رجاء الهربيطي
5 آب/أغسطس 2024
(35 عامًا)، أمّ لأربعة، من سكان مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة، روت عن الليلة التي دهست فيها دبابة زوجها واثنين من أبنائها حتى الموت وأصيبت هي وطفلاها الآخران
حتى اندلاع الحرب، كنت أسكن مع زوجي أكرم الهربيطي (39 عامًا) وأولادنا الأربعة: محمد (14 عامًا) وأحمد (11 عامًا) وإبراهيم (6 أعوام) وسناء (3 أعوام)، في مخيم الشاطئ للاجئين شمال غرب مدينة غزة.
بعد ثلاثة أيام من بدء الحرب، انتقلت مع عائلتي إلى منزل سِلفي في الشاطئ بسبب القصف المكثف بالقرب من منزلنا. تكّدسنا في منزله الصغير مع نحو 20 مهجرًا آخرين وفي اليوم التالي قررنا الانتقال إلى مدرسة في حي النصر في مدينة غزة، تابعة لوكالة الأونروا. بقينا في المدرسة لمدة عشرة أيام. بسبب الاكتظاظ ونقص المياه والقصف وصعوبة الوصول إلى المرافق الصحية، قررنا المغادرة مرة أخرى. أنا أعاني من ارتفاع ضغط الدم ولديّ حساسية في الصدر، وهي حالة تعاني منها ابنتي سناء أيضًا، وكان الاكتظاظ لا يطاق بالنسبة لنا. انتقلنا إلى منزل صديق لزوجي في مخيم الشاطئ، لكن لأن الوضع هناك كان صعبًا جدًا أيضًا والمنازل المجاورة تعرضت للقصف وكانت هناك أحزمة نارية من كل الاتجاهات، قررنا الانتقال إلى مخيم جباليا للاجئين، إلى منزل يعود لعائلتي. هناك أيضًا كان الوضع صعبًا جدًا وكان القصف في كل مكان، وبعد أسبوع عدنا إلى المدرسة في حي النصر في غزة. في مرحلة ما، ألقى الجيش منشورات تطالب السكان بمغادرة الحي، ثم اجتاح لاحقًا غرب المدينة ودخل إلى مستشفى الرنتيسي. بقينا في المدرسة لمدة أسبوعين تقريبًا، حتى اقتربت الدبابات الإسرائيلية منها فانتقلنا مرة أخرى إلى منزل عائلتي في مخيم جباليا. بعد أن غادرنا المدرسة، فرض الجيش عليها حصارًا وتم طرد المهجرين الذين بقوا فيها. في مخيم جباليا أيضًا، الذي تعرض لهجوم بقذائف المدفعية والغارات الجوية من كل جانب، كان الوضع سيئًا للغاية. عشنا هناك خوفًا ورعبًا لا يوصفان.
في 18.11.2023، قررنا الانتقال إلى جنوب القطاع. مشينا على الأقدام من مخيم جباليا إلى حاجز "نتساريم". قبل أن نصل إلى الحاجز، أطلق الجيش النار باتجاه المهجرين فقررنا عدم المتابعة. وجدنا مدرسة كان فيها مهجرون وبقينا فيها ليلة واحدة، في 19.11.23. بعد ذلك، واصلنا طريقنا جنوبًا، مرة أخرى. في الطريق، بالقرب من حاجز "نتساريم"، اضطررنا إلى الدوس على جثث وأشلاء وسمعنا صراخ أطفال في كل مكان. رأينا الجيش يعتقل بعض الشبان المهجرين الذين كانوا في طريقهم من الشمال إلى الجنوب. وصلنا إلى مدخل مخيم النصيرات للاجئين وانتظرنا سيارة أقلّتنا إلى منزل خالتي، غرب مدينة خان يونس.
بقينا هناك لمدة شهرين تقريبًا، حتى امتلأ المنزل بالمهجرين وعندها قرر زوجي أكرم نصب خيمة بالقرب من "كلية الأونروا" وانتقلنا للعيش فيها.
في 25.1.24، داهم الجيش الإسرائيلي المنطقة بالدبابات والطائرات وأعلن أنها منطقة قتال خطيرة وأطلق النار من جميع الاتجاهات ودعا المهجرين إلى إخلاء المكان. أخذنا حقائبنا وملابسنا وتركنا الخيمة وهربنا إلى المواصي في خان يونس، حيث بقينا لمدة ثلاثة أشهر، في ظروف صعبة واكتظاظ رهيب. على عكس وعود الجيش بأن المنطقة ستكون آمنة، تعرضت منطقتنا لإطلاق نار يومي بالأسلحة الخفيفة والقذائف.
في 24.4.24، قرر زوجي أن ننتقل إلى مدينة رفح. انتقلنا إلى مكان قريب من الحدود مع مصر (القرية السويدية). كان المكان هادئًا نسبيًا وكنا نسمع القصف من بعيد فقط، حتى ليلة 6.6.24، حيث كان هناك قصف وغارات عنيفة على المنازل القريبة من الحدود مع مصر من قبل الدبابات والطائرات الإسرائيلية. أصابني أنا وزوجي والأطفال الهلع. رأينا أن معظم جيراننا خرجوا من خيامهم، لكننا لم نتمكن من الخروج بسبب إطلاق النار الكثيف. كان الأمر خطيرًا جدًا.
في الخيمة المجاورة لنا، كان يسكن صديق زوجي، محمد قاعود (34 عامًا) وزوجته رواء مقداد (31 عامًا) وأطفالهما عبد الرحمن (11 عامًا) وأيلول (8 أعوام) ووسام (7 أشهر). جاؤوا إلى خيمتنا وبقوا معنا. كنا 11 شخصًا، واستلقينا جميعنا على الأرض داخل الخيمة. بعد فترة، عندما هدأ الوضع، ذهب صديق زوجي إلى خيمتهم. أعددت وجبة للأطفال لكنهم لم يتمكنوا من تناول الطعام من شدة الخوف وقالوا إنهم سيأكلون في الصباح. جلس زوجي عند مدخل الخيمة مع محمد، حتى دخل كل منهما إلى خيمته. عند مدخل خيمتنا علقنا علمًا أبيض لنشير إلى الجيش بأننا مدنيون. أتذكر أننا في تلك الليلة قضينا حاجتنا داخل سلة.
بعد فترة وجيزة من ذهابنا للنوم، اشتد القصف. في حوالي الساعة الواحدة، سمعت امرأة تقول "محمد" ثم صمتت. يبدو أنها قُتلت جراء إطلاق النار الكثيف على الخيام. نظرت من نافذة الخيمة ورأيت ضوءًا أصفر. قلت لزوجي إن هناك ضوء جرافات وأنهم ربما دمروا المنازل المجاورة للمخيم. ارتجفت من شدة الرعب فقال لي: "اهدئي، لن يحدث شيء".
خلال ساعات الليل، كان أطفالي خائفين جدًا. سألت ابني أحمد إن كان خائفًا فقال لي لا، لكنني رأيته يرتجف من الخوف. وعدته بأننا سنهرب من هناك وأعددنا أعلامًا بيضاء للطريق. في الخامسة والنصف صباحًا، جاءت جارتي رواء إلينا في طريقها إلى المراحيض مع ابنها عبد الرحمن، وهي تحمل علمًا أبيض. قضت حاجتها وعادت إلى خيمتها. عندما وصلت إلى مدخل خيمتها، أطلقت الدبابات النار باتجاهها. سمعتها تنادي زوجها: "محمد، محمد"، وأطفالها ينادون: "أبي، أبي". بعد ذلك أطلق الجيش النار باتجاهنا فأصيب زوجي أكرم في ظهره وكان ينزف. سمعت ابني أحمد يئن من الألم، ورأيت أنني أصبت أيضًا برصاصة في قدمي اليمنى. فجأة رأيت دبابة تندفع نحونا وتدهس في طريقها خيمة جيراني، عائلة قاعود. اتصل بنا سِلفي، عبد الكريم (38 عامًا). تمكنت من الرد عليه وقلت له إننا أصبنا وإن زوجي ينزف والدبابة في طريقها إلينا. ألقى زوجي بنفسه على أبنائي، محمد وأحمد وإبراهيم، ليحميهم بينما أمسكت أنا بابنتي سناء من كتفها ورفعتها وهربت من الخيمة. تمكنّا من الابتعاد حوالي متر ونصف المتر عن زوجي وأبنائي قبل أن تدهسهم الدبابة أمام أعيننا. أمسكت بيد ابنتي ورفعتها وتوسلت إلى الجيش ألا يدهسنا نحن أيضًا، لكن الدبابة صعدت فوقنا أيضًا وسقطنا على الأرض. رفعت رأسي ويدي وكنت متأكدة أنني أحتضر. لم أستطع سماع محمد، لكنني تمكنت من رؤية أحمد الذي كان ظهره مليئًا بالدماء وزوجي الذي كان ينزف من كل جسده باستثناء وجهه. كانت يده اليسرى مبتورة. قال لي: "رجاء، حبيبتي، سامحيني". أجبته: "أنا أسامحك يا أكرم".
نظرت إلى سناء، ابنتي. انقلبت عيناها وكانت مصابة. قلت لأكرم إنها تحتضر، فقال لها: "حبيبتي، ابنتي". فجأة خرج ابني إبراهيم من خلف أخويه وأبيه، وكان ملطخًا بالدماء هو أيضًا. سألته إن كان قد أصابه شيء فأجاب بالنفي. رأيت أنه كان مذعورًا من منظر والده الذي كان ينزف من كل مكان. طلبت منه أن يأتي إليّ ويستلقي خلفي، لأنني سمعت الدبابة تعود لتندفع نحونا بسرعة. قلت له: "تظاهر بأنك ميت، الدبابة تريد أن تدهسنا مرة أخرى". مرت الدبابة من فوقنا وواصلت طريقها باتجاه الشارع. نظرت باتجاه أكرم ورأيته ينطق الشهادتين (لا إله إلا الله). ظن إبراهيم أنه سينضم إلى والده في الصلاة، لكنني كنت أعرف أنه كان يصلي لأنه يحتضر.
بعد حوالي دقيقتين، لمحت امرأة تحمل علمًا أبيض وبجانبها أطفال. طلبت منها أن تأخذ معها إبراهيم، الوحيد بيننا الذي لم يصب بأذى، إلى المواصي، حيث توجد خيمة جده. وافقت وأخذته. طلب أكرم منها أن تستدعي سيارة إسعاف، فأجابت المرأة أنه لا توجد سيارة إسعاف، "لا يوجد سوى دبابات". في تلك اللحظات لفظ أنفاسه الأخيرة ومات. نظرت إلى أحمد ومحمد ورأيت أنهما ماتا أيضًا وأدركت أنه لا يمكنني فعل أي شيء. كنت مصابة بنفسي. رأيت أن سناء أصيبت برصاصة في رجلها اليمنى وأدركت أنها على وشك أن تفقد وعيها. فكرت في كيفية الخروج من الوضع الذي كنا فيه ولم أستطع التفكير إلا في أنني أحمل بطاقة هويتي وأنني لو قُتلت، لكانت عائلتي قادرة على التعرف عليّ على الأقل.
حاولت التحدث مع سناء. وضعتها على ظهري وبدأت أزحف إلى الأمام. زحفت لمسافة 700 متر تقريبًا حتى لم أعد أستطيع الزحف أكثر. كلتانا كنا ننزف وكنت أعاني من آلام في ظهري ورجلي اليسرى. وجدت حاوية قمامة وتوقفت بجانبها. رأيت أن فم سناء وأنفها وعينيها كانت مليئة بالرمل. كانت الشمس قوية والتصق الذباب بجروحنا نحن الاثنتين. أمسكت بملابس الصلاة ووضعتها على رأسها وطلبت مني ماءً وأن آخذها إلى المرحاض. صرخت بصوت عالٍ على أمل أن يسمعنا أحد، لكن لم يكن هناك أحد حولنا. كنت أعرف أننا إذا تحركنا كثيرًا، فإننا نخاطر بأن يطلق قناص كان في الجوار النار علينا. رفعت رأسي ورأيت رجلاً. صرخت إليه: "هل يسمعنا أحد؟". قلت له إنني مصابة فطلب مني أن أزحف باتجاهه وقال إن المنطقة كلها خطيرة. قلت له إن الدبابة قد أصابتني، فوعد بمساعدتي وطلب مني أن أزحف باتجاه البحر. حاولت لكنني لم أستطع. حاولت أن أربط حبلاً حول رجل ابنتي لوقف نزيفها. مرت بجانبنا امرأة أخرى تحمل علمًا أبيض وبجانبها أطفال. طلبت منها أن تأخذ سناء إلى المستشفى. أجابت أنه سيكون من الصعب فعل ذلك لأن الدبابات خلفنا، لكنها رفعتها على أي حال وأخذتها. بعد ذلك سمعت صوتًا يقول: "الرجل ينتظرك، يريد مساعدتك، تقدمي باتجاه البحر". بدأت أزحف باتجاه الأسفلت الذي كان مليئًا بالحجارة، ثم ربطت جرحي بحبل لوقف النزيف. واصلت الزحف حتى وصلت إلى مبنى مرافق الصيادين في الميناء. حلّقت فوقي طائرة مسيّرة. بدأت ألوّح للطائرة المسيّرة، حتى لا تطلق النار عليّ.
في مرحلة ما، وصل شابان لمساعدتي. وضعوني على بطانية وسحبوني لمسافة كيلومترين تقريبًا. في تلك المرحلة فقدت الوعي واستيقظت لاحقًا في سيارة الإسعاف. قلت للمسعف إنني أريد مسكنًا للألم لأنني كنت أتألم بشدة، فقال إنه لا يوجد. فجأة رأيت شابًا أمامي يقول: "أختي، لا تخافي". أدركت أنه أخي محمد (20 عامًا). سألته عن إبراهيم وسناء، فقال إن الصليب الأحمر أحضرهما إليه وأخبره بأنني مصابة. في نهاية الرحلة، وصلنا إلى مستشفى الصليب الأحمر، غرب خان يونس. كانوا يظنون أنهم سيضطرون إلى بتر رجلي، لكن في النهاية لم يكن ذلك ضروريًا، الحمد لله.
عندما استيقظت من الجراحة، سألت عن سناء مرة أخرى. عرفت أنها في المستشفى هي أيضًا، مصابة برصاصة ولديها كسور في رجليها وإصابات في ظهرها. أنا أصبتُ برصاصة في قدمي وكان لدي أربعة كسور وعظم مسحوق وتمزق في الأوتار وكدمات في ظهري بسبب إصابة الدبابة. أخرج الأطباء الرصاصة وبقيت لدي شظايا في رجلي وظهري وكتفي. تلقيت أنا وسناء العلاج في المستشفى لمدة شهر تقريبًا، خضعت خلالها لخمس عمليات جراحية في رجلي وعملية سادسة في يدي وخضعت سناء لأربع عمليات جراحية في رجلها. وهي تعاني من خلع في الحوض أيضًا.
أنا وإبراهيم وسناء نعيش اليوم مع عائلتي في خيمة في المواصي. تجد سناء صعوبة في المشي، وأنا أمشي بمساعدة عكازين. لا أعرف ما حل بزوجي وأبنائي، كل ما أعرفه هو أن أحدًا لم يتمكن من الوصول إليهم أو إلى جثثهم ولا حتى من أجل دفنها. حاول الصليب الأحمر الوصول إلى المكان، لكن الجيش الإسرائيلي، الذي لم يسمح بدخول سيارات الإسعاف، رفض الطلب. تعرض جيراننا أيضًا، عائلة قاعود، إلى الدهس ولا أدري ماذا حلّ بهم.
أنا منهكة جدًا، جسديًا ونفسيًا. لا أستطيع أن أستوعب أن الدبابات دهست عائلتي أمام عينيّ. يتذكر إبراهيم باستمرار اللحظة التي دهست فيها الدبابة والده وإخوته. يكرر وصف كيف قُطع رأس محمد وكيف نزف أحمد كثيرًا. أصبح عدوانيًا ويضرب الأطفال من حوله. يصرخ كثيرًا وتراوده الكوابيس ليلًا ويعاني من التبول اللاإرادي. كلما سمعت سناء صوتًا عاليًا، تخاف بشدة وتضع يديها على أذنيها وتقول: "دبابة". وتعاني، هي أيضًا، من التبول اللاإرادي. أشعر بأننا نعيش في فيلم رعب. لم يصدق الأطباء أن دبابة دهستنا ونجونا. أنا نفسي كنت متأكدة أنني لن أنجو.
نحن نعيش في خيمة وليس لدينا أي مكان آمن نؤوي إليه الآن. منازل أفراد عائلتي في شمال غزة تعرضت للقصف أيضًا. علمنا أن شقيقيّ يونس (35 عامًا) ويوسف (38 عامًا) محتجزان لدى الجيش في سجن نفحة (جنوب إسرائيل) منذ 20.11.23، بعد اعتقالهما عند حاجز "نتساريم" بينما كانا في طريقهما إلى جنوب القطاع.
هذه أصعب أيام حياتي. أنا وسناء كلتانا بحاجة إلى زراعة عظام في أرجلنا وأريد أن نخرج من القطاع لتلقي العلاج، لكن جميع المعابر مغلقة. آمل أن تنتهي الحرب وأن ينتهي هذا الكابوس. نريد أن نعيش حياة آمنة وأن يكون لدينا بعض الاستقرار، لكنني أعرف أنه حتى لو انتهت الحرب، فلن يكون لدي منزل أعود إليه ولا حياة لي بدون زوجي وأبنائي.
* سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 5.8.24