غياب المساءلة والمحاسبة

تحقيق الشرطة العسكريّة يُحدد: مقتل فتييْن برصاص حيّ، رغم أنّ الجيش الأسرائيلي يدّعي إطلاقه للرصاص "المطاطيّ" فقط

من اليمين الى اليسار: محمد واسيد قادوس. الصورة بلطف من العائلة.
من اليمين الى اليسار: محمد واسيد قادوس. الصورة بلطف من العائلة.

يوم 25/2/2015 أعلمت النيابة العسكريّة منظمة بتسيلم بإغلاق ملفّ التحقيق المتعلّق بمقتل الفتييْن محمد وأسيْد قادوس في قرية عراق بورين، في آذار 2010. وأتى ذلك بعد تحقوق تواصل خمس سنوات كانت نتائجه عارية عن الصحّة وفقما وردنا من النيابة: فمن جهة دلّ التحقيق على أنّ إطلاق الرصاص الوحيد الذي جرى أثناء الحدث كان لرصاص معدنيّ مغلف بالمطاط، ومن جهة أخرى أكّد التحقيق على أنّ الفتييْن، اللذيْن لا يختلف أحد على أنهما قُتلا برصاص الجيش الاسرائيلي، أصيبا بالرصاص الحيّ. وفي أعقاب هذه التوصيات غير المعقولة، قرّرت النيابة عدم تقديم أحد للمحاكمة. وقد رُفض طلب بتسيلم بالحصول على نسخة من ملفّ التحقيق. وتوجّهت بتسيلم ثانية واعترضت على تسويغات رفض الطلب، ولم تحصل على تصريح مبدئي بالطلب إلّا في نهاية آيار 2015.

قُتل ابنا العمّ محمد قادوس (15) وأسيْد قادوس (17) يوم 20/3/2010 في قرية عراق بورين المجاورة لنابلس. وفي رسالة وجّهها نائب المدّعي العام للشؤون الميدانيّة، الميجور "هارئيل فاينبرج" إلى بتسيلم يوم 25/2/2015، جاء أنّ التحقيق أفضى إلى أنّ إطلاق الرصاص الوحيد الذي جرى أثناء الحادثة تمّ على يد نائب قائد الكتيبة، ضابط برتبة ميجور، والذي أطلق الرصاص صوب "عدّة مُخلّين بالنظام كانوا على بعد 50-60 مترًا منه، والذين رشقوا الحجارة بشكل مكثّف باتجاه الجنود الثلاثة {في القوّة}". وجاء أيضًا أنّ المبرزات الطبيّة دلّت على أنّ ابني العم قادوس أصيبا على ما يبدو بالرصاص الحيّ، إلّا أنّ التحقيق لم ينجح في تثبيت ذلك مع ادّعاء الضابط بأنّه لم يطلق أثناء الحادثة إلّا رصاصًا معدنيًّا مغلّفًا بالمطاط. وتقول النيابة إنّ ملابسات الحادثة هذه كانت مطابقة للأوامر، ولذلك لم تكن هناك حاجة لمحاكمة الضابط. وجاء في النهاية أيضًا أنّ الضابط استلم توبيخًا قياديًّا في أعقاب الحادثة، ولكن بسبب إخفاقات في تصرّفاته بعد إطلاق الرصاص، وليس بسبب إطلاق الرصاص.

وقد استمرّ تحقيق شرطة التحقيقات العسكريّة في الحادثة وفحص النيابة للملفّ واستكمال الشرطة العسكريّة للتحقيق زهاء خمس سنوات. وكانت مبرزات التحقيق شبه متطابقة بتلك التي وردت في استقصاء قائد الأركان، الذي نُشر بعد نحو شهر على وقوع الحادثة. ويثير هذا الأمر أسئلة صعبة بخصوص نجاعة واستقلاليّة عمليّات التحقيق المتواصلة وبخصوص فاعليّتها.

وتجسّد هذه النتائج العارية عن الصحّة، بشكل جيّد، قدرات التحقيق المحدودة لدى الشرطة العسكريّة المحقّقة. فما ورد في بيان النيابة العسكرية بأنّ المبرزات الطبيّة تشير إلى مقتل ابنيِّ العم قادوس بالرصاص الحيّ على ما يبدو، هو أمر صحيح. وعليه، من الجدير إجراء فحص نقديّ ومكثّف لادّعاء القوات الميدانيّة بأنّ الحادثة لم تشتمل إلّا على إطلاق رصاص معدنيّ مغلّف بالمطاط وعلى أنّ إطلاق الرصاص لم يصدر إلّا عن الضابط. زدْ على ذلك أنّ ردّ النيابة يشير إلى أنّ لا خلاف على أنّ الاثنين قُتلا برصاص الجيش الاسرائيلي. وفي ضوء هذه النتائج القاطعة، يبرز بشدّة إخفاق شرطة التحقيقات العسكريّة والنيابة العسكريّة في التعامل مع ادّعاء الضابط الذي أطلق الرصاص بأنّه لم يطلق الرصاص الحيّ.

ينحصر الاستقصاء الذي أجرته بتسيلم في وسائل التحقيق المتاحة لها في المنظمة: جمع إفادات من شهود عيان فلسطينيّين وأجانب، وفحص المستندات الطبّيّة الموجودة لدى عائلات القتيليْن، وما شابه. وفي المقابل، تمتّعت الشرطة العسكريّة المحقّقة بالمناليّة المكفولة لها وفق القانون بالاتصال بأيّ جنديّ كان في الحلبة ومعاينة أيّ سلاح وغيرها من الأمور. وبطبيعة الحال، فإنّ المشتبهين بمخالفة القانون لا يسارعون دائمًا إلى تجريم أنفسهم طواعية أو الكشف عن كلّ المعلومات التي لديهم. وعليه، نحن نتوقّع من هيئة التحقيق أن تكون قادرة على التعامل مع شهادات كاذبة يدلي بها مشتبهون وشهود عيان، والتوصّل إلى الحقيقة، وخصوصًا إذا كانت تملك البيّنات التي تدعم هذا السعي.

صورة الأشعّة لرأس أسيد قادوس.
صورة الأشعّة لرأس أسيد قادوس.

صورة الأشعّة لرأس أسيد قادوس. لم تتلقّ بتسيلم حتى الآن ملفّ التحقيق ولذلك تنقصنا المعلومات المتعلّقة بخطوات التحقيق التي جرت في الملف، ونحن لا نعرف لماذا كانت شرطة التحقيقات العسكريّة والنيابة بحاجة إلى زهاء خمس سنوات للتحقيق في الحادثة، وإجراء استكمالات تحقيق واتخاذ قرار بالملف. بعد تلقينا بيان إغلاق الملف، توجّهت بتسيلم إلى الشرطة العسكريّة المحقّقة مطالبة بالحصول على نسخة منه، من أجل فحص مسألة تقديم استئناف على قرار إغلاق الملف، إلّا أنّ الطلب رُفض بتسويغ أنّ تقرّر بموازاة قرار إغلاق الملف البدء بعمليّة توبيخ قياديّة، وما دامت هذه العمليّة جارية، لن يكون بالإمكان تمرير نسخة من الملف. توجّهت بتسيلم إلى شرطة التحقيقات العسكريّة بهذا الشأن ثانية، ومن ضمن ما ورد في التوجّه أنّ عمليّة التوبيخ القياديّة ليست عمليّة جنائيّة، فيما يُعتبر تمرير الملف لأجل فحص عملية تقديم استئناف أم لا جزءًا من العمليّة الجنائيّة، ومن غير المعقول أن يتواصل إلحاق الضرر بالعمليّة الجنائيّة –التي تضرّرت لفترة طويلة منذ وقوع الحادثة- بسبب عمليّة ليست جنائيّة. ولم تعلم الشرطة العسكريّة المحقّقة بتسيلم بتصديق طلب الحصول على نسخة من الملف إلّا يوم 28/5/2015، بعد أن يخضع الملف للرقابة العسكريّة..

خلفيّة:

بتاريخ 20/3/2010 قتل جنود فتييْن من قرية عراق بورين بالقرب من نابلس. وقد حدد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أنّ الاثنين قتلا جراء إطلاق العيارات المطاطية أثناء مشاركتهما في مظاهرة عنيفة وغير قانونية. إن التحقيق الذي قامت به بتسيلم يتناقض مع هذه التحديدات. بعد مضي بضعة أيام أعلنت النيابة العسكرية الرئيسة، بصورة استثنائية، أنّ شرطة التحقيقات العسكريّة ستبدأ التحقيق لفحص ملابسات الحادث.

في يوم السبت، 20/3/2010، جرت في قرية عراق بورين مواجهات مع شبان من القرية قاموا خلالها برشق الحجارة على الجنود. أصيب محمد قادوس (15) وأسيد قادوس (17)، من سكان القرية، بالرصاص ونُقلا إلى المستشفى في نابلس. توفي محمد متأثرًا بجراحه بعد عدّة دقائق من وصوله إلى المستشفى، أمّا أسيد فتوفي في الغداة.

في يوم الحادث نشر الناطق العسكريّ بيانا جاء فيه أنّ قوات الجيش الإسرائيليّ التي وصلت إلى القرية جوبهت بحشود فلسطينية ألقت تجاهها الحجارة. طبقا للبيان، ردّت القوات بواسطة وسائل تفريق المظاهرات التي تشتمل على إطلاق العيارات المطاطية ورصدت وقوع إصابتين بفلسطينيين اثنين تم إخلاؤهما من المكان. وقد أكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي انه لم يتم استعمال الذخيرة الحية وأن المخلين بالنظام أُصيبوا بعيارات مطاطية أطلقت طبقا للتعليمات.

إنّ استقصاء بتسيلم يتناقض تمامًا مع البيان المذكور. فأولا، يشير الاستقصاء إلى أنّ الفتييْن قُتلا وهما يقفان على بعد من الجنود ولم يشكّلا خطرًا يستوجب إطلاق الرصاص المعدنيّ المغلّف بالمطاط. ثانيا، المعطيات الطبية والاستقصاء الميدانيّ تشير هي الأخرى إلى أنّ الاثنين أصيبا بذخيرة حيّة. صورة الأشعة لرأس أسيد قادوس تظهر الرصاصة مستقرة داخل الرأس، وصور مدخل العيار الذي أصاب محمد قادوس، تشيران الشكوك حول أقوال الناطق العسكريّ بخصوص قيام القوات في ذلك اليوم باستعمال العيارات المطاطيّة فقط. بالإضافة إلى ذلك، فقد أبلغ شهود العيان بتسيلم انه خلال المظاهرة أطلقت قوات الأمن الاسرائيلية ذخيرة حية، وسلّموا بتسيلم شريط فيديو صوّره في ذلك اليوم متطوّع أجنبيّ يُسمع فيه بوضوح صوت رصاص حيّ.

في أعقاب هذه المكتشفات اندلع نقاش إعلاميّ حول الحادث. بتاريخ 23.3.2010 أعلن الناطق العسكريّ أنّ المُدّعي العسكريّ العام، الميجور جنرال "أفيحاي مندلبليط"، أصدر أوامره بفتح تحقيق لدى شرطة التحقيقات العسكرية لفحص ملابسات الحادثة. اُعتبر هذا القرار قرارًا استثنائيًّا وقتها، إذ أنه حتى حدوث التغيير في سياسة التحقيقات في نيسان 2011، رفض الجيش الاسرائيلي فتح تحقيق لدى شرطة التحقيقات العسكرية في معظم الحالات التي تقتل فيها قوات الأمن الاسرائيلية فلسطينيّين، وكان يكتفي بالتحقيق الميدانيّ الذي تقوم به الوحدة المسؤولة عن الحادثة.

مواد مقترحة

מפגינים בבילעין. צילום: שרית מיכאלי, בצלם, 1.4.22

سياسة إطلاق النار

خلال مظاهرة في بلعين: جنود يُطلقون رصاص "توتو" على شابٍّ دون أيّ مبرّر ويُصيبونه بجراح

في يوم الجمعة الموافق 1.4.22 نحو السّاعة 13:30، خرجت من قرية بلعين الواقعة غربيّ رام الله مسيرة لإحياء ذكرى "يوم الأرض" التي كانت قد حلّت قبل ذلك بيومين. شارك في المسيرة نحو 150 شخصاً من الفلسطينيّين والناشطين الإسرائيليّين والأجانب، ساروا نحو كيلومترٍ واحد ثم توقّفوا على بُعد نحو مائة متر من جدار الفصل. رفع المتظاهرون أعلام فلسطين وهتفوا شعارات ضدّ الاحتلال. في الجانب الآخر من الجدار وقف ثلاثة جنود على الأقلّ في نقطة ملاصقة للجدار، مرتفعة ومحصّنة. بعد نحو عشر دقائق تقدّم باتّجاه الجدار قرابة عشرة من الشبان والشابات، بضمنهم عهد تميمي (21 عاماً) وابن عمّها أسامة تميمي (26 عاماً). توقّف الشباب على بُعد مترين من الجدار وأخذوا يشتمون الجنود وبعضهم أيضاً رشق حجارة نحو الجنود والجدار. الجنود المتواجدون في النقطة المحصّنة ألقوا نحو الشباب قنابل غاز مسيل للدّموع وقنابل صوت. خرج جيب عسكريّ من إحدى بوّابات الجدار وأطلق جنود من داخله عشرات قنابل الغاز المسيل للدّموع. هربت عهد تميمي من الغاز المنبعث من القنابل فسارت في طريق الدوريّات التفقّديّة الموازية للجدار على بعد نحو 10 أمتار عنه. بعد أن أطلق الجنود رصاصة قطرها 0.22 بوصة ("توتو")، هرع أسامة تميمي نحو ابنة عمّه، عهد. في هذه المرحلة أطلق أحد الجنود المتواجدين في النقطة المذكورة رصاصتي "توتو" أخريين فأصابت كلتاهما أسامة، إحداهما في كفّ قدمه والثانية في ذراعه. تلقّى أسامة الإسعاف الأوّليّ من مسعفين كانوا ينتظرون في الموقع ثمّ أخلي في سيّارة خاصّة إلى سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر فنقلته هذه إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله وهناك تبيّن أنّ الرّصاصتين قد اخترقتا جسده وخرجتا من الجانب الآخر. بعد بضع ساعات تلقّى خلالها العلاج غادر المستشفى كي يستريح ويتعافى في المنزل. يجسد إطلاق الجنود للرّصاص في هذه الحالة سياسة إطلاق النار التي تتّبعها إسرائيل في المناطق المحتلّة، والتي يتم في إطارها استخدام الذخيرة الحيّة ـ وبضمنها رصاص "توتو" ـ ليس فقط كوسيلة أخيرة فقط وفي غياب أية وسيلة أخرى وفي حال تعرّض حياة الجنود للخطر. بدلاً من ذلك، تستخدم إسرائيل النيران الحية في الواقع ضدّ متظاهرين لا يشكّلون خطراً على حياة أحد أيضاً. وبالرغم من كونها غير قانونية، إلا أن هذه السياسة ـ التي تقوم أساساً على استهتار إسرائيل الفظ بحياة الفلسطينيّين وبأجسامهم وبسلامتهم ـ تحظى بدعم شامل من قبَل المسؤولين السياسيّين والضبّاط الكبار في الجيش. بالنظر إلى ذلك، لا عجبَ أنّ تمرّ هذه الحادثة أيضاً دون مساءلة ومحاسبة أحد جرّاء إطلاق الرّصاص. عن إطلاق النيران خلال المظاهرة تحدّثت عهد تميمي (21 عاماً، من سكّان النبي صالح) في إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد يوم 1.4.22: وصلنا إلى منطقة جدار الفصل عند السّاعة 14:00 ورأينا أنّ الجنود ينتظروننا خلف الجدار. شاهدت ثلاثة جنود يقفون في نقطة محصّنة فوق الجدار. اثنان منهم كانا مسلّحين بقاذفات قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المطّاطيّ وكان يتوسّطهما قنّاص مسلّح ببندقيّة من النوع المخصّص لإطلاق رصاص "توتو". بعد وصولنا إلى هناك بنحو عشر دقائق تقدّمتُ ضمن مجموعة من عشرة متظاهرين حتى وصلنا إلى مسافة مترين عن الجدار. وكان هدفنا استفزاز الجنود. بعض الشباب رشقوا الحجارة. سمعت أحد الجنود يناديني باسمي. لا أعرف كيف عرفني. قال لي: "تميمي، اذهبي من هنا". كان الشباب يصرخون ويشتمون الجنود بينما أطلق الجنود بدورهم بضع قنابل صوتية كي يُخيفونا ويُبعدونا من هناك. بعد ذلك أطلقوا بعض قنابل الغاز المسيل للدّموع سقطت بعيداً عنّا. ابتعدنا بسبب رائحة الغاز. في تلك اللّحظات دخل جيب عسكريّ عبر بوّابة في الجدار وأطلق الجنود الذين كانوا على متنه صلية كبيرة من عشرات قنابل الغاز المسيل للدّموع دُفعة واحدة. انتشر الغاز على مساحة كبيرة حتى وصل إلى جُموع المتظاهرين الذين كانوا على مسافة أكثر من 100 متر من الجدار. حاولت الابتعاد عن الغاز فسرت في الطريق الترابيّ الذي يمر بجانب الجدار. وفجأة حين كنت على بُعد نحو عشرة أمتار من الجنود أطلق القنّاص رصاصة "توتو". ذُعرت وتوتّرت ولم أعرف ماذا أفعل. كان الشباب والصحفيّون يصرخون بي "اهربي، اهربي، إنّه يُطلق الرصاص عليك". ركض نحوي ابن عمّي، أسامة تميمي، وحاول أن يُبعدني عن مرمى الرّصاص. حين كان كلانا يحاول الابتعاد تجدّد إطلاق رصاص "توتو". سمعت عدّة طلقات لكن من الصّعب أن أحدّد بالضّبط، لأنّ الصّليل الذي يصدر لدى إطلاقه خافت. أصابت إحدى الرّصاصات أسامة في كفّ قدمه فوقع أرضاً ثمّ أصابته رصاصة ثانية في ذراعه اليمنى. نهض أسامة بسُرعة ثمّ واصلنا الفرار من هناك. ركضنا حتى ابتعدنا نحو 30 متراً وعندئذٍ وقع أسامة ولم يعُد قادراً على النهوض ومواصلة الرّكض. تقدّم عدد من المسعفين وقدّموا له الإسعاف الأوّليّ ثمّ أخلي في سيّارة مدنيّة إلى مستشفىً في رام الله. بعد إطلاق الرّصاص انتهت المظاهرة وغادر الجميع. لاحقاً، ذهبنا لزيارة أسامة في المستشفى وهناك علمنا أنّ إصابته تستدعي إبقاءه هناك للعلاج. الرّصاصتان اللّتان أصابتاه دخلتا وخرجتا. بعد إتمام معالجته غادر إلى المنزل. لقد نجا بأعجوبة بفضل العناية الإلهيّة. أنا ما زلت مصدومة حتى الآن ممّا جرى. عن إصابته هذه، قال أسامة تميمي (26 عاماً، من سكّان النبي صالح) ما يلي في إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 3.4.22: وصلت المسيرة إلى المكان المُبتغى نحو السّاعة 14:00 حيث توقّف جميع المتظاهرين على بُعد 100 متر من الجدار. ألقى عدد من المسؤولين خطابات ضدّ الاحتلال والاستيطان. كان ثلاثة جنود يقفون في نقطة محصّنة في الجانب الآخر من الجدار وهُم يوجّهون بنادقهم نحو المتظاهرين. بعد نحو عشر دقائق على بدء الخطابات انضممت إلى مجموعة من الشباب تقدّمت نحو الجدار وكانت تعدّ نحو عشرة أشخاص. أنا وبعض الشباب كنّا نشتم الجنود ونصرخ عليهم لكي نُثير غضبهم. أطلق الجنود قنابل الغاز المسيل للدّموع وألقوا قنابل الصوت بهدف تفريقنا. كان عدد من الشباب يرشقون الحجارة نحو الجنود في النقطة المحصّنة وعندئذٍ ألقى الجنود نحونا عدّة قنابل غاز مُسيل للدّموع فابتعدنا قليلاً. عندما تلاشى الغاز اقتربنا مجدّداً من الجدار فألقى الجنود عدداً كبيراً من قنابل الغاز المسيل للدّموع. تراجع قسم من الشباب ولاذوا بالفرار بسبب رائحة الغاز. فررت مع أربعة شبان آخرين باتّجاه الجدار لأنّ الرّيح كانت تهبّ وتحمل الغاز بعيداً عن الجدار. التصقنا بالجدار لأنّنا ظننّا أنّ هذا الموقع في زاوية لا تتيح للجنود إطلاق الرّصاص نحونا. رأيت ابنة عمّي عهد تقف في الطريق الترابيّ المحيط بالجدار وسمعت طلقة "توتو" واحدة ثمّ رأيت عهد تلوذ بالفرار. ركضت نحوها لأنّني ظننتُها قد أصيبت. كانت على بُعد 5 أمتار منّي. عندما وصلت إليها قالت لي إنّها لم تُصب. حاولنا الابتعاد معاً عن الطريق الترابيّ وعن مرمى رصاص الجنود لأنّنا ظنّنا أنّهم يصوّبون نحونا. كانت المسافة بيننا وبين الجنود 20 متراً على الأكثر. فجأة شعرت بأنّني قد أصبت في كعب قدمي اليسرى برصاصة "توتو" أطلقها أحد الجنود. تعثّرت ووقعت أرضاً. في هذه الأثناء أطلق الجنديّ رصاصة "توتو" أخرى اخترقت ذراعي اليمنى من الخلف وخرجت من الأمام. نهضت وتمكّنت من الرّكض بضع عشرات أخرى من الأمتار ثمّ وقعت ثانية. ركض نحوي طاقم مسعفين وقدّموا لي الإسعاف الأوّليّ وضمّدوا جراحي ثمّ أخذني شخص ما إلى سيّارة مدنيّة كانت قريبة وانطلقت بي السيّارة في اتّجاه رام الله. في الطريق، قرب بيتونيا، نقلوني إلى سيّارة إسعاف أخذتني بدورها إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله. هناك، أدخلوني إلى قسم الطوارئ وأجروا لي فحوصات وصور أشعّة. كذلك تلقّيت محلولاً وريديّاً وحقناً لتسكين الأوجاع. أظهرت الصّور أنّ الرّصاصتين لم تسبّبا كُسوراً وأنّهما دخلتا وخرجتا دون أن تستقرّا في جسمي. بعد ساعتين غادرت المستشفى على أن أواصل الاستراحة في المنزل.

29 أيار/مايو 2022

غياب المساءلة والمحاسبة

على خلفيّة التحقيق الجاري في محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي، تقرير جديد تُصدره بتسيلم والمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان يُظهر أنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في أدائها خلال مظاهرات العودة في غزّة:

״لا تُريد ولا تَقدر״ طمس إسرائيل لحقائق التحقيق في مظاهرات العودة المركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يُصدران اليوم تقريراً مشتركاً يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000. لقد سارعت إسرائيل إلى التصريح بأنّها تحقّق في المظاهرات وذلك بسبب الإجراءات التي باشرتها ضدّها محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي - ذلك أنّ أحد المبادئ التي توجّه عمل هذه المحكمة هو مبدأ التكامُل، والذي يقتضي تدخّل المحكمة فقط إذا كانت الدّولة "لا تُريد أو لا تقدر" على إجراء التحقيق بنفسها. في حال أجرت الدّولة بنفسها تحقيقاً في الأحداث تمتنع المحكمة عن التدخّل. غير أنّه لكي تمتنع المحكمة عن التدخّل لا يكفي مجرّد التصريح بأنّه يجري تحقيق أيّاً كان، بل ينبغي أن يجري تحقيق حقيقيّ وفعّال يطال المسؤولين عن وضع السياسة وتطبيقها ويؤدّي إلى اتّخاذ إجراءات ضدّ من يتحمّلون المسؤوليّة. التحقيقات التي أجرتها إسرائيل بخُصوص المظاهرات لم تستوف هذه المطالب: هذه التحقيقات - التي أدارها الجيش وحده - لم تنظر أبداً في تعليمات إطلاق النار المخالفة للقانون التي صدرت لقوّات الأمن ولا السّياسة التي جرى تطبيقها خلال المظاهرات، وإنّما هي تركّزت فقط في الجنود ذوي الرّتب الدّنيا وفقط في السّؤال هل تصرّف هؤلاء خلافاً للتعليمات نفسها - المخالفة للقانون. علاوة على ذلك فقد نظرت محكمة العدل العليا أثناء فترة المظاهرات في التماسات حول عدم قانونيّة تعليمات إطلاق النار، لكنّ قُضاة المحكمة رفضوا تلك الالتماسات وأتاحوا للجيش أن يواصل تطبيق السّياسة نفسها. هنا ينبغي التنويه أنّ القُضاة لم يصدّقوا التعليمات التي طُبّقت فعليّاً على أرض الواقع - فهذه لم تُطرح أمامهم - وإنّما فقط التعليمات التي زعمت الدّولة أمام المحكمة أنّ الجيش يعمل وفقاً لها. لقد تجاهل القُضاة الهوّة السّحيقة والصّارخة التي تفصل بين مزاعم الدّولة في شأن هذه التعليمات وبين نتائج تطبيقها في الواقع: إلى حين النظر في الالتماسات كان قد وقع في صفوف المتظاهرين عشرات القتلى ونحو ألفي جريح. جهاز إنفاذ القانون العسكريّ يتصعّب حتى في أداء المهمّة المقتضبة التي انتُدب للقيام بها - أي التحقيق فقط في "أحداث استثنائيّة". لقد قرّر الجيش بشكل تعسّفيّ ودون تقديم أيّ تفسير أن يحقّق فقط في الأحداث التي أسفرت عن مقتل فلسطينيّين على يد عناصر قوّات الأمن لكنّه لم يحقّق بتاتاً في الأحداث التي أوقعت آلاف الجرحى، وبضمنهم من أصيبوا بجُروح بليغة أبقتهم مشلولين أو أدّت إلى بتر أطرافهم. عدد مصابي المظاهرات لا يستوعبه عقل: لقد جُرح خلال المظاهرات 13,457 فلسطينيّاً، ومن بين هؤلاء بلغ عدد المصابين بالرّصاص الحيّ 8,079 وعدد المصابين بالرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط 2,424 وعدد من جُرحوا جرّاء إصابتهم مباشرة بقنابل الغاز 2,954. وهناك من بين الجرحى 155 أسفرت إصابتهم عن بتر أطراف. جميع هذه الأحداث لم يتمّ التحقيق فيها. وفقاً لمعطيات أرسلها الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ إلى بتسيلم، فإنه حتى 25.4.21 تم تحويل 234 حالة متعلقة بمقتل فلسطينيين إلى جهاز قيادة الأركان للتحقيق في الأحداث الاستثنائيّة لينظر فيها. وبضمن هذه المعطيات أحداث مقتل فلسطينيّين آخرين خلال الفترة التي جرت فيها المظاهرات. أنجز الجهاز فحص 143 حالة وحوّلها إلى النيابة العسكريّة لتنظر فيها، وارتأى المدّعي العامّ العسكريّ أن تباشر وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة التحقيق في 33 منها كما أنّه أوعز بإجراء تحقيق في ثلاثة أحداث أخرى لم يعالجها الجهاز. هناك أربع شكاوى انتهى التحقيق فيها بإغلاق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. في الحالات الـ 95 التي أنهى الجهاز معالجتها قرّر المدّعي العامّ العسكريّ عدم فتح تحقيق جنائيّ وأغلق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. أما بقيّة الشكاوى التي تلقّاها الجهاز ما زالت قيد المعالجة. هناك تحقيق واحد فقط يتعلّق بالمظاهرات - بخُصوص مقتل الفتى عثمان حلّس (14 عاماً) - انتهى بتقديم لائحة اتّهام ضدّ الجنديّ المتورّط، وقد أدين هذا في صفقة ادّعاء بتهمة سلوكيّة بسيطة هي "تجاوُز الصّلاحيّات على نحوٍ يعرّض حياة أو صحّة أحدهم للخطر"، وحُكم عليه بتنفيذ أعمال خدمات لمّدة شهر. السياسيّون والمستشار القضائيّ للحكومة وقُضاة المحكمة العُليا والمدّعي العامّ العسكريّ وكبار الضبّاط الآخرين في الجيش هُم المسؤولون عن وضع سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون وعن تطبيقها - وهُم الذين يُفترض أن يتمّ التحقيق معهم وأن يتحمّلوا مسؤوليّة النتائج الفتّاكة التي أسفر عنها تطبيق هذه السياسة. التحقيقات التي تُجريها إسرائيل هدفها ذرّ الرّماد في العُيون إذ تظنّ أنّها بذلك تستطيع أن تجنّب المسؤولين محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي. لكنّ هذه التحقيقات تثبت العكس: إنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوّات أمنها خلال مظاهرات العودة في قطاع غزّة. بالنظر إلى ذلك، العمل على مساءلة ومحاسبة المتورّطين في هذه الانتهاكات يقع الآن على عاتق محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

غياب المساءلة والمحاسبة

لا تُريد ولا تَقدر

تقرير مشترك للمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021