الأول من أيار: عن الحق في العمل وكسب الرزق بكرامة
1 أيار/مايو 2013
يرمز عيد العمال في الفاتح من أيار للنضالات التاريخية التي خاضها العمّال من أجل حقهم الأساسيّ في تحديد وتقييد يوم العمل في ثماني ساعات. واليوم، وبعد مرور أكثر من مئة سنة على الانتصار في هذا النضال، ما يزال عمال فلسطينيون يناضلون على مجرد حقهم بالعمل من دون المخاطرة بحيواتهم، وعلى إمكانية كسب رزقهم ورزق عائلاتهم إلى جانب حقوق العمال الأساسية: حد أدنى للأجور وتحديد ساعات العمل. ولا يسمح واقع الاحتلال لهم بممارسة هذه الحقوق الأساسية.

عمال فلسطينيين على حاجز قلقيلة في ساعات الصباح الباكر في طريقهم للعمل في اسرائيل. تصوير: اورن زيف، اكتيفستيلس. 22/11/2011.
على مرّ قرابة 46 عامًا من السيطرة العسكرية على الاراضي المحتلة، لم تسعَ السلطات الإسرائيلية من أجل تطوير اقتصاد فلسطينيّ مستقل ومستقرّ. واليوم، يحاول الكثير من الفلسطينيين الحصول على تصاريح عمل في إسرائيل إلا أنّ التحصيصات المقيّدة والإجراءات الورقية (البيروقراطية) المُعقدة تحول دون ذلك في غالبية الحالات.
فعملية تقديم الطلب تبدأ بشَرَك: إسرائيل تطلب من مقدّمي طلبات التصاريح العثور على مُشغّل في إسرائيل، إلا أنه من الصعب جدًا العثور على مثل هذا المُشغل من دون الدخول إلى إسرائيل، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه من دون تصريح. وحتى بعد العثور على مُشغل، يظلّ الإجراء معقدًا: فالمعايير القائمة للحصول على التصريح هي اعتباطية وأحيانًا غير مفهومة. كما أنّ السنّ المطلوبة لبدء الحصول على التصاريح تتغير من مجال عمل إلى آخر، ولذلك يُمنع الكثير من الرجال الشباب حتى من تقديم الطلب. ويُجبر هذا الواقع الكثير من الفلسطينيين على العمل في إسرائيل بلا تصريح من أجل كسب رزق عائلاتهم، برغم المخاطر المنوطة بذلك.في عام 2011 عمل في إسرائيل قرابة 30 ألف فلسطينيّ من حَمَلة التصاريح. بالإضافة إليهم، عمل في إسرائيل في تلك السنة آلاف الفلسطينيين بلا تصاريح. وبحسب التقديرات المختلفة، يتراوح عددهم الدقيق بين عدة آلاف وحتى 30 ألف شخص. تدرك جميع الجهات هذا الواقع، ولكن بدلاً من إيجاد حلّ مَبنويّ لهذه المشكلة، يبدو أنّ السلطات الإسرائيلية تسعى للتعامل مع حالات عشوائية من الدخول غير القانونيّ. وهكذا، وثقت منظمة بتسيلم، وعلى مرّ السنوات، خطوات تخويف أو عقاب اُتبّعت ضد عاملين عينيين دخلوا إسرائيل بلا تصاريح، إلى جانب تجاهل حقيقة وجود تيار مستمرّ من العمال يدخل إلى إسرائيل يوميًا، نتيجة لغياب إمكانيات أخرى لكسب الرزق.
وأحيانًا، تنتهي نشاطات مخططة تبادر لها قوات الأمن بغية "القبض على مقيمين غير قانونيين"، إلى جانب الاعتقالات العشوائية، بالعنف الممارس ضد العامل الذي ألقي القبض عليه، وأحيانًا بإطلاق النار عليه. إلى جانب ذلك، وبحسب معطيات مصلحة السجون التي تلقت بتسيلم نسخة منها، فإنّ عدد المعتقلين الفلسطينيين في إسرائيل بتهمة الإقامة غير القانونية فيها، بلغ يوم 31/3/2013، 1,420 معتقلا.
وتؤدي مثل هذه الخطوات إلى خلق صورة مشوهة تفيد بأنّ إسرائيل معنية بالعمل ضدّ ظاهرة دخول عمال فلسطينيين إلى الدولة بلا تصريح، بينما تسمح في واقع الأمر باستمرارها. المتضررون الأساسيون من هذه السياسة هم العمال أنفسهم. فمع أنهم ينجحون في كسب أرزاقهم، إلا أنّ حقوقهم غير محمية ومكانتهم ضعيفة جدًا لدرجة أنهم لا يستطيعون المطالبة حتى بما يستحقونه. كما يضطرون للوصول إلى عملهم بطرق عصيبة والهرب من قوات الأمن في منتصف الليل، فيما يعرضون أنفسهم لخطر العنف الممارس ضدهم، وللاعتقال المتواصل وأحيانًا للموت. ونتيجة لهذه الصعوبات، يفضل الكثيرون العودة إلى بيوتهم في نهايات الأسبوع فقط، فيما ينقطعون خلاله عن عائلاتهم ويعيشون في ظروف متردّية.
إسرائيل هي القوة المحتلة في الضفة الغربية، وبكونها كذلك فهي ملزمة بالاهتمام برفاهية ورزق وكرامة سكان الضفة. إلا أنّ إسرائيل تستغلّ الموارد الطبيعية في هذه المنطقة لاحتياجاتها هي ولاحتياجات المستوطنين، متجاهلة احتياجات الفلسطينيين، بشكل مخالف للقانون. فمثلاً، تمنع إسرائيل الفلسطينيين من تطوير زراعة عصرية ذات إمكانيات ربح أعلى من الموجود، عبر منع الفلسطينيين من الوصول إلى غالبية أراضي غور الأردن ومن استخدام غالبية مصادر المياه هناك، فيما تقوم وبنفس الوقت بتخصيص الأراضي والمياه الوفيرة للمستوطنين من أجل تطوير مثل هذه الزراعة.
على إسرائيل أن تسمح للفلسطينيين في الضفة الغربية بالتطوير الاقتصاديّ الذي يضمن لهم كسب الرزق بكرامة. وما دام الوضع على ما هو عليه، فإنّ عليها منح الفلسطينيين الراغبين بالعمل في إسرائيل تصاريح عمل قانونية والاهتمام بحماية حقوق العمال الاجتماعية. وفي غياب مثل هذه الحماية، ستتواصل ظاهرة دخول العمال إلى إسرائيل عبر طرق عصيبة، بلا رقابة وبلا حماية لحقوقهم، من أجل تحصيل قوت ورزق عائلاتهم.