محمد الشرفا
5 آذار/مارس 2025
(39 عامًا)، أب لستة أطفال، من سكان مدينة غزة، تحدث عن المعاناة وصراع البقاء في الحرب، عن فقدان عائلة أخيه، إصابته وإصابة أفراد عائلته في القصف وعن محاولته إيجاد علاج مناسب لابنته (5 سنوات) التي بُترت ساقها
قبل الحرب، كنت أسكن مع زوجتي وأطفالنا: تالا (13 عامًا) وشهد (12 عامًا) وسُميّة (11 عامًا) ودعاء (9 أعوام) ومَلَك (5 أعوام) وحمدي (3 أعوام) في مبنى مكون من ثلاثة طوابق في حي التفاح في مدينة غزة. في شقق أخرى في المبنى، كان يسكن والداي وشقيقاي محمود وإبراهيم، مع عائلتيهما.
في بداية شهر تشرين الأول 2023، سافر والداي لأداء العُمرة في مكة. كان الوضع طبيعيًا حتى السابع من تشرين الأول 2023، لكن عندها تغير كل شيء. بدأ القصف بسرعة كبيرة في كل مكان، من الشمال إلى الجنوب، وتصاعد الوضع وتدهور.
في نهاية تشرين الأول، ألقى الجيش منشورات وأمرنا بإخلاء حي التفاح. تجمعنا، عائلتي وعائلتيّ أخويّ إبراهيم ومحمود، حوالي 16 شخصًا، وأعددنا أنفسنا للمغادرة. في البداية ذهبنا إلى منزل أحد أخوالنا في منطقة السحابة شرق مدينة غزة ومكثنا لديه 15 يومًا، ومن هناك انتقلنا إلى منزل أقارب لنا في منطقة الغفري في مدينة غزة. خلال تلك الفترة، قصفت الطائرات جميع الشوارع المجاورة للمنزل وأحاطت المنطقة بحزام ناري مرعب. سمعنا صراخ وبكاء نساء وأطفال عالقين تحت الأنقاض، لكننا خشينا أن يقصفونا، نحن أيضًا، إذا اقتربنا.
بعد توغل آخر للجيش في منطقة التفاح، استمر حوالي 15 يومًا، عدنا إلى منزلنا هناك. وجدنا أن الجيش قد دمر منطقتنا بالكامل تقريبًا. سُويت المنازل والشوارع بالأرض وأصبحت كأرض ترابية، أشبه بالصحراء. تم تدمير منزلنا جزئيًا. بقينا فيه وانضم إلينا أناس آخرون. كنا حوالي 30 شخصًا.
في تلك الفترة، سادت مجاعة شديدة وأطعمنا أطفالنا خبزًا كنا نخبزه من بذور مخصصة كطعام للحمام ومن الشعير وأعلاف أخرى للبهائم، طحناها. كما خاطرنا أيضًا ووصلنا إلى دوار النابلسي للحصول على الطحين وطرود الطعام التي كانت تُسقط هناك من حين إلى آخر. مات الكثير من الناس من أجل جلب لقمة خبز، لإشباع جوع أطفالهم.
في 10.7.24 اجتاح الجيش منطقتنا مرة أخرى. لم نخرج من المنزل. وفي 15.7.24 قرابة الساعة 2:00 فجرًا قصفت الطائرات منزلنا بينما كنا نائمين. جرّاء هذا القصف، قُتل أخي إبراهيم (29 عامًا) وزوجته سالي خضر صبحي ياسين (21 عامًا) وابنهما حمدي (عامان) وابنتهما الرضيعة ماسة (4 أشهر)، التي ولدت خلال هذه الحرب المروعة. تمزقت جثثهم أشلاء وتناثرت حتى أسطح المنازل المجاورة. أُصبتُ بجروح خطيرة في جميع أنحاء جسدي وفي بطني وخضعت لعدة عمليات جراحية. أُصيبت زوجتي أيضًا وجميع بناتي وأخي محمود وأفراد عائلته. وصلنا إلى مستشفى المعمداني (الأهلي)، الذي يقع على بعد حوالي كيلومترين جنوب منطقتنا، في حوالي الساعة 3:00 فجرًا. مكثنا هناك عدة ساعات على الأرض دون تلقي أي علاج، لأنه تم إخلاء الكثير من القتلى والجرحى إلى هناك، بما يفوق بكثير قدرة المستشفى على الاستيعاب. في التاسعة صباحًا، اضطر الأطباء لبتر ساق ابنتي مَلَك (5 أعوام)، لأن حالتها كانت خطيرة جدًا.
بعد أسبوعين خرجنا من المستشفى وعدنا إلى منزلنا في حي التفاح. بقينا نعاني من جرّاء القصف المتواصل في المنطقة وكانت هناك أيضًا توغلات متكررة في المناطق الواقعة إلى الشرق منزلنا. رأينا الموت أمام أعيننا، مرارًا وتكرارًا. كل يوم كانت تُطلق قذائف في المنطقة وكانت طائرات الكوادكوبتر وقناصة الجيش يطلقون النار باتجاه نوافذ المنازل. استمر هذا الوضع حتى إعلان وقف إطلاق النار في 19.1.25.
فور توقف القتال، ولو لبضعة أشهر، بدأت أبحث عن أدوية وعلاجات لابنتي ملك. تدهورت حالتها وأصبحت خطيرة، يا صغيرتي. كانت بحاجة إلى عدة عمليات جراحية أخرى لا يمكن إجراؤها في القطاع. تمكنتُ من الحصول على تحويلة لها للعلاج في الخارج، لكنني لم أستطع إخراجها من القطاع بسبب الحصار المحكم الذي فرضه جيش الاحتلال علينا. ما ذنب طفلتي الصغيرة أن تُبتر ساقها وأن تُسلب أيضًا حقها في الحصول على العلاج والأدوية؟
أناشد كل من يستطيع، أن يساعدنا في توفير العلاج لصغيرتي، البريئة من كل ذنب، وتركيب طرف اصطناعي لها. ماذا تريد هي أصلًا؟ ماذا يريد أطفالي؟ أن يعيشوا بسلام وأمان، بدون قصف وقتل. أن يعيشوا بكرامة ويستمتعوا بطفولتهم، مثل الأطفال في جميع أنحاء العالم. أن يعودوا إلى مقاعد الدراسة، بعد كل أشهر الدراسة التي خسروها. تحولت المدارس إلى مخيمات للمهجرين. وعلى أي حال، في خضم القصف والخوف والجوع، من المستحيل التركيز والدراسة. نحن والأولاد الكبار مشغولون طوال الوقت بصراع البقاء على قيد الحياة وبالحصول على الطعام بشكل أساسي. هذا يستنزف كل قوانا.
* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميداني محمد صباح في 5.3.25