أصواتٌ من غزّة

نِبال الهسي

(25 عامًا)، أم لطفلة (سنتان)، تحدثت عن القصف الذي فقدت فيه كلتا يديها، عن عذابات النزوح وعن منزل والديها الذي دمره الجيش. أنظُروا أيضًا المشروع الخاص حول رحلة تهجيرها. 

الصورة
نبال الهسي بعد إصابتها. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
نبال الهسي بعد إصابتها. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

أنا الأصغر بين 12 ولدًا - تسعة أشقاء وثلاث شقيقات. تزوجوا جميعًا قبلي وكنت مدللة للغاية لدى والديّ. في العام 2022، تزوجتُ وانتقلت للعيش مع زوجي، أحمد، في بناية تابعة لعائلته، ليس بعيدًا عن منزل والدي في حي النزلة في بلدة جباليا. حتى ذلك الحين، كنت أعيش مع والدي، جمال رمضان الهسي (76 عامًا الآن) ومنيرة (62 عامًا الآن) في منزل مكون من أربعة طوابق، على مساحة 500 متر، في الحي نفسه. هذا المنزل، الذي عشنا فيه بحب وسعادة ولدينا فيه ومنه ذكريات عديدة، دمره الجيش بالكامل وأصبحنا بلا مأوى. في المدرسة الثانوية، كنت طالبة متفوقة وكان متوسط علاماتي في امتحانات التوجيهي (الثانوية العامة) 95، مع التركيز على اللغة الإنجليزية، التي أحببتها كثيرًا. بعد المدرسة الثانوية، واصلت دراسة اللغة الإنجليزية والترجمة في جامعة الأزهر.

كان لدي شغف بالحياة وكنت مليئة بالفضول وحب التعلم والاستكشاف. في السنة الدراسية الأخيرة في الجامعة، تعرفت على أحمد الأدهم. وقعنا في الحب وخطبنا، على الرغم من معارضة والدي. أصررت على أنه الشخص الذي أردت أن أعيش معه. في 6.9.22 تزوجنا وانتقلنا للعيش في شقة خاصة بنا في بناية تابعة لعائلته. كنا نعيش حياة جيدة وسعيدة ومستقرة رغم أننا كنا عاطلين عن العمل وكان وضعنا المالي سيئًا. لكن عائلاتنا كانت تدعمنا ماليًا.

الصورة
نبال الهسي قبل إصابتها مع ابنتها ريتا. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
نبال الهسي قبل إصابتها مع ابنتها ريتا. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

سرعان ما حملت وولدت ابنتي ريتا قبل شهر من اندلاع الحرب، في 6.9.23. بعد خمسة أيام، حصل أحمد على تصريح للعمل في إسرائيل وبدأ العمل في البناء. عندما اندلعت الحرب، تم القبض على أحمد، مثل جميع العمال الذين كانوا في إسرائيل، فانتقلت للعيش مع والدي حتى تم إطلاق سراحه. لم ننزح إلى جنوب قطاع غزة على الرغم من القصف والجوع والخوف الذي عشناه. عانيتُ كثيرًا في تلك الفترة. كنت أفتقد أحمد كثيرًا ولم أستطع تخيّل النزوح وحدي مع ريتا، بدونه وبدون دعم عائلتي. وكنت خائفة عليها جدًا. في شهر شباط 2024، تم إطلاق سراح أحمد ووصل إلى خان يونس. كنت سعيدة جدًا بإطلاق سراحه وكنت سعيدة بعودته إلى القطاع سالمًا.

أصر أحمد طوال الوقت على أن آتي إليه في جنوب القطاع، حتى نكون نحن الثلاثة معًا. في البداية لم يوافق والداي على انتقالي إلى هناك، لأنهما كانا خائفين علي، ولكن في آذار 2024، بعد شهر من إطلاق سراح أحمد من الاعتقال، قررت الانتقال إليه مع ريتا التي كانت تبلغ من العمر ستة أشهر. أوصلني والدي إلى ساحة النابلسي على شاطئ البحر. مررت هناك بحاجز. كان الجنود ينظرون من بعيد إليّ وإلى أناس آخرين مروا ولم يعيقوا أحداً. ثم واصلت السير لمسافة طويلة سيرًا على الأقدام حتى وصلت إلى أول مكان يعتبر آمنًا في جنوب القطاع، عند مدخل مخيم النصيرات للاجئين، وهناك كان أحمد في انتظارنا.

كان اللقاء مع أحمد مؤثرًا ولكنه كان صادمًا بالنسبة لي أيضًا لأنني رأيت أنه فقد وزنه بشكل كبير وفقد الكثير من بريقه، وبدا قلقًا ومتوترًا. عانقني أحمد وابنته وقبلها بشوق.

من هناك، ذهبنا إلى مدينة رفح إلى خيمة أقامها أحمد بالقرب من "محور فيلادلفيا". عشنا هناك لمدة ثلاثة أشهر تقريبًا. واجهت صعوبة في التكيف مع الحياة في الخيمة. كان ذلك عذابًا متواصلًا وكانت هذه من أصعب الفترات في حياتي. لم أخبر والديّ أنني أعيش في خيمة، لأنهما عارضا في البداية انتقالي إلى الجنوب. خجلت من إخبارهم بظروف حياتي.

الصورة
نبال الهسي بعد إصابتها مع ابنتها ريتا. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
نبال الهسي بعد إصابتها مع ابنتها ريتا. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

في أيار 2024، عندما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه يعتزم اقتحام مدينة رفح، نزحنا إلى مخيم البريج للاجئين في وسط القطاع. سمحت لنا صديقتي بالعيش في مخزن عائلتها. كانت الحياة هناك أكثر استقرارًا بعض الشيء وعشت هناك بمشاعر مختلطة. من ناحية، فرحت بأن أكون مع زوجي وابنتي، ولكن من ناحية أخرى كنت مشتاقة لعائلتي. البُعد عن العائلة والمنزل جعلني أشعر بالوحدة والغربة. أقمنا في هذا المخزن لمدة خمسة أشهر وكنت أتابع باستمرار وضع والدي وبقية أفراد الأسرة، هاتفيًا.

ثم، في 7.10.24، تغير كل شيء. في ذلك الصباح، كنت متحمسة للغاية، لأن ابنتي نادتني "أمي" لأول مرة، بينما كانت جالسة في حضني. ولكن بعد فترة وجيزة بدأ قصف عنيف للغاية للمخيم. خرج زوجي للتحقق من مكان سقوط القذائف، وبينما كنت أتحدث مع والديّ هاتفيًا وأخبرهما بأننا تحت القصف، سقطت قذيفة مباشرة على المخزن الذي كنا نعيش فيه. أصبتُ وفقدتُ الوعي.

يبدو أنني فقدتُ الكثير من الدم، فنقلوني إلى مستشفى شهداء الأقصى. عندما صحوت في المستشفى رأيت أنهم قد بتروا لي كلتا يديّ. في تلك اللحظة انهار عالمي فوق رأسي. تم بتر كلتا يديّ من تحت المرفقين كما أصبتُ إصابة بالغة في الرجل اليسرى أيضًا وكانت لدي حروق من الدرجة الثالثة في أجزاء مختلفة من جسدي.

الصورة
نبال الهسي بعد إصابتها. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
نبال الهسي بعد إصابتها. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

كنت مصدومة جدًا. شعرت بأن يديّ لم تعودان موجودتين أو كأنهما ستعودان إلى النمو يومًا ما. سألتُ عن ريتا فقالوا لي إنها سليمة ومعافاة وهذا ما أعانني على الصمود. أخذ الجيران ريتا إليهم وكان أحمد إلى جانبي.

بعد يوم أو يومين، نقلوني إلى المستشفى الميداني الأمريكي، في منطقة الزوايدة. بقيت ريتا مع الجيران طوال فترة رقودي في المستشفى وكان زوجي بجانبي في المستشفى وكان يذهب لزيارتها من حين لآخر. صدم أفراد عائلتي مما حدث لي. كانوا يخشون ألا أصمد وكانوا يتابعون وضعي مع زوجي ومن خلال الجيران وصديقتي. كانوا يرسلون أصدقائهم لزيارتي والتأكد من أنني بخير. عندما تحسن وضعي قليلاً، خلال فترة إقامتي في المستشفى، تمكنت أخيرًا من الاتصال بوالدتي. أردت أن تسمع أنني بخير. تأثرت كثيرًا وبكت كثيرًا.

بقيت في المستشفى لمدة 40 يومًا وخضعت للعديد من العمليات الجراحية، وأحيانًا يومًا بعد يوم، بما في ذلك العمليات التجميلية. كنت أتلقى مسكنات الألم والمهدئات باستمرار.

عندما تم تسريحي، انتقلت للعيش مع زوجي وريتا في خيمة في منطقة المواصي في خان يونس. كانت تلك أيامًا رهيبة. بالكاد تعرّفت ريتا عليّ وكان الجيران يطرحون باستمرار أسئلة أحرجتني وأرهقتني نفسيًا. قالت لي الجارات ذات مرة "كيف يمكنك البقاء قوية هكذا. لو كنا مكانك، لكنا انزوينا في غرفة ما ونحن نبكي طوال الوقت". كنت لا أزال في حالة صدمة ووجدت صعوبة في استيعاب ما حدث لي. حاولت أن أبقى أنيقة، وبمساعدة ابنة الجيران، كنت أرتدي ملابسي وأضع المكياج وأخرج من الخيمة، لكنني لم أجرؤ على النظر في المرآة.

الصورة
ابنة نبال الهسي، ريتا، في مخيم المهجرين في دير البلح. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
ابنة نبال الهسي، ريتا، في مخيم المهجرين في دير البلح. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

كانت فترة صعبة للغاية بالنسبة لي نفسيًا، وصعبة بالنسبة لريتا أيضًا. وجدت صعوبة في تقبل نفسي في وضعي الحالي والتعامل مع الاغتراب الذي نشأ بيني وبين ريتا، التي لم تتعرف عليّ ووجدت صعوبة أيضًا في التعود عليّ. شعرت أنها تغيرت أيضًا وفقدت بهجة حياتها وحيويتها. كما تضررت العلاقة مع زوجي بشدة. شعرت أنني عبء ثقيل عليه.

كانت الحياة في الخيمة صعبة للغاية بالنسبة لي. كانت المراحيض بدائية للغاية ولم أستطع حتى الذهاب بمفردي. كنت أشعر بالحرج الشديد لطلب المساعدة في كل مرة. ابنة الجيران، فتاة ذكية وحساسة تبلغ من العمر 16 عامًا، كانت ترثي لحالي وتأتي كل يوم لمساعدتي والاعتناء بي وبريتا طوال اليوم. أظهرت الكثير من التفهم لوضعي واعتادت ريتا عليها. أحببتها كثيرًا وشعرت أنني أستطيع الاعتماد عليها. طلبت من زوجي أن يدفع لها مقابل مساعدتها.

في الساعات التي لم تكن فيها معنا، كان زوجي يعتني بي وبريتا. في البداية دعمني وكان يقول لي "أنا يداك وقدماك. الأهم هو أن تكوني أنت وطفلتي بخير"، ولكن مع مرور الوقت شعرت أنني لم أعد أعرفه. أنه لا يقف بجانبي من كل قلبه ولكنه يعتني بي فقط بدافع الشفقة، كعمل خيري. ذات مرة كان يحبني ويخاف عليّ ولم يرغب في تركي ولو للحظة. ولكن منذ الإصابة، تغيرت معاملته لي كثيرًا.

كان تركيزي منصبًّا على ريتا. كانت أهم شيء بالنسبة لي وتجاهلتُ وضعي وعلاقتنا وظروف المعيشة من أجلها. حاولت أن أعتني بها قدر استطاعتي. حلمت بالعودة إلى شمال القطاع، إلى أحضان عائلتي والأيام التي كنا فيها جميعًا معًا. اشتقت إليهم كثيرًا. لكنني بدأت أفقد الأمل في أن يحدث ذلك. كانت تلك فترة صعبة جدًا وشعرت بأن الوقت يزحف ببطء. تمنيت اللحظة التي يتم فيها إعلان وقف إطلاق النار وأتمكن من العودة إليهم والشعور بالأمان.

عندما تم إعلان وقف إطلاق النار في أوائل عام 2025، عدنا إلى الشمال. مشينا سيرًا على الأقدام إلى منطقة "نتساريم"، وهناك كان ينتظرنا أقاربنا بسيارة والديّ وأخذونا إلى شقتنا. كانت بنايتنا لا تزال قائمة، لكن المنطقة بأكملها دُمرت تمامًا. أردتُ أن أكون مع عائلتي فأخذوني أنا وريتا إلى منزل والديّ.

استقبلتني العائلة كلها بالأحضان والأغاني والبكاء. كان اللقاء مؤثرًا للغاية. أعد والداي الغرفة التي كانت لي ذات يوم. وضعوا في الغرفة حلويات وملابس وألعابًا لريتا. هناك في المنزل بدأت أتعافى نفسيًا وأتقبل نفسي. مكثت معهما أربعين يومًا اعتنىيا بي خلالها واهتما بجميع احتياجاتي. شعرت أن حياتي بدأت تعود إلى مسارها. كانت أمي تعد لي أشياء أحبها مما تمكنت من الحصول عليه. ساعدني أبي نفسيًا ودعمني وشجعني طوال الوقت على أنّ أيامًا أفضل ستأتي، كما دعمني إخوتي ووقفوا إلى جانبي. في الليالي كنا نجتمع جميعًا في منزل والديّ. قال لي الجميع "لا تقلقي. سندعمك وسنهتم بك". كانت أختاي بجانبي طوال الوقت، تدعمانني وتساعدانني في كل شيء: الاستحمام وارتداء الملابس وتناول الطعام. كما اعتنيتا بريتا وأعدتا لها الحليب، وغيرتا لها الحفاضات واحتضنتاها ولعبتا معها. من حين لآخر كان زوجي يأتي لزيارتنا.

الصورة
ابنة نبال الهسي، ريتا، في مخيم المهجرين في دير البلح. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
ابنة نبال الهسي، ريتا، في مخيم المهجرين في دير البلح. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

في مرحلة ما طلب أحمد أن أعود إلى المنزل. عارض والداي ذلك لأنهما اعتقدا أنهما يستطيعان تقديم رعاية أفضل لي وفضّلا أن أبقى معهما. مع ذلك، وافقت وعدت للعيش مع أحمد في منزلنا في جباليا واستأجر لي مربية.

ثم، في آذار 2025، تجددت الحرب بشدة وتدهورت العلاقة بيني وبين أحمد. لم يهتم بي ولا بريتا ولم يوفر لنا الماء والطعام، وأحيانًا كان يغضب من ريتا. منذ إطلاق سراح أحمد وعودته إلينا، بدا لي قلقًا ومتوترًا. لقد تغير فيه شيء ما. بمعنى ما، شعرت بأنه فقد جزءًا من نفسه هناك.

في 16.4.25، تم قصف منزل أختي، آلاء الهسي، التي كانت تعيش بالقرب منا في حي النزلة في جباليا. كانت العائلة بأكملها في المنزل وقت القصف وقُتل أطفالها الثلاثة: وسيم (10 سنوات) ومهند (8 سنوات) وخولة (5 سنوات). كانت هذه كارثة كبيرة بالنسبة لنا جميعًا. بعد ذلك، انتقلت آلاء وزوجها للعيش في منزل والديّ.

استمرت المشاكل بيني وبين أحمد. حاولت إقناعه بالزواج من امرأة أخرى لكي يهدأ، لكنه رفض. أردت أن نبقى معًا لكي يكون لريتا أب، لكي لا تشعر بالحرمان. لكنه لم يعد يريدنا وطالبني بالعودة للعيش مع والدي. شرحت له أنه الآن بعد أن أصبحت أختي وزوجها يعيشان هناك، لم يعد هناك مكان وأن العائلة بأكملها محطمة من الكارثة الرهيبة التي حلت بهم. قلت له إننا يجب أن نبقى معًا وأن نسافر إلى الخارج ليقوموا بتركيب أطراف اصطناعية لي، ولنتمكن من الاستمرار في تربية ابنتنا معًا، لكن لم ينفع مع شيء.

في 1.6.25، في الساعة 20:00 مساءً، أصر زوجي على أن أغادر وأنتقل إلى منزل والدي. في ذلك اليوم كان هناك قصف شديد في كل مكان. اتصلت بوالديّ وأرسلوا ابن أختي ليأخذنا. لم يتدخل أفراد عائلة أحمد.

وصلت إلى منزل والدي. كان الجو هناك مختلفًا جدًا عن الماضي. ساد حزن شديد هناك. ومع ذلك، استقبلوني بحب ووفروا لي غرفة، وكذلك أختي، التي فقدت أطفالها، ساعدتني على التأقلم من جديد وواسينا بعضنا البعض. كما دعمني إخوتي وزوجاتهم وأولادهم. اقترح إخوتي أن تعود ابنتي ريتا للعيش مع والدها، لأنه ربما يثير ذلك مشاعره الإنسانية ويعيدني إليه.

واجهت صعوبة في رعاية ريتا، لأنني لم أستطع فعل أي شيء بنفسي. حتى في الليل عندما كانت تستيقظ كنت بحاجة إلى مساعدة لرعايتها. من ناحية أخرى، عندما زارت ريتا والدها لعدة أيام كنت أخشى أن تنساني. على الرغم من كل الدعم الذي تلقيته من والدي، شعرت أنني أصبحت عبئًا. كنت وحيدة وتعيسة.

الصورة
أنقاض في منطقة منزل والديّ نبال الهسي في بلدة جباليا، بعد قصفها. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
أنقاض في منطقة منزل والديّ نبال الهسي في بلدة جباليا، بعد قصفها. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

كان الوضع في منطقتنا خطيرًا جدًا. كان هناك قصف ونزح الكثير من الناس، لكننا لم نغادر المنزل لأنه لم يكن لدينا مكان نذهب إليه. نحن عائلة كبيرة جدًا، أكثر من 50 شخصًا، ولكي نغادر كنا بحاجة إلى إيجاد مبنى كامل لنا جميعًا.

قبيل حلول آب 2025، قام الجيش الإسرائيلي بإخلاء بلدة جباليا، ثم بدأ بإخلاء حي النزلة أيضًا. في 25.8.25 أطلق الجيش قذائف على محيطنا وأصاب من بين أمور أخرى منزل عمي من طرف أبي، حسن الهسي، في مجمعنا مباشرة. قُتلت ابنته، نور (30 عامًا) وأصيب المزيد من الأقارب. سمعنا صراخًا في الخارج ورأينا أشخاصًا يركضون. عندما سألنا عما يحدث قالوا لنا إن الجيش الإسرائيلي أمر بإخلاء المنطقة في غضون ربع ساعة. خرجنا من المنزل مذعورين دون أن نأخذ معنا أي شيء تقريبًا. أخذت مستنداتي الطبية وبعض الملابس والأشياء الخفيفة. نسيت في المنزل بطاقة هويتي وشهادة ميلاد ابنتي وملابسنا وكل شيء. مشينا على الأقدام في الشارع خائفين ومكتئبين. وصلنا إلى حي النصر وهناك وجدنا ملجأ في سطح مطعم يملكه صديق لأخي. كنا هناك حوالي 50 شخصًا، مع إخوتي وأخواتي، في مكان صغير جدًا. اشترينا بعض المعدات مثل البطانيات والملابس، لأننا لم نحضر معنا أي شيء تقريبًا من المنزل.

الصورة
منزل والديّ نبال الهسي في بلدة جباليا، قبل قصفه. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
منزل والديّ نبال الهسي في بلدة جباليا، قبل قصفه. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

بقينا هناك حوالي أسبوعين ثم انتقلنا إلى شقة في غرب مدينة غزة لفترة ما. في كلا المكانين كان الذهاب إلى الحمام عذابًا بالنسبة لي، لأنني لم أستطع التدبر بمفردي. تجنبت الأكل معظم اليوم لكيلا أضطر إلى الذهاب إلى الحمام. أردت فقط أن أوفر على نفسي الإحراج. كنت أخجل أيضًا من طلب المساعدة في تغيير الحفاضات لريتا، لذلك عانت من طفح جلدي وحكة.

في 15.9.25 قررت عائلتي النزوح جنوبًا، والعيش في خيمة هناك. استأجروا سيارتين من أجل الانتقال ودفعوا مقابل ذلك نحو 10,000 شيكل. لم أكن أرغب في الانضمام إليهم لأن الحياة في خيمة صعبة للغاية بالنسبة لي، بدون حمامات مجهزة. أخي، مالك الهسي وزوجته إنعام، وهي الأقرب إلي من بين جميع زوجات إخوتي، بقيا في البداية، وقررت البقاء معهما. أشعر بالراحة معها ولا أخجل من طلب المساعدة وحتى إيقاظها للذهاب إلى الحمام في الليل. هما متزوجان منذ 14 عامًا ولكن ليس لديهما أولاد.

في غضون ذلك، أخذ زوجي أحمد ريتا معه إلى جنوب القطاع وكنت خائفة طوال الوقت من أن يحدث لها شيء هناك. اتصلت به كثيرًا للتأكد من أنها بخير، وفي الليالي كنت أحلم بكوابيس بأنني سأفقدها.

بعد أسبوع من انتقال والديّ إلى الجنوب، انتقلنا نحن أيضًا إلى هناك. اشترينا خيمة بـ 5,000 شيكل للعيش فيها في دير البلح ووجدنا سيارة تأخذنا إلى هناك بـ 2,200 شيكل. كانت الرحلة صعبة للغاية. في منتصف الطريق تعطلت السيارة وعلقنا لمدة أربع ساعات. خرجنا من الشمال في الساعة 17:00 بعد الظهر ووصلنا إلى خيمة عائلتي في دير البلح في الساعة 1:00 في الليل.

الصورة
أنقاض في منطقة منزل والديّ نبال الهسي في بلدة جباليا، بعد قصفها. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
أنقاض في منطقة منزل والديّ نبال الهسي في بلدة جباليا، بعد قصفها. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

حتى الآن نحن هنا في الخيمة وهذه حياة معاناة لا تطاق بالنسبة لي. أنا مهووسة بالنظافة، ومن الصعب جدًا علي عندما لا أستطيع الاهتمام بنظافتي الشخصية. في الصباح، عندما أستيقظ، أشعر بحاجة ملحة للاستحمام وغسل وجهي وتنظيف أسناني، والذهاب إلى الحمّام بالطبع. لكنني لا أستطيع فعل أي شيء بنفسي. أنظر حولي وأرى زوجات إخوتي منشغلات بأزواجهن وأطفالهن ويحضّرن الطعام... أخجل من طلب المساعدة.

في غضون ذلك علمنا أن منزل والديّ قد تعرض للقصف والتدمير التام. كل تفصيل في حياتي مرتبط بالمعاناة الآن. الحرارة هنا في الخيمة فظيعة وأنا أتعرق ولكن لا أستطيع الاستحمام بمفردي. عندما يكون هناك ماء يأخذونني إلى الحمام. ولكن ليس دائمًا. يسبب لي العرق تهيجًا وأعاني كثيرًا من لدغات البعوض لأنني لا أستطيع حتى أن أحك. عندما أتعرض للدغة في أماكن حساسة يسبب ذلك عذابًا فظيعًا.

كانت لدي فترة راحة قصيرة من الخيمة بعد أن ساعدني معتز العزايزة (مصور وثق الحرب حتى تمكن من المغادرة إلى الخارج) في نشر إعلان على الشبكات الاجتماعية. اتصل وقال لي إنه تمكن من العثور على امرأة تساعدني. إنها أرملة وأم لطفل صغير منزلها قريب من خيمة عائلتي. حاولتُ العيش معها وحاولت هي جاهدة مساعدتي وتخفيف معاناتي. حاولنا إقامة علاقات صداقة. لكنني شعرت بالحرج الشديد من الاعتماد على امرأة غريبة وطلب المساعدة منها في كل شيء، وبعد أسبوع عدت إلى خيمة والدي، على الرغم من كل الصعوبات.

طوال الوقت، يوزع الجيش الإسرائيلي هنا منشورات تأمرنا بالإخلاء ونحن نعيش في حالة عجز وخوف. نشرت أكثر من 15 نداء في الصحافة والشبكات الاجتماعية على أمل أن يساعدني شخص ما في الحصول على العلاج والخروج من القطاع لكي يتم تركيب أطراف اصطناعية لي، ولكن دون جدوى. حياتي جحيم بدون أطراف اصطناعية وأنا أفقد الرغبة في العيش. تخيلوا أنفسكم بدون أيدي، كيف ستأكلون، كيف ستذهبون إلى الحمّام أو حتى كيف ستحكّون عندما يزعجكم شيء ما؟ أريد أن أعانق ابنتي وأطعمها وأعتني بها وألبي جميع احتياجاتها. أن أعود إلى شيء قريب من حياة طبيعية.

لقد دُمرت حياتنا وهي الآن أشبه بموت مستمر. حياة ذل وإهانة، بلا بيت، بلا ذرّة استقرار. عشنا بكرامة، بمستوى معيشة جيد، مع منازل جميلة لا ينقصها شيء. لكنني مليئة بالأمل ومتأكدة من أن الله سيعوضني عن المعاناة وعن كل ما فقدته.

* سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 10.9.25