سياسة إطلاق النار

ينبغي على الجيش أن يستوعب خطورة حادث إطلاق النار في نعلين

أصدرت المحكمة العسكرية الخاصة في معسكر "هكرياه" اليوم حكمها بخصوص الليفتينانت كولونيل عمري بوربيرج، والرقيب أول ليؤناردو كوراه، بعد إدانتهما في قضية إطلاق النار على المعتقل الفلسطيني المقيد في قرية نعلين التي كشفت عنها بتسيلم في العام 2008. وقد حكم القضاة على بوربيرج الذي أُدين بمحاولة التهديد وبالسلوك غير اللائق، بالسجن مع وقف التنفيذ واحتفاظه بدرجته العسكرية. كما أوصى القضاة بتأخير ترقيته لمدة سنتين وحددوا أنه لا يمكن له أن يخدم في منصب قيادي لمدة سنة. وقد حكم القضاة على كورياه بخفض درجته إلى درجة جندي.

ردا على قرار الحكم، عبرت بتسيلم عن الأمل بأن يستوعب الجيش ما قرره القضاة بأن حادث إطلاق النار في نعلين كان حادثا خطيرا وغير لائق، رغم الفجوة بين استنكار الأفعال ضمن قرار الحكم وبين العقوبة الخفيفة التي صدرت بحق الاثنين. وأشارت بتسيلم إلى أنه كشفت خلال السنوات الأخيرة حالات خطيرة أكثر تتعلق بالمس بالفلسطينيين من قبل قوات الأمن غير أن جهاز تطبيق القانون العسكري اختار تجاهلها. إن هذه السياسة التي تقوم على عدم المقاضاة فيما يتعلق بالمس بالفلسطينيين التي تتبعها النيابة العسكرية منذ سنوات طويلة هي التي أتاحت حالة إطلاق النار في نعلين ووقوع حالات أخرى كثيرة.

كما أشارت بتسيلم إلى الحقيقة بأن المحكمة دحضت الادعاء بخصوص تزييف الفيلم الذي وثق إطلاق النار. وقد أكدت بتسيلم أنه إذا لحق ضرر بصورة إسرائيل، كما ادعى البعض، فإن الأمر ينبع من خطورة الأفعال الموثفة بالفيلم وليس من نشر الفيلم.


توثيق إطلاق النار على أبو رحمة في فيلم الفيديو

خلفية

الكشف عن الحادث

بتاريخ 20 تموز 2008 نشرت بتسيلم فيلم فيديو وصل إليها، يوثق جنديا يطلق رصاصة فولاذية مغطاة بالمطاط على اشرف أبو رحمة، معتقل فلسطيني مقيد وعيونه مغطاة، ومن مسافة قريبة للغاية. وقد تم إطلاق النار من قبل جندي (ليؤناردو كورياه) عندما كان الليفتينانت كولونيل عمري بوربيرج يمسك بذراع أشرف ابو رحمة. خلال وقوع الحادث تواجد في المكان عدد من عناصر قوات الأمن.

وقد وقع الحادث بتاريخ 7 تموز في قرية نعلين غربي الضفة. حيث تم احتجاز المتظاهر الفلسطيني أشرف أبو رحمة، 27 عاما، من سكان قرية بلعين، من قبل جنود احتجزوه لمدة نصف ساعة تقريبا وهو مقيد وعيونه معصوبة. وقد أبلغ أشرف أبو رحمه بتسيلم أنه تعرض للضرب من قبل الجنود خلال احتجازه. بعد ذلك قامت مجموعة من الجنود وعناصر حرس الحدود باقتياده إلى جيب عسكري. وفي الفيلم يظهر الجندي وهو يوجه سلاحه إلى رِجلي المتظاهر، من مسافة متر ونصف تقريباً، ويطلق عليه رصاصة فولاذية مغطاة بالمطاط. طبقا لإفادة أشرف أبو رحمة، فقد أصيب في إبهام رجله اليسرى وحصل على علاج من مضمد عسكري كان في المكان وتم إطلاق سراحه من قبل الجنود.

وقد تم تصوير الفيلم من قبل فتاة فلسطينية، من سكان نعلين، من شباك بيتها في القرية، وتم لاحقا تسليم نسخة من الفيلم لمنظمة بتسيلم. وقد قامت بتسيلم فورا بتحويل الفيلم إلى شرطة التحقيقات العسكرية، وطالبت بفتح تحقيق فوري من قبل شرطة التحقيقات العسكرية وتقديم الجندي مطلق النار إلى العدالة. بالإضافة إلى ذلك، طالبت بتسيلم بالتحقيق في دور قائد الكتيبة الذي أمسك المعتقل أثناء إطلاق النار. وقد أكدت بتسيلم أنه يسري على عناصر قوات الأمن واجب الإبلاغ تقريراً عن الأعمال غير القانونية. والأنكى من ذلك، إذا خالف ضابط كبير هذا الواجب.

تعاطي النيابة العسكرية

في أعقاب النشر بدأت شرطة التحقيقات العسكرية في إجراء تحقيق واعتقلت الجندي مطلق النار، العريف ليؤناردو كورياه. لغاية النشر اكتفى الجيش بإراء تحقيق ميداني حول الحادث، تم تحويل نتائجه إلى قائد لواء يهودا والسامرة (الضفة الغربية) الذي لم يكلف نفسه عناء تعريف شرطة التحقيقات العسكرية أو النيابة العسكرية، أو اتخاذ أية خطوات ضد الجندي أو قائد الكتيبة، الليفتينانت كولونيل عمري بوربيرج.

خلال التحقيق في الحادث عرض كورياه وبوربيرج روايات متناقضة. وقد ادعى كورياه أن قائده أمره بإطلاق النار على أشرف أبو رحمة، فيما ادعى بوربيرج انه أمره فقط بتخويفه. في نهاية التحقيق قررت النيابة العسكرية تقديم الاثنين للمحاكمة بسبب "التصرف غير اللائق".

الالتماس لمحكمة العدل العليا

بتاريخ 19.8.08 قدم التماس إلى محكمة العدل العليا من قبل أشرف أبو رحمة والمنظمات بتسيلم، جمعية حقوق المواطن، اللجنة الشعبية لمكافحة التعذيب ومنظمة "يش دين". وجاء في الالتماس أن قرار النيابة العسكرية بتقديم قائد الكتيبة والجندي للمحاكمة بتهمة القيام "بسلوك غير لائق" وهي مخالفة طفيفة لا تُجسد خطورة العمل- ظاهريا، التهديد بالمس المتعمد، التنكيل النفسي واستعمال السلاح ضد إنسان مقيد وعاجز خاضع لسيطرة مَن مسوا به.

في أعقاب الالتماس طالب قضاة محكمة العدل العليا النيابة العسكرية بإعادة النظر في قرارها بمحاكمة الليفتينانت كولونيل عمري بوربيرج وليؤناردو كورياه بفعل هذه المخالفة فقط على أن تبلغ النيابة العسكرية قرارها خلال أربعين يوما.

بتاريخ 4.11.08 أبلغ النائب العسكري الرئيسي، الميجور جنرال أفيحاي مندلبليط، محكمة العدل العليا انه قرر عدم تغيير لائحة الاتهام الأصلية.

بتاريخ 1.7.09 حكمت محكمة العدل العليا ان "قرار النيابة العسكرية تقديم قائد الكتيبة والجندي وفقا لبند التصرف غير اللائق ينبغي إلغاؤه نظرا لأن القرار غير عقلاني بصورة مفرطة" وأمرت النائب العسكري الرئيسي بتغيير البند "بحيث تعبر المخالفات المنسوبة لكل واحد منهما بصورة لائقة عن جوهر الحقائق وطابع الأعمال الموصوفة في لائحة الاتهام".

في أعقاب قرار محكمة العدل العليا تم تغيير لوائح الاتهام: اتهم الليفتينانت كولونيل بوربيرج بمخالفات التهديد والسلوك غير اللائق فيما اتهم ليؤناردو كورياه باستعمال السلاح بصورة غير قانونية والسلوك غير المناسب.

محاكمة بوربيرج وكورياه

بتاريخ 15.7.10 أدانت المحكمة العسكرية الخاصة في معسكر "هكرياه" كلا من ليفتينانت كولونيل عمري بوربيرج، القائد السابق لكتيبة 71 في المدرعات، بمحاولة التهديد، والجندي رقيب أول (احتياط) ليؤناردو كورياه، باستعمال السلاح بصورة غير القانوني. وقد جرت إدانة الاثنين بالتصرف بصورة غير لائقة. وتصل أقصى العقوبة على المخالفات التي ارتكبها الاثنان إلى السجن لمدة ثلاثة أعوام والتسجيل الجنائي.

هيئة القضاة المكونة من ثلاثة قضاة أشارت في قرار الحكم أن ليفتينانت كولونيل بوربيرج أراد أن يعتقد اشرف أبو رحمة، المعتقل المقيد، بأن الجندي سيطلق عليه النار. "وقد أخطأ المتهم في التعامل مع الجندي وأدى به إلى إطلاق النار على المعتقل المقيد الذي كانت عيونه مغطاة". وقد أكد القضاة أن القتال ليس مبررا لشرعنة عمل جنائي. "أفعال قائد الكتيبة لم تتم خلال مظاهرة بل في منطقة كانت فيها سيطرة إسرائيلية تامة ولم يتم التهديد بإطلاق النار خلال القتال أو عملية شرطية... ويتضمن هذا مساً بالغا بقيم أساسية ومسا ملحوظا بصورة الجيش الإسرائيلي، قادته وجنوده".

في إطار الادعاءات الخاصة بالعقوبة، طرح محامي اللفتينانت كولونيل عمري بوربيرج ادعاءات بخصوص تزييف شريط الفيديو الذي وثق الحادث. في أعقاب ذلك، ساعدت بتسيلم في التوسط بين النيابة العسكرية وبين عائلة المصورة، فيما نقلت العائلة الشريط الأصلي إلى شرطة التحقيقات العسكرية ومنها إلى الفحص في مختبر قسم التشخيص الجنائي التابع لشرطة إسرائيل.

وقد أظهر الفحص المخبري الذي أجراه قسم التشخيص الجنائي أن جميع المقاطع المصورة في شريط إطلاق النار في نعلين هي أمينة ولم يتم العثور فيها على علامات تحرير، معالجة للصور أو اي تدخل من أي نوع. هذا ما تحدد في الرأي المهني الخاص بالضابط الن تشايكوفسكي، رئيس قسم الرؤية الديجيتالية في قسم التشخيص الجنائي في شرطة إسرائيل الذي قدم بتاريخ 6 كانون الثاني 2011 للمحكمة العسكرية في وزارة الدفاع خلال المحكمة الخاصة بإطلاق النار في نعلين.

كما ذكر أعلاه، بتاريخ 27.1.11 حكم قضاة المحكمة العسكرية الخاصة على بوربيرج بالسجن مع وقف التنفيذ واحتفاظه بدرجته العسكرية. كما أوصى القضاة بتأخير ترقيته لمدة سنتين وحددوا أنه لا يمكن له أن يخدم في منصب قيادي لمدة سنة. وقد حكم القضاة على كورياه بخفض درجته إلى درجة جندي.

مواد مقترحة

מפגינים בבילעין. צילום: שרית מיכאלי, בצלם, 1.4.22

سياسة إطلاق النار

خلال مظاهرة في بلعين: جنود يُطلقون رصاص "توتو" على شابٍّ دون أيّ مبرّر ويُصيبونه بجراح

في يوم الجمعة الموافق 1.4.22 نحو السّاعة 13:30، خرجت من قرية بلعين الواقعة غربيّ رام الله مسيرة لإحياء ذكرى "يوم الأرض" التي كانت قد حلّت قبل ذلك بيومين. شارك في المسيرة نحو 150 شخصاً من الفلسطينيّين والناشطين الإسرائيليّين والأجانب، ساروا نحو كيلومترٍ واحد ثم توقّفوا على بُعد نحو مائة متر من جدار الفصل. رفع المتظاهرون أعلام فلسطين وهتفوا شعارات ضدّ الاحتلال. في الجانب الآخر من الجدار وقف ثلاثة جنود على الأقلّ في نقطة ملاصقة للجدار، مرتفعة ومحصّنة. بعد نحو عشر دقائق تقدّم باتّجاه الجدار قرابة عشرة من الشبان والشابات، بضمنهم عهد تميمي (21 عاماً) وابن عمّها أسامة تميمي (26 عاماً). توقّف الشباب على بُعد مترين من الجدار وأخذوا يشتمون الجنود وبعضهم أيضاً رشق حجارة نحو الجنود والجدار. الجنود المتواجدون في النقطة المحصّنة ألقوا نحو الشباب قنابل غاز مسيل للدّموع وقنابل صوت. خرج جيب عسكريّ من إحدى بوّابات الجدار وأطلق جنود من داخله عشرات قنابل الغاز المسيل للدّموع. هربت عهد تميمي من الغاز المنبعث من القنابل فسارت في طريق الدوريّات التفقّديّة الموازية للجدار على بعد نحو 10 أمتار عنه. بعد أن أطلق الجنود رصاصة قطرها 0.22 بوصة ("توتو")، هرع أسامة تميمي نحو ابنة عمّه، عهد. في هذه المرحلة أطلق أحد الجنود المتواجدين في النقطة المذكورة رصاصتي "توتو" أخريين فأصابت كلتاهما أسامة، إحداهما في كفّ قدمه والثانية في ذراعه. تلقّى أسامة الإسعاف الأوّليّ من مسعفين كانوا ينتظرون في الموقع ثمّ أخلي في سيّارة خاصّة إلى سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر فنقلته هذه إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله وهناك تبيّن أنّ الرّصاصتين قد اخترقتا جسده وخرجتا من الجانب الآخر. بعد بضع ساعات تلقّى خلالها العلاج غادر المستشفى كي يستريح ويتعافى في المنزل. يجسد إطلاق الجنود للرّصاص في هذه الحالة سياسة إطلاق النار التي تتّبعها إسرائيل في المناطق المحتلّة، والتي يتم في إطارها استخدام الذخيرة الحيّة ـ وبضمنها رصاص "توتو" ـ ليس فقط كوسيلة أخيرة فقط وفي غياب أية وسيلة أخرى وفي حال تعرّض حياة الجنود للخطر. بدلاً من ذلك، تستخدم إسرائيل النيران الحية في الواقع ضدّ متظاهرين لا يشكّلون خطراً على حياة أحد أيضاً. وبالرغم من كونها غير قانونية، إلا أن هذه السياسة ـ التي تقوم أساساً على استهتار إسرائيل الفظ بحياة الفلسطينيّين وبأجسامهم وبسلامتهم ـ تحظى بدعم شامل من قبَل المسؤولين السياسيّين والضبّاط الكبار في الجيش. بالنظر إلى ذلك، لا عجبَ أنّ تمرّ هذه الحادثة أيضاً دون مساءلة ومحاسبة أحد جرّاء إطلاق الرّصاص. عن إطلاق النيران خلال المظاهرة تحدّثت عهد تميمي (21 عاماً، من سكّان النبي صالح) في إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد يوم 1.4.22: وصلنا إلى منطقة جدار الفصل عند السّاعة 14:00 ورأينا أنّ الجنود ينتظروننا خلف الجدار. شاهدت ثلاثة جنود يقفون في نقطة محصّنة فوق الجدار. اثنان منهم كانا مسلّحين بقاذفات قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المطّاطيّ وكان يتوسّطهما قنّاص مسلّح ببندقيّة من النوع المخصّص لإطلاق رصاص "توتو". بعد وصولنا إلى هناك بنحو عشر دقائق تقدّمتُ ضمن مجموعة من عشرة متظاهرين حتى وصلنا إلى مسافة مترين عن الجدار. وكان هدفنا استفزاز الجنود. بعض الشباب رشقوا الحجارة. سمعت أحد الجنود يناديني باسمي. لا أعرف كيف عرفني. قال لي: "تميمي، اذهبي من هنا". كان الشباب يصرخون ويشتمون الجنود بينما أطلق الجنود بدورهم بضع قنابل صوتية كي يُخيفونا ويُبعدونا من هناك. بعد ذلك أطلقوا بعض قنابل الغاز المسيل للدّموع سقطت بعيداً عنّا. ابتعدنا بسبب رائحة الغاز. في تلك اللّحظات دخل جيب عسكريّ عبر بوّابة في الجدار وأطلق الجنود الذين كانوا على متنه صلية كبيرة من عشرات قنابل الغاز المسيل للدّموع دُفعة واحدة. انتشر الغاز على مساحة كبيرة حتى وصل إلى جُموع المتظاهرين الذين كانوا على مسافة أكثر من 100 متر من الجدار. حاولت الابتعاد عن الغاز فسرت في الطريق الترابيّ الذي يمر بجانب الجدار. وفجأة حين كنت على بُعد نحو عشرة أمتار من الجنود أطلق القنّاص رصاصة "توتو". ذُعرت وتوتّرت ولم أعرف ماذا أفعل. كان الشباب والصحفيّون يصرخون بي "اهربي، اهربي، إنّه يُطلق الرصاص عليك". ركض نحوي ابن عمّي، أسامة تميمي، وحاول أن يُبعدني عن مرمى الرّصاص. حين كان كلانا يحاول الابتعاد تجدّد إطلاق رصاص "توتو". سمعت عدّة طلقات لكن من الصّعب أن أحدّد بالضّبط، لأنّ الصّليل الذي يصدر لدى إطلاقه خافت. أصابت إحدى الرّصاصات أسامة في كفّ قدمه فوقع أرضاً ثمّ أصابته رصاصة ثانية في ذراعه اليمنى. نهض أسامة بسُرعة ثمّ واصلنا الفرار من هناك. ركضنا حتى ابتعدنا نحو 30 متراً وعندئذٍ وقع أسامة ولم يعُد قادراً على النهوض ومواصلة الرّكض. تقدّم عدد من المسعفين وقدّموا له الإسعاف الأوّليّ ثمّ أخلي في سيّارة مدنيّة إلى مستشفىً في رام الله. بعد إطلاق الرّصاص انتهت المظاهرة وغادر الجميع. لاحقاً، ذهبنا لزيارة أسامة في المستشفى وهناك علمنا أنّ إصابته تستدعي إبقاءه هناك للعلاج. الرّصاصتان اللّتان أصابتاه دخلتا وخرجتا. بعد إتمام معالجته غادر إلى المنزل. لقد نجا بأعجوبة بفضل العناية الإلهيّة. أنا ما زلت مصدومة حتى الآن ممّا جرى. عن إصابته هذه، قال أسامة تميمي (26 عاماً، من سكّان النبي صالح) ما يلي في إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 3.4.22: وصلت المسيرة إلى المكان المُبتغى نحو السّاعة 14:00 حيث توقّف جميع المتظاهرين على بُعد 100 متر من الجدار. ألقى عدد من المسؤولين خطابات ضدّ الاحتلال والاستيطان. كان ثلاثة جنود يقفون في نقطة محصّنة في الجانب الآخر من الجدار وهُم يوجّهون بنادقهم نحو المتظاهرين. بعد نحو عشر دقائق على بدء الخطابات انضممت إلى مجموعة من الشباب تقدّمت نحو الجدار وكانت تعدّ نحو عشرة أشخاص. أنا وبعض الشباب كنّا نشتم الجنود ونصرخ عليهم لكي نُثير غضبهم. أطلق الجنود قنابل الغاز المسيل للدّموع وألقوا قنابل الصوت بهدف تفريقنا. كان عدد من الشباب يرشقون الحجارة نحو الجنود في النقطة المحصّنة وعندئذٍ ألقى الجنود نحونا عدّة قنابل غاز مُسيل للدّموع فابتعدنا قليلاً. عندما تلاشى الغاز اقتربنا مجدّداً من الجدار فألقى الجنود عدداً كبيراً من قنابل الغاز المسيل للدّموع. تراجع قسم من الشباب ولاذوا بالفرار بسبب رائحة الغاز. فررت مع أربعة شبان آخرين باتّجاه الجدار لأنّ الرّيح كانت تهبّ وتحمل الغاز بعيداً عن الجدار. التصقنا بالجدار لأنّنا ظننّا أنّ هذا الموقع في زاوية لا تتيح للجنود إطلاق الرّصاص نحونا. رأيت ابنة عمّي عهد تقف في الطريق الترابيّ المحيط بالجدار وسمعت طلقة "توتو" واحدة ثمّ رأيت عهد تلوذ بالفرار. ركضت نحوها لأنّني ظننتُها قد أصيبت. كانت على بُعد 5 أمتار منّي. عندما وصلت إليها قالت لي إنّها لم تُصب. حاولنا الابتعاد معاً عن الطريق الترابيّ وعن مرمى رصاص الجنود لأنّنا ظنّنا أنّهم يصوّبون نحونا. كانت المسافة بيننا وبين الجنود 20 متراً على الأكثر. فجأة شعرت بأنّني قد أصبت في كعب قدمي اليسرى برصاصة "توتو" أطلقها أحد الجنود. تعثّرت ووقعت أرضاً. في هذه الأثناء أطلق الجنديّ رصاصة "توتو" أخرى اخترقت ذراعي اليمنى من الخلف وخرجت من الأمام. نهضت وتمكّنت من الرّكض بضع عشرات أخرى من الأمتار ثمّ وقعت ثانية. ركض نحوي طاقم مسعفين وقدّموا لي الإسعاف الأوّليّ وضمّدوا جراحي ثمّ أخذني شخص ما إلى سيّارة مدنيّة كانت قريبة وانطلقت بي السيّارة في اتّجاه رام الله. في الطريق، قرب بيتونيا، نقلوني إلى سيّارة إسعاف أخذتني بدورها إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله. هناك، أدخلوني إلى قسم الطوارئ وأجروا لي فحوصات وصور أشعّة. كذلك تلقّيت محلولاً وريديّاً وحقناً لتسكين الأوجاع. أظهرت الصّور أنّ الرّصاصتين لم تسبّبا كُسوراً وأنّهما دخلتا وخرجتا دون أن تستقرّا في جسمي. بعد ساعتين غادرت المستشفى على أن أواصل الاستراحة في المنزل.

29 أيار/مايو 2022

غياب المساءلة والمحاسبة

على خلفيّة التحقيق الجاري في محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي، تقرير جديد تُصدره بتسيلم والمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان يُظهر أنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في أدائها خلال مظاهرات العودة في غزّة:

״لا تُريد ولا تَقدر״ طمس إسرائيل لحقائق التحقيق في مظاهرات العودة المركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يُصدران اليوم تقريراً مشتركاً يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000. لقد سارعت إسرائيل إلى التصريح بأنّها تحقّق في المظاهرات وذلك بسبب الإجراءات التي باشرتها ضدّها محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي - ذلك أنّ أحد المبادئ التي توجّه عمل هذه المحكمة هو مبدأ التكامُل، والذي يقتضي تدخّل المحكمة فقط إذا كانت الدّولة "لا تُريد أو لا تقدر" على إجراء التحقيق بنفسها. في حال أجرت الدّولة بنفسها تحقيقاً في الأحداث تمتنع المحكمة عن التدخّل. غير أنّه لكي تمتنع المحكمة عن التدخّل لا يكفي مجرّد التصريح بأنّه يجري تحقيق أيّاً كان، بل ينبغي أن يجري تحقيق حقيقيّ وفعّال يطال المسؤولين عن وضع السياسة وتطبيقها ويؤدّي إلى اتّخاذ إجراءات ضدّ من يتحمّلون المسؤوليّة. التحقيقات التي أجرتها إسرائيل بخُصوص المظاهرات لم تستوف هذه المطالب: هذه التحقيقات - التي أدارها الجيش وحده - لم تنظر أبداً في تعليمات إطلاق النار المخالفة للقانون التي صدرت لقوّات الأمن ولا السّياسة التي جرى تطبيقها خلال المظاهرات، وإنّما هي تركّزت فقط في الجنود ذوي الرّتب الدّنيا وفقط في السّؤال هل تصرّف هؤلاء خلافاً للتعليمات نفسها - المخالفة للقانون. علاوة على ذلك فقد نظرت محكمة العدل العليا أثناء فترة المظاهرات في التماسات حول عدم قانونيّة تعليمات إطلاق النار، لكنّ قُضاة المحكمة رفضوا تلك الالتماسات وأتاحوا للجيش أن يواصل تطبيق السّياسة نفسها. هنا ينبغي التنويه أنّ القُضاة لم يصدّقوا التعليمات التي طُبّقت فعليّاً على أرض الواقع - فهذه لم تُطرح أمامهم - وإنّما فقط التعليمات التي زعمت الدّولة أمام المحكمة أنّ الجيش يعمل وفقاً لها. لقد تجاهل القُضاة الهوّة السّحيقة والصّارخة التي تفصل بين مزاعم الدّولة في شأن هذه التعليمات وبين نتائج تطبيقها في الواقع: إلى حين النظر في الالتماسات كان قد وقع في صفوف المتظاهرين عشرات القتلى ونحو ألفي جريح. جهاز إنفاذ القانون العسكريّ يتصعّب حتى في أداء المهمّة المقتضبة التي انتُدب للقيام بها - أي التحقيق فقط في "أحداث استثنائيّة". لقد قرّر الجيش بشكل تعسّفيّ ودون تقديم أيّ تفسير أن يحقّق فقط في الأحداث التي أسفرت عن مقتل فلسطينيّين على يد عناصر قوّات الأمن لكنّه لم يحقّق بتاتاً في الأحداث التي أوقعت آلاف الجرحى، وبضمنهم من أصيبوا بجُروح بليغة أبقتهم مشلولين أو أدّت إلى بتر أطرافهم. عدد مصابي المظاهرات لا يستوعبه عقل: لقد جُرح خلال المظاهرات 13,457 فلسطينيّاً، ومن بين هؤلاء بلغ عدد المصابين بالرّصاص الحيّ 8,079 وعدد المصابين بالرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط 2,424 وعدد من جُرحوا جرّاء إصابتهم مباشرة بقنابل الغاز 2,954. وهناك من بين الجرحى 155 أسفرت إصابتهم عن بتر أطراف. جميع هذه الأحداث لم يتمّ التحقيق فيها. وفقاً لمعطيات أرسلها الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ إلى بتسيلم، فإنه حتى 25.4.21 تم تحويل 234 حالة متعلقة بمقتل فلسطينيين إلى جهاز قيادة الأركان للتحقيق في الأحداث الاستثنائيّة لينظر فيها. وبضمن هذه المعطيات أحداث مقتل فلسطينيّين آخرين خلال الفترة التي جرت فيها المظاهرات. أنجز الجهاز فحص 143 حالة وحوّلها إلى النيابة العسكريّة لتنظر فيها، وارتأى المدّعي العامّ العسكريّ أن تباشر وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة التحقيق في 33 منها كما أنّه أوعز بإجراء تحقيق في ثلاثة أحداث أخرى لم يعالجها الجهاز. هناك أربع شكاوى انتهى التحقيق فيها بإغلاق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. في الحالات الـ 95 التي أنهى الجهاز معالجتها قرّر المدّعي العامّ العسكريّ عدم فتح تحقيق جنائيّ وأغلق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. أما بقيّة الشكاوى التي تلقّاها الجهاز ما زالت قيد المعالجة. هناك تحقيق واحد فقط يتعلّق بالمظاهرات - بخُصوص مقتل الفتى عثمان حلّس (14 عاماً) - انتهى بتقديم لائحة اتّهام ضدّ الجنديّ المتورّط، وقد أدين هذا في صفقة ادّعاء بتهمة سلوكيّة بسيطة هي "تجاوُز الصّلاحيّات على نحوٍ يعرّض حياة أو صحّة أحدهم للخطر"، وحُكم عليه بتنفيذ أعمال خدمات لمّدة شهر. السياسيّون والمستشار القضائيّ للحكومة وقُضاة المحكمة العُليا والمدّعي العامّ العسكريّ وكبار الضبّاط الآخرين في الجيش هُم المسؤولون عن وضع سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون وعن تطبيقها - وهُم الذين يُفترض أن يتمّ التحقيق معهم وأن يتحمّلوا مسؤوليّة النتائج الفتّاكة التي أسفر عنها تطبيق هذه السياسة. التحقيقات التي تُجريها إسرائيل هدفها ذرّ الرّماد في العُيون إذ تظنّ أنّها بذلك تستطيع أن تجنّب المسؤولين محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي. لكنّ هذه التحقيقات تثبت العكس: إنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوّات أمنها خلال مظاهرات العودة في قطاع غزّة. بالنظر إلى ذلك، العمل على مساءلة ومحاسبة المتورّطين في هذه الانتهاكات يقع الآن على عاتق محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

غياب المساءلة والمحاسبة

لا تُريد ولا تَقدر

تقرير مشترك للمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021