أصواتٌ من غزّة

نهال النجّار

21 عاماً، طالبة جامعيّة تدرس علاقات عامّة وتسويق، من سكّان "أبراج المخابرات" في مدينة غزّة، تحدّثت عن قصف منزل عمّها، الذي قُتلت فيه أخواتها، وعن حياتها في مخيم المهجَّرين:

الصورة
نهال النجّار في خيمة الأسرة في مخيّم المهجّرين في خان يونس. تصوير: ألفت الكُرد،  24.12.23
نهال النجّار في خيمة الأسرة في مخيّم المهجّرين في خان يونس. تصوير: ألفت الكُرد، 24.12.23

منذ بداية الحرب بدأ القصف المكثّف في كلّ مكان في مدينة غزّة. في 12.10.23 تلقّينا تعليمات من الجيش الإسرائيليّ عبر مكالمات ورسائل هاتفيّة بإخلاء البناية التي نُقيم فيها، وهي البُرج رقم 3 في "أبراج المخابرات"، لأنّهم يعتزمون قصفها. كان البرج مؤلّفاً من 11 طابقاً، وكنت أقيم في إحدى الشقق الأربع في الطابق الثالث مع أسرتي - والديّ وأنا وشقيقتيّ وشقيقيّ. لدينا أخت أخرى متزوّجة وهي لا تقيم معنا. أنا مخطوبة وكان يُفترض أن أتزوّج في تشرين الثاني.

كان بعض سكّان البناية قد غادروا فور بدء الحرب بسبب القصف. أنا وأمّي وشقيقتاي غادرنا في 12.10.23 وذهبنا إلى منزل عمّتي سميرة النجّار (55 عاماً) المقيمة في مخيّم جباليا للّاجئين. بقي والدي وشقيقاي في المنزل، ولكن في نفس اليوم قُصف البُرج رقم 1 فانتقلوا إلى فندق المشتل في شمال غرب مدينة غزّة. ثمّ بسبب القصف في منطقة الفندق، قالوا لنا إنّهم سوف ينتقلون إلى منطقة خان يونس حيث مخيم المهجَّرين الذي أقيم بصورة ارتجالية في مجمّع التدريب الصناعي التابع لوكالة الغوث.

مكثنا عند عمّتي نحو أسبوعين ومن حولنا القصف الدّائم وشظايا الزجاج تتطاير نحونا. في 24.10.23 تلقّت عمّتي من الجيش رسالة خطيّة عبر الهاتف تأمرها بإخلاء المنزل لأنّهم يعتزمون قصفه. غادرنا وانتقلنا إلى منزل عمّي محمد النجّار (40 عاماً) المقيم هو الآخر في مخيّم جباليا للّاجئين، في شقّة في طابق أرضيّ.

في اليوم التالي، 25.10.23، نحو السّاعة 19:00، كنت أجلس في غرفة الاستقبال مع والدتي وشقيقتي ميس وخُلود زوجة عمّي وطفلها الرّضيع محمود (شهران) وثلاث من بناتها – شهْد (15 عاماً)، وَعْد (13 عاماً) وجنى (10 أعوام). وكانت شقيقتاي منى ونور في غرفة أخرى، فيما كان عمّي محمد خارج المنزل وابنته غزل (11 عاماً) كانت قد ذهبت إلى منزل الجيران لكي تشحن الهاتف. فجأة وجدنا أنفسنا تحت الأنقاض.

كنّا عشرة أشخاص ولم نعرف من حيّ ومن ميت. لم نسمع انفجاراً. فجأة وجدنا أنفسنا تحت الأنقاض. توافد الناس لمساعدتنا. أنا لا أعرف بالضبط ماذا حدث بعد ذلك. لم أستطع أن أرى أحداً بسبب الدخان والرّكام.

فقدت الوعي ثمّ حين أفقت وجدت نفسي في المستشفى الإندونيسي، شماليّ مدينة غزّة. كنت مع والدتي، وقد تبيّن لي أنّها تعاني حروقاً من الدرجة الثالثة في الوجه واليد والظهر والرجلين. كانت إصابتي في يديّ وقد وضعوا بلاتين في الأصابع وفي رجلي اليسرى. ميس ايضاً تعاني من حروق، إضافة إلى جروح تمّ تقطيبها.

قالوا لي إنّ شقيتيّ منى ونور قد استُشهدتا، وكذلك قُتلت خلود وطفلها الرضيع وبناتها الثلاث اللّواتي كنّ معها. عندما علمت أنّ هذا ما جرى لم استطع التوقف عن البُكاء والصّراخ. لم أستطع أن أتمالك نفسي. وما زلت حتى الآن أبكيهنّ دون توقّف. في صباح اليوم التالي دُفن شهداء عائلتنا في مقبرة بيت لاهيا شماليّ مدينة غزّة. بقيتُ أنا ووالدتي وشقيقتي ميس في المستشفى ولم نتمكّن من المشاركة في تشييعهم.

لاحقاً أخذني خطيبي ياسر مهنّا (30 عاماً) من المستشفى الإندونيسي إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزّة، وبقيت والدتي وشقيقتي ميس في الإندونيسيّ. ولكن عندئذٍ اشتدّ القصف في محيط مستشفى الشفاء وقرّرنا أن نغادر جنوباً، إلى خان يونس. ذهبنا سيراً على الأقدام حتى وصلنا إلى حاجز "نتسريم"، وكنت أنا على كرسيّ عجلات. بعد الحاجز اعتلينا عربة يجرّها حمار، ثمّ أقلّتنا شاحنة إلى خان يونس حيث وصلنا نحو السّاعة 17:00. في اليوم التالي وصلت إلى هناك والدتي وشقيقتي ميس بعد أن اضطرّت الاثنتان أيضاً إلى الفرار بسبب القصف الشديد في محيط المستشفى الإندونيسيّ.

نحن في مخيّم المهجّرين منذ شهر تقريباً، وقد التقينا هنا والدي وأشقّائي. الظروف هنا صعبة جدّاً. نحن نقيم في خيمة من النايلون وقماش الشوادر. أتينا خالين من أيّ شيء سوى الملابس التي نرتديها، ونحن جريحات. نحن نذهب يوميّاً إلى المستشفى الياباني قرب مخيّم النازحين لتغيير الضمادات. تبرّع الناس لنا ببطّانيّات وملابس.

لا توجد مراحيض قريبة منّا، وعند الحاجة نمشي نحو مائة متر لكي نصل إلى المراحيض، وفي كلّ مرّة يرافقنا أشقاؤنا ويساعدوننا لأنّه من الصعب علينا المشي.

لقد تلاشت كلّ أحلامي. استشهدت شقيقتاي وقُصف منزلي. ملابس العُرس ومصاغي الذهبيّ بقيت كلّها تحت الأنقاض. لم يُبق لي الجيش الإسرائيليّ شيئاً. سلب منّي كلّ ما هو جميل في حياتي. كلّنا نعيش الآن في بؤس فظيع. أنا أبكي شقيقتيّ طوال الوقت وأبكي بسبب الوضع وانعدام الأمل.

أسماء القتلى جرّاء قصف منزل محمد النجّار:

منى نضال حسين النجّار (20 عاماً).

نور نضال حسين النجّار (18 عاماً).

خلود مسعود (31 عاماً) وأبناؤها:

شهد محمد حسين النجّار (15 عاماً)

وعد محمد حسين النجّار (13 عاماً)

جنى محمد حسين النجّار (10 سنوات)

محمود محمد حسين النجّار (شهران).

* هذه الإفادة سجّلتها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 24.12.23