نور الحلو
31 كانون الأول/ديسمبر 2023
44 عاماً، أم لثلاثة، من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، تحدّثت عن ظروف الحياة الصّعبة في مخيّم المهجّرين في رفح:
أنا وزوجي وأولادنا الثلاثة - أحمد (11 عاماً) وسعيد (10 سنوات) وعاطف (8 سنوات) كنّا نقيم في مخيّم جباليا للّاجئين. منذ اليوم الأوّل للحرب، في 7.10.23، أعددنا حقيبة ملابس لنا وللأولاد بعد أن سمعنا القصف في المنطقة. ولكن في الأثناء تزوّدنا بالطعام والشراب وبقينا في المنزل. سريعاً جدّاً انقطعت المياه ولم نخرج بسبب الخوف من القصف.
بعد مضيّ نحو أسبوع قُصف منزلان في جوار منزلنا فتحطّم زجاج النوافذ عندنا وتصدّعت بعض الجدران وانقطعت الكهرباء، وكان الغبار يملأ المكان. قرّرنا أنّه يجب الخروج من المنزل وانتقلنا إلى البناية التي يقيم فيها والداي وأشقّائي، وهي بناية مؤلّفة من خمسة طوابق في شارع الجلاء في مدينة غزّة. كانوا قد استضافوا في البناية نحو مائة شخص - الأخوات، أعمامي وأبناء أعمامي - وكان المكان مكتظّاً جدّاً. كان هناك نقص في المياه والطعام، والكهرباء أيضاً كانت مقطوعة. كان يقيم في كلّ غرفة 20-30 شخصاً، ينامون ملتصقين ببعضهم البعض. مكثنا هناك نحو خمسة أيّام ثمّ اضطُررنا لإخلاء البناية بعد أن قصفوا مباني قريبة منها. انتقلنا إلى مدرسة صلاح الدين التابعة لوكالة الغوث، في حيّ الرّمال. هناك أيضاً كانت أعداد كبيرة من النازحين. مكثنا يوماً واحداً ثمّ تلقّينا أوامر من الجيش بإخلاء المكان والانتقال إلى منطقة خان يونس.
سافرنا إلى خان يونس، إلى منزل أخي نصر الحلو، في أبراج حمد. عندهُم أيضاً كان قد لجأ عدد كبير من النازحين وكان الاكتظاظ جنونيّاً. جميعنا كنّا مُنهكين وجائعين وخائفين، إضافة إلى البرد الشديد. الرعب كان واضحاً على وُجوه الأطفال. بدأت الأمراض تصيب بعض أفراد الأسرة، وخاصّة الأطفال. مكثنا هناك 30 يوماً كانت صعبة للغاية. كنّا نطبخ الطعام على الحطب، وكلّما خرجنا لجمع الحطب اعترانا خوف شديد بسبب الطائرات التي كانت تحوم فوقنا. ذات يوم، حين كنّا نطبخ على الموقدة في الخارج، قصفت الطائرات أرضاً مجاورة فلذنا جميعاً بالفرار. هناك أيضاً لم تكن مياه جارية وكنّا نضطرّ إلى شراء المياه في حاويات ذات سعة 18 ليتراً. لم نتمكّن من الاستحمام بسبب نقص المياه، وعلى أيّة حال لم تكن أيّة وسيلة لتسخينها. الحوانيت كانت شبه خالية من الموادّ الغذائيّة. والنقود التي كانت معنا قد نفدت. زوجي موظّف في السّلطة براتب شهري قدره 1,000 شيكل فقط، ولكن لم يتلقّ أيّ راتب منذ أن بدأت الحرب.
ثم تلقّينا من الجيش، مرة أخرى، تعليمات بإخلاء المكان والانتقال إلى رفح. غادرنا أبراج حمد وجئنا إلى مخيّم المهجرين قرب مدرسة وكالة الغوث في رفح. الآن نحن هُنا في خيمة أعدّت على عجل مساحتها 20 متراً مربّعاً، أقمناها من الأقمشة والبطّانيّات. نحن 32 شخصاً محشورون في هذه الخيمة، بضمننا 14 طفلاً، أولادي وأولاد أختي. في اللّيل ننام ملتصقين ببعضنا البعض. يصعب علينا أن نغفو، بسبب الاكتظاظ والبرد والمطر.
في كلّ صباح نبدأ البحث من جديد عن طعام وماء. نحن النساء، نبدأ يومَنا بعجن الطحين لإعداد الخبز، فيما يذهب الأطفال لجمع الحطب لإشعال الموقد. نخبز نحو 60-70 رغيفاً، للجميع، على مسطّح من الحديد.
يوزّع العاملون في وكالة الغوث أطعمة معلّبة مرّة كلّ عشرة أيّام: 4 علب أجبان ولحوم، 3 علب تونة وعلبة مربّى، إضافة إلى كرتونة حليب. هذه الكمية غير كافية ولا تدوم عندنا عشرة أيّام، لذلك نأكل في بقيّة الأيّام الخبز فقط، وأحياناً طيلة يوم أو يومين لا يتوفّر حتى الخبز فنبقى دون طعام.
نحن نُرسل الأولاد ليجلبوا الماء من المدرسة، ولكن دائماً لا يوجد لدينا ما يكفي من المياه، للشرب وغسل الملابس والأواني والحفاظ على نظافة أجسادنا بالحدّ الأدنى. لم نستحمّ منذ شهر ونصف بسبب نقص المياه، ولأنّه لا توجد وسيلة لتسخينها.
أمام المراحيض يوجد طابور طويل، لأنّه يوجد هنا أكثر من ألفَي شخص في منطقة المدرسة. وبسبب انقطاع الكهرباء واستحالة شحن الهواتف نبقى بدون إضاءة في اللّيل، ولذلك فإنّ الذهاب إلى حيث المراحيض مخيف جدّاً. الأطفال يبولون في الزجاجات الفارغة.
حتى الآن مضى على وجودنا هنا شهر ونصف الشهر، وما زلنا 32 شخصاً في خيمة واحدة. نعاني جرّاء البرد الشديد وبالكاد لدينا ملابس شتويّة. نجلس ملتصقين ببعضنا البعض لكي نستدفئ. بعض أفراد العائلة حُفاة إذ لا يوجد ما ينتعلونه في أرجلهم. كلّ عدّة أشخاص يتناوبون على انتعال ’شبشب‘ واحد. الاكتظاظ لا يُطاق ولا توجد أيّة خصوصيّة. يوجد ضجيج طوال الوقت ممّا يُفاقم توتّرنا النفسي.
لا يمكن هنا الحصول على فوط صحّية ممّا يسبّب للنساء والفتيات معاناة شديدة. نستخدم قطع قماش ونغسلها لكي نُعيد استخدامها، وحتى هذا نجد فيه صعوبة كبيرة بسبب نقص المياه.
أنا أعاني من نقص في الحديد منذ ما قبل الحرب، ويجب أن أتلقّى الحقن بشكل دائم. منذ بدء الحرب وحتى الآن كان يجب أن أتلقّى 30 حقنة لكنني تلقّيت أربعاً فقط، لذلك أعاني من دُوار وإنهاك.
هكذا هي حياتنا الآن، عذاب لا يتوقف. نحن منهَكون من القصف ومن ظروف المعيشة هذه. لقد تجمّدت حياتنا. نحن نتمنّى فقط أن تنتهي الحرب ونتمكّن من العودة إلى منازلنا.
* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 31.12.23