غياب المساءلة والمحاسبة

جنود نصبوا كمينًا بالقرب من الجدار الفصل في بدرس أطلقوا النار على ظهر لافي عوض أثناء فراره وقتلوه، ثلاث سنوات بعد مقتل سمير عوض في ظروف تكاد تكون متطابقة

23 تشرين الثاني/نوفمبر 2015

مستجدات: في 17.5.2016 أبلغت النيابة العسكرية بتسيلم أنه لن يُفتح تحقيق لاستيضاح ملابسات الحادثة. أبلغت النيابة نتائج الاستيضاح الأوّلي حول الحادثة لم تُظهر شبهة ارتكاب مخالفة جنائية.

لافي عوض. الصورة بلطف من العائلة. يوم الجمعة، الموافق 13/11/2015 عُقدت في بدرس في محافظة رام الله مسيرة احتجاجية شارك فيها العشرات من سكان القرية الذين توجّهوا إلى الجدار الفاصل، الذي بُني في هذه المنطقة من أراضي القرية. بدأت المسيرة زهاء الساعة 12:30. قوة مختلطة من الجنود وافراد شرطة حرس الحدود انتظرت المشاركين بين الجدارين اللذين يكوّنان الجدار الفاصل، وحاولت تفريقهم بالغاز المسيل للدموع. ألقى بعض المشاركين في المظاهرة الحجارة على قوات الأمن، بعضهم استعان بالمقلاع، في محاولة إلحاق ضرر بالجدار الفاصل.

من تحقيق بتسيلم تبيّن أنّه بعد بضع ساعات هدأت المواجهات. غادر معظم المتظاهرين الفلسطينيين وكذلك معظم قوات الأمن المكان. زهاء الساعة 16:30 اقتربت من جديد مجموعة مكونة من عشرة شبان فلسطينيين تقريبا من الجدار الفاصل في المنطقة المعروفة باسم العك، حيث قتل الجنود .سمير عوض (16 عاما) في يناير كانون الثاني عام 2013. على رأس المجموعة كان لافي عوض البالغ من العمر 20 عامًا. عندما وصل عوض إلى مسافة تبعد عشرة أو عشرين مترًا تقريبًا عن الجدار الفاصل مرّ عن كمين للجنود الذين كشفوا عن أنفسهم وأمسكوا به. حاول عوض أن يتخلص منهم ورد الجنود بعنف، ركلوه وضربوه ببنادقهم. وفقًا لافادات شهود عيان أطلق الجنود أيضا عيارات معدنية مغلفة بالمطاط، ولكن ليس واضحًا ما إذا كان عوض قد أصيب بها. بدأ أصدقاء عوض بالصراخ على الجنود وألقوا الحجارة عليهم. واصل جنديّ الإمساك بعوض واتجه رفاقه نحو الشبان وأطلق أحدهم النار في الهواء، على ما يبدو لردعهم. استغلّ عوض الفرصة وبدأ بالفرار، ولكن بعد أن ابتعد خطوات قليلة أطلق أحد الجنود النار عليه في ظهره. انهار عوض وتراجع الجنود. قام أصدقاء عوض بإبعاده عن المكان

مكان مقتل لافي عوض والنصب التذكاري مكان مقتل سمير عوض عام 2013، تصوير: اياد حداد، بتسيلم. 13/11/2015.
مكان مقتل لافي عوض والنصب التذكاري مكان مقتل سمير عوض عام 2013، تصوير: اياد حداد، بتسيلم. 13/11/2015.

ع.ج.، 25 عامًا، من سكان بدرس، وصف للباحث الميداني لبتسيلم إياد حداد الحادث:

"يوم الجمعة الموافق 13/11/2015 زهاء الساعة 16:30 أو 17:00 بعد أن انتهت الاشتباكات مع قوات الأمن، لم يكن هناك سوى عدد قليل من المتظاهرين بالقرب من الجدار الفاصل، ربما عشرة شبان وفتية صغار. اقتربنا من الجدار، وكنا ثلاثة أو أربعة. تقدّمَنا لافي عوض. عندما وصل إلى مسافة تبعد قرابة عشرة أمتار عن الجدار، خرج فجأة ثلاثة جنود من كمين. وجد لافي نفسه عالقًا بين الجنود والجدار الفاصل. مسكوه بطريقة عنيفة. مسكه أحدهم من رقبته وركله الآخرون. حاول الهرب فهجموا عليه وضربوه. شجعته صيحاتنا على محاولة الهرب. أثناء ذلك، رأيت جنديًا يصوّب سلاحه ويطلق عليه عيار معدني مغلّف بالمطاط. اعتقد انه أصيب من الخلف من مسافة قريبة. وفي الوقت نفسه، واصل أحد الجنود الإمساك به، وحاول الاثنان الآخران إبعادنا بإطلاق الذخيرة الحية، ما يقارب 5-4 رصاصات، وأعيرة معدنية مغلفة بالمطاط.

أثناء ذلك، يبدو أن لافي تمكّن من الهروب من الجندي الذي أمسك به، لكنه لم يكد يبتعد خطوتين، مسافة مترين تقريبًا، حتى قام أحدهم، ولا أعرف من كان من بينهم، بإطلاق النار عليه في الظهر. سقط لافي على بطنه، ولم يكن قادرًا على التحرك أو النهوض. كثف الأصدقاء من إلقاء الحجارة والصراخ في محاولة منهم لتخليص لافي.

اقترب أحد الجنود من لافي مسافة متر تقريبًا، للتأكد كما يبدو، من أنه أصيب. ثم تراجع إلى الخلف مع رفاقه. تركوا لافي ممددا هناك ومصابًا ولم يحاولوا إسعافه. غطوا أنفسهم بإطلاق وابلٍ من الغاز المسيل للدموع في اتجاهنا. ناديت على لافي ولم يجبني، ثم أدركت أنه أصيب بجروح بليغة".

حمل الشبان عوض في مرتقى طريق زراعيّة، هناك دخلوا سيارة خاصة، واتّجهوا نحو المستشفى في رام الله وهم يطلبون من سيارة إسعاف أن تلاقيهم على الطريق. أقصر الطرق من بدرس إلى رام الله تمر عبر قرى نعلين ودير قديس، وقد نصبت بينهما بوابة عسكرية عادة ما تكون مفتوحة. وعندما وصل الشبان إلى البوابة وجدوها مغلقة. وفقا لأقوالهم، حاولوا أن يشرحوا للجنود أنهم ينقلون في السيارة شخصًا مصابًا بجروح بليغة إلى المستشفى، إلا أن الجنود رفضوا السماح لهم بالمرور وطردوهم تحت تهديد السلاح. نتيجة لذلك، اضطر الشبان إلى السفر عبر طريق التفافية، تمر من قبيا، شقبا وشبتين، يصل طولها إلى أكثر من 18 كم. وبعد اجتياز قرية شبتين التقى الشباب بسيارة الإسعاف بالقرب من مستوطنة "نيلي"، ونقل عوض إليها. حاول المسعفون إنعاشه ونقلوه إلى المستشفى حيث أعلن عن وفاته بعد خمس دقائق من وصوله.

البوابة التي نصبها الجيش بين قريتي قديس ونعلين. تصوير: ساريت ميخائيلي، بتسيلم. 20/11/2015.
البوابة التي نصبها الجيش على المدخل الرئيسي لقرية نعلين. تصوير: ساريت ميخائيلي، بتسيلم. 20/11/2015.

كاميرات المراقبة على الجدار الفاصل في منطقة الحادث منصوبة. وقد علمت بتسيلم أن عمليّة قتل سمير عوض تمّ توثيقها في هذه الكاميرات، ولذلك فمن المرجح أن يكون شريط فيديو يوثق مقتل لافي عوض في حوزة الجيش.

ساهمت سياسة سهولة الضغط على الزناد في قتل لافي، وهي سياسة تحظى بدعم في المناخ العام الراهن، وفي ظلّ الفراغ شبه الكامل في مجال تطبيق القانون على قوات الأمن. التشابه بين الحدث الحالي وبين قتل سمير عوض البالغ من العمر 16 عاما، في نفس المكان قبل ثلاث سنوات، هو أمر تقشعر له الأبدان. في الحالتين نصب الجنود كمينًا بالقرب من الجدار الفاصل في منطقة قرية بدرس، وفي الحالتين أطلق الجنود النار على ظهر الشابين بينما حاولا الفرار ولم يشكّلا خطرًا على أحد. في الأسبوع الماضي، أبلغ النائب العام المحكمة أن اثنين من بين الجنود الذين قتلوا سمير عوض سوف توجّه لهم تهم ثانوية "التهور والإهمال في استخدام السلاح"

قرار النيابة العسكرية في قضيّة سمير عوض بعدم توجيه اتهامات ضد المسؤولين عن هذه السياسة، وإنّما فقط ضد الجنود مطلقي النار، وبعد التحرّك البطيء، وفي بند اتهام سخيف، هو جزء من السياسة التي تنتهجها النيابة العامة منذ سنوات طويلة، والتي بدورها مهّدت الطريق لقتل لافي عوض. في مركز فشل النيابة العامة، وصناع القرار، يقف قرار إعادة استخدام الكمين المسلح ضد راشقي الحجارة، كما لو كانت هذه الوسيلة العنيفة والخطيرة أمر قانونيّ أو مقبول. أدت هذه السياسة إلى مقتل سمير عوض قبل منذ ثلاث سنوات، وفلسطينيَّين آخرَين. منذ ذلك الوقت، لم تتغيّر السياسة بل ولن يتمّ تقديم المسؤولين للمحاكمة. ليس من المستغرب، أن الجيش انتهج نفس الطريقة مجددا- وهذه المرة قتل لافي عوض، ومرة أخرى في ظروف لم يكن هناك مبرر لاستخدام القوة الفتاكة. السياسة غير القانونية والتي لا تلقى عقابًا، تؤدي إلى عواقب وخيمة. يدفع الفلسطينيون حياتهم ثمن ذلك، مرة تلو المرة.

مواد مقترحة

מפגינים בבילעין. צילום: שרית מיכאלי, בצלם, 1.4.22

سياسة إطلاق النار

خلال مظاهرة في بلعين: جنود يُطلقون رصاص "توتو" على شابٍّ دون أيّ مبرّر ويُصيبونه بجراح

في يوم الجمعة الموافق 1.4.22 نحو السّاعة 13:30، خرجت من قرية بلعين الواقعة غربيّ رام الله مسيرة لإحياء ذكرى "يوم الأرض" التي كانت قد حلّت قبل ذلك بيومين. شارك في المسيرة نحو 150 شخصاً من الفلسطينيّين والناشطين الإسرائيليّين والأجانب، ساروا نحو كيلومترٍ واحد ثم توقّفوا على بُعد نحو مائة متر من جدار الفصل. رفع المتظاهرون أعلام فلسطين وهتفوا شعارات ضدّ الاحتلال. في الجانب الآخر من الجدار وقف ثلاثة جنود على الأقلّ في نقطة ملاصقة للجدار، مرتفعة ومحصّنة. بعد نحو عشر دقائق تقدّم باتّجاه الجدار قرابة عشرة من الشبان والشابات، بضمنهم عهد تميمي (21 عاماً) وابن عمّها أسامة تميمي (26 عاماً). توقّف الشباب على بُعد مترين من الجدار وأخذوا يشتمون الجنود وبعضهم أيضاً رشق حجارة نحو الجنود والجدار. الجنود المتواجدون في النقطة المحصّنة ألقوا نحو الشباب قنابل غاز مسيل للدّموع وقنابل صوت. خرج جيب عسكريّ من إحدى بوّابات الجدار وأطلق جنود من داخله عشرات قنابل الغاز المسيل للدّموع. هربت عهد تميمي من الغاز المنبعث من القنابل فسارت في طريق الدوريّات التفقّديّة الموازية للجدار على بعد نحو 10 أمتار عنه. بعد أن أطلق الجنود رصاصة قطرها 0.22 بوصة ("توتو")، هرع أسامة تميمي نحو ابنة عمّه، عهد. في هذه المرحلة أطلق أحد الجنود المتواجدين في النقطة المذكورة رصاصتي "توتو" أخريين فأصابت كلتاهما أسامة، إحداهما في كفّ قدمه والثانية في ذراعه. تلقّى أسامة الإسعاف الأوّليّ من مسعفين كانوا ينتظرون في الموقع ثمّ أخلي في سيّارة خاصّة إلى سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر فنقلته هذه إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله وهناك تبيّن أنّ الرّصاصتين قد اخترقتا جسده وخرجتا من الجانب الآخر. بعد بضع ساعات تلقّى خلالها العلاج غادر المستشفى كي يستريح ويتعافى في المنزل. يجسد إطلاق الجنود للرّصاص في هذه الحالة سياسة إطلاق النار التي تتّبعها إسرائيل في المناطق المحتلّة، والتي يتم في إطارها استخدام الذخيرة الحيّة ـ وبضمنها رصاص "توتو" ـ ليس فقط كوسيلة أخيرة فقط وفي غياب أية وسيلة أخرى وفي حال تعرّض حياة الجنود للخطر. بدلاً من ذلك، تستخدم إسرائيل النيران الحية في الواقع ضدّ متظاهرين لا يشكّلون خطراً على حياة أحد أيضاً. وبالرغم من كونها غير قانونية، إلا أن هذه السياسة ـ التي تقوم أساساً على استهتار إسرائيل الفظ بحياة الفلسطينيّين وبأجسامهم وبسلامتهم ـ تحظى بدعم شامل من قبَل المسؤولين السياسيّين والضبّاط الكبار في الجيش. بالنظر إلى ذلك، لا عجبَ أنّ تمرّ هذه الحادثة أيضاً دون مساءلة ومحاسبة أحد جرّاء إطلاق الرّصاص. عن إطلاق النيران خلال المظاهرة تحدّثت عهد تميمي (21 عاماً، من سكّان النبي صالح) في إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد يوم 1.4.22: وصلنا إلى منطقة جدار الفصل عند السّاعة 14:00 ورأينا أنّ الجنود ينتظروننا خلف الجدار. شاهدت ثلاثة جنود يقفون في نقطة محصّنة فوق الجدار. اثنان منهم كانا مسلّحين بقاذفات قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المطّاطيّ وكان يتوسّطهما قنّاص مسلّح ببندقيّة من النوع المخصّص لإطلاق رصاص "توتو". بعد وصولنا إلى هناك بنحو عشر دقائق تقدّمتُ ضمن مجموعة من عشرة متظاهرين حتى وصلنا إلى مسافة مترين عن الجدار. وكان هدفنا استفزاز الجنود. بعض الشباب رشقوا الحجارة. سمعت أحد الجنود يناديني باسمي. لا أعرف كيف عرفني. قال لي: "تميمي، اذهبي من هنا". كان الشباب يصرخون ويشتمون الجنود بينما أطلق الجنود بدورهم بضع قنابل صوتية كي يُخيفونا ويُبعدونا من هناك. بعد ذلك أطلقوا بعض قنابل الغاز المسيل للدّموع سقطت بعيداً عنّا. ابتعدنا بسبب رائحة الغاز. في تلك اللّحظات دخل جيب عسكريّ عبر بوّابة في الجدار وأطلق الجنود الذين كانوا على متنه صلية كبيرة من عشرات قنابل الغاز المسيل للدّموع دُفعة واحدة. انتشر الغاز على مساحة كبيرة حتى وصل إلى جُموع المتظاهرين الذين كانوا على مسافة أكثر من 100 متر من الجدار. حاولت الابتعاد عن الغاز فسرت في الطريق الترابيّ الذي يمر بجانب الجدار. وفجأة حين كنت على بُعد نحو عشرة أمتار من الجنود أطلق القنّاص رصاصة "توتو". ذُعرت وتوتّرت ولم أعرف ماذا أفعل. كان الشباب والصحفيّون يصرخون بي "اهربي، اهربي، إنّه يُطلق الرصاص عليك". ركض نحوي ابن عمّي، أسامة تميمي، وحاول أن يُبعدني عن مرمى الرّصاص. حين كان كلانا يحاول الابتعاد تجدّد إطلاق رصاص "توتو". سمعت عدّة طلقات لكن من الصّعب أن أحدّد بالضّبط، لأنّ الصّليل الذي يصدر لدى إطلاقه خافت. أصابت إحدى الرّصاصات أسامة في كفّ قدمه فوقع أرضاً ثمّ أصابته رصاصة ثانية في ذراعه اليمنى. نهض أسامة بسُرعة ثمّ واصلنا الفرار من هناك. ركضنا حتى ابتعدنا نحو 30 متراً وعندئذٍ وقع أسامة ولم يعُد قادراً على النهوض ومواصلة الرّكض. تقدّم عدد من المسعفين وقدّموا له الإسعاف الأوّليّ ثمّ أخلي في سيّارة مدنيّة إلى مستشفىً في رام الله. بعد إطلاق الرّصاص انتهت المظاهرة وغادر الجميع. لاحقاً، ذهبنا لزيارة أسامة في المستشفى وهناك علمنا أنّ إصابته تستدعي إبقاءه هناك للعلاج. الرّصاصتان اللّتان أصابتاه دخلتا وخرجتا. بعد إتمام معالجته غادر إلى المنزل. لقد نجا بأعجوبة بفضل العناية الإلهيّة. أنا ما زلت مصدومة حتى الآن ممّا جرى. عن إصابته هذه، قال أسامة تميمي (26 عاماً، من سكّان النبي صالح) ما يلي في إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 3.4.22: وصلت المسيرة إلى المكان المُبتغى نحو السّاعة 14:00 حيث توقّف جميع المتظاهرين على بُعد 100 متر من الجدار. ألقى عدد من المسؤولين خطابات ضدّ الاحتلال والاستيطان. كان ثلاثة جنود يقفون في نقطة محصّنة في الجانب الآخر من الجدار وهُم يوجّهون بنادقهم نحو المتظاهرين. بعد نحو عشر دقائق على بدء الخطابات انضممت إلى مجموعة من الشباب تقدّمت نحو الجدار وكانت تعدّ نحو عشرة أشخاص. أنا وبعض الشباب كنّا نشتم الجنود ونصرخ عليهم لكي نُثير غضبهم. أطلق الجنود قنابل الغاز المسيل للدّموع وألقوا قنابل الصوت بهدف تفريقنا. كان عدد من الشباب يرشقون الحجارة نحو الجنود في النقطة المحصّنة وعندئذٍ ألقى الجنود نحونا عدّة قنابل غاز مُسيل للدّموع فابتعدنا قليلاً. عندما تلاشى الغاز اقتربنا مجدّداً من الجدار فألقى الجنود عدداً كبيراً من قنابل الغاز المسيل للدّموع. تراجع قسم من الشباب ولاذوا بالفرار بسبب رائحة الغاز. فررت مع أربعة شبان آخرين باتّجاه الجدار لأنّ الرّيح كانت تهبّ وتحمل الغاز بعيداً عن الجدار. التصقنا بالجدار لأنّنا ظننّا أنّ هذا الموقع في زاوية لا تتيح للجنود إطلاق الرّصاص نحونا. رأيت ابنة عمّي عهد تقف في الطريق الترابيّ المحيط بالجدار وسمعت طلقة "توتو" واحدة ثمّ رأيت عهد تلوذ بالفرار. ركضت نحوها لأنّني ظننتُها قد أصيبت. كانت على بُعد 5 أمتار منّي. عندما وصلت إليها قالت لي إنّها لم تُصب. حاولنا الابتعاد معاً عن الطريق الترابيّ وعن مرمى رصاص الجنود لأنّنا ظنّنا أنّهم يصوّبون نحونا. كانت المسافة بيننا وبين الجنود 20 متراً على الأكثر. فجأة شعرت بأنّني قد أصبت في كعب قدمي اليسرى برصاصة "توتو" أطلقها أحد الجنود. تعثّرت ووقعت أرضاً. في هذه الأثناء أطلق الجنديّ رصاصة "توتو" أخرى اخترقت ذراعي اليمنى من الخلف وخرجت من الأمام. نهضت وتمكّنت من الرّكض بضع عشرات أخرى من الأمتار ثمّ وقعت ثانية. ركض نحوي طاقم مسعفين وقدّموا لي الإسعاف الأوّليّ وضمّدوا جراحي ثمّ أخذني شخص ما إلى سيّارة مدنيّة كانت قريبة وانطلقت بي السيّارة في اتّجاه رام الله. في الطريق، قرب بيتونيا، نقلوني إلى سيّارة إسعاف أخذتني بدورها إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله. هناك، أدخلوني إلى قسم الطوارئ وأجروا لي فحوصات وصور أشعّة. كذلك تلقّيت محلولاً وريديّاً وحقناً لتسكين الأوجاع. أظهرت الصّور أنّ الرّصاصتين لم تسبّبا كُسوراً وأنّهما دخلتا وخرجتا دون أن تستقرّا في جسمي. بعد ساعتين غادرت المستشفى على أن أواصل الاستراحة في المنزل.

29 أيار/مايو 2022

غياب المساءلة والمحاسبة

اوﺿﺎع ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن ﻓﻲ اﻷراﺿﻲ اﻟﻤﺤﺘﻠﺔ

تستعرض منظمة “بتسيلم” في التقرير السنوي تشكيلة واسعة من المسائل المتعلقة بانتهاك حقوق الإنسان في الضفة الغربية وقطاع غزة من طرف السلطات الإسرائيلية إبان عام 2011، وهو العام الـ 44 على احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة. يتضح من معطيات التقرير انه طرأ ارتفاع حادّ في عام 2011 على عدد الفلسطينيين غير الضالعين في الاقتتال والذين قتلتهم قوات الأمن الإسرائيلية في قطاع غزة. كما طرأ ارتفاع بعدد المواطنين الإسرائيليين الذين قتلهم فلسطينيون في الاراضي المحتلة وإسرائيل، مقارنة مع العام 2010.

21 آذار/مارس 2012

גדר ההפרדה ליד הכפר דיר אל-עסל אל-פוקא. התמונה באדיבות התושבים

سياسة إطلاق النار

جنود ينصبون كمينًا لفلسطينيّين حاولوا عبور الجدار الفاصل دون تعريض أحد للخطر، ويطلقون النار على شقيقين ويقتلونهما ويصيبون شقيقًا آخر لهما بجراح وينكّلون بقسوة بشابّ رابع

في يوم الخميس الموافق 29.2.24، قرابة الساعة 16:30، حضر ثلاثة أشقاء من عائلة الشوامرة، نجم الدين (29 عامًا) وصلاح الدين (25 عامًا) ونور الدين (30 عامًا)، إلى الجانب الغربيّ من الجدار الفاصل، في منطقة بيت مرسم، من أجل العودة إلى منزلهم في قرية دير العسل الفوقا في محافظة الخليل. وكان الثلاثة قد عبروا الجدار إلى داخل إسرائيل قبل بضعة أيّام مع شقيق آخر لهم بغرض قطف نبتة العكّوب. أنزلت سيّارة أجرة الثلاثة وشابًّا آخر، محمّد عمرو (21 عامًا)، كان عائدًا من عمله في إسرائيل، بجانب الجدار. اعتزم الأربعة تسلّق الجدار باستخدام سلّم من الحبال، وكانوا على اتّصال بفلسطينيّ آخر تسلّق الجدار مقابل أجر لكي يراقب لهم ويحذّرهم في حال رأى قوّات إسرائيليّة على مقربة من المكان.تسلّق نجم الدين السلّم أوّلًا. أطلق جنود، كانوا قد نصبوا كمينًا قرب الجدار المواجه لإسرائيل، نيرانًا كثيفة بالذخيرة الحيّة باتّجاهه، فأصيب في صدره وسقط على عمرو الذي كان واقفًا تحت السلّم. قفز المُراقِب الذي كان على الجدار إلى جانب الجدار المواجه للضفّة وتمكّن من الفرار. في هذه المرحلة توقّف إطلاق النار، لكن عندما حاول صلاح الدين تسلّق السلّم هو أيضًا لكي يهرب من إطلاق النار إلى الجانب الآخر من الجدار، تجدّد إطلاق النار وأصيب هو أيضًا في بطنه وصدره وسقط. وأصابت رصاصة أخرى رأس نور الدين الذي كان يقف على الأرض، فسقط أرضًا مُشوَّش الوعي. في تلك الأثناء حضر إلى المكان أكثر من عشرين جنديًّا إضافيًّا، ترافقهم سيّارات إسعاف. أخذوا الأخوة الثلاثة المصابين إلى نقطة عسكريّة تقع قرب بلدة بيت عوّا. ومن هناك تمّ نقلهم بسيّارات إسعاف فلسطينيّة إلى مستشفى في دورا، حيث أقِرَّت وفاة نجم الدين وصلاح الدين.في أثناء قيام الجنود بإخلاء الأخوين المصابين، قام جنود آخرون باحتجاز عمرو في المكان، وكبّلوا يديه وغطّوا عينيه وأجلسوه على الأرض. نكّل الجنود بعمرو لمدّة ساعتين، فقاموا بصعقه بالصادم الكهربائيّ بشكل متكرّر حتّى فقد الوعي، كما قاموا بالتحقيق معه وشتمه وتصويره. بعد ذلك أصعد الجنود عمرو إلى سيّارة جيب عسكريّة وسافروا به إلى قاعدة عسكريّة قريبة، وهناك أخِذ منه مبلغ 5,400 ش.ج. كان بحوزته. احتُجِز في غرفة، مكبّلًا بالأصفاد ومعصوب العينين، حتّى قرابة الساعة 2:00 فجرًا. خلال احتجازه في القاعدة العسكريّة قام الجنود بصعقه بالكهرباء مرّة إضافيّة واحدة على الأقلّ. وفي الساعة 2:00 سلّم الجنود عمرو استدعاءً للتحقيق ثمّ سافروا به إلى منطقة قرية فقيقيس في محافظة الخليل، حيث توقّفوا هناك وألقوه من سيّارة الجيب وهو معصوب العينين، وأمروه بالسير على هذا النحو وسيّارة الجيب كانت تسير خلفه. بعد أن سار نحو مائتي متر غادرت سيّارة الجيب المكان، فرفع عمرو العصابة عن عينيه وتقدّم قرابة 200 متر أخرى حتّى قرية خربة سلامة المجاورة، وهناك اتّصل بأفراد عائلته الذين أخذوه إلى مستشفى في دورا، حيث تمّ فحصه وتسريحه إلى منزله.عندما علم الأخ الرابع من عائلة الشوامرة، محيي الدين، الذي بقي في إسرائيل واستمرّ في قطف العكّوب، بإطلاق النار على أشقائه، حاول العودة إلى منزله عبر حاجز ترقوميا، لكنّ القوّات الإسرائيليّة اعتقلته. وفي 6.3.24 صدر بحقّه أمر اعتقال إداريّ لمدّة ثلاثة أشهر.ردًّا على توجّه صحيفة هآرتس، قال المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ ما يلي: "بعد اندلاع حرب السيوف الحديديّة وفي أعقاب الوضع الأمنيّ، تمّ قبل بضعة أشهر تحديث تعليمات إطلاق النار في منطقة الجدار الأمنيّ ​​وخطّ حدود يهودا والسامرة، بهدف منع النشاط الإرهابيّ والتسلّل وبغية إحباط اجتياز العائق بشكل غير مصرّح به، وليس عن طريق المعابر الرسميّة. يجدر التشديد على أنّ الاقتراب من الجدار الأمنيّ ​​وخطّ الحدود ممنوع ويشكّل خطرًا على الحياة. وفي الحالة المذكورة، حاول بعض المقيمين بشكل غير قانونيّ عبور الجدار الحدوديّ قرب قرية بيت عوّا في لواء يهودا. حاولت قوّات الجيش الإسرائيليّ التي كانت في نشاط استباقيّ في المنطقة منعهم من العبور بشتّى الإجراءات. وبعدما لم يمتثل المشتبه بهم للإجراءات، أطلقت القوّات النار باتّجاههم وشُخِّصت إصابات. ملابسات الحادثة قيد الفحص".كما كانت بتسيلم قد أشارت من قبل: أيًّا كانت الذرائع التي تسوقها إسرائيل لتبرير إطلاق النار على الفلسطينيّين الموجودين بجوار الجدار الفاصل، فإنّ إطلاق النار هذا غير قانونيّ ولا يمكن تبريره. وكذلك الحال بالنسبة إلى التنكيل بمحمّد عمرو. وكما يَظهر أيضًا من الردّ الرسميّ للجيش، فإنّ إطلاق النار على الأربعة تمّ تنفيذًا لتعليمات إطلاق النار المعمول بها في الأراضي المحتلّة. إنّ إطلاق النار القاتل هذا على أشخاص لم يشكّلوا خطرًا على حياة أو جسد أيّ شخص، هو أمر غير قانونيّ وغير أخلاقيّ. وحقيقة تنفيذ إطلاق النار بينما كان الأربعة في طريق عودتهم إلى أراضي الضفّة الغربيّة تدحض، أيضًا، أيّ ادّعاء بشأن "الاشتباه" في وجود خطر محتمل من جانبهم وكأنّ الجنود حاولوا منع حدوثه.إنّ تعليمات إطلاق النار التي تمّت صياغتها وبلورتها بتصديق من أعلى المستويات، تعكس سياسة الأبارتهايد والاستهتار بحياة الفلسطينيّين التي تنتهجها إسرائيل، ولذلك من الواضح أنّه لن تجري محاسبة أحد على القتل أو الجرح أو التنكيل التي هي ليست سوى تطبيق لهذه السياسة.سجّل باحث بتسيلم الميدانيّ باسل العدرا إفادتيّ كلٍّ من نور الدين الشوامرة ومحمّد عمرو:نور الدين الشوامرة (30 عامًا)، متزوّج، من سكّان قرية دير العسل الفوقا، قال في 4.3.24:في يوم الاثنين الموافق 26.2.24 سافرتُ أنا وأخوتي، نجم وصلاح ومحيي الدين، إلى منطقة أم خشرم لقطف العكّوب ولبيعه. المنطقة الواقعة قبالة قريتنا ضُمّت إلى إسرائيل بواسطة الجدار الفاصل. لا أحد يعيش هناك. كنّا بحاجة إلى المال لأنّنا كنّا جميعًا نعمل حتّى الحرب في مطاعم في القدس، ثمّ ألغوا التصاريح للجميع وبقينا عاطلين عن العمل. نسّقنا مع شابّ يقوم عادةً بالحراسة عندما يتسلّق أشخاص على الجدار ويحذّرهم عندما تقترب القوّات الإسرائيليّة. تمكّنا من عبور الجدار وبقينا هناك ثلاثة أيّام. كان الطقس باردًا جدًّا وكانت كلّ نباتات العكّوب التي عثرنا عليها صغيرة، لذلك قرّرنا العودة إلى البيت. محيي الدين وحده قرّر البقاء هناك.اتّصلنا مرّة أخرى بالشابّ الذي يحرس مَن يعبرون ونسّقنا معه وطلبنا سيّارة أجرة وصلت قرابة الساعة 16:30 وأخذتنا نحن الثلاثة. كان محمّد عمرو، من القرية المجاورة لنا، والذي عاد من العمل، قد أصبح في سيّارة الأجرة. سافرنا لمدّة نصف ساعة تقريبًا على طرق ترابيّة وعرة.عندما وصلنا إلى الجدار بدا كلّ شيء هادئًا. نزلنا من سيّارة الأجرة وغادرتْ هي فورًا. أنزل الشابّ الذي كان على الجدار سلّمًا من الحبال إلى الأسفل. أمسك محمّد السلّم وبدأ نجم الدين بالتسلّق، لكنّه لم يتمكّن من الصعود إلّا بضع درجات ثمّ أطلقت النار عليه وعلى الشابّ الذي كان في الأعلى. نزل الشابّ على الفور إلى الجانب الآخر. أصيب نجم الدين وسقط مباشرة على محمّد، وسقط كلاهما على الأرض.كان إطلاق النار كثيفًا. حاول صلاح الدين صعود السلّم أيضًا لأنّه أراد الفرار إلى الضفّة، لكنّه أصيب هو أيضًا بعدّة رصاصات وسقط على الأرض. أردتُ أن أذهب إليه، فأصابتني رصاصة في مؤخّرة رأسي، فسقطتُ أنا أيضًا. كنتُ فاقدًا للوعي تقريبًا، وسمعتُ أخوَيّ يتلوان الشهادة. رقدنا هناك جرحى، ثمّ سمعتُ أصواتًا وشعرتُ بحركة من حولي، لكنّني لم أفهم ما يحدث.عندما استيقظتُ كنتُ جالسًا بين جنود في سيّارة عسكريّة بيضاء اللون. قال لي أحدهم بالعبريّة إنّ أخويّ ما زالا على قيد الحياة وإنّه يتمّ تقديم العلاج لهما. وصلنا إلى البرج العسكريّ قرب بيت عوّا. وهناك نقلوني إلى مركبة عسكريّة أخرى، أكبر حجمًا. انتظرنا هناك 10 دقائق تقريبًا، ثمّ وصلت سيّارة إسعاف فلسطينيّة وأدخلوني إليها. كان صلاح الدين أيضًا في سيّارة الإسعاف. كان فاقدًا للوعي تقريبًا، وطلب التحدّث مع أبي، لكن لم يكن لديّ هاتف. قام الجنود بوضع ضمّادة على جراحه. نقلتنا سيّارة الإسعاف إلى مستشفى دورا، وهناك أدخلوا صلاح الدين فورًا إلى غرفة العمليّات الجراحيّة وقاموا بتقطيب الجرح الذي في رأسي. بعد وقت قصير أعلن الأطبّاء وفاة صلاح الدين. وسمعتُ لاحقًا أنّ نجم الدين قد قُتِل أيضًا. كانت تلك ساعات عصيبة جدًّا.أطلِقت النار على أخوَيّ أمامي، ولم أستطع فعل أيّ شيء. أنا لا أصدّق أنّني فقدتُ كلا أخوَيّ هكذا. عندما سمع محيي الدين بما حدث لنا ذهب إلى معبر ترقوميا لكي يعود إلى البيت، فاعتقلوه هناك. لم نسمع منذ ذلك الحين ما الذي يحدث معه.محمّد عمرو (21 عامًا)، من سكّان قرية بيت الروش التحتا، قال في 3.3.24:أنا أعمل في البناء في داخل إسرائيل، وعادةً ما أدخل بتصريح عمل. لكن منذ الحرب لا يُعطون تصاريح، وبسبب الوضع الاقتصاديّ الصعب، اضطررتُ إلى تسلّق الجدار الذي بنته إسرائيل غرب قريتي والدخول للعمل بدون تصريح.في يوم الخميس الموافق 29.2.24 عدتُ من العمل بسيّارة أقلّتني إلى طريق ترابيّة قريبة من الجدار قرب قرية بيت مرسم، حيث أصعد على سلّم من الحبال فوق الجدار. في أثناء السفر تلقّى السائق مكالمة من شابّ أعرفه، نجم الدين الشوامرة، طلب أن نأخذه هو وأخويه صلاح الدين ونور الدين. في الساعة 16:30 أخذناهم وحكوا لي أنّهم جاءوا إلى المنطقة في يوم الاثنين، 26.2.24، لقطف العكّوب، لكنّهم وجدوا أنّ النبتات لا تزال صغيرة جدًّا. ففضّلوا العودة إلى البيت والحضور مرّة أخرى لقطف العكّوب لاحقًا. لم يكن بحوزتهم سوى كيس فيه القليل من السعتر البرّيّ وبعض العكّوب وحقيبة فيها ملابس.اتّصلنا أوّلًا بالشابّ الذي يحرس هناك في منطقة الجدار لفحص الوضع، فقال إنّه يجلس على الجدار ولم يرَ أيّ حركة للجنود في المنطقة. وصلنا إلى منطقة الجدار قرابة الساعة 17:00 وبدا كلّ شيء هادئًا. أنزلَنا السائق قرب الجدار وغادر على الفور. كان الشابّ الذي يحرس جالسًا على الجدار، وكان هناك سلّم من الحبال. تسلّق نجم خمس درجات على السلّم، حتّى ارتفاع متر ونصف تقريبًا، ثمّ فجأةً أطلِقت النار علينا. قفز الشابّ الذي كان يجلس على الجدار إلى الجانب الثاني، وأصيب نجم الدين وسقط عليّ مباشرة، ثمّ سقط كلانا على الأرض.حاولتُ أن أنزله عنّي. دمه غطّى ملابسي. كنتُ مصدومًا. كان هناك إطلاق نار كثير. قال لي نجم الدين أن أتّصل بوالدته. سحبتُ الهاتف من جيبه وسألتُه عن الكود، لكنّه لم يعد يردّ. ركض صلاح الدين إلى السلّم لكي يتسلّق ويهرب، لأنّه لم يكن هناك أيّ شيء يمكن الاختباء خلفه، فالجدار كان أمامنا وإطلاق النار جاء من خلفنا. ما إن صعد صلاح الدين على السلّم حتّى تجدّد إطلاق النار ورأيتُ رصاصات تخترق جسمه. سقط على قاعدة الجدار، ورأيتُ بطنه يتمزّق.كان نور الدين يجلس على الأرض، ونهض لكي يحاول أن يساعد صلاح الدين، لكنّه أصيب برصاصة في رأسه وسقط على الفور. زحفتُ على الأرض واقتربتُ منه. أمسكتُ برأسه وحاولتُ إيقاف النزيف بيدي. طلب منّي هو أيضًا أن أتّصل بوالدتهم. هذه المرّة أيضًا أخذتُ هاتفه وسألتُه عن الكود، لكنه لم يُجب.توقّف إطلاق النار فور سقوط نور الدين على الأرض. جاء إلينا جنديّ وجنديّة سيرًا على الأقدام. يبدو أنّهما كنّا مختبئين بين الشجيرات وأطلقا النار علينا من هناك. اقتربت الجنديّة من نور الدين وضمّدت رأسه. كان صلاح الدين على بُعد متر واحد عنّي، وكان الدم ينهمر من بطنه، حرفيًّا.صرخ الجنديّ عبر الهاتف، وبقيتُ أنا بلا حركة ربع ساعة تقريبًا، حتّى وصلت خمس مركبات عسكريّة. خرج الجنود من سيّارات الجيب واتّجهوا نحونا مباشرةً. قام اثنان منهم بتقييد يديّ بالأصفاد وعصبا عينيّ ثمّ رفعاني وضرباني بالأرض. بعد ذلك صعقوني بالكهرباء في ظهري وفقدتُ الوعي. عندما استعدتُ وعيي، تمكّنت من إزالة العصابة عن عينيّ. كان هناك أكثر من 20 جنديًّا.غطّى الجنود عينيّ مرّة أخرى وتحدّث معي أحدهم بالعربيّة بلكنة بدويّة. قال إنّهم قتلوا أصدقائي وإنّهم سيقتلونني أنا أيضًا. شتمني. بعد ذلك سألني عن اسمي، ثمّ رماني أحدهم على بطني وداس على ظهري. وجّهوا لي صعقة كهربائيّة أخرى وفقدتُ الوعي ثانية. عندما استيقظتُ في المرّة الثانية تحدّثت معي جنديّة بالعبريّة وسألتني ما اسمي، وماذا أفعل هنا. أعطتني ماء. طلبتُ منها سيجارة. أخرجتْ من جيبي علبة السجائر، الهاتف وشاحن الهاتف ومبلغ 5,400 شيكل كان بحوزتي. أشعلت لي سيجارة وأخذت كلّ النقود. وضعتُ السيجارة في فمي وعندما أخذتُ النفخة الثالثة صعقوني بالكهرباء مرّة أخرى، فسقطتُ على الأرض فاقدًا الوعي مرّة أخرى.بعد ذلك استيقظتُ وسمعتُ ضجيج مركبات تتحرّك. تمكّنتُ من إزالة العصابة عن عينيّ مرّة أخرى. كان هناك سيّارتا إسعاف ومسعفون وجنود قد تجمّعوا قرب الأخوة الثلاثة. بعد 10 دقائق قاموا بإخلاء ثلاثتهم. لم أرَ بالضبط السيّارة التي أدخلوهم إليها. بعد ذلك غادرت بعض المركبات. اقترب منّي الجنود وأوقفوني على قدميّ. سألني أحد الضبّاط عن اسمي وطلب بطاقة هويّتي. قلت له إنّها ليست معي. صوّرني بهاتفه ثمّ قادني بضع خطوات حول المكان الذي قام فيه الجنود ببعثرة ملابس الأخوة. كانت الأرض مليئة بدمائهم. وقف أحد الجنود أمامي وصوّرني بكاميرا مثبّتة على جسمه. سألني ماذا يوجد في الحقيبة ثمّ قال إنّها مخدّرات، حشيش. أجبتُه أنّه زعتر وعكّوب. قال لي الجنديّ إنّني كذّاب. أخذني أحد الجنود وأجلسني بجانب سيّارة بيضاء، ثمّ جاءت الجنديّة وأعادت نقودي وهاتفي إلى جيبي، ثمّ عصبوا عينيّ مرّة أخرى. أخذ شخص ما هاتفي ونقودي مرّة أخرى من جيبي وسألتُه بالعبريّة إلى أين تأخذون أغراضي. أجابني أحد الجنود بالعبريّة أن الأغراض ستكون في السيّارة. أدخلوني إلى السيّارة وسافرنا، وفي الطريق حاولتُ التحدّث مع الجنود عمّا حدث مع الشبّان، لكن لم يُجبني منهم أحد.وصلنا إلى المعسكر في منطقة الخيش، خلف الجدار الذي أقيم على أرض بيت عوّا. كانت الساعة 20:00 تقريبًا. أجلسني الجنود في غرفة وأنا معصوب العينين ومكبّل اليدين. سألتُ بصوت عالٍ ماذا حدث للشبّان، فأجابتني جنديّة أنّه لا داعي للقلق وقالت إنّني سأبقى في المعسكر حتّى اليوم التالي، ثمّ خرجت. بعد بعض الوقت سألتُ مرّة أخرى عن الشبّان، فأجابتني جنديّة أخرى بالعربيّة أنّ أحدهم مات وطلبت منّي أن أسكت. طلبتُ ماء لكنّها رفضت إعطائي أو السماح لي بالذهاب إلى المرحاض أو التدخين. كلّما طلبتُ منها شيئًا كانت تأمرني بأن أسكت.بقيتُ في تلك الغرفة حتّى الساعة 2:00 فجرًا، وكنتُ مقيَّد اليدين طوال هذا الوقت. كان هناك أيضًا جنود يستمعون إلى الموسيقى وأخذوا يسخرون منّي، كما صعقوني بالكهرباء مرّة أخرى. بعد ذلك أعطاني أحدهم ورقة وقال لي إنّ عليّ التوجّه إلى العنوان المسجّل عليها في يوم الأحد.في النهاية أخذوني بمركبة عسكريّة إلى مفرق يؤدّي إلى قرية فقيقيس، قرب مستوطنة "نغوهوت". قام الجنود بإلقائي من المركبة إلى الأرض بعنف. أعطوني هاتفي وعلبة السجائر، لكن لم يعطوني النقود. كنتُ لا أزال معصوب العينين. قال لي الجنديّ إنّ عليّ أن أذهب، وإنّه سيقود المركبة خلفي. مشيتُ على هذا النحو 200 متر تقريبًا، ثمّ سمعتُ سيّارة الجيب تبتعد. أزلتُ العصابة عن عينيّ وواصلت السير مسافة 200 متر أخرى تقريبًا حتّى وصلتُ إلى مدرسة في قرية خربة سلامة. اتّصلتُ بوالدي من هناك، ثمّ واصلتُ السير حتّى جاء أحد أخوالي وأخذني إلى مستشفى دورا الحكوميّ. كنتُ منهكًا.في المستشفى أجروا لي فحوصات ثمّ أخذني أفراد عائلتي الذين حضروا إلى هناك إلى البيت.

5 حزيران/يونيو 2024