أصواتٌ من غزّة

محمد أبو عيطة

(50 عامًا)، أب لخمسة، من مخيم جباليا، تحدث في إفادته عن قصف منزله وإصابة اثنين من أولاده وعن رحلة متواصلة بين مراكز الطوارئ، الجوع، التهجير والخوف:

الصورة
محمد أبو عيطة. صورة قدمتها العائلة مشكورة
محمد أبو عيطة. صورة قدمتها العائلة مشكورة

حتى اندلاع الحرب، كنت أسكن مع زوجتي وأولادنا الخمسة: حسن (20 عامًا) وريما (22 عامًا) وديما (18 عامًا) وحازم (16 عامًا) وحسام (12 عامًا) في مخيم جباليا للاجئين. كنا نسكن في منزل بسيط مكون من طابقين عند تقاطع أبو عيطة في حي تل الزعتر وكانت والدتي تعيش معنا. كنت أعمل سائق سيارة أجرة عمومية، كنت أخرج كل صباح وأعود في المساء لأعيل أسرتي. عشنا ببساطة وكنا سعداء بما لدينا.

ثم جاءت الحرب، ومعها الأيام السوداء التي غيّرت حياتنا منذ اللحظة الأولى. بدأوا بقصف المنازل والمساجد والمدارس، لكننا بقينا في المنزل وكنا خائفين من مغبة الخروج لأن القصف كان في كل مكان. في 3 كانون الأول 2023، في حوالي الساعة 10:00 صباحًا، قصفت طائرات حربية إسرائيلية منزلنا. انهار كل شيء علينا خلال لحظة واحدة. كان معنا أقارب لي نزحوا من الشمال والشرق، قُتل 16 منهم - أعمامي وأبناء عمومتي - ودُفنوا تحت الأنقاض. لم يتمكنوا من إنقاذهم.

أنا وزوجتي وأولادي نجونا بأعجوبة، وكذلك والدتي. لكنني صدمت بشدة عندما رأيت حسن وريما. قُطعت أرجلهما وكانا ممددين على الأرض يصرخان. سقطت ولم أستطع النهوض. ولداي، اللذان لم تتح لهما فرصة الاستمتاع بشبابهما بعد، كانا بين الحياة والموت.

نقلناهما بسرعة إلى مستشفى العودة في تل الزعتر. كان المكان مزدحمًا للغاية بالعديد من الجرحى وبدون كهرباء وأدوية وأدوات جراحية. ألقوا بولديّ في الممر. توسلت إليهم أن يعتنوا بهما لكنّ أحدًا لم يسمع. كانت غرف العمليات غارقة في الدماء. قال الأطباء إنه ليس لديهم ما يفعلونه سوى اليود والضمادات.

بقينا في المستشفى لمدة أسبوع. كان ولداي ينزفان ببطء ويعانيان من ألم فظيع. في اليوم السابع، طالب الجيش طاقم المستشفى بإخلاء المكان. لم يكن لدينا مكان نذهب إليه ولم نكن نعرف ماذا نفعل. كان من المفترض أن يخضع ولداي لعمليات جراحية، لكننا أخذناهما وخرجنا إلى الشارع. كان هناك دمار وخراب في كل مكان.

الصورة
حسن أبو عيطة. صورة قدمتها العائلة مشكورة [يمكن الضغط على الصورة لتكبيرها ـ تحذير: صورة قاسية]
حسن أبو عيطة. صورة قدمتها العائلة مشكورة [يمكن الضغط على الصورة لتكبيرها ـ تحذير: صورة قاسية]

وصلنا إلى مدرسة أبو حسين في بلدة جباليا، حيث كان هناك الآلاف من المهجرين. عشنا في غرفة ضيقة بدون فرشات ولا طعام ولا أدوية. بقينا هناك سبعة أشهر كاملة - بالجوع والألم والخوف. العلاج الوحيد الذي قدموه لولديّ هو غسل الجروح وتغيير الضمادات، على الرغم من أن المياه ملوثة وغير صالحة للاستخدام. تفاقم وضع الجروح وتراكم فيها القيح وكان حسن وريما يعانيان من الألم طوال الوقت.

طوال تلك الفترة، كانت والدتي تعاني كثيرًا. كانت تجلس في الزاوية وتبكي ليلًا ونهارًا.

في 21 حزيران 2024، اقتحم الجيش مخيم جباليا للاجئين. كان هناك غارات وقصف في كل مكان. دعا الجيش عبر مكبرات الصوت إلى إخلاء المنطقة. بدأ المهجرون بالفرار من المدرسة. لم يتمكن حسن وريما من المغادرة - لم يتمكنا من المشي ولم يكن لدينا طريقة لحملهما. لذلك اعتقدنا أنه من الأفضل أن يبقيا مع والدتهما في المدرسة، على أمل أنه إذا رآهما الجيش، فلن يؤذيهما بشيء. أخذت والدتي وبقية الأولاد وغادرنا.

أقسم بالله أن قلبي انكسر حينها. لم أكن أعرف ما إذا كنت سأراهما مرة أخرى أم لا. مشينا باتجاه الغرب ولم يكن لدينا مكان نذهب إليه فبقينا في الشارع لساعات حتى أدخلنا شخص ما إلى مسجد بالقرب من مستشفى الشفاء الذي كان مدمرًا أيضًا. في اليوم التالي، تلقيت مكالمة هاتفية من أشخاص طيبين قالوا لي إن ولديّ وزوجتي موجودون عند تقاطع الشيخ رضوان. ذهبت إلى هناك بسرعة ووجدتهم شاحبين وخائفين. قالوا إن الناس حملوهم على أكتافهم وأخرجوهم من المدرسة.

عدت معهم إلى منطقة مستشفى الشفاء وبقينا بجواره. مكثنا هناك عشرة أيام تقريبًا بدون طعام أو ماء، حتى انسحب الجيش من جباليا ثم عدنا إلى مدرسة أبو حسين.

الصورة
ريما أبو عيطة. صورة قدمتها العائلة مشكورة [يمكن الضغط على الصورة لتكبيرها ـ تحذير: صورة قاسية]
ريما أبو عيطة. صورة قدمتها العائلة مشكورة [يمكن الضغط على الصورة لتكبيرها ـ تحذير: صورة قاسية]

في 7 تشرين الأول 2024، اقتحم الجيش جباليا مرة أخرى. هربنا إلى منزل حماي في بيت لاهيا. بعد بضعة أيام، حاصر الجيش المنطقة ولم يكن هناك مخرج. اعتقدنا أنها نهايتنا.

بقينا محاصرين في بيت لاهيا حتى 21 تشرين الأول 2024، ثم بدأوا يدعوننا إلى إخلاء المنطقة. أجلستُ ريما على كرسي متحرك تمكنّا من الحصول عليه ورفع ابني حازم حسن، وبدأنا بالخروج. عندما وصلنا إلى باب المنزل، أطلقت طائرة مسيرة صاروخًا علينا. طارت ريما خمسة أمتار. قُطعت الأصابع في يدها. بكيت من الخوف والألم الذي لا يوصف. أخذتها وهربنا تحت وابل متواصل من النيران.

وصلنا إلى مدرسة أسماء التابعة للأونروا في مخيم الشاطئ للاجئين. في العيادة هناك، قاموا بتعقيم يدها باليود وتضميدها. لم تكن هناك أدوية ولا معدات ولا طاقم طبي. بقينا هناك جائعين بدون طعام أو معدات. لا أستطيع وصف الإحباط الذي أشعر به عندما لا أستطيع تلبية أي من احتياجات عائلتي أو توفير الرعاية الطبية لأولادي. في 19 كانون الثاني 2025، تم إعلان وقف إطلاق النار. غادرنا مدرسة أسماء وأقمنا خيمة في ملعب اليرموك في شارع الوحدة في مدينة غزة. منذ ذلك الحين، وأنا أتنقل بين العيادات وأتوسل من أجل الحصول على المساعدة. خضعت ريما لأكثر من عشر عمليات جراحية وفشلت جميعها. يحتاج حسن وريما إلى إحالة طبية عاجلة إلى الخارج، لكن الحصار يمنع كل شيء.

لا تتوفر هنا إمكانية لمعالجة جروح ولديّ، فقد تم تدمير جميع المستشفيات. في بداية آذار 2025، منعوا مرة أخرى إدخال الطعام، وفي 18 آذار 2025، استؤنف عمليات القصف والقتل.

أتوسل بكل الطرق للحصول على المساعدة. ليس لدي أي مصدر للدخل. لقد مر عشرون يومًا ولم يدخل كيلو دقيق واحد إلى خيمتنا. أريد فقط أن أعيش بكرامة وأن أوفر العلاج لولديّ. لقد دمر الجيش كل شيء في القطاع. لم تعد لدينا قدرة على تحمل الحرب والقصف والجوع المستمر.

* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميداني محمد صباح في 2.7.25