روتين العُنف

جنود اعتقلوا الشابّ براء كنعان (19 عامًا) ونكّلوا به طيلة نحو سبْع ساعات

براء كنعان في بيته بعد خروجه من المستشفى. تصوير: إياد حدّاد، بتسيلم، 14.5.2017في 12.5.2017، نحو الساعة 13:00، خرج نحو مائة متظاهر– فلسطينيون من قرية النبي صالح ومحيطها، ومواطنون إسرائيليون وأجانب – نحو البوّابة العسكرية عند المدخل الشرقي للقرية. تصدّت للمسيرة السلميّة مجموعة من الجنود وأفراد شرطة حرس الحدود أعاقت تقدّمها قبل وصولها إلى غايتها، وأطلقت قنابل الصوت على المشاركين. تراجعت مجموعة من الشبّان نحو المنطقة العمرانية في القرية، مبتعدين 150 مترًا عن مركز التظاهرة، في حين أن معظم المتظاهرين تبقّوا على الطريق وواصلوا الهتاف ورفع الأعلام قبالة رجال قوات الأمن الذين اعترضوا طريقهم. اثناء التظاهرة أصيب متظاهران فلسطينيان، أحدهما برصاصة "اسفنجية" والأخر أصيب بعيار معدني مغلف بالمطاط. كذلك أصيب متظاهر اخر، سبأ عبيد. برصاصة حيّة ("توتو" بقطر 0.22 إنش)، وخلال نصف ساعة توفّي في المستشفى متأثرًا بجراحه

زهاء الساعة 14:15 أصيب أحد المتظاهرين برأسه من حجر رشقه متظاهر آخر. تمّ إخلاؤه بسيارة الإسعاف، وقد رافقه قريب له من سكان بيت ريما، اسمه براء كنعان، ويبلغ من العمر 19 عامًا. بالقرب من مخرج القرية الشرقيّ، أوقف نحو عشرة جنود سيارة الإسعاف، حيث قاموا بتفتيشها وتصوير الشاب المصاب. أمر الجنود براء كنعان بالنزول من سيارة الإسعاف، وفي عملية التفتيش التي أجروها وجدوا في جيبه مقلاعًا. أوثقوا يديه وراء ظهره بقيود بلاستيكيّة، واقتادوه مسافة مائة متر تقريبًا، قريبًا من برج المراقبة، غطّوا عينيه وأدخلوه إلى سيارة الجيب. وفقًا لإفادته، سافر الجيب نحو عشر دقائق ثم أنزله الجنود وأدخلوه إلى غرفة في مكان مجهول.

قرب الساعة 14:30 أبلغ الأقارب والأصدقاء والد براء، عبد كنعان البالغ من العمر 52 عامًا، أنّ الجنود اعتقلوا ابنه. سافر عبد كنعان إلى المكان الذي اعتقل فيه ابنه، وتوجّه إلى أفراد من شرطة حرس الحدود كانوا يقفون بالقرب من برج المراقبة. عندما طلب معرفة مكان وجود ابنه قال له ضابط كان هناك أنّ ابنه معتقل بتهمة رشق الحجارة وأنّ عليه العودة إلى المنزل وإحضار بطاقة هويته. احضر الوالد بطاقة الهوية وعندها وافق رجال الشرطة على السماح له بإجراء مكالمة هاتفية قصيرة مع ابنه. في الإفادة التي قدّمها لباحث بتسيلم الميداني إياد حداد في تاريخ 18.5.17، روى الأب قائلاً:

اتّصل الضابط، وبعد لحظات سمح لي – بواسطة كاميرا الهاتف - برؤية براء، حيث هو محتجَز. لم يخبروني عن موقع هذا المكان. رأيت وجه براء فقط. حاولت تهدئته، قلت له ألاّ يخاف وأنّي سأعالج الموضوع. سمحوا لي برؤيته فقط لثوانٍ معدودات، لكي أطمئنّ أنّه بخير، ولكي أهدأ. بعد ذلك قالوا لي "هذا كلّ شيء. خلص. ها هو ابنك في قسم الشرطة" وأمروني بالمغادرة.

في الإفادة التي قدّمها لباحث بتسيلم الميدانيّ، إياد حداد، في تاريخ 14.5.17 روى براء كنعان أنّ الجنود في أثناء احتجازهم له قاموا بضربه في وجهه وصدره، تهكّموا عليه وبصقوا عليه. أجبروه على الجلوس على كرسي بلا مسند، وكلّما أراد أن يميل رأسه إلى الأمام من فرط التعب، منعه الجنود من القيام بذلك. عندما طلب أن يشرب، ألصق أحد الجنود فتحة زجاجة الماء إلى فمه حتى شعر بالاختناق لكثرة المياه التي اضطرّ لابتلعها.

بعد عدّة ساعات جرى نقل كنعان إلى غرفة أخرى، حيث أجلسوه على كرسي، لكن مجددا لم يسمحوا له بإسناد رأسه وأخْذ قسط من الراحة. كلّما حاول أن يسند رأسه على الحائط ركل أحد الجنود الكرسي لكي يجبروه على الجلوس مستقيمًا. عندما طلب الذهاب إلى المرحاض اقتاده الجنود إلى الخارج، وعندما ابتدأ في التبوّل دفعه أحد الجنود فلوّث البول ملابسه. بعد ذلك أدخلوه إلى الغرفة، ثمّ عادوا واقتادوه إلى الخارج. في إفادته روى لبتسيلم قائلاً:

بعد ذلك دخلت مجموعة من الجنود، ووفق الأصوات التي سمعتها اعتقد ان عددهم كان ثلاث. اقتادوني إلى الخارج، أعتقد إلى كرم زيتون- ميّزت ذلك حين ملامسة جسدي للأغصان. أثناء اقتيادي شتموني وشتموا أمّي. أحدهم وقف خلفي وأحكم شدّ العصبة على عينيّ، ثمّ أمرني أن أردّد وراءه: "أنا صديق الجنود"، وأخذت أردّد كلامه. وكلّما توقفت، كان يأمرني أن أردّد جملة "أنا صديق الجنود".

ساروا بي لوقت طويل، شعرت أنني أسير في طريق وعرة أو طريق تنمو فيها الأشواك. أوقعوني على الأرض، ثمّ رفعوني، وأخذوا في ضربي وشتمي. واصلوا ذلك دون توقف. تملّكني خوف كبير من أنّهم يقتادونني إلى مكان بعيد كي يقتلوني هناك، فلا يعثر عليّ أحد.

في مرحلة ما، توقفوا. قال لي أحد الجنود: "أنت مخرّب كبير. بدّي أطخّك". سمعته يسحب السلاح، وشعرتُ بالسلاح يلامس رأسي. كنت على يقين أنّه سيقتلني.

وقال براء كنعان في إفادته أنّ الجنود ضربوه بعد ذلك مرّة أخرى، "دفنوا" رجلَيه بالتراب، ثمّ أزالوا التراب. بعدها اقتاده الجنود إلى داخل خيمة، أجلسوه على الأرض، ثمّ أزالوا غطاء العينين. هنا، أجبروه على أن يردّد "محمد خنزير" و "محمد كلب"، وبدأوا بقصّ أجزاء من شعره بشكل عشوائيّ. في نهاية الأمر، قصّ الجنود القيود التي كانت على يديه، أعادوا إليه بطاقة الهويّة والهاتف، وأمروه بالعودة إلى المنزل. في إفادته وصف براء ما حدث بعد ذلك:

تركوني مع جنديّ واحد. سألني: "هل تعرف الطريق إلى النبي صالح؟". أجبت لا. قال لي يتهكّم: "سآخذك بسيارتي الخصوصيّة، ما رأيك؟"، وصرخَ عليّ: "يلاّ، عد إلى البيت. لكن هناك يهود. إذا التقيت بهم في طريق عودتك، سيضربونك. لكن اذهب إلى النبي صالح وحدّثهم عمّا جرى لك". ثم ضربين ركلتين على مؤخّرتي.

وجدت نفسي في الشارع في الظلام. لم أكن قادرًا على المشي، فزحفت حتّى الدرابزين الواقي على جانب الطريق وأسندت جسدي إليه. كان الشارع خاليًا ولا أحد فيه، لأنّ الساعة كانت متأخرة، كانت تقريبًا العاشرة ليلاً. انتظرتُ أن تمرّ مركبة وتقلّني. مرّت خمس أو ستّ سيارات، لكنّها كانت تابعة لمستوطنين. خفتُ أن ينزل أحدهم ويقتلني. مرّت أيضًا سيّارات يقودها عرب، لكنها لم تتوقّف. بعد حوالي ربع ساعة توقّف فلسطينيّ. سألني ما الذي حصل، ورويتُ له. اتّصل بعائلتي ثمّ أوصلني إلى النبي صالح، حيث قابلنا أخي، الذي أخذني إلى المنزل.

والد براء كنعان وشقيقه اصطحباه إلى المستشفى في سلفيت، حيث تلقى العلاج هناك وتم تشخيص وجود رضوض في النصف العلويّ من جسده، في الرأس، في الظهر، في الركبة اليسرى وفي الأطراف العلويّة. رقد في المستشفى لمدّة يوم ونصف، وخرج في تاريخ 14.5.17 صباحًا.

لقد عانى براء سلسلة من عمليّات التنكيل بالغة القسوة تضمّنت الضرب والتهديد بالقتل، وفي نهايتها تُرك عند مفترق طرق في ساعة متأخرة من الليل. لم يحدث هذا الاعتداء الشديد في فراغ. وثّقت منظمة بتسيلم على مدار السنين كثيرًا من ممارسات العنف والتنكيل كالتي جرت خلال هذه الحادثة، ما كانت لتحدث لولا أنّ الجنود يعرفون أنّهم سيحظون بدعم كبار المسؤولين في الجيش والحكومة، وأنّه لن يتمّ استدعاؤهم لمساءلة أفعالهم ومحاسبتهم عليها.

مواد مقترحة

مشروع المحو: إلغاء إسرائيل للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية

سياسة إطلاق النار

مشروع المحو

منذ تولّي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها في نهاية عام 2022، وبوتيرة أشدّ منذ تشرين الأول 2023، صعّدت إسرائيل بشكل دراماتيكي المسّ بمقوّمات حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية. في أية لحظة يمكن أن يجد الفلسطيني نفسه معرّضًا لعنف الجيش وميليشيات المستوطنين المسلحة، أو معرّضًا للاعتقال أو الوقوع ضحية التنكيل والإذلال وأحيانًا للقتل.يرتكز تقرير "مشروع المَحو" على أكثر من ألفي إفادة سجلتها بتسيلم لفلسطينيين منذ تشرين الأول 2023، كذلك على أكثر من ثلاثة عقود من توثيق انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها نظام الأبارتهايد الإسرائيلي في الضفة الغربية. ينظر التقرير في الواقع الراهن ليس على أنه مجموعة من الأحداث العينية أو وقائع معينة تمسّ بالفلسطينيين، بل كجزء من منظومة محو شاملة تعمل لتفكيك الظروف التي تتيح للفلسطينيين الاستمرار في الوجود في الضفة الغربية وفي الوقت نفسه تعمّق السيطرة والفوقية اليهوديين فيها على نحو لا رجعة فيه. يبيّن النظر في واقع الضفة الغربية أن مشروع المحو يُنفّذ بشكل علني ومباشر وعنيف أكثر من ذي قبل، كما أنه يرتكز على تعاون متصاعد بين سلطات الدولة الرسمية وميليشيات المستوطنين التي تعمل في الضفة بغطاء ودعم السلطات.

14 أيلول/سبتمبر 2026

تقرير جديد يصدر اليوم عن منظمة حقوق الإنسان بتسيلم، هو تقرير وضع بعنوان "بلا رسن: تنكيل الجنود بالسكان الفلسطينيّين في وسط مدينة الخليل"

الخليل - مركز المدينة

"إنّه لأمرٌ عاديّ أن يخرج الناس من بيوتهم وينصرفوا لشؤون حياتهم اليوميّة فيُصادفهم جنود، يُلقون القبض عليهم وينكّلون بهم تنكيلاً شديداً".

تقرير جديد يصدر اليوم عن منظمة حقوق الإنسان بتسيلم، هو تقرير وضع بعنوان "بلا رسن: تنكيل الجنود بالسكان الفلسطينيّين في وسط مدينة الخليل". يكشف التقرير تكرّر حالات التنكيل الشديد الذي يُمارسه جنود إسرائيليّون ضدّ السكّان الفلسطينيّين. يستند التقرير إلى أكثر من 20 إفادة أدلى بها أمام بتسيلم شهود فلسطينيّون ممّن تعرّضوا للاعتداء في الفترة الواقعة بين شهرَي أيّار وآب 2024. يحدّث الضحايا كيف جرى توقيفهم على يد جنود بشكل عشوائيّ تماماً حين كانوا يسيرون في شوارع مدينة الخليل منصرفين إلى شؤون حياتهم اليوميّة؛ وكيف تعرّضوا للضرب وسلسلة من التنكيل الشديد، أحياناً في الشارع، وأحياناً في نقاط عسكريّة اقتادهُم إليها الجنود. المديرة العامّة لمنظمة بتسيلم، يولي نوفاك، نوّهت قائلة: "إنّه لأمرٌ عاديّ أن يخرج الناس من بيوتهم وينصرفوا لشؤون حياتهم اليوميّة فيُصادفهم جنود، يُلقون القبض عليهم، ويضربونهم حدّ الإغماء. الإفادات التي سجّلها باحثو بتسيلم الميدانيّون تتكشّف عن وضع مُرعب في كلّ ما يتعلّق بمعايير السّلوك لدى الجنود الإسرائيليّين ونزوعهم إلى العُنف الشديد. بعد مضيّ أكثر من سنة على الحرب الشعواء التي تشنّها إسرائيل ضدّ الشعب الفلسطينيّ، أضحى التنكيل بالمارّة الفلسطينيّين سلوكاً مرغوباً بل ومطلوباً. ما يجري ليس حالات فرديّة تُرصَد هُنا أو هُناك، ولا انحراف عن التعليمات، وإنّما هو ظاهرة تعبّر عن نهْج منتظم، ظاهرة هي نتاج عمليّة نزع إنسانيّة الفلسطينيّين التي تقودها حكومة إسرائيل".

3 كانون الأول/ديسمبر 2024

بلا رسن: تنكيل الجنود بالسكان الفلسطينيين في وسط مدينة الخليل

التعذيب والتنكيل

بلا رسن

تشن إسرائيل، منذ أكثر من سنة، حربًا لا ضوابط لها ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، في الضفة الغربية وفي داخل دولة إسرائيل العنف، الذي ميّز تعامل نظام الاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين، يتمظهر خلال السنة الأخيرة في أكثر أشكاله وضوحًا ومُباشَرَةً. يتركز تقرير الحالة هذا في أحد تمظهرات هذا العنف. فقد جمعت بتسيلم 25 إفادة من فلسطينيين تعرضوا للتنكيل من جانب جنود إسرائيليين في وسط مدينة الخليل بين شهريّ أيار وآب 2024. وتشمل هذه الإفادات توصيفًا لأعمال عنف، إذلال وتنكيل ارتكبها جنود بحقّ رجال، نساء، شُبّان وأطفال. ويدلّ حجم العنف على أنّ الأمر ليس مجرد رغبة شخصية في الانتقام من جانب هذا الجندي أو ذاك، وليس مجرد إخفاقٍ موضعيّ، وإنما هو نتاج عنيف بامتياز لسياسة منظوميّة شاملة، مُنظّمة وممتدة على سنوات طويلة من القمع، التهجير والنهب التي تشكل، معًا، صُلب نظام الأبارتهايد الإسرائيلي

3 كانون الأول/ديسمبر 2024