أصواتٌ من غزّة

زياد ريحان

(42 عامًا)، أب لأربعة، من سكان مخيم جباليا للاجئين، تحدث عن فقدان ابنه (13 عامًا) الذي قُتل في بداية الحرب جرّاء صاروخ أطلقه عليه الجيش وكيف أصيب هو وابن آخر من أولاده بعد ذلك بسنة واحدة جرّاء صاروخ آخر، وكذلك عن التهجير، الجوع والخوف الدائم:

حتى اندلاع الحرب، كنت أسكن مع زوجتي وأولادنا الأربعة، رامي (23 عامًا) وحمودة (21 عامًا) وأحمد (16 عامًا) ومحمد (13 عامًا)، في حي الصفطاوي في منزل مكون من ثلاثة طوابق في غرب مخيم جباليا للاجئين. كنت قد عملت لسنوات عديدة كعامل بناء وكانت حياتنا هادئة ومريحة.

عندما اندلعت الحرب، بدأ الجيش على الفور بقصف المنازل والمساجد في منطقتنا، دون أي تحذير مسبق. دمرت المنازل على سكانها، من رجال ونساء وأطفال، دون أي تمييز. لم نفهم ما كان يحدث ولم نكن نعرف ماذا نفعل. في البداية لم نكن نريد المغادرة، شعرنا بالأمان في منزلنا. لكن القصف اشتد يومًا بعد يوم وأصبح أكثر وحشية وخطورة وأوقع المزيد والمزيد من القتلى بين الناس. في كل يوم وفي كل ساعة كنا نسمع تقارير عن مقتل مدنيين. بدأت الطائرات أيضًا بإسقاط منشورات تأمرنا بإخلاء المنطقة والانتقال إلى جنوب القطاع، مدعية بأن تلك المنطقة ستكون آمنة، لكننا علمنا أن الوضع ليس آمنًا هناك على الإطلاق.

الصورة
زياد ريحان في المستشفى في مصر. صورة قدمها الشاهد مشكورًا
زياد ريحان في المستشفى في مصر. صورة قدمها الشاهد مشكورًا

بعد أسبوعين، بدأت الدبابات باقتحام شمال القطاع - بيت حانون وبيت لاهيا. اشتد القصف على منطقتنا وكان هنالك قصف مدفعي أيضًا. كانت القذائف تسقط من حولنا بشكل عشوائي وبدأ آلاف السكان يغادرون المنطقة. خرجنا، أنا وزوجتي وأطفالي، أيضًا ولم نأخذ معنا شيئًا تقريبًا.

توجهنا إلى مخيم الشاطئ للاجئين على أمل أن نكون آمنين هناك، بعيدًا عن القصف الجوي والمدفعي. وجدنا ملجأ في عيادة الأونروا، لكن الوضع هناك لم يكن جيدًا أيضًا. بعد وقت قصير من وصولنا إلى هناك، قام الجيش الإسرائيلي مرة أخرى بإسقاط منشورات تهديدية وأمر بإخلاء مخيم الشاطئ أيضًا. اشتد القصف المدفعي وبدأت الطائرات المسيّرة بإطلاق النار على المهجرين في المدارس والشوارع. تم قصف وتدمير مبانٍ بأكملها في المخيم.

في 10.11.23، اقتربت دبابات الجيش منا. سمعنا أصوات جنازيرهم الحديدية. بدأ اقتحام المخيم من الشمال، وهربنا نحن على الفور من مبنى العيادة إلى مدرسة "غزة الجديدة" في شارع النصر في مدينة غزة، بالقرب من مستشفى الشفاء. لم يكن هناك مكان آخر نذهب إليه. بقينا هناك يومين فقط ثم وجدنا أنفسنا مرة أخرى في حالة فرار، تحت القصف وإطلاق النار، لأن المدرسة كانت في الطريق إلى مستشفى الشفاء، والجيش، الذي كان في طريقه إلى هناك، قصف المنازل وقتل كل من تحرك في المنطقة. نزحنا مرة أخرى، وهذه المرة إلى منزل أختي في منطقة الزرقاء في جباليا. كنا نأمل أن يكون الوضع هناك أكثر هدوءًا بعض الشيء.

في 20.11.23، في اليوم الأول من وقف إطلاق النار الأول، ذهب ابني الصغير، محمد، للتحقق من حالة منزلنا في حي الصفطاوي، لأننا سمعنا أن الجيش الإسرائيلي انسحب من هناك. ولكن عندما وصل محمد إلى المنزل، أصيب برصاصة في رأسه وقُتل على الفور. بقي محمد ملقى هناك على الأرض لمدة شهر كامل. لم يتمكن أحد من الوصول إليه وإخلاء جثمانه، لأن الجيش أطلق النار على كل مَن حاول الاقتراب. عندما أصبح من الممكن إخلاؤه أخيرًا، كان جثمانه قد تحلل تمامًا.

في مرحلة ما، قصف الجيش مبنى سكنيًا مكونًا من عدة مبانٍ في جباليا، بالقرب من منزل أختي حيث كنا نقيم. وقد قُتل كل من كان في تلك المباني. لم ينج أحد. تطايرت أجزاء من جثث النساء والأطفال في كل مكان وهبطت في الشوارع وعلى أسطح المنازل. يعجز العقل البشري عن استيعاب شيء كهذا! لقد شهدت هذه المذبحة الرهيبة التي حصدت العديد من الضحايا الذين لم يكونا يشكلون أي تهديد لأيّ أحد. لقد قُتلوا بدم بارد، بينما كانوا جالسين في منازلهم مرعوبين من القصف والقتل من حولهم.

في أعقاب المذبحة، انتقلنا إلى مخيم للمهجرين في مدرسة أبو حسين، في مخيم جباليا للاجئين وبقينا هناك لمدة أسبوعين تقريبًا، حتى أطلقت طائرات حربية إسرائيلية فجأة صاروخًا على فناء المدرسة. تناثرت الجثث في جميع أنحاء المدرسة وهربنا نحن من هناك. في تلك المذبحة، قتل أكثر من 15 شخصًا، معظمهم من النساء.

انتقلنا إلى مدرسة سليمان سلطان، قرب استاد فلسطين في حي النصر. نمنا على الأرض في ممرات المدرسة. ثم واصلنا الفرار من مكان إلى آخر ومن مدرسة إلى أخرى. هربنا من صواريخ الجيش ورصاص قناصته والعبوات الناسفة التي ألقيت علينا من الطائرات المسيرة. وفي كل مرة كنا نهرب فيها لننجو، كنا نترك خلفنا أمتعتنا من فراش وبطانيات وملابس وما إلى ذلك. لم نتمكن من أخذ أي شيء معنا في حالة الفرار وسط القصف العنيف والذعر الشديد. عانينا كثيراً أيضاً من الفقر والجوع الذي فرضه جيش الاحتلال في شمال القطاع. لقد قطعوا عنا كل مصادر الحياة والمواد الغذائية والمياه. كنا في حرب بقاء. كان أولادي يركضون في محاولة لجمع شيء من الحزم والمعلبات القليلة التي ألقيت علينا من الجو. خاطر الناس بحياتهم من أجل قطعة خبز ودُهس بعضهم حتى الموت في الزحام الذي نشأ عندما حاولت حشود الناس الوصول إلى الطرود الغذائية التي ألقيت من الجو.

في 18.3.24، عندما كنا في مدرسة بالقرب من مستشفى الشفاء، حاصر الجيش المستشفى من جميع الجهات واقتحمه. كما حاصرت الدبابات المدرسة التي كنا فيها وحلقت الطائرات فوقنا. كنا تحت الحصار لمدة 14 يوماً ولم يدخل إلينا طعام أو ماء. من كنا نسمع حولنا انفجار منازل وانفجارات من المستشفى. كان الأمر يبدو وكأنه زلازل.

عندما انسحب الجيش، بعد أن زرع الخراب وأحرق وفجّر المنازل ودمّرها حتى سوّاها بالأرض، عدنا مرة أخرى إلى مدرسة "غزة الجديدة" في شارع النصر، وبقينا هناك ونحن نعاني من نقص حاد.

في 7.11.24 في ساعات الصباح، بينما كنت أنا وابني حمودة بالقرب من بوابة المدرسة وكنا على وشك الخروج للبحث عن الطعام، أطلقت طائرة بدون طيار صاروخاً علينا مباشرة وأُصِبنا نحن الاثنان بجروح خطيرة. بقينا مُلقيَن على الأرض لمدة ساعتين ولم تصل أي سيارة إسعاف لإخلائنا، بسبب القصف المكثف وصعوبة الحركة في المنطقة. بعد ساعتين، وبطريقة ما، تم إجلاؤنا على عربة "توك توك" إلى المستشفى الأهلي العربي.

كان هناك العديد من الجرحى في المستشفى، لذلك بقينا دون علاج لفترة طويلة. عندما فحصني الأطباء في النهاية، قالوا لي إن شظية أصابت ظهري وكسرت الفقرتين 11 و12 في العمود الفقري وأن الشظية تضغط أيضاً على الحبل الشوكي وأن أي حركة مني قد تسبب الانفصال وسأصاب بالتالي بالشلل التام. كما أصيب ابني في ظهره وقطعت أوتار يده اليمنى أيضاً.

أُدخلت إلى المستشفى لمدة أسبوع، وطوال ذلك الوقت كانت عائلتي تبحث عن مكان يمكنني فيه تلقي العلاج وإجراء عملية جراحية، لأنه لم تكن هناك أدوية أو أجهزة تصوير بالرنين المغناطيسي في المستشفى. كان هناك نقص حاد في المعدات الطبية ولم تتوفر لديهم إمكانية حقيقية لمعالجة المصابين.

قال لي الأطباء إنه ليست هنالك إمكانية للعثور على العلاج اللازم في داخل قطاع غزة وأنه يجب إحالتي لتلقي العلاج العاجل خارج القطاع، وإلا فقد أصل إلى حالة الشلل الكامل.

بعد إعلان وقف إطلاق النار في 19.1.25، تم عرضي على عدة وفود من الخارج وأكد الجميع أنه لا توجد في القطاع الوسائل والمعدات اللازمة للعملية الجراحية التي أحتاج إليها، بسبب التدمير المتعمد للمستشفيات من قبل إسرائيل خلال الحرب.

خلال وقف إطلاق النار، انتقلنا إلى مدرسة أسامة بن زيد، القريبة من منزلنا. لسوء حظنا، فجّر الجيش الإسرائيلي منزلنا خلال الحرب بمادة متفجرة وضعت بداخله. لم يبق منه أثر. لا أستطيع الحركة على الإطلاق وأتوجه منذ ذلك الحين إلى كل جهة ممكنة لمساعدتي على الخروج من القطاع من أجل إجراء العملية الجراحية، حتى أتمكن من الوقوف على قدمي. أعاني من آلام شديدة وأحتاج إلى حفاضات ليست متوفرة هنا دائماً، وأشعر بظلم فظيع بسبب وضعي. أنا مصاب بجروح خطيرة وعاطل عن العمل وبلا مأوى وأنتظر العلاج بفارغ الصبر.

الآن، بعد أن أغلقت المعابر مرة أخرى ولم يدخل الطعام إلى القطاع، لا أستطيع على الإطلاق مساعدة عائلتي ويضطر أولادي إلى البحث عن الطعام حتى نتمكن من البقاء على قيد الحياة. لقد مررنا بشهر رمضان في ظل هذا النقص. كل ما نأكله هنا في رمضان هو الخبز والمعلبات، كما هو الحال في جميع فترات الحرب. لقد أصبحنا، جميعًا، في حالة سوء تغذية وهزال ومرض من هذه الأطعمة غير المغذية.

بالإضافة إلى الجوع، نحن جميعاً مصابون بصدمات نفسية من الفظائع التي مررنا بها خلال الحرب. أولادي لا يدرسون، منذ بداية الحرب بالطبع. لا توجد كهرباء هنا ولا يوجد إنترنت وليس لدينا هواتف أو أجهزة تابلت لتمكينهم من الدراسة وعلى أي حال، فإن القصف مستمر دون توقف. نحن نعيش في خوف دائم مما ستجلبه لنا الأيام القادمة.

* أدلى زياد ريحان بإفادته أمام باحث بتسيلم الميداني محمد صباح في 11.3.25. وبعد ذلك ببضعة أيام، تمكن من مغادرة قطاع غزة والانتقال إلى مصر، لكن المستشفى الذي نُقل إليه لم يتمكن من تقديم العلاج اللازم له. حتى يوم 3.6.25، لم تكن العملية الجراحية قد أجرِيت له.