا، تعرضت عدة أبراج سكنية في المنطقة للقصف وتضرر البرج الذي نسكن فيه والبرج الذي يسكن فيه أخي حازم. لم نُصب بأذى، لكننا أدركنا أن علينا الإخلاء فورًا.

خرجنا من الشقة دون أن نأخذ معنا أي شيء، سوى هواتفنا والملابس التي نرتديها. عندما نزلنا إلى الشارع، قلت لزوجي إنني نسيت الحقيبة التي تحتوي على جميع وثائقنا وسأصعد لإحضارها. لكن عندما وصلت إلى مدخل المبنى، كان هناك موظف من البلدية أخبرني بأن الجيش على وشك قصف البرج وأن الصعود إليه ممنوع. عُدتُ أدراجي وما كدتُ أمشي بضع خطوات حتى قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية الأبراج.

انتقلنا، أنا وعائلتي ومصطفى مع عائلته، إلى منزل والدي، محمد أبو كويك، في مخيّم البريج للاجئين، وسط القطاع. كان أخي وسيم (30 عامًا)، يسكن هناك أيضًا مع عائلته. أما أخي حازم، فقد انتقل مع عائلته إلى منزل أهل زوجته في مخيم النصيرات للاجئين، في وسط القطاع أيضًا.

بعد حوالي أسبوعين، أمرنا الجيش الإسرائيلي بإخلاء مخيم البريج للاجئين. انتقلنا أنا ووالدي وأخي وسيم وعائلته جنوبًا، إلى منزل والديّ زوجة وسيم، في خان يونس. انتقل أخي مصطفى، مع عائلته، إلى منزل أصدقاء في مدينة رفح جنوب القطاع. بقينا في خان يونس لمدة شهر تقريبًا. في نهاية شهر تشرين الثاني 2023، عندما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، عدنا إلى منزل والدي في مخيم البريج للاجئين.

الصورة
عمر أبو كويك قبل إصابته، مع شقيقته ياسمين التي قُتلت جراء القصف. صورة قدمتها العائلة مشكورة
عمر أبو كويك قبل إصابته، مع شقيقته ياسمين التي قُتلت جراء القصف. صورة قدمتها العائلة مشكورة

زارنا أخي حازم عدة مرات. كانت زيارته الأخيرة في 5.12.23. أخذ بعض الطعام لعائلته وكانت تلك المرة الأخيرة التي رأيناه فيها. في اليوم التالي، 6.12.23، حوالي الساعة 10:00 صباحًا، قصف الجيش البرج السكني في مخيم النصيرات للاجئين، حيث كانوا قد لجأوا إلى عائلة زوجته. أصيبت جرّاء القصف عدة شقق بما في ذلك الشقة التي كانوا فيها. عندما سمعنا الأنباء عن كل من كانوا في تلك الشقق فقُتلوا أو دفنوا تحت الأنقاض، أصابتنا الصدمة. قُتل أخي مع زوجته ازدهار وابنتهما ياسمين (6 أعوام). وكان ابنهم عمر (5 أعوام) الناجي الوحيد من عائلتهم. أصيب بجروح خطيرة ونُقل إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح. كما نجا أيضًا شقيقا زوجة حازم، محمد ويوسف أبو العيش، لأنهما كانا خارج المنزل في ذلك الوقت. كان والدا زوجة حازم وإخوتها مع عائلاتهم يعيشون في ذلك المبنى، أيضًا. أصيب والداها واثنتان من زوجات إخوتها وابنة إحداهما (عامان) بجراح.

بعد القصف، ذهب أخي وسيم إلى منزل عائلة أبو العيش لمعرفة من أصيب من أفراد العائلة هناك والاطمئنان على حالة الجرحى. وذهب زوجي إلى المستشفى ليكون مع عمر. بقيتُ في المنزل مع أولادي وكنت أشعر بألم شديد على ما حدث لعائلة أخي. لم أستطع التوقف عن البكاء. كان والدي رجلًا مؤمنًا وكان يحاول طوال الوقت تهدئتنا ومواساتنا. لم يكن من الممكن توديعهم حتى، كما جرت العادة لدينا، لأن جثث أخي وزوجته وابنته كانت مشوهة تمامًا. ودّعهم أخي وسيم وقام بدفنهم.

أصيب عمر بجروح بالغة واضطر الأطباء إلى بتر ذراعه اليسرى. كما أصيب بجروح بالغة في ساقه اليمنى وبشظايا وحروق في وجهه وجروح في رأسه تطلبت تقطيبها. كانت حالته حرجة للغاية ولذلك أصدروا له تحويلة عاجلة للعلاج خارج قطاع غزة، في مصر. سافرتُ معه إلى هناك في 23.12.23. بقينا في المستشفى في مصر قرابة شهر ثم سافرنا مع منظمة "رحمة" لمواصلة العلاج في الولايات المتحدة. بقينا هناك حوالي شهر ونصف الشهر وتم تركيب طرف صناعي له، ولكن عندما عدنا إلى مصر لم يستطع التأقلم مع الطرف الصناعي ولم يتمكن من استخدامه. استأجرتُ شقة في مصر وبعد حوالي شهر ونصف الشهر استطاع زوجي وأولادي القدوم إلى مصر ونحن الآن معًا، جميعًا.

الصورة
عمر أبو كويك طفلًا، مع والديه وشقيقته ياسمين. صورة قدمتها العائلة مشكورة
عمر أبو كويك طفلًا، مع والديه وشقيقته ياسمين. صورة قدمتها العائلة مشكورة

يعاني عمر كثيرًا منذ إصابته وفقدانه لعائلته. يختبئ طوال الوقت، لا يحب أن يراه أحد ويحاول إخفاء ذراعه المبتورة ووجهه. يذهب إلى الحمام كثيرًا وقد أظهرت الفحوصات أن ذلك ليس بسبب بمشكلة طبية. قال لي الطبيب إن ذلك مرتبط بحالته النفسية.

بدأ مؤخرًا بالذهاب إلى روضة أطفال هنا وأشعر أن حالته النفسية تتحسن. يقضي هناك نصف يوم ويتلقى دعمًا نفسيًا وهناك فعاليات ترفيهية أيضًا. لكنه يقول لي في بعض الأحيان: "أصدقائي في الروضة يسألونني عن الإصابة في وجهي". لا يزال غير قادر على استخدام الطرف الصناعي، لأنه غير مريح للاستخدام.

عمر طفلٌ يبلغ من العمر خمس سنوات فقط وهو يتيم الأب والأم وجريح. قُصف أفراد عائلته أمام عينيه دون أي ذنبٍ اقترفوه. سلبوا منه كل ما يمكن أن يجلب له السعادة في الحياة - أمه وأباه وأخته. أحاول مساعدته على تذكرهم. هو لا يذكرهم من تلقاء نفسه، إلا إذا حدّثتُه عنهم. يقول لي: "لا أريد العودة إلى غزة. أريد البقاء هنا". إنه خائفٌ جدًا ولا يحب أن يتذكر ما حدث له.

أنا وزوجي تكفلنا برعاية جميع احتياجاته. نحاول أن نعطيه كل ما يطلبه، نُدلله ونحميه أكثر من أطفالنا. أصبح ابننا المدلل. حتى أطفالي يقولون إن "عمر أصبح أخًا لهم" وهم يحبونه كثيرًا. عمر مُتعلقٌ بشكل خاص بابني محمود وينام معه. نحاول تعويضه قدر استطاعتنا بمنحه الحب والحنان اللذين كان من المفترض أن يحصل عليهما من والديه.

على الرغم من كل جهودنا، عمر طفلٌ حزين. حتى ضحكته تُشعِر بالحزن. ولكن عندما يراني أبكي، يقول لي: "اضحكي. لا تبكي".

يحتاج عمر إلى مواصلة العلاج خارج مصر، لأنهم غير قادرين على مساعدته بشأن الطرف الاصطناعي هنا. يحتاج إلى طرف اصطناعي أفضل، يُمكّنه من استخدام يده وتناول الطعام والشراب وعيش حياة طبيعية مثل أي طفل. في الوقت الحالي، هو يعتمد على مساعدتي للاستحمام وارتداء الملابس وتناول الطعام. يحتاج أيضًا إلى عمليات تجميل لأنه لا تزال هنالك شظايا في وجهه.

في شهر كانون الثاني 2024 تمكن أخي مصطفى من الحصول على تحويلة لمعالجة زوجته، ميساء، التي كانت مريضة بالسرطان. سافرا مع أولادهما إلى الإمارات العربية المتحدة وتم إدخالها إلى المستشفى هناك لتلقي العلاج. كان بجانب سريرها لمدة شهر تقريبًا، لكنهم لم يتمكنوا من إنقاذ حياتها فتوفيت. وقد بقي الآن وحيدًا مع الأولاد في الإمارات العربية المتحدة.

 

* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 15.3.25

 

والدا عمر وأخته الذين قتلوا في القصف:

والده، حازم محمد أبو كويك (35 عامًا)

والدته، ازدهار عاطف أبو كويك (28 عامًا)

أخته، ياسمين حازم أبو كويك (6 أعوام)

جرحى العائلة في القصف:

عمر حازم أبو كويك (5 أعوام)

جدّ عمر من جهة أمه، عاطف أبو العيش (65 عامًا)

جدة عمر من جهة أمه، مها أبو العيش (60 عامًا)

زوجة عمه، شيماء أبو العيش

ابنة شيماء، مها أبو العيش (عامان)

زوجة عمه، صفاء أبو العيش (28 عامًا)