أصواتٌ من غزّة

محمد غراب

(32 عامًا)، أب لطفلين، من سكان مدينة غزة، نزح إلى منطقة المواصي في خان يونس بأمر من الجيش، تحدث عن اليوم الذي قصف فيه الجيش مخيم المهجرين فقتل نحو 100 شخص:

قبل الحرب في تشرين الأول 2023، كنت أسكن مع زوجتي وطفلينا زين (عامان ونصف العام) ومالك (10 أشهر) في شقة صغيرة مستأجرة. كنت أعمل سائق حافلة صغيرة. ورغم أن راتبي كان منخفضًا، إلا أنني تمكنت من إعالة أسرتي ودفع الإيجار.

عندما اندلعت الحرب، كان عمر مالك أربعة أيام فقط. مع اشتداد القصف، انتقلنا إلى منطقة الإسكان الأبيض في حي تل السلطان في مدينة رفح. نصبنا خيمة صغيرة وقضينا فيها شتاءً قاسيًا جدًا، في البرد القارس والرياح العاتية. كانت الخيمة في الشارع وكنا نشعر بأن لا مأوى لنا وأننا ننام في الشارع فعليًا. كنا نسمع أصوات المارة وحركة المركبات وكأنها داخل الخيمة وهم أيضًا كانوا يسمعوننا.

عانينا طوال الوقت من الاكتظاظ والضجيج ودخان النيران الذي كان يملأ المنطقة، لأننا وجميع المهجرين الآخرين كنا نطهو ونخبز ونعد الشاي على النيران. وكانت زوجتي تسخّن الماء أيضًا لتحضير الحليب الصناعي لطفلنا الرضيع مالك. كان الدخان يسبب لنا الصداع وصعوبة في التنفس. كما أن إشعال النار لم يكن مهمة سهلة لأننا وجدنا صعوبة في الحصول على حطب للوقود.

عشنا في ظروف بالغة القسوة. وجدنا صعوبة أيضًا في الحصول على الطعام والماء، لأن الأسعار ارتفعت واستُغِلّت بشكل غير طبيعي. في بعض الأحيان، كنت أتمكن من العمل كسائق سيارة أجرة مقابل أجر زهيد يتراوح بين 20 و30 شيكلًا في الوردية، فقط لأتمكن من توفير الطعام لأسرتي. كنا نأكل المعلبات طوال الوقت، لأن هذا كل ما كان بوسعنا الحصول عليه.

في 7.5.24، بعد أن اجتاح الجيش الإسرائيلي مدينة رفح، فككنا خيمتنا وحزمنا أمتعتنا وهربنا إلى منطقة خان يونس. نصبنا خيمتنا هناك من جديد في منطقة المواصي، في الشارع الذي يربط بين طريق الساحل وجامعة الأقصى.

انتقلنا إلى هذه المنطقة بناءً على أوامر الجيش الإسرائيلي الذي ادعى بأنها آمنة. ومن المعروف أن حشودًا من الناس نزحت إلى هذه المنطقة - نساء ومسنون وأطفال صغار، كل العائلات التي نزحت من رفح بعد اجتياح الجيش. كان عدد المهجرين في المنطقة غير معقول على الإطلاق، لا يمكن للعقل البشري أن يستوعبه. نزح الجميع إلى خان يونس. كانت خيامنا في منطقة سوق شارع النُّص، الذي كان لا يزال يعمل.

في يوم السبت، 13.7.24، في الساعة 10:30 صباحًا، كنت أنا وأبي نتسوق - نشتري بعض المعلبات وما كان يمكن الحصول عليه من البسطات لي ولزوجتي وطفليّ. ثم سمعت انفجارًا هائلًا، مروعًا. كان على بعد 300 متر فقط منا. غطت سحابة ضخمة السماء بأكملها ولم أسمع بمثل قوة ذلك الانفجار في حياتي من قبل، ولا حتى طوال الحرب.

بعد ذلك، بدأت انفجارات أخرى متتالية ومروعة حقًا وكانت تقترب أكثر فأكثر. بدأنا نهرب من الشارع. اختبأت أنا وأبي خلف كومة صغيرة من الرمل واستلقينا على الأرض، للاحتماء من الصواريخ والشظايا التي كانت تتساقط حولنا.

فجأة، تشكل حزام ناري هائل عندما أُطلقت عدة صواريخ على التوالي على خيام المهجرين. لم نصدق ما كان يحدث أمام أعيننا. بدا الأمر وكأنه يوم القيامة. أعتقد أن ثمانية صواريخ سقطت على التوالي! تغطت السماء بالكامل بالغيوم والغبار والتراب. بدأ الناس يركضون في كل الاتجاهات.

فجأة، عادت الطائرات الحربية وبدأت بقصف المركبات في الشارع، المتحركة منها والمتوقفة. أقسم لك أنني رأيت جثثًا تتطاير في الهواء. أقسم أنني رأيت رجالًا ونساءً وأطفالًا تمزقت جثثهم إربًا، بعضها محترق، وبعضها مقطوع إلى نصفين، وكان هناك أناس تطايرت أشلاؤهم في كل مكان في الشارع.

تجمدنا أمام هول ما رأينا ولم نتمكن من فعل أي شيء. لكن الأمر لم ينته عند هذا الحد. بمجرد انتهاء القصف، وصلت مجموعة كبيرة من الطائرات المسيّرة (الكوادكوبتر) وبدأت بإطلاق النار من رشاشاتها على المهجرين، على كل من تحرك في الشارع. كانوا يصوبون مباشرة على رؤوس الناس. قُتل معظم الناس الذين كانوا يعملون في السوق، أولئك الذين كانوا يجلسون خلف بسطاتهم وفي محلاتهم. أصابت الرشاشات النساء اللواتي كن يختبئن خلف المركبات والنساء اللواتي كن يهربن ركضًا باتجاه البحر. لم تنجُ أي منهن. كانت جثث كثيرة ملقاة في الشارع.

في تلك اللحظة بالضبط، وصلت سيارات الإسعاف ومركبات قوات الدفاع المدني وبدأنا نركض نحوها للاختباء خلفها. ثم بدأت طائرات الاحتلال بإطلاق النار بالقرب من مركبات الدفاع المدني لمنعهم من إنقاذ الجرحى الملقين على الأرض، والذين كان بعضهم يصرخ طلبًا للمساعدة. رأيت أفراد الدفاع المدني يصابون هم أيضًا بنيران الرشاشات ويسقطون في الشارع. بدأت أنا وبعض الأشخاص الآخرين بإخلاء الجرحى إلى أماكن أكثر أمانًا.

بعد أن زرعوا الموت لمدة نصف ساعة، توقف القصف وإطلاق النار وارتفعت سحابة الغبار والدخان الكبيرة وبدأت بالتبدد. بدأنا نرى بشكل أفضل قليلًا. رأينا حفرًا كبيرة بين خيام المهجرين وأشلاء متناثرة وجثثًا دُفنت تحت الرمال من شدة القصف.

بدأنا بإنقاذ الجرحى، قدر استطاعتنا. بعضهم بُترت أيديهم والبعض الآخر أرجلهم. كان هناك ما لا يقل عن 100 جريح. بعض الجرحى الذين أنقذناهم ماتوا بين أيدينا. عندما دخلنا لتفقد الخيام التي بقيت في المكان، رأينا أنها مليئة بالجثث، معظمها لنساء وأطفال.

ما رأيناه في ذلك اليوم، في تلك الساعة، كان تجسيدًا للجنون. شيء لا يمكن استيعابه. كان الأمر كما لو أن قطعًا من الجحيم تتساقط علينا. لا يمكن وصف ذلك حقًا، فاللغة تعجز عن احتواء الفظائع التي شهدناها. ما أصفه هو مجرد جزء صغير من الفظاعة التي وقعت.

بعد هذا الحادث، وبعد أن قصفوا مكانًا كان من المفترض أن يكون آمنًا ويؤوي هذا العدد الكبير من المهجرين والأطفال والنساء، أدركت أنه لم يتبق لنا مكان ننزح إليه. لم تعد لدينا القوة لتحمل الفظائع التي تحل بنا. نحن نُقتل. ومن ينجو من الموت يتشرد ولا يجد مكانًا آمنًا يهدأ فيه. الموت يطاردنا. كان من الممكن أن نصاب في ذلك اليوم، رغم أنه لا علاقة لنا بأي تنظيم.

أنا أعيش الآن في خوف دائم. أتوقع في كل لحظة أن يقصفوا خيامنا، أن يقصفوني أنا وعائلتي. في هذه الأثناء، نواصل الحياة نفسها: ما زلنا نعيش في خيمة، نشعل مواقد النيران، نأكل طعامًا غير صحي، نعاني من الحر الشديد، من الذباب والحشرات، من الفوضى العارمة التي شاعت هنا ومن الخوف المستمر من القصف والحرب بشكل عام. ينهكنا التوتر والضغط النفسي المستمران ويسلباننا كل قوانا وطاقاتنا.

* سجّل الإفادة باحث بتسيلم الميداني محمد صباح في 20.7.24