أصواتٌ من غزّة

شِفا الدقي

(35 عامًا)، أم لثلاثة، من سكان دير البلح، تحدثت عن فقدان زوجة أخيها جرّاء القصف وإصابة أخيها بجراح بالغة وإصابة طفلتيه اللتين بُترت أرجلهما

حتى اندلاع الحرب، كنت أسكن مع زوجي وأطفالنا الثلاثة: عمر (11 عامًا) وإسماعيل (9 أعوام) وشام (عامان ونصف) في مخيم جباليا للاجئين في شمال قطاع غزة. أما اليوم، فنحن نسكن مع والديّ في مدينة دير البلح في جنوب القطاع.

غادرنا منزلنا في بداية الحرب وانتقلنا إلى منزل والديّ، كما فعلنا في الحروب السابقة، لأنني أخاف من القصف كثيرًا. منزل والديّ صغير ونحشر أنفسنا فيه حوالي 12 شخصًا.

حتى قبل أسبوع، كان أخي محمد (26 عامًا) يسكن مع زوجته شيماء (25عامًا) وابنتيهما حنان (3 أعوام) ومِسْك (9 أشهر)، في الطابق الثاني من مبنى مكون من طابقين على بُعد حوالي 500 متر عن منزل والديّ. في الطابق الأول من نفس المبنى نفسه، كان يسكن ابن عمي بلال الدقي (26 عامًا) مع زوجته وسام (25 عامًا) وابنتيهما جيهان (3 أعوام) وليندا (عام ونصف).

كان محمد وزوجته وبناته يأتون إلينا إلى منزل والديّ كل يوم تقريبًا. كانوا يحضرون لنا المؤن ويقضون معظم اليوم معنا ثم يعودون إلى منزلهم.

الصورة
من اليمين: حنان ومِسك الدقي بعد بتر أرجلهما. صورة قدمتها العائلة مشكورة
من اليمين: حنان ومِسك الدقي بعد بتر أرجلهما. صورة قدمتها العائلة مشكورة

في 3.9.24 حوالي الساعة 15:30- 16:00 كنت في المنزل وفجأة سمعتُ صوتًا هائلاً وسقط صاروخ بالقرب من المنزل. توجهتُ إلى النافذة بسرعة فشاهدت أعمدة الدخان وألسنة اللهب. خرج أخي يوسف على الفور ليرى ما الذي تم قصفه وذهب ابني عمر معه.

اتصلتُ بأخي محمد وزوجته شيماء لكنهما لم يُجيبا، ثم اتصلتُ بابن عمي بلال فأجابني فقال لي إنه ليس في المنزل. في تلك اللحظة عاد عمر وهو يصرخ ويبكي وقال إن صواريخ قد سقطت على منزل محمد.

أجهشت أمي بالبكاء والصراخ. حاولتُ تهدئتها وقلتُ لها إن القصف كان بعيدًا وليس من الممكن أن يكون قد أصابهم. لكن بعد دقائق قليلة، ذكرت الأخبار أن منزل عائلة الدقي قد تعرض للقصف وأن امرأة وابنتها قد قُتلتا وهناك جرحى.

في تلك الأثناء، تمكن بلال من الوصول إلى منزلهم وإنقاذ زوجته وبناته سالمات. أحضرهن إلينا. كنّ حافيات القدمين. همست لي وسام، زوجة بلال، أن شيماء قُتلت. بعد دقائق قليلة، علمنا أن شيماء قد قُتلت بالفعل وأن محمد وابنتيه، حنان ومِسك، قد أُصيبوا ونُقلوا إلى مستشفى شهداء الأقصى. قالوا إن جثمان شيماء مُزّق إربًا.

بقيتُ في المنزل مع أمي وأبي وذهبت أختي حكمت إلى المستشفى. أخبرتني من هناك بأن محمد أُصيب بجروح خطيرة وهو يرقد في العناية المركزة وأن الأطباء بتروا ساقيّ حنان وأنّ لديها أيضًا إصابة في الأمعاء والقولون وحروقًا في الوجه وشظايا في اليدين. كما بترو أيضًا قدم مِسك اليسرى وكانت لديها شظايا في جميع أنحاء جسدها. قالت حكمت إن جثة شيماء الممزقة قد نُقلت إلى المستشفى وأنه قد تم دفنها.

الصورة
من اليمين: حنان ومِسك الدقي قبل إصابتهما. صورة قدمتها العائلة مشكورة
من اليمين: حنان ومِسك الدقي قبل إصابتهما. صورة قدمتها العائلة مشكورة

لم تُتح لي حتى فرصة وداع شيماء ولم تُتح هذه الفرصة لزوجها وبنتيها أيضًا. والدها ووالدتها وأختي حكمت وأخي يوسف هم الذين ودّعوها قبل دفن جثمانها. كانت لحظات صعبة للغاية.

بعد خروج ابنتيّ أخي من غرفة العمليات، ذهبت إلى المستشفى لرؤيتهما، بينما عادت أختي حكمت إلى المنزل لتكون مع أمي وأبي. أنا الآن مسؤولة عن ابنتيّ أخي. أبقى بجانبهما في المستشفى طوال اليوم. حالة حنان صعبة للغاية. تعاني من ارتفاع في درجة حرارتها وتبكي ليل نهار وتشكو من الألم وتطلب أمها. ممنوع عليها تناول الطعام ويُسمح لها بشرب القليل من الماء فقط. مِسك أيضًا، التي بُترت قدمها، تأكل القليل جدًا. لقد تُيتمت هاتان الطفلتان الصغيرتان من أمهما، لكنني لم أخبرهما أن أمهما قُتلت. فهما لا تفهمان معنى الموت بعد. لا تعلمان أنها لن تعود أبدًا. أقول لهما إن أمهما ستأتي لاحقًا.

أخي محمد في حالة حرجة. لا أستطيع زيارته لأنه في غرفة العناية المركزة، والدخول ممنوع. أراه من خلال النافذة فقط. خضع لعدة عمليات جراحية ويحتاج إلى المزيد منها. يدخلونه إلى غرفة العمليات مرارًا وتكرارًا لتنظيف جروحه وإزالة الشظايا. في إحدى المرات نظر إليّ وهز رأسه وشعرت أنه في حالة صدمة. لم أتحمل رؤيته هكذا.

الصورة
حنان الدقي في مصر. صورة قدمتها العائلة مشكورة
حنان الدقي في مصر. صورة قدمتها العائلة مشكورة

أحب محمد زوجته شيماء كثيرًا. كانا عائلة صغيرة تعيش حياة طبيعية. لكن لم تتح لهما فرصة عيش الكثير من السعادة. في لحظات قليلة فقد زوجته، دون أي سبب، وأصيب بجروح بالغة وأصيبت ابنتاه بجروح بُترت على إثرها أرجلهما. أحيانًا تأتي ابنتي الصغيرة، شام، معي إلى المستشفى. أرى كيف تتعجب وتندهش عندما تنظر إلى حنان ومِسك. تنظر إلى أرجلهما وتقول "ماذا، ومِسك أيضًا؟، ماذا حدث لهما؟".

أنظر إليهما ويعتصر قلبي ألمًا. كيف ستواصلان حياتهما هكذا، بدون أرجل، وبدون أم؟ أخشى اللحظة التي ستسألني فيها حنان ومِسك عن أرجلهما. ماذا سأجيبهما؟ عندما سأذهب لشراء أحذية لأطفالي، ماذا سأفعل مع حنان ومِسك عندما تسألانني لماذا لا أشتري لهما؟ إذا قالتا لي "نريد أن ألعب"، "نريد أن أرقص"، "نريد أن أركب دراجة" - بماذا يمكنني أن أجيبهما؟

كانت تلعبان في منزل جدهما وجدتهما دائمًا. ولكن عندما تغادران المستشفى وتعودان إلى هناك، لن تتمكنا من اللعب كما كانتا تفعلان من قبل. كيف ستتأقلمان مع الوضع الجديد؟ لقد فقدتا والدتهما وما كانت توفره لهما من الحب والحنان والأمان. وفقدتا أيضًا أرجلهما، فلقدتا القدرة على الحركة واللعب. لقد ضاع كل شيء جميل في حياتهما. سُرقت طفولتهما. ما هي جريمتهما حتى يُدمّر عالمهما هكذا؟

الصورة
مِسك الدقي بعد بتر قدمها. صورة قدمتها العائلة مشكورة
مِسك الدقي بعد بتر قدمها. صورة قدمتها العائلة مشكورة

أنا مسؤولة عن رعايتهما الآن، لكنني لست والدتهما. أتمنى بشدة أن أتمكن من تعويضهما عن كل هذه الخسارة، لكنني أدرك أيضًا أنه لا شيء يمكن أن يعوض حضن الأم الذي فقدتاه. ماذا سأفعل عندما تنتهي الحرب؟ هل سأتركهما مع والدهما وأعود إلى منزلنا في شمال القطاع؟ كيف يمكنني تركهما؟ بعد أن فقدتا والدتهما، أصبحتا بحاجة إليّ.

كانت هذه عائلة صغيرة لم تؤذِ أحدًا وقد دُمّر عالمها. لقد قُصفوا بدم بارد.

حنان ومسك بحاجة إلى إكمال العلاج خارج قطاع غزة وتركيب أطراف صناعية، ولكن للأسف جميع المعابر من وإلى غزة مغلقة الآن. لا توجد أدوية ولا مستلزمات طبية. بالنسبة لهما، ستكون الأطراف الصناعية بمثابة عزاء بسيط. لن تعوضهما أبدًا عن الأرجل التي فقدتاها، لكنها ستساعدهما، ولو بصورة جزئية.

أنا في حالة نفسية سيئة. أخشى على عائلتي دائمًا. أخشى أن أفقد أحد أطفالي. في كل مرة أسمع فيها صوت الطائرات أشعر بالرعب من فكرة أن أفقد شخصًا آخر عزيزًا على قلبي.

حياتنا الآن مأساة مستمرة، مثل حياة كل من هُجّروا من منازلهم في شمال القطاع وفقدوا أفرادًا من عائلاتهم أو أصيب أقاربهم. أعيش في رعب وخوف وتوتر دائم بسبب القصف وأعلم جيدًا أنه ليس هنالك مكان آمن في القطاع. بالنسبة للطائرات الإسرائيلية، جميع سكان القطاع هم أهداف، بغض النظر عن مكان إقامتهم ومن هم وكم هي أعمارهم. لا يميّز الجيش ولا يُفرّق بين الناس هنا بأي شكل من الأشكال.

وضعنا المالي صعب. في بعض الأحيان نتلقى مساعدات غذائية. أسعار الخضار والفواكه مرتفعة ولا أستطيع توفير احتياجات أطفالي. هذا يخلق شعورًا بالعجز يصعب عليّ جدًا تحمله.

أخشى بشدة أيضًا ألا نتمكن من العودة إلى منازلنا. نعيش في حالة من عدم اليقين، لا نعرف ماذا سيحدث لنا وماذا سيكون مصيرنا. لا مستقبل لنا.

أناشد العالم أجمع: أوقفوا هذه المذبحة! أوقفوا الإبادة في غزة! أين المجتمع الدولي ولماذا لا يحمينا؟ يُقتل الأطفال هنا بدم بارد على مرأى العالم أجمع ولا أحد يحرك ساكناً! العالم كله يشارك في الحرب ضدنا!

* سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد، في 10.9.24

في آذار 2025، أدلت شِفا الدقي بإفادة إضافية أمام باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد فقالت:

الصورة
مسك الدقي في مصر. صورة قدمتها العائلة مشكورة
مسك الدقي في مصر. صورة قدمتها العائلة مشكورة

غادرت حنان ومسك مستشفى شهداء الأقصى في 21.1.25. خضعتا لجلسات علاج طبيعي في مركز إعادة تأهيل في القطاع، ثم حصلنا على إحالة لمعالجتهما في الخارج. تواصلت معنا عدة مؤسسات ومنظمات دولية بعد أن شاهدت منشوراتنا على مواقع التواصل الاجتماعي حول حالتهما، لكنها اشترطت مرافقة فرد واحد فقط من العائلة، ولم أرغب في السفر بدون أطفالي.

ثم تواصلت معي موظفة من منظمة كندية اسمها Human Concern International وقالت إنهم يريدون التكفل بمعالجة حنان ومِسك ويمكنهم ترتيب إقامة لأطفالي لمدة عام لدى عائلة في كندا، لكي أتمكن من البقاء معهما في المستشفى. بدأنا بإعداد الترتيبات للسفر ولكن بعد فترة اتصلوا بي من هذه المنظمة مرة أخرى وقالوا إنه يجب علينا الوصول إلى مصر أولاً ومن هناك سيواصلون الإجراءات.

في البداية، رفضت السفر إلى مصر خشية أن نعلق هناك ولا نتمكن من مواصلة رحلتنا إلى كندا. لكن منظمة الصحة العالمية تواصلت معنا وأبلغتنا بترتيب سفرنا أنا وحنان ومسك وأطفالي عمر وإسماعيل وشام إلى مصر في 15.2.25، فقررت السفر. لقد مرّ الآن حوالي شهر ونحن في مصر. البنتان ترقدان في المستشفى، لكن لا يتوفر هنا في مصر علاج لحالتهما. صحيح أنه يمكن تركيب أطراف صناعية لهما، لكن لا توجد متابعة بعد ذلك. في الوقت الحالي، تتلقيان فقط الفيتامينات وجلسات العلاج الطبيعي. لكنهما ستحتاجان إلى أطراف صناعية ورعاية ومتابعة طبية طالما أن جسديهما لا يزالان في طور النمو، ولن تحصلا على ذلك في مصر.

جميعنا هنا في المستشفى، مسك وحنان ترقدان فيه ونحن ننام هنا معهما في داخل المستشفى. ما زلت أنتظر إيجاد حل علاجي أفضل لهما وترتيبات لي ولأطفالي. لكنني أدركت أنه من الصعب الحصول على تأشيرات دخول إلى دول أخرى للعلاج لأن الجميع يخشى الهجرة من غزة. قد لا نتمكن من الحصول على تأشيرات.