في بداية تشرين الثاني 2021 كان عدد الفلسطينيّين المعتقلين إداريّاً في السجون الإسرائيلية 482 أسيرًا وفقاً لمعطيات تسلّمها مركز الدفاع عن الفرد من سُلطة مصلحة السّجون. ضمن المعتقلين الإداريين هناك أربعة معتقلين قاصرين وفقاً لهيئة شؤون الأسرى في السّلطة الفلسطينيّة. الاعتقال الإداري هو اعتقال بدون محاكمة بذريعة أن من يُعتقل يعتزم ارتكاب مخالفة في المستقبل إنما دون أن يفعل شيئًا بالفعل. لا يعرف المعتقل سبب زجّه في السّجن لأنّه لا يتمّ إطلاعه على مسوّغات اعتقاله التي تستند إلى أدلّة سرّيّة - وهكذا لا يستطيع المعتقل الدّفاع عن نفسه ودحض التهم المنسوبة إليه. إضافة إلى ذلك فإنّ مدة الاعتقال الإداريّ يمكن تمديدها مراراً وتكراراً دون تحديد سقف للمدّة الإجماليّة وذلك خلافاً لعُقوبة السّجن العاديّة حيث يقضي المحكوم عليه بالسّجن مدّة محدّدة. أي أنّ المعتقل إداريّاً لا يعرف متى سوف يُفرج عنه.
تستخدم إسرائيل هذه الوسيلة بشكل روتينيّ بحيث سجنت على مرّ السّنين آلاف الفلسطينيّين لفترات طويلة بعضهم لسنوات. وفقاً للقانون ينظر القضاة في أوامر الاعتقال الإداريّ ويُتاح للمعتقلين التوجّه إلى محكمة العدل العليا لكنّ عين القانون الفاحصة هذه هي فقط مظهر شكليّ، وفيما عدا حالات استثنائيّة جدّاً يصدّق القضاة بالمُجمل على أوامر الاعتقال الإداريّ.
يؤثّر الاعتقال الإداريّ بشكل قاسٍ على عائلات المعتقلين وبالتأكيد حين يكون المعتقلون قاصرين: علاوة على أنّ الأسرة تعاني قلق الانتظار في حالة من اللّايقين طوال أشهُر لأنّها لا تعرف متى سيتمّ الإفراج عن ابنها، تمنع إسرائيل الأسرة من إجراء أيّ اتّصال بالمعتقل فتبقى الأسرة بلا وسيلة لمعرفة أوضاع ابنها الصحيّة والجسديّة والنفسيّة. تفرض إسرائيل قيوداً مشدّدة على زيارة السّجن وحتى من يحظون بتصريح زيارة تكون زياراتهم قصيرة وعلى فترات بعيدة ويلتقون أعزّاءهم خلالها من خلف حاجز زجاجيّ. وإذ تمنع إسرائيل المعتقلين من إجراء محادثات هاتفيّة أو تلقّيها تبقى هذه الزيارات الوسيلة الوحيدة التي تملكها الأسرة للتحدّث مع المعتقل.
سجّل باحثو بتسيلم الميدانيّون إفادات من ذوي ثلاثة من القاصرين المعتقلين إداريّاً في الوقت الحاليّ، وصفت الأسر خلالها خوفها الدّائم على سلامتهم والقلق الذي يلازمها لحظة بلحظة إزاء عدم معرفة موعد الإفراج عنهم.
أدناه يحدّث معمّر نخلة (49 عاماً) من سكّان رام الله كيف تجابه أسرته اعتقال ابنه أمل البالغ من العمر 17 عاماً - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:
الصورة
أمل نخلة, 17. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
وُلد أمل حين كانت والدته لا تزال في الشهر السّادس من حملها فظلّ موصولاً بجهاز تنفّس وبقي في المستشفى لمدّة ثلاثة أشهر تقريباً. كنّا خائفين أن لا يتمكّن من البقاء حيّاً، وعندما طلبوا أن نُسمّيه أسميناه أمل تيمّناً إذ كنّا نأمل أن تُكتب له الحياة.
في حزيران 2020 بدأ أمل يتقيأ دمًا. كان يعاني صعوبة في التنفّس وفي البلغ. بعد الفحوصات تبيّن أنّ لديه ورم في الرئتين ويحتاج إلى عمليّة يمكن إجراؤها فقط في المستشفى الفرنسيّ في القدس. قدّمنا طلب تصريح لدخول إسرائيل لي وله لكي نتمكّن من المجيء إلى المستشفى وإجراء العمليّة لكنّ الطلب رُفض لأسباب أمنيّة كما قالوا لنا. استدعى جهاز الأمن العامّ (الشاباك) أمل لتحقيق في سجن "عوفر" في 1.7.20 وحين ذهب أمل إلى هناك فحصوا بطاقة هُويّته وبعد انتظار ساعتين قالوا له "عُد إلى المنزل لأنّ المحقّق غير موجود".
بعد أيّام معدودة ساعد بعض أصدقائنا أمل في الوصول إلى المستشفى في القدس "تهريب" وهكذا أجريت له العمليّة وغادر المستشفى بعد مضيّ خمسة أّيّام. بعد مضيّ بضعة أيّام على عودته اتصل شخص من "الشاباك" بنا هاتفيّاً واستدعى أمل مرّة أخرى للتحقيق. إثرَ ذلك توجّهت إلى مؤسسة الضمير لرعاية الأسير ولحقوق الإنسان فتوجّهوا بدورهم إلى السّلطات الإسرائيليّة وأرسلوا إليهم تقارير طبّية تثبت وضع أمل الصحّي لكي يفهموا أنّه مريض. ردّاً على ذلك قالوا إنّهم لن يقوموا باعتقاله حاليّاً. في تشرين الأوّل 2020 تبيّن أنّ أمل يعاني مرضاً نادراً جدّاً يُدعى مياستينيا جرافيس (myasthenia gravis) يسبّب تشنّجات وصعوبات في بلع الطعام. لذلك يحتاج أمل أن يتناول دواءً كلّ أربع ساعات.
في 2.11.20 حين كان أمل في طريقه إلى روابي مع أصدقائه قبض عليه جنود واعتقلوه. آنذاك اعتقلوه لمدّة 38 يوماً وفي 10.12.20 أفرجوا عنه. بعد ذلك استُدعي للمثول في مكاتب المخابرات الفلسطينيّة في يوم الاثنين الموافق 18.1.21 فاحتجزوه في تلك اللّيلة وأفرجوا عنه في اليوم التالي. بات في المنزل ليلة واحدة فقط وفي يوم الأربعاء ليلاً أو فجر يوم الخميس عند السّاعة 3:00، اقتحم منزلنا جنود وعناصر من "الشاباك" وفتّشوا المنزل. بعد ذلك أمروا أمل أن يرتدي ملابسه ويأخذ أدويته ثمّ اعتقلوه. توجّهت فوراً إلى مؤسسة الضمير وطلبت منهم أن يستعلموا إلى أين أخذوه. اتصلوا بي لاحقًا وأخبروني أنّ "الشاباك" نقل أمل إلى سجن "مجيدو" وأنّه رهن الاعتقال الإداريّ.
منذ ذلك الحين مدّدوا اعتقاله ثلاث مرّات وقال لنا المحامي إنّهم قد يمدّدون الاعتقال مرّة رابعة وهذا ممّا يُضاعف قلقنا وتوتّرنا. حياتنا مضطربة إذ لا نحظى بلحظة هدوء واحدة فنحن قلقون عليه طوال الوقت. وضعه الآن مستقرّ ولم يحدُث أيّ تدهوُر ولكنّ استمرار اعتقاله مع مرضه يجعله في خانة الخطر.
في 19.9.21 عندما مدّدوا اعتقال أمل للمرّة الثالثة كان الأمر أصعب وأكثر إيلاماً من المرّات السّابقة لأنّهم وخلافاً للمرّات السّابقة لم يُخبرونا قبل انتهاء مدّة اعتقاله بأسبوع أنّهم عازمون على التمديد، لذلك كان لدينا أمل كبير في أنّهم سيُفرجون عنه. أحسست أنّ كلّ شيء يجري كما في التصوير البطيء. كنت أحسب الوقت وأتخيّل: ها هو أمل يخرج الآن من السّجن، ها هو يصل، يطرق باب منزلنا، ويتمّ اللّقاء - حلم يتحقّق. ولكن هذا كلّه سلبوه منّا في اللّحظة الأخيرة إذ اتّصل محاميه وأخبرنا أنّهم مدّدوا اعتقال أمل لمدّة أربعة أشهر أخرى وقال إنّ هذا حدث تمامًا في اللّحظة التي كان يُفترض أن يُفرج عنه فيها.
منذ اعتقال أمل قدّمنا عدّة مرّات طلبات تصريح لكي نزوره ولكنّهم سمحوا لي ولوالدته بزيارته مرّة واحدة فقط وذلك في نيسان 2021. رأيناه من خلف حاجز زجاجيّ ولم نستطع حتى أن نعانقه. استمرّت الزيارة أربعين دقيقة وبالكاد سألناه كيف حالك واستفسرنا منه عن وضعه الصحّي. كان متعباً وواهناً. قال لنا إنّه يتناول دواءه بشكل منتظم ومع ذلك راودني شعور بأنّه يقول ذلك فقط لكي يطمئننا. منذ تلك الزيارة ونحن نقدّم الطلبات كلّ شهر ولكنّهم رفضوها جميعاً. قالوا إنّ السّبب هو أنّني أسير سابق ولذلك فزوجتي أيضاً ممنوعة من الزيارة. نحن دائبون على تقديم الطلبات كلّ شهر. في إحدى المرّات أبلغونا عبر الصّليب الأحمر أنّه تمّت الموافقة على الزيارة ولكن بعد خمسة أيّام أبلغنا الصّليب الأحمر فجأة أنّ "الشاباك" تراجع وبالتالي ألغيت الموافقة. كان ذلك صعباً علينا جدّاً. قبل خمسة أيّام تلقّينا خبراً بأنّ هناك موافقة وسوف نذهب في زيارة 8.11.21 ولكن الآن أنا ووالدة أمل نعيش في توتّر خشية أن يُلغوا الموافقة مرّة أخرى.
متابعة: في 8.11.21 والد وشقيق أمل نخلة زاراه في السجن.
أدناه صفاء الهريمي (43 عاماً) أمّ لخمسة أبناء من سكّان وادي رحال في محافظة بيت لحم، تحدّث عن اعتقال ابنها سامي البالغ من العمر 17 عاماً - من إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش:
الصورة
سامي الهريمي, 17. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
ابني سامي يعمل في إدارة حانوت بقالة صغيرة للعائلة. في 20.9.21 حين كان نائماً في فراشه اقتحم جنود منزلنا. كان سامي يصرخ أنّه لم يفعل شيئاً وأنّه لا يريد الدّخول إلى السّجن. في البداية أخذوه للتحقيق في المسكوبيّة وبعد عشرة أيّام أصدروا بحقّه أمر اعتقال إداريّ لمدّة أربع أشهر. قال لنا المحامي إنّ الاعتقال كما يبدو متعلّق بتحريض عبر فيسبوك وهذا كل ما يعلمه. في البداية لم نعرف أيضاً إلى أيّ سجن أخذوه إلى أن توجّهنا لمكتب الدفاع عن الفرد "هموكيد" وعلمنا أنّ سامي معتقل في سجن "عوفر".
لا أعرف لماذا اعتقل الجيش ابني. كان يعمل في البقّالة من الصّباح وحتى اللّيل. حياتي صعبة جدّاً في غيابه. أفكّر فيه طوال الوقت، عندما نجتمع لتناوُل الطّعام وعندما أدخل إلى غرفته وأرى سريره فارغاً. أحياناً أبكي. طوال الوقت أتّصل بالمحامي لكي أرى ما إذا وصلته معلومات جديدة وأسأله هل زار سامي. أحاول أن أستوضح هل سيعود إلى المنزل مع إتمام أشهُر الاعتقال الأربعة، ولكن لا أحد يعلم. أنا قلقة كثيراً على سامي فهو ما زال صغيراً ولا يعرف كيف يُجابه مثل هذه التجربة. رأيت بأمّ عيني كم كان خائفاً حين اعتقلوه.
أدناه تحدّث أسماء منصور (37 عاماً) أمّ لأربعة أبناء من سكّان جنين، عن اعتقال ابنها محمد البالغ من العمر 17 عاماً - من إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السّعدي:
الصورة
محمد منصور, 17. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
فجرَ يوم 8.4.21 اقتحم جنود منزلنا وهو أمر لم يحدث لنا من قبل. خلعوا الباب فيما كنّا نائمين فاستيقظنا على صُراخ الجنود. اتّجهنا فوراً نحو المدخل لكي نمنع الجنود من اقتحام غرف الأولاد وفي هذه الأثناء استيقظوا بسبب الصّراخ فخرجوا من غرفهم. ثلاثة من أولادنا يعيشون معنا في المنزل: أمل (17 عاماً) وماسة (16 عاماً) ومريم (11 عاماً).
انقضّ الجنود فوراً على محمد. رأيت أحدهم يضربه على رأسه بالبندقيّة. جنديّ آخر كبّل يدي محمد ثمّ أدخلوه إلى إحدى الغرف. بعد مضيّ خمس دقائق تقريباً أخرجوه من المنزل ولم يسمحوا لنا أن تعطيه ملابس أو أن نودّعه ونعانقه. لقد صادروا هاتفه الخلوي أيضاً. حين طلبت منهم أن يسمحوا لي بوداعه أخذوا يصرخون عليّ ولم يتيحوا لي حتى الاقتراب منه. حين أخرجوا محمد من المنزل انتابتني صّدمة من المشهد الذي رأيته - عشرة جنود كانوا يطوّقون المنزل من كلّ الجهات وكان معهم شخص بلباس مدنيّ يغطّي وجهه بلثام.
بعد أن اعتقلوا محمد أخذوه للتحقيق في سجن الجلمة وكان موقوفاً هناك طيلة 28 يوماً. بعد ذلك نقلوه ليقضي الاعتقال الإداريّ في سجن مجيدو. أمر الاعتقال الأوّل كانت مدّته ستّة أشهُر كان يُفترض أن تنتهي في 8.10.21 وعليه فقد توقّعنا أن يُفرجوا عنه غير أنّهم اتّصلوا بنا من السّجن قبل نفاد المدّة بيوم واحد وقالوا لنا أن لا نأتي لاستقباله لأنّه قد جرى تمديد اعتقاله لمدّة أربعة أشهُر أخرى أي حتى 8.2.22. كان أمراً لا يُصدّق.
حتى اليوم لا يزال ينتابُني الهلع كلّما تذكّرت يوم أن أتوا واعتقلوه. قبل اعتقاله بيوم واحد كان لديه امتحان وقد حصل فيه على علامة 100. اعتقاله يحرمه من مُواصلة تعليمه الثانوي ويسلبني فرحة تخرّجه بنجاح. أخشى كثيراً أن يستمرّ اعتقاله لوقت طويل فيدمّروا بذلك حياته ومستقبله. كان أمل محمد أن يسافر ويتعلّم في الخارج بعد تخرّجه من الثانويّة.
منذ أن اعتقلوا محمد سمحوا لنا بزيارته فقط مرّة واحدة وكان ذلك بعد مرور ستّة أشهر وخمسة أيّام على الاعتقال. لا أستطيع أن أصف لكُم كم هُو مُزعزع أن ترى ابنك من خلف الزجاج. تحدّثنا معه طوال 45 دقيقة عبر الهاتف - وهو خلف الزجاج - أمضيناها نبكي أنا ووالده. منذ ذلك الحين لا يستطيع زيارته أحد سوى محاميه.
يقاطع جميع المعتقلين الإداريّين الفلسطينيّين منذ 1.1.22 جلسات المحاكم التي تنظر في أوامر اعتقالهم. حتى الآن لم تعقّب أيّة جهة رسميّة على الحجج التي طرحها المعتقلون وتواصل المحاكم النظر في الأوامر كأنّ شيئاً لم يكن. منذ بدأت المقاطعة نظرت المحاكم في عشرات الملفّات رغم تغيّب المعتقلين ومحاميهم عن الجلسات. ما يودّ المعتقلون إيضاحه هو أنّ إجراءات المحاكم الخاصة بالنظر في أوامر الاعتقال الإداريّ ليست سوى مسرحية يُراد منها الإيهام بوجود رقابة قضائيّة بينما يمثل المعتقلون مجرد "كومبارس" في هذه المسرحيّة الرامية إلى شرعنة حبسهم. وما إصرار الدولة على مواصلة عقد هذه الإجراءات كالمعتاد سوى إثبات على صحة الحجج التي يطرحونها وتجسيد لحقيقة أن لا معنى ولا أهمية لحُضورهم الجسدي في هذه المداولات. تُظهر معطيات الجيش الرسميّة أنّ المحاكم العسكريّة تُلغي نسبة ضئيلة جدّاً فقط من أوامر الاعتقال التي تنظر فيها. في معظم الحالات يقبل القُضاة اعتبارات القائد العسكريّ دون أيّ اعتراض وأقصى ما فعلوه هو الإيعاز بتقصير مدّة الاعتقال قليلاً: في الفترة الواقعة بين العامين 2009 و 2013 تم إصدار 3,996 أمر اعتقال إداريّ . من بين الأوامر التي نظرت فيها خلال تلك الفترة، صادقت المحاكم على 2,422 أمراً (نحو 60%) وقصّرت مدة الاعتقال في 1,052 منها (نحو 26%) دون أية قيود على إمكانيات تمديدها مرة ثانية بينما لم تلغ المحاكم سوى 99 أمراً فقط (2.5%) وقصّرت مدة الاعتقال في 196 أمراً (5%) مع تقييد إمكانيّة تمديدها. أما الأوامر الـ 214 المتبقّية (5.3%) فقد أقرّتها المحاكم مع تقييد إمكانيّة تمديد فترة الاعتقال. في الفترة الواقعة بين العام 2015 ونهاية تمّوز 2017 نظرت المحاكم العسكريّة في 3,909 أوامر اعتقال إداريّ. من بين الأوامر التي نظرت فيها خلال تلك الافترة، صادقت المحاكم على 2,953 منها (نحو75%) وقصّرت مدة الاعتقال في 390 أمراً (نحو 10%) دون تقييد إمكانيّة التمديد وألغت 48 أمراً (1.2%) بينما قصّرت مدة الاعتقال في 181 أمراً (4.6%) مع تقييد إمكانيّة التمديد. أما الأوامر الـ 320 المتبقّية (8.1%) فقد وافقت المحاكم على فترة الاعتقال مع تقييد إمكانيّة التمديد. يُنفّذ الاعتقال الإداري بناءً على قرار يُصدره قائد المنطقة العسكريّ، دون تقديم لائحة اتهام ودون محاكمة. فالتشريعات العسكريّة تتيح اعتقال أيّ شخص لمدّة ستّة أشهُر يمكن تمديدها دون أيّ تقييد بحيث تكون مدّة الاعتقال غير محدّدة ولا يمكن أن يعرف المعتقل متى يمكن الإفراج عنه. خلال ثمانية أيّام من يوم إصدار أمر الاعتقال الإداري أو من يوم تمديده ينبغي إجراء رقابة قضائيّة وإحضار المعتقل للمثول أمام قاضٍ يكون مخولاً صلاحية المصادقة على أمر الاعتقال أو إلغائه أو تقصير مدّة الاعتقال. يمكن للمعتقل تقديم استئناف على قرار القاضي أمام محكمة الاستئناف العسكريّة بل وتقديم التماس إلى محكمة العدل العليا أيضاً. لكن في الواقع لا تمارس المحاكم العسكريّة أيّة رقابة قضائيّة على أوامر الاعتقال الإداريّ وإنّما تؤدّي دورها في مسرحيّة يُراد منها الإيهام بوجود رقابة كهذه. فالقضاة يقبلون دون أي اعتراض ما يسوقه جهاز "الشاباك" من ادعاءات بشأن "خطورة" الشخص المُعتقل والتي تبرر اعتقاله بصورة فورية. هذه الادعاءات التي يقدّمها "الشاباك" تستند إلى أدلّة تبقى سريّة ولا يمكن للمعتقل أو محاميه الاطّلاع عليها. وهكذا فالمعتقل لا يعرف سبب زجّه في السّجن ولا يملك وسيلة لدحض الادّعاءات المتوفرة ضده، ظاهرياً. أحياناً يطلب القضاة الاطلاع بأنفسهم على الموادّ السريّة بينما يمتنعون في أحيان أخرى عن النظر في هذه المواد ولا يحاولون حتى استيضاح ماهيّة المعلومات التي يستند إليها أمر الاعتقال. في الحالتين يبقى المعتقل نفسه مجرّداً من أيّة إمكانية لمجابهة تلك المعلومات الأمر الذي ويُفرغ الإجراء القضائيّ من أيّ مضمون. تكمن المشكلة الأساسيّة في هذه الإجراءات القضائيّة الخاصة بالاعتقال الإداري في أنّ فرضيّة العمل التي يعتمدها القُضاة هي انّ هذا الاعتقال هو وسيلة قانونيّة. السّؤال الوحيد الذي ينظرون فيه هو مدى معقوليّة اعتبارات قائد المنطقة العسكريّ في الحالة العينية التي أمامهم. لكنهم لا ينظرون في قانونيّة الصّلاحيّة نفسها إطلاقاً. بذلك يتجاهل القُضاة تماماً حقيقة أنّ إسرائيل تستخدم الاعتقال الإداريّ على نحو يجعله غير قانوني. خلافاً لأحكام القانون الدوليّ التي تقيّد اللّجوء إلى هذه الوسيلة، تستخدم إسرائيل الاعتقال الإداريّ على نحو واسع وروتيني إذ زجّت على مرّ السّنين بآلاف الفلسطينيّين في سجونها دون محاكمة ودون أن تُطلعهم على الاتّهامات الموجّهة إليهم ودون أن تمكّنهم ومحاميهم من الاطّلاع على الأدلّة ودون أن تُبلغهم متى سيتمّ الإفراج عنهم. وفقاً لمعطيات مصلحة السجون الإسرائيلية، تحتجز إسرائيل اليوم 579 فلسطينيين رهن الاعتقال الإداري. في سنوات الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية احتجزت إسرائيل مئات عديدة من الفلسطينيّين بموجب أوامر الاعتقال الإداريّ. منذ آذار 2002 لم يمرّ شهر واحد كان فيه عدد المعتقلين الإداريّين أقل من مائة وفي جزء من العام 2003 (خلال الانتفاضة الثانية) بلغ عددهم أكثر من ألف معتقل. يختلف الاعتقال الإداريّ عن عقوبة السّجن التي توقعها المحاكم بشخص ما بعد إدانته بارتكاب مخالفة وغايتها الرسميّة من ذلك ردعه عن إعادة ارتكابها مستقبلاً، لا معاقبته على مخالفة ارتكبها سابقاً. إلّا أنّ إسرائيل تستخدم الاعتقال الإداريّ كبديل سهل ومُريح عن الإجراء الجنائيّ وخاصّة حين لا تملك السّلطات أدلّة تثبت التهمة أو حين لا ترغب في كشف الادلّة التي تزعم أنّها في حوزتها. كما تستغل إسرائيل الاعتقال الإداريّ لوضع فلسطينيّين رهن الاعتقال جرّاء آرائهم السياسيّة ونشاطهم السياسيّ السلميّ فقط. يوضع المعتقلون رهن الاعتقال الإداريّ لفترات طويلة تتراوح ما بين عدّة أشهر وعدّة سنوات إذ يجري تمديدها المرة تلو الأخرى وكثيراً ما يصدر أمر الاعتقال الجديد قبَيل انتهاء فترة أمر الاعتقال السّابق بينما يكون المعتقل مقتنعاً بأنه قد أصبح على وشك العودة إلى منزله وبينما تكون أسرته قد أصبحت تتوقع عودته إليها. فتمديد الاعتقال ليس أمراً استثنائيّاً. هنا بعض الأمثلة: في نهاية آب 2012 كانت إسرائيل تحتجز 184 فلسطينيّاً رهن الاعتقال الإداريّ بضمنهم 29 مضى على اعتقالهم ما بين نصف سنة وسنة (ما يعني أنّه قد جرى تمديد اعتقالهم مرّة واحدة على الأقلّ) و 106 مضى على اعتقالهم أكثر من سنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّتين على الأقلّ). في نهاية آب 2016 كانت إسرائيل تحتجز 652 فلسطينيّاً رهن الاعتقال الإداريّ بضمنهم 279 مضى على اعتقالهم ما بين نصف سنة وسنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّة واحدة على الأقلّ) و96 مضى على اعتقالهم أكثر من سنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّتين على الأقلّ). في نهاية آب 2020 كانت إسرائيل تحتجز 355 فلسطينيّاً رهن الاعتقال الإداريّ بضمنهم 134 مضى على اعتقالهم ما بين نصف سنة وسنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّة واحدة على الأقلّ) و54 مضى على اعتقالهم أكثر من سنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّتين على الأقلّ). الاعتقال الإداريّ وسيلة قاسية يستخدمها النظام الإسرائيليّ ضدّ الفلسطينيّين بشكل واسع ومخالف للقانون. زيادة على ما في لاعتقال نفسه من مصاعب ورداءة الظروف في السّجون وعزل المعتقل عن أسرته وأصدقائه ومحيطه يُضاف أيضاً ظلم إبقاء المعتقل في حالة التساؤل وعدم الوضوح سواء بشأن سبب اعتقاله أو بشأن موعد الإفراج عنه. يجري النظر في أوامر الاعتقال الإداريّ أمام محاكم عسكريّة يجلس فيها قضاة ومدّعون إسرائيليّون بالزيّ العسكريّ ويعملون بموجب أوامر عسكريّة. بعض الأوامر يتمّ الاستئناف عليها في التماسات إلى محكمة العدل العليا وهناك ينظر فيها قضاة المحكمة العليا. هؤلاء أيضاً لا يمثّلون مصالح المجتمع الفلسطينيّ، مجتمع المعتقلين الماثلين أمامهم، وإنّما مصالح نظام الاحتلال الإسرائيليّ. وبكونهم كذلك، فمن غير الممكن أن يقوموا بدور المحكَّم الحياديّ الذي يسعى لإحقاق العدالة. بدلاً من ذلك، يشكل هؤلاء القضاة إحدى الآليات المركزية في منظومة تكريس السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيّين في الضفة الغربيّة.
في ساعات الفجر من يومي 25.6.20 و-7.7.20 اقتحم عشرات الجنود منزلين لعائلة أبو هشهش في مخيّم الفوّار للّاجئين بحجّة البحث عن ثلاثة مطلوبين من أفراد العائلة. دخل الجنود إلى المنازل بدون كمّامات واقية. في المنزل الأوّل ضربوا ثلاثة من أفراد الأسرة وفجّروا خزانة كهرباء في مصلحة تجاريّة لأحد أفرادها. في المنزل الثاني حرّضوا كلباً على ثلاثة من أفراد الأسرة وضربوا أحدهم. الجدير بالذكر أنّه لا توجد أيّة شبهة ضدّ الأسرتين نفسيهما ورغم ذلك اتّصل بهما فور انتهاء الاقتحامين شخص من "الشاباك" يطالب بتسليم المطلوبين ويتوعّد إحداهما بصريح العبارة أنّ الجنود سوف يعودون إلى المنزل ويجعلونه "ساحة حرب" إذا لم يسلّم المطلوبون أنفسهم. اقتحام الجيش لمنازل الفلسطينيّين في دُجى اللّيل وإفزاع الأسر من نومها بما في ذلك الأطفال الصّغار والرضّع أصبح منذ زمن بعيد جزءاً من الروتين الذي أنشأه ويديره نظام الاحتلال في الضفة الغربيّة. هذه الاقتحامات - التي اشتملت في الحالة التي أمامنا على ممارسة العُنف ضدّ أفراد العائلة وترهيبهم وإتلاف ممتلكاتهم - تحدث دون أن يحتاج الجنود إلى أوامر تفتيش أو حتّى تقديم أسباب أيّاً كانت. إنّه فقط مثال آخر على الطريقة التي يستغلّ بها الجيش قوّته حتى في أيّام الوباء العصيبة هذه حيث يعمّ الحجر الصحّي معظم مناطق الضفة الغربيّة وحيث الخوف والقلق لدى السكّان أعلى من أيّ وقت آخر. أدناه وصف للأحداث وأقوال من إفادات سجّلها باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش، الذي يصادف أنّه أحد أفراد العائلة الضحيّة: 20، اقتحام منزل سناء ويوسف أبو هشهش نحو الرّابعة من فجر يوم الخميس الموافق 25.6.20 اقتحم ما يقارب 30 جنديّاً مبنًى في وسط مخيّم الفوّار للّاجئين الواقع جنوب غرب الخليل تسكنه عائلة أبو هشهش. يقيم في المبنى سبعة إخوة أربعة منهم متزوّجون يقيمون هناك مع عائلاتهم، ويبلغ مجمل عدد سكّان المبنى 25 شخصاً بضمنهم 12 طفلاً. زعم الجنود أنّهم أتوا للقبض على اثنين من الإخوة - سري (41 عاماً) ومحمد (50 عاماً) وكلاهما كان غائباً عن المنزل في تلك اللّيلة. في البداية اقتحم الجنود منزلاً في الطابق الأرضيّ يسكنه يوسف أبو هشهش (46 عاماً) وزوجته سناء (41 عاماً). أمر الجنود الزوجين وابنتهما جود (8 سنوات) أن يدخلوا إلى غرفة الصّالون. لدى دخول الجنود المنزل فرّ ابناهما وهما ياسين (17 عاماً) وآدم (19 عاماً) فيما بقي الابن إسلام (12 عاماً) نائماً. ابنهما الرابع محمود (20 عاماً) كان يبيت في تلك اللّيلة لدى أعمامه في الطابق الأوّل. تولّى ثلاثة جنود حراسة أفراد الأسرة واقفين عند باب الغرفة شاهرين أسلحتهم فيما صعد بقيّة الجنود إلى الطابق الأوّل حيث يقيم ثلاثة من الإخوة العازبين. حين فتح يعقوب (33 عاماً) باب المنزل عاجله جنديّ بضربة بعقب البندقيّة على أنفه تسبّبت في كسره ثمّ اقتادوه إلى صالون الطابق الأرضيّ مع أخيه إبراهيم (42 عاماً) ومنعوا الأخير من ارتداء ملابس ملائمة. كذلك انتزع أحد الجنود محمد ابن يوسف وسناء من فراشه حيث كان يبيت في منزل أعمامه وجرّه من شعره إلى صالون الطابق الأرضيّ حيث منزل والديه. واصل الجنود إلى الطابق الثاني حيث يقيم ثلاثة إخوة متزوّجين كلّ مع أسرته. أحد المنازل كان خالياً في تلك اللّيلة. في المنزل الثاني سأل الجنود إياد أبو هشهش (54 عاماً) عن مكان شقيقيه سري ومحمد. وفي المنزل الثالث حين قال زياد (58 عاماً) إنّه لا يعرف أين شقيقاه ركله جنديّ وصفعه مرّتين ثمّ اقتاده الجنود بدوره إلى غرفة الصّالون نفسها في منزل سناء ويوسف أبو هشهش. بعد مضيّ نصف السّاعة أمر الجنود أفراد العائلة أن ينتقلوا إلى بيت الدّرج ثمّ فجّروا بموادّ متفجّرة خزانة كهرباء في ورشة حدادة في الطابق الأرضيّ يملكها يوسف أبو هشهش وغادروا. احتاج يعقوب أبو هشهش إلى عمليّة جراحيّة لمعالجة الكسر في أنفه وقد أجريت له في 29.6.20. فورَ خروج الجنود اتّصل بمنزل عائلة أبو هشهش مسؤول من "الشاباك" وتوعّدهم بأنّ الجنود سوف يعودون إليهم إذا لم يسلّم سري ومحمد أبو هشهش نفسيهما إلى الجيش. بعد ذلك وعلى مدار ثلاثة أيّام كان مسؤول "الشاباك" يتّصل بعدد من أفراد الأسرة عدّة مرّات ويكرّر التهديد والوعيد. في اليوم الثالث سلّم سري أبو هشهش نفسه في حاجز الفوّار حيث اعتُقل وخضع للتحقيق لدى "الشّاباك" ومن ثمّ صدر في حقّه أمر اعتقال إداريّ لمدّة ثلاثة أشهر. في الوقت الحاليّ يُمضي سري الاعتقال في سجن "عوفر". أدناه إفادة سناء أبو هشهش (41 عاماً) وهي متزوّجة وأمّ لخمسة أبناء - أدلت بها في 1.7.20 محدّثة عن أحداث ذلك اليوم: في يوم الخميس الموافق 25.6.20 قرب السّاعة 4:00 فجراً استيقظت مذعورة بسبب طرقات على باب المنزل. توجّه زوجي لكي يفتح الباب وفجأة اقتحم منزلنا عشرات الجنود. أحد الجنود وهو الضابط على الأرجح أمرنا أن ندخل غرفة الصّالون وقال للجنود أن يفتّشوا المنزل. أدركت أنّهم يبحثون عن سلفي سري وسلفي محمد اللّذان كانا غائبين عن المنزل في ذلك الوقت. دخلنا إلى الصّالون أنا وزوجي وابنتنا الصّغيرة جود ابنة الـ8 أعوام. فرّ اثنان من أبنائي وهما آدم (19 عاماً) وياسين (17 عاماً) من المنزل حين دخل الجنود فيما واصل ابني إسلام (12 عاماً) – نومه. أمّا ابني محمود (20 عاماً) فلم يبت في المنزل في تلك اللّيلة وإنّما في منزل أعمامه في الطابق الأوّل من البناية نفسها. كانت طفلتي جود خائفة جدّاً. لم يحدث من قبل أن اقتحم جنود منزلنا. كانت تبكي وتتمسّك بي بقوّة. بعد دقائق معدودة دخل سِلفي يعقوب إلى الصّالون. كان مصابًا في أنفه الذي بدا معوجّاً نحو اليمين. بعد عدة دقائق أخرى دخل سِلفي الثاني إبراهيم وكان حافياً وشبه عارٍ حيث ارتدى "بوكسر" فقط. خجلت عندما رأيته في هذه الحال وهو أيضاً شعر بالخجل. عند مدخل الصّالون كان يقف ثلاثة جنود وهُم يوجّهون سلاحهم نحونا. أحدهم قال لنا ممنوع القيام بأيّة حركة وممنوع الكلام. بعد بضع دقائق دخل إلى الصّالون سِلفي زياد ثمّ بعدَه بدقائق دخل ابني محمود. لاحقاً قال لي محمود إنّ الجنود دخلوا إلى الغرفة التي كان نائماً فيها وإنّ أحدهم لكمه ثمّ جرّه من شعره وظلّ يجرّه حتى جلبه إلى الصّالون. احتجزونا طوال نصف ساعة تقريباً ثمّ أمرونا بدخول بيت درج البناية والوقوف هناك. دخل بعض الجنود إلى حظيرة المواشي المجاورة للعمارة حيث توجد هناك أيضاً محددة زوجي. بعد دقائق عدّة سمعت انفجاراً ثمّ غادر الجنود البناية ونحن دخلنا المنزل بدورنا. كنت أهدّئ من روع طفلتي جود وأنا نفسي مصدومة. بعد ذلك توجّهنا إلى المحددة فوجدنا خزانة الكهرباء قد فجّرها الجنود. كانت هذه من أصعب التجارب التي عشتها في حياتي. من جهة صعوبة حبسي وطفلتي في غرفة وحرَجي أمام سِلفي وهو شبه عارٍ ومنظر الجنود وهم يشهرون أسلحتهم في وجوهنا طوال الوقت. ومن جهة ثانية كنت قلقة على ولديّ ياسين وآدم لأنّهما خارج المنزل وخفت أن يكون الجنود قد ضربوهما مثلما ضربوا يعقوب وربّما اعتقلوهما. خشيت أيضاً أن تقع مواجهة بين الجنود وإخوة زوجي فيطلق الجنود الرّصاص عندئذٍ. زوجي يوسف هو المعيل الوحيد للأسرة والآن سيتدهور وضعنا المادّي بعد أن فجّروا له خزانة الكهرباء في المحددة. لقد ألحقوا بالمحلّ أضراراً بآلاف الشواكل فضلًا عن أن العمل لديه ضعيف في الآونة الأخيرة بسبب الكورونا. لقد عاقبوني وعاقبوا أسرتي على أمرٍ لا علاقة لنا به. عاقبونا فقط لأنّنا نقيم في البناية نفسها. عن أحداث ذلك اليوم حدّث يعقوب أبو هشهش في إفادة أدلى بها في 26.6.20: تقريباً عند السّاعة 4:00 فجراً استيقظت على صوت جلبة في بيت درج البناية. فتحت باب غرفتي وإذ بجنديّ يضربني على أنفي بعقب بندقيّته. عندما خرجت من الغرفة شاهدت عدداً كبيراً من الجنود قد اقتحموا البناية وانتشروا داخلها. آلمني أنفي كثيراً وقبل أن أستوعب ما يجري جرّني جنديّان إلى الطابق الأرضي وأدخلوني إلى غرفة الصّالون في منزل أخي يوسف. كان في الغرفة يوسف وسناء زوجته وابنتهما الصغيرة. وقف ثلاثة جنود عند مدخل الغرفة موجّهين أسلحتهم إلينا. بعد دقائق معدودة جلبوا إلى الصالون أخي إبراهيم وكان شبه عارٍ لا يرتدي سوى "بوكسر" ثمّ بعد عدّة دقائق أخرى جلبوا أيضاً أخي زياد ثمّ محمود ابن أخي. وضعت يدي على أنفي وحاولت وقف النزيف وكنت أعاني ألماً شديداً. سناء كانت مذعورة وكذلك ابنتها. كانت الطفلة تمسك بأمّها وتبكي. بعد مضيّ نصف السّاعة تقريباً أخرجنا الجنود إلى بيت الدّرج ودخلوا إلى محددة أخي يوسف. سمعنا انفجاراً. بعد ذلك تبيّن لنا أنّهم قد فجّروا خزانة الكهرباء. قبل أن يغادر الجنود أمرونا أن نُبلغ أخوينا محمد وسَري أنّ عليهما تسليم نفسيهما. في الصّباح ذهبت إلى المستشفى الأهلي في الخليل حيث أجريت لي فحوصات وصور أشعّة تبيّن فيها أنّ هناك كسر في عظمة الأنف. قرّر الأطبّاء أنّني أحتاج عمليّة جراحيّة وتمّ تعيين الموعد في 29.6.20. أدناه إفادة زياد أبو هشهش عن أحداث ذلك اليوم، وهو متزوّج وأب لولدين - أدلى بها في 2.7.20: استيقظت على صوت طرقات قويّة على باب المنزل. فتحت الباب بسرعة وشاهدت أمامي أربعة جنود أخذوا يسألونني عن أخي سَري. قلت لهم إنّني كنت نائماً ولا أعرف أين هو. صفعني أحد الجنود وأخذ يكرر السؤال نفسه. أجبته بأنّني لا أعرف وعندها صفعني مرّة ثانية وركلني في بطني ثمّ أمرني أن أخرج من المنزل بسرعة. في ذلك الوقت لم تكن زوجتي والأولاد في المنزل إذ ذهبت لزيارة والديها. اقتادني الجنود إلى الطابق الأرضيّ وأدخلوني إلى غرفة الصّالون في منزل أخي يوسف وزوجته سناء. في الصّالون كانت أيضاً الطفلة جود ابنة يوسف وسناء وكان أخي يعقوب وقد لاحظت أنّه مصاب في أنفه وأخي إبراهيم الذي كان شبه عارٍ. بعد دقائق معدودة جلبوا أيضاً محمود ابن أخي إلى الصّالون. احتجزونا قرابة نصف السّاعة وفي هذه الأثناء فتّشوا منزل يوسف وحظيرة الأغنام ثمّ أمرونا بالوقوف في بيت الدّرج. بعد دقائق معدودة سمعت صوت انفجار من ناحية محددة يوسف. أتى الجنود يبحثون عن شقيقيّ محمد وسري ولم يكونا في المنزل. سري سلّم نفسه في حاجز الفوّار بعد ثلاثة أيّام تلقّينا خلالها عبر الهاتف تهديدات من مسؤول في "الشاباك" يُدعى نضال. توعّدنا هذا الشخص باقتحام المنزل ثانية وجعله ساحة حرب. 7.7.20، اقتحام منزل أريج وموسى جميل أبو هشهش: في الخامسة والنصف من صباح يوم الثلاثاء الموافق 7.7.20 اقتحم نحو 20 جنديّاً منزل موسى أبو هشهش (51 عاماً) وزوجته أريج (41 عاماً) وأبنائهما الخمسة المتراوحة أعمارهم بين 10 - 20 عاماً. تربط الزوجين قرابة بعيدة بالإخوة أبو هشهش المذكورين أعلاه. أتى الجنود ومعهم كلب وقالوا إنّهم أتوا بهدف اعتقال الابن محمد (19 عاماً) والذي لم يكن في المنزل حينذاك. صعد الجنود إلى الطابق الأوّل وخلعوا الباب الخارجي المؤدّي إلى صالون الاستقبال. في ذلك الوقت كان الابن أيسر (16 عاماً) يجلس في الصّالون فهجم الكلب عليه فوراً ثمّ تركه وخرج من الغرفة ثمّ عاد وانقضّ عليه ثانية. أمسك أيسر الكلب من رأسه وثبّته ومنعه من التحرّك لكنّ أحد الجنود صرخ عليه وأمره أن يترك الكلب. بعد ذلك أوقف أحد الجنود أيسر ووجهه نحو الحائط ويداه مرفوعتان للأعلى. بعض الجنود توجّهوا إلى بقيّة غرف المنزل. هجم الكلب على أريج ودفعها نحو الحائط ثمّ هاجم موسى الأب وأوقعه أرضاً. يُذكر أنّ الأب يعاني صعوبات في النطق والمشي. بعد ذلك هجم الكلب مرّة أخرى على الأب وهو ملقىً أرضاً. بعد أن نهض موسى وجلس على كرسيّ قبالة غرفة نومه أمره جنديّان بالجلوس في غرفة الصّالون وعندما رفض جرّه أحدهما من ذراعه واقتاده إلى الصّالون. بعد ذلك أمر الجنود بقيّة أفراد الأسرة أن يدخلوا غرفة الصّالون. اقتاد الضابط أيسر إلى إحدى غرف النوم وهناك سأله عن مكان أخيه محمد وكلّما أجاب أيسر أنّه لا يعرف كان الضابط يضربه. بعد مضيّ نصف السّاعة غادر الجنود المنزل ثمّ فوراً بعد ذلك اتّصل مسؤول من "الشاباك" بهاتف المنزل (الخطّ الأرضيّ) وتوعّد الأمّ قائلاً إنّ الجنود سوف يقتحمون المنزل ثانية في اليوم نفسه إذا لم يسلّم ابنها نفسه. نحو السّاعة 6:30 من صباح اليوم نفسه ذهب محمد إلى الحاجز وسلّم نفسه ومن هناك اقتيد إلى التحقيق في عسقلان ثمّ إلى منشأة "الشاباك" في المسكوبيّة ومن هناك إلى سجن "عوفر" حيث لا يزال موقوفاً حتى الآن. أدناه إفادة أيسر أبو هشهش حول أحداث ذلك اليوم - أدلى بها في 23.7.20: في ذلك الصّباح كنّا أنا وأخي محمد في الصّالون نلعب "ببجي" بواسطة الهاتف ثمّ طلب أحد أقاربنا من محمد أن يساعده في تفريغ حُمولة سولار في المحطة القريبة من منزلنا فذهب محمد واستبدلت أنا ملابسي استعداداً للنّوم. سمعت جلبة في بيت الدّرج فظننت أنّه محمد. خرجت لكي أفهم منه لماذا عاد بهذه السّرعة ولكنّني فوجئت بجنود يصعدون إلى الطابق الذي نسكنه. أغلقت الباب وجلست على الكنبة وتظاهرت بأنّني منشغل بالهاتف. بعد عدّة دقائق خلع الجنود الباب فانقض عليّ كلب بنّي للحظة ثمّ تركني وخرج من الغرفة ثمّ عاد وهاجمني ثانية. أمسكت بالكلب من رأسه وحاولت إبعاده عنّي وعندئذٍ صرخ عليّ أحد الجنود يأمرني بأن أترك الكلب. خرج الكلب من الغرفة فأمرني الجنديّ نفسه أن أقف ووجهي للحائط وأن أرفع يدي إلى الأعلى. سمعت والدتي تصرخ خارج الغرفة ولم أعرف ما الذي يجري في بقيّة أنحاء المنزل. شاهدت جنديّين أحدهما يُمسك بوالدي ويجرّه نحو الصّالون. بعد عدّة دقائق جلبوا والدتي إلى الصّالون ثمّ بعد دقائق معدودة أخرى جلبوا شقيقتي أثير (21 عاماً) وشقيقتي بتول وهي توأمي وأخي الصغير تميم البالغ من العمر عشر سنوات. كان الجنود يدخلون ويخرجون وقد سمعت جلبة تأتي من أنحاء المنزل. أحد الجنود وهو الضابط في اعتقادي وقف خلفي وصفعني ثلاث مرّات في مؤخرة عنقي. أخذ يسألني عن أخي محمد فأجيبه أنّني لا أعرف أين هو وعندئذٍ أمسكني من خدّيّ وقال لي إنّني أكذب. بعد ذلك تركني وتوجّه نحو والدي وسأله عن محمد لكنّ والدي لم يُجبه. قالت والدتي للضابط إنّه لا يمكن الاتّصال بمحمد في الوقت الحاليّ لأنّ هاتفه قد تعطّل. بعد ذلك أخرجني الضابط من الصّالون واقتادني إلى غرفة شقيقتي وصار يدفن وجهي في فرشة سريرها ويسألني مرّة أخرى عن محمد - أين هو وأين يخبّئ السّلاح وكلّما أجبته بأنّني لا أعلم كان يوجّه لكمة إلى ظهري. بعد أن تكرّر ذلك عدّة مرّات وواصلت أنا الإجابة بأنّني لا أعلم ضربني بعقب بندقيّته على ظهر من أعلى ثمّ رفعني عن السّرير وأعادني إلى غرفة الصّالون وهناك أمرني أن أقف ووجهي إلى الحائط. في هذه الأثناء فتّش الجنود المنزل. وقد سألوا والدتي عن الطابق الأرضيّ. خرج الجنود من الصّالون فظننت أنّهم غادروا المنزل. فتحت الباب لكي أتأكّد وعندئذٍ صرخ عليّ أحد الجنود يأمرني أن أغلق الباب. فورَ أن خرج الجنود حدّثت والدي ووالدتي وعمّي هاني الذي يقيم قربنا بما جرى في غرفة نوم شقيقتي. أدناه أقوال موسى جميل أبو هشهش حول أحداث ذلك اليوم - من إفادة أدلى بها في 23.7.20: استيقظت على صوت صراخ زوجتي وكانت تقف خارج غرفة نومنا. خرجت لأرى ما الأمر وقبل أن أستوعب ما يجري هجم عليّ كلب بنّي اللّون. أوقعني الكلب أرضاً ثمّ ركض نحو المرحاض وعاد يهاجمني مرّة أخرى وأنا ملقىً على الأرض. كنت مصدوماً لا أستوعب ما يحدث. فورَ أن نهضت وجلست على كرسيّ قبالة غرفة نومنا تقدّم منّي جنديّان وأمراني أن أتجه نحو الصّالون لكنّني تجاهلتهما. عندئذٍ جرّني أحدهما من ذراعي إلى الصّالون. سمعت زوجتي تصرخ وتقول لهم: "اتركوه إنّه مريض". حين دخلت إلى الصّالون شاهدت ابني أيسر يقف ووجه نحو الحائط ويداه إلى الأعلى. أجلسني الجنديّ على كرسيّ وبعد دقائق معدودة جلبوا أريج زوجتي إلى الصّالون وبعد ذلك جلبوا ابنتيّ أثير وبتول وابني تميم. شاهدت أحد الجنود وهو ضابط على ما أعتقد يصفع ابني أيسر على مؤخرة عنقه ويسأله أين محمد. حين كان أيسر يجيبه أنّه لا يعرف كان الضابط يُمسكه من طرفي خدّيه ويقول له إنّه يكذب. بعد ذلك أخذ الضابط يسألني عن محمد ويأمرني أن أتّصل به. تدخّلت زوجتي وقالت له إنّه لا يوجد هاتف مع محمد. سألني الضابط عن مرضي فلم أجبه. بعد ذلك رأيته يقتاد أيسر ويخرج به من الغرفة. بعد خمس دقائق تقريباً أعاده وأمره أن يقف مجدّداً ووجهه نحو الحائط ويداه نحو الأعلى. خرج الضابط من الغرفة وقبل ان يخرج أبقى جنديّاً لحراستنا فوقف هذا وهو يُشهر سلاحه نحونا. بعد مضيّ عدّة دقائق عاد الضابط وبقيّة الجنود إلى غرفة الصّالون وسألوا زوجتي ماذا يوجد في الطابق الأرضي ثمّ غادروا وأمرونا أن نبقى جالسين دون حراك. كان اقتحام منزلنا عنيفاً دون أيّ سبب. هجوم الكلب عليّ سبّب لي آلاماً في الذراع طوال أسبوع. أدناه أقوال أريج أبو هشهش - من إفادة أدلت بها في 23.7.20 نحو السّاعة 6:00 غادر الجنود ثمّ بعد ذلك بعشر دقائق تقريباً اتّصل شخص من "الشاباك" اسمه نضال وتحدّث معي بالعربيّة. قال لي إنّه يريد ابني محمد وإنّه يعلم أنّ محمد ليس مجرماً لكنّه مشتبه فيه بعدّة أمور وهو يريد أن يعاقبه بمقتضى القانون. قال إنّ على محمد أن يسلّم نفسه اليوم. لم أجبه بشيء. قال لي إنه سوف يُمهلني عشر دقائق للتفكير في الأمر ويعاود الاتّصال لكي يسمع ماذا قرّرت. بعد مضيّ عشر دقائق اتّصل ثانية فقلت له إنّ محمد سوف يسلّم نفسه. خفت إن لم يحدث ذلك أن يقتحم الجنود المنزل مرّة أخرى ويسبّبوا الذعر لكلّ أفراد الأسرة وخاصّة زوجي المريض. بعد وقت قصير وصل سِلفي هاني ورافق محمد إلى الحاجز الواقع عند مدخل المخيّم. سلّم محمد نفسه للجنود. علمت أنّهم في البداية أخذوه إلى سجن عسقلان ومن هناك إلى المسكوبيّة. وسوف يمثل أمام المحكمة في 16.7.20. هذا الاقتحام كان بالنسبة إليّ تجربة مرعبة لن أنساها طوال حياتي. أكثر ما ذُعرت حين انقضّ الكلب عليّ وعلى زوجي المريض وعلى ابني أيسر.
أيضاً في هذه الأيّام الشرطة مستمرّة في حملة التجبّر بأهالي العيساويّة التي تشنّها منذ نيسان 2019 بما في ذلك الاعتقالات التعسّفيّة للقاصرين رغم الأزمة الصحّية غير المسبوقة والتي تستدعي من سكّان إسرائيل والمناطق المحتلّة اتّخاذ تدابير عزل اجتماعيّ متطرّفة، تجد الشرطة الآن بالتحديد وقتاً لتصعيد حملة التجبّر والعقاب الجماعي المستمّرة منذ نيسان 2019 ضدّ أهالي العيساويّة في شرقيّ القدس. قوّات شرطة حرس الحدود والشرطة الخاصّة (اليَسام) تدهم الحيّ المكتظّ كلّ يوم وتشدّد حملاتها في نهايات الأسبوع دون أيّ سبب كما تشنّ اقتحامات في ساعات اللّيل المتأخّرة، ولا تتوانى عن افتعال الاحتكاك بالسكّان واستفزازهم. وعندما تندلع المواجهات تلجأ الشرطة إلى العُنف فتطلق الرّصاص "الإسفنجي" وتلقي قنابل الغاز المسيل للدّموع وقنابل الصّوت. إضافة إلى ذلك تُغلق الشرطة مداخل الحيّ. تشنّ الشرطة أثناء هذه المداهمات حملات اعتقال بالجملة تشمل القاصرين الذين يُساقون إلى مراكز الاعتقال وحيدين حيث يتمّ التحقيق معهم. معظم المعتقلين يمّ إخلاء سبيلهم خلال فترة قصيرة وأحياناً يُحتجزون طوال اللّيل. تجبّر الشرطة بسكّان العيساويّة والذي أضحى وضعاً دائمًا مخالفٌ للقانون ولا مبرّر له بتاتاً حتى في الأيّام العاديّة. ولكن في هذه الأيّام بالذّات تعرّض ممارسات الشرطة سكّان الحيّ لمخاطر صحّية كبيرة لا داعي لها أبداً: دفع الأهالي إلى التجمّع وإجبار المعتقلين منهم وبضمنهم قاصرون كثيرون على البقاء بعيداً عن منازلهم والمكوث قرب أشخاص غرباء. تشكّل هذه الممارسات خطراً محقّقاً على صحّة الجمهور (ضمن ذلك عناصر الشرطة أنفسهم) ككلّ ومن الواجب القول إنّها تخرق التعليمات الطبيّة بخصوص الخطوات المطلوب من الجمهور اتّخاذها. ليس جديداً استهتار السّلطات بحياة أهالي العيساويّة بما في ذلك الفتية والأطفال ولكن الاستمرار في هذه السّياسة بل وتصعيدها في فترة انتشار وباء الكورونا الخطير يكشف الوجه المروّع لهذه السّياسة.