سياسة إطلاق النار

مرّة أخرى عمليّة دهس لم تحدث: جنود أطلقوا النّار وأصابوا فتية فلسطينيّين وضربوهم بعد اصطدامهم بصخرة

الصورة
סייף א-דין עוואוודה מצביע על אחד מחורי הירי במכונית שבה נהג. צילום: איאד חדאד, בצלם, 22.2.20

نحو السّاعة الثامنة والنصف من مساء يوم الخميس الموافق 20.2.20 كان أربعة فتية في الـ15 من سكّان دير دبوان شرقيّ رام الله يسافرون إلى قرية بيتين الواقعة شرقيّ رام الله في سيّارة يقودها الفتى سيف الدّين عواودة الذي يعمل في كراج مجاور.

اجتاز الفتية النفق تحت شارع 60 وبعد نحو 300 متر لاحظوا سيّارة جيب عسكريّة قادمة من اتّجاه بتّين وتتقدّم نحوهم بعكس اتّجاه السّير على مسارهم نفسه. حاول سيف الدين الانعطاف لكي يتجنّب الاصطدام بالجيب لكنّه لم يتمكّن من إتمام الانعطافة واصطدم بصخور وُضعت على طرف المسار المعاكس (الأيسر) فتوقّفت السيّارة ومقدّمتها في اتّجاه دير دبوان فيما ظهرُها نحو الجيب. في اللّحظة نفسها ترجّل من الجيب عدد من الجنود وشرعوا فوراً في إطلاق النار بداية في الهواء ثمّ على السيّارة. أصيب من نيران الجنود الفتى محمد صرمة في ساقه وظهره وكان يجلس في المقعد الخلفيّ.

الصورة
موقع الحادثة. تصوير إياد حدّاد، بتسيلم، 22.2.20

أطلق الجنود النيران لبضع ثوانٍ ثمّ توقّفوا عن ذلك وتقدّموا نحو السيّارة ففتحوا أبوابها وضربوا السّائق سيف الدّين والفتى د.ح. الذي كان يجلس خلفه ثمّ أخرجوهما من السيّارة وهم يواصلون ضربهما. كذلك أخرج الجنود من السيّارة الفتى المصاب محمد صرمة وبعد بضع دقائق وصلت إلى الموقع مركبة عسكريّة أخرى أخلته من المكان. أمّا الفتى الرّابع محمود عواودة الذي كان يجلس على مقعد بجانب السّائق سيف الدين فقد أصيب في الحوض من شظايا على ما يبدو. أمره الجنود بالخروج من السيّارة وأجلسوه على طرف الشّارع.

أدناه إفادة سيف الدين عواودة - أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميداني إياد حدّاد في 22.2.20 قائلاً:

الصورة
سيف الدين عواودة بعد الحادثة بيومين والكدمات لا تزال تظهر على وجهه. تصوير إياد حدّاد، بتسيلم، 22.2.20

خرجت مع أصدقائي من دير دبوان في جولة في السيّارة لكي نشتري بعض الحاجيّات ونقضي الوقت معاً. اجتزنا الجسر الواقع بين دير دبوان وبتّين وعلى بُعد 150 - 200 متر تقريباً شاهدت فجأة مركبة عسكرية تأتي من اتّجاه بتّين. كانت تتقدّم في نفس مسلكي بعكس اتّجاه السّير، وقد أصبحت على بُعد 20 - 30 متراً منّا. أربكني ذلك فما كان أمامي سوى الانعطاف نحو المسلك الأيسر لكي أتجنّبهم ولكن بسبب ضيق المكان في الشارع اصطدمت بصخور كبيرة وُضعت على طرف الشارع لمنع الانزلاق نحو المنحدر.

فورَ اصطدامنا توقّفت المركبة العسكريّة في عرض الشارع وسدّته ثمّ ترجّل منها الجنود ووقفوا على بُعد بضعة أمتار خلف سيّارتنا قريباً جدّاً منّا وشرعوا يُطلقون النار نحونا. أطلقوا أكثر من 20 رصاصة بعضها في الهواء وبعضها أصاب السيّارة من الخلف. استمرّ ذلك لثوانٍ عدّة.

انحنينا لأنّنا كنّا خائفين جدّاً. قلت لنفسي "خلص، متنا". وضعت يديّ على رأسي محاولاً حماية نفسي. من لحظة إطلاق الرّصاص الأولى سمعت محمد يصرخ "آخ.. آخ.." وكان جالساً في المقعد خلفي. بعد ذلك فوراً فتح الجنود الأبواب وأخذوا يضربوننا. ضربني أحد الجنود ببندقيّته على كتفي ثمّ سحبني إلى الشارع وواصل ضربي. وجّه إليّ عدّة ضربات أخرى على رأسي ووجهي وظهري. في الوقت نفسه رأيتهم يضربون د. أيضاً الفتى الذي كان يجلس خلفي. لم يضربوا محمد [صرمة] لأنّهم على ما يبدو فهموا منذ البداية أنّه مصاب. بعد أن سيطروا علينا جميعاً وفهموا أنّنا غير مسلّحين وإنّما مجرّد أولاد أخذوا يفتّشون داخل السيّارة. بعد دقائق معدودة وصلت مركبة عسكريّة نقلت محمد المصاب ثمّ جاءت مركبات عسكريّة أخرى وانتشرت في المكان.

احتجز الجنود الفتية طيلة ساعتين خضعوا خلالها لتحقيق أجراه شخص عبر الهاتف وآخرون في الموقع بلباس مدنيّ. من بين التّهم التي وجّهها المحقّقون محاولة دهس وإلقاء زجاجة حارقة.

أدناه إفادة محمود عواودة عمّا حدث بعد ذلك - أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميداني إياد حدّاد في 22.2.20 قائلاً:

الصورة
محمود عواودة. تصوير: إياد حدّاد, بتسيلم, 22.2.20

لم يتمكّن الجنديّ من المسّ بي لأنّ الصخرة كانت تسدّ الباب في جهتي فلم يفتح كلّه. أجبرني على النزول من السيّارة ففعلت ذلك مذعوراً لأنّني خفت أن يقتلوني. رفعت يديّ إلى أعلى ويبدو أنّه لاحظ صغر سنّي فلم يضربني وإنّما أجلسني جانباً فقط. بعد ذلك رأيتهم يُنزلون محمد (صرمة) وكان يتأوّه من الألم. أخذوه جانباً وبعد دقائق معدودة جاءت مركبة عسكريّة إسرائيليّة أخرى فأدخلوه إليها. بعد ذلك أجلسونا قرب الصّخور عند طرف الشارع بعيدين عدّة أمتار واحداً عن الآخر.

في هذه المرحلة أخذ يصل المزيد من الجنود. سألونا من حين لآخر عن أسمائنا وإلى أين كنّا ذاهبين ومن أين أتينا. تحدّثوا معنا بالعبريّة وأحياناً بلغة عربيّة "مكسّرة". وقد أجروا تفتيشاً داخل السيّارة أيضاً. كنّا مصدومين ولم يسأل أيّ جنديّ عن حالنا. لم يقدّموا لنا الإسعاف الأوّلي وحتى لم يهتمّوا إن كنّا قد أصبنا أم لا.

بعد مضيّ نصف السّاعة او ساعة حقّق مع كلّ واحد منّا شخص عبر الهاتف عرّف نفسه بأنّه رئيس المخابرات في الضفة. سألنا ما اسمنا وأين نقيم وإلى أين نحن ذاهبون ولأجل ماذا. لقد حدث ذلك ثلاث مرّات. بعد ساعة تقريباً جاء أشخاص بلباس مدنيّ أحدهم ملثّم. الشخص الذي كان وجهه مكشوفاً حقّق معنا على انفراد ووجّه إلينا الأسئلة نفسها. كنّا نشعر بالبرد وخائفين جدّاً. لم يسمحوا لنا حتى بالاتّصال بأهالينا لكي نخبرهم بما جرى معنا رغم أنّنا طلبنا منهم.

مرّ صدفة من موقع الحادثة أحمد أبو سمبل صاحب الكراج الذي يعمل فيه الفتى سيف الدين عواودة، فرأى السيّارة والفتية على طرف الشّارع. توقّف على بُعد نحو مئة متر من الجيب العسكريّ وانتظر لأنّه خشي أن يقترب. نحو السّاعة 23:00 بعد أن اقترب حتى أصبح على بُعد بضع عشرات من الأمتار ورأى أنّ السيّارة من نفس نوع السيّارة التي يقودها سيف الدّين اتّصل به والد سيف الدّين يسأله عن ابنه وهل يعلم أين هو. عندئذٍ أدرك أنّ سيف الدّين موجود في موقع الحادثة فتقدّم نحو الجنود.

أدناه إفادة أحمد أبو سمبل (33 عاماً) من سكّان بتّين وهو متزوّج وأب لابن واحد - أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميداني إياد حدّاد في 22.2.20 قائلاً:

الصورة
أحمد أبو سمبل. تصوير: إياد حدّاد, بتسيلم, 22.2.20

نزلت من السيّارة وتقدّمت من الجنود لكي أعرف إن كان العامل الأجير لديّ موجود هناك. أشار لي الجنود من بعيد أن أعود فرفعت قميصي ثمّ رفعت يديّ في الهواء لكيلا يشتبهوا بي. قلت لهم "هذه السيّارة لي وأنني أريد التحدّث مع القائد". تقدّم منّي جنديّان وهما يُشهران سلاحيهما نحوي فيما توجّه الجنديّ الثالث وتحدّث مع القائد الذي كان يقف عند طرف الشارع قرب السيّارة التي اصطدمت بالصّخور. وافق القائد على التحدّث معي. عندما تقدّمت نحوه رأيت ثلاثة فتية يجلسون عند طرف الشارع بعيدين عن بعضهم البعض مسافة مترين والجنود يقفون لحراستهم.

رأيت سيف الدّين. عندما مررت بجانبه سألته كيف حاله فأجابني قائلاً "ضربوني" ولكنّنا لم نتمكّن من التحدّث أكثر من ذلك. قال لي إنّ أحد الفتية ويُدعى محمد صرمة قد أصيب. أنا لا أعرفه شخصيّاً.

الصورة
ثقوب الرّصاص داخل السيّارة في المقعد الذي كان يجلس عليه محمد صرمة. تصوير إياد حداد، بتسيلم، 22.2.20

عرّفت عن نفسي أمام القائد وعرّف نفسه بدوره قائلاً إنّه ضابط مخابرات المنطقة. أوضحت له أنّ السيّارة لي وأنّ سيف الدّين يعمل أجيراً عندي في الكراج. قلت له لا بدّ أن يكون سيف قد خاف وارتبك أمام المركبة العسكريّة فحاول الهروب منها واصطدم بالصّخرة. كان انطباعي أنّ القائد تفهّم ما قلته فطلبت منه أن يسمح للأولاد بالعودة إلى منازلهم. قال لي "حسناً، ولكن أريد أن ألتقي بك يوم الاثنين صباحاً في عوفر عند السّاعة 10:00". اطمأنّ قلبي بعد أن ناولوني مفاتيح السيّارة وأخذها سيف وغادر المكان مع بقيّة الأولاد وعندها عدت إلى سيّارتي وغادرت الموقع.

في الواحدة من ظهيرة اليوم التالي اتّصلت بسيف وطلبت أن يجلب لي السيّارة وكنت مصدوماً من منظره عندما وصل فأنا لم أرَه بوضوح في الليلة الفائتة. كان وجهه كلّه متورّماً والكدمات الزرقاء تغطّي جبينه وحول عينه اليسرى. فحصت السيّارة أيضاً فشاهدت ثقوب الرّصاص 5 أو 6 ثقوب في المقعد الخلفي من جهة اليمين. من يرى هذا المنظر لن يصدّق أنّ من جلس في هذا المقعد بقي على قيد الحياة. وكانت هناك ثقوب رصاص أخرى في غطاء الصندوق الخلفي للسيّارة.

يتابع محمود عواودة الحكاية في إفادته قائلاً:

الصورة
اصابة محمود عواودة. تصوير إياد حدّاد، بتسيلم، 22.2.20

بعد أن تدخّل صاحب الكراج الذي يعمل فيه سيف الدّين وأخلى الجيش سبيلنا عدنا إلى منازلنا. في اليوم التّالي توجّهت إلى المركز الطبّي في القرية فقالوا لي إنّ إصابتي طفيفة وعقّموا الجُرح. عندما التقيت سيف الدّين كان مصاباً بجروح طفيفة وكدمات في وجهه قرب عينه اليسرى وجبينه ورأسه. أمّا محمد [صرمة] فقد أخبرني والداه أنّ حالته لا تزال صعبة وأنّه يرقد للعلاج في مستشفىً في إسرائيل.

خضع محمد صرمة لعمليّة جراحيّة في مستشفى "شَعاري تصيدق" في القدس وتمكّنت أسرته من زيارته هناك ثمّ نُقل في 12.3.20 إلى المستشفى الاستشاري في رام الله ولا يزال هناك قيد العلاج.

بعد الحادثة مباشرة زعم الجيش عبر وسائل الإعلام أنّ الجنود الذين كانوا قد نصبوا حاجزاً في منطقة بتّين أطلقوا النّار على فلسطينيّ حين تقدّم نحوهم بسيّارته وهو يزيد من السّرعة لأنّهم اشتبهوا بمحاولة عمليّة دهس.

لقد تصرّف الجيش في هذه الحالة بانفلات منذ البداية: بدءًا من إطلاقه النار على الفتى محمد صرمة وإصابته مروراً بضرب الفتية الآخرين وانتهاءً باحتجازهم بذرائع واهية طيلة ساعتين دون أن يُبلغ والديهم بأيّ شيء. المزاعم المتعلّقة بالاشتباه في عمليّة دهس التي برّر الجيش بواسطتها إطلاق النّار تناقض وقائع هذه الحادثة: أوّلاً أطلقت النيران على السيّارة من الخلف وثانياً أخلي سبيل الفتية في اللّيلة نفسها ثمّ إنّ الجيش والمخابرات منذ اليوم التالي تخلّيا عن وصف أيّ من الفتية بأنّه مشتبه به بمحاولة تنفيذ عمليّة دهس.

الحادثة التي تناولناها هنا ليست استثنائيّة بل هي تُظهر مجدّداً كيف يقوم الجيش بسهولة ماجنة بإطلاق النّار على فلسطينيّين (وفي هذه الحالة على فتية لم يتجاوزوا الـ15) ليسارع بعد ذلك إلى تبرير مجونه الإجراميّ بأعذار واهية فلا تلبث جميع رتب القيادة أن تتبنّاها رسميّاً. انتهاء هذه الحادثة دون مقتل واحد أو أكثر من الفتية أعجوبة في حدّ ذاته ولكن حتى لو أسفرت هذه الحادثة عن نتائج كارثيّة كما في معظم الحالات الأخرى، لا شكّ في أنّ الجيش سيعمل على طمس الحقائق بسرعة البرق ليضمن إفلات المتورّطين من أيّة عقوبة.

أخيراً لا بدّ لنا إزاء حادثة دير دبوان من التساؤل حول أحداث أخرى لم يبق منها شهود فلسطينيّون على قيد الحياة ليرووا التفاصيل الحقيقيّة للأحداث التي سارع الجيش في شأنها إلى الإعلان عن "عمليّة دهس" متباهياً بـ"تصفية مخرّبين". من الأصعب تفنيد رواية الجيش في غياب الشّهود لكنّنا هنا إضافة إلى تسليط الضوء على تفاصيل حادثة دير دبوان نودّ إبراز التساؤلات المحيطة بأحداث أخرى والتي ستبقى للأبد دون إجابة على ما يبدو.

مواد مقترحة

איסלאם דאר נאסר. התמונה באדיבות המשפחה

سياسة إطلاق النار

جنديّان أطلقا النّار من كمين وقتلا الفتى إسلام دار ناصر (16 عاماً) الذي كان يرشق الحجارة عن بُعد ولم يشكّل أيّ خطر

خلال أيام القتال الأخيرة في قطاع غزّة خرج أهالي قريتي بلعين وكفر نعمة في عدّة مظاهرة احتجاجاً على ما يجري في قطاع غزة وضدّ عُنف قوّات الأمن في المسجد الأقصى وخطر الإخلاء المحدق بأهالي حيّ الشيخ جرّاح في شرقيّ القدس. في المظاهرتين الأوليين - في 10.5.21 وفي 15.5.21 - خرج جنود من كمين نصبوه في الجهة الأخرى من جدار الفصل المارّ غربيّ القرية وأطلقوا الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين بمجرّد وصولهم وفرّقوا المظاهرة عند بدايتها. جرّاء الرّصاص الحيّ الذي أطلقه الجنود في مظاهرة 15.5.21 أصيب في رجله فتىً في الـ14 من عمره، علماً أنّهم استخدموا في ذلك اليوم أيضاً الرّصاص المعدني المغلف بالمطّاط وقنابل الغاز المسيل للدّموع. المظاهرة الثالثة جرت في 18.5.21. في ذلك اليوم نحو السّاعة 16:00 – وقبل نصف ساعة من انطلاق المتظاهرين من مركز القرية - توجّهت مجموعة منهم تعدّ 15-20 شخصاً معظمهم أطفال وفتيان إلى المنطقة المتاخمة لجدار الفصل، وقد جلب بعضهم معه إطارات وأخذوا يعدّون لإشعالها أثناء المظاهرة بينما أخذ البعض الآخر يرشق الحجارة بواسطة مقاليع نحو جنديّين كانا على بُعد نحو 100-150 متراً منهم فوق تلّة في الجهة الأخرى من جدار الفصل. أطلق أحد الجنديّين قنبلة غاز مسيل للدّموع نحو الفتية كما أطلق الرّصاص الحيّ في الهواء. على بُعد نحو 150 متراً شماليّ الجنديّين كان يقف عدد من الضبّاط قرب جيب عسكريّ. إضافة إلى ذلك وقبالة المنطقة التي كان يقف فيها المتظاهرون على بُعد نحو عشرين أو ثلاثين متراً من الجدار تجاه جهته الأخرى، كانت خيمة يختبئ فيها جنود. قرب السّاعة 17:00 ومع وصول أوائل المتظاهرين في المسيرة التي انطلقت من القرية، خرج جنديّان من الخيمة بشكل فجائيّ وأطلقوا النّار فوراً نحو مجموعة من أربعة متظاهرين كانوا على بُعد نحو أربعين متراً منهم. استلقى بعض المتظاهرين أرضاً واحتمى آخرون بالأشجار. بعد عدّة ثوانٍ نهض المتظاهرون لكي يرشقوا الحجارة نحو الجنديّين اللّذين خرجا من الخيمة وعندئذٍ أطلق أحد الجنديّين النّار نحوهم فأصاب مؤخّرة رأس الفتى إسلام دار ناصر (16 عاماً) وقد كان ملثماً. حاول بعض المتظاهرين نقل إسلام من المكان لكنّ الجنود واصلوا إطلاق النّار نحوهم طوال دقائق عديدة وفقط بعد ذلك نُقل إسلام إلى سيّارة إسعاف كانت تقف على بُعد نحو مئة متر. نُقل إسلام إلى مستشفىً في رام الله حيث أجرى الأطبّاء محاولات لإنعاشه ثمّ أدخلوه إلى غرفة العمليّات. بعد ساعة ونصف السّاعة أعلن الأطبّاء وفاته. لقد جرى إطلاق الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين دون أن يشكّل هؤلاء أيّ خطر. من كمين في الجهة الأخرى للجدار أطلق الجنديّان النّار على متظاهرين رشقوا حجارة نحو جنود آخرين ودون أن يشكّلوا خطراً عليهم. بعد أن ظهر الجنديّان أطلقا النار وأصابا الفتى إسلام دار ناصر (16 عاماً) عن مسافة تُقارب أربعين متراً حين كان يرشق نحوهم الحجارة، علماً أنّه لم يشكّل خطراً على أيّ منهُما. نصب الكمين على يد الجيش - على بُعد بضع عشرات من الأمتار في الجانب الآخر من جدار الفصل - وإطلاق النيران الفتّاكة نحو راشقي حجارة، كلاهُما ممارسة غير شرعيّة. كذلك فإنّ استهداف الفتى إسلام دار ناصر بالرّصاص الحيّ ليس قانونيّاً، لأنّ إطلاق الرّصاص الحيّ يُسمح به فقط لمنع خطر داهم ومحقّق يهدّد الحياة وفي غياب أيّة وسيلة أخرى لدرء هذا الخطر. استخدام النيران الفتّاكة في هذه الحالة ليس سوى مثالًا آخر على سياسة إطلاق النّار التي يطبّقها الجيش في المناطق المحتلّة حيث يجري الردّ على أيّ تهديد حقيقيًّا كان أو متخيّلًا باستخدام النيران الفتّاكة. نشرت وسائل الإعلام أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة قد باشرت التحقيق، ولكن يمكن القول بالنظر إلى تجربة سنين طويلة لمنظّمة بتسيلم أنّه سينتهي مثل غيره إلى إغلاق الملفّ وطمس الحقائق ممّا يُسهم بالنتيجة في استمرار قتل الفلسطينيّين. أدناه يصف أ.ي. (19 عاماً) ما حدث، وهو من سكّان بلعين وقد حضر إلى المظاهرة نحو السّاعة 16:30 - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد: كنت جالساً مع مجموعة من الفتيان تعد تقريباً 15 فردًا ننتظر وصول المتظاهرين. عند السّاعة 17:00 وصلت بدايات المسيرة إلى المنطقة التي فوقنا، وعندئذٍ اقتربنا من الجدار. رأيت إسلام دار ناصر مع مجموعة أطفال وفتيان ولكنّني لم أميّزه لأنّه كان يلفّ رأسه بقميص. كانوا يرشقون الحجارة بالأيدي والمقاليع نحو الجنود المتواجدين على التلّة، ولكن لم يصل أيّ حجر إلى حيث الجنود لأنّهم كانوا على بُعد 100-150 متراً. شاهدت أيضاً خيمة تحت شجرة كبيرة في الجهة الأخرى من الجدار على بُعد نحو ثلاثين متراً جنوباً من الأولاد. عادة ما في هذه الخيمة جنود وظيفتهم تفريق المتظاهرين ولكنّ الخيمة كانت مغلقة وبدا كأنّها خالية من الجنود. بعد مضيّ نحو 15 دقيقة كنت مع إسلام وشابّين يُدعى أحدهما "س" على بُعد 15-20 متراً من الجدار. أحد الجنود الذين على التلّة القريبة كان يحرّك سلاحه يميناً ويساراً. فجأة سمعت "س" يصرخ "كمين! كمين! من الخيمة!". ما كاد س. يُنهي كلامه إلّا وانطلقت بضع رصاصات متتالية أطلقها جنديّان أو ثلاثة خرجوا فجأة من الخيمة. في هذه اللّحظات كان إسلام و"س" على بٌعد خسمة أمتار منّى أقرب لجهة الخيمة. كان الجنود في موقع منخفض نسبة إلى موقعنا ولذلك لم يتمكّنوا من إصابة من انبطحوا على الأرض. بعد صلية الرّصاص الأولى توقّف إطلاق النار لبضع ثوانٍ فنهض إسلام والآخرون لأنّهم على ما يبدو اعتقدوا أنّ الجنود عادوا إلى الخيمة. فجأة أطلق الجنود الذين قرب الخيمة رصاصة أصابت إسلام في مؤخّرة رأسه فوقع أرضاً من فوره ثمّ لم يتكلّم ولم يتحرّك. أدناه يحدّث س.س. (23 عاماً وهو من سكّان بلعين) عمّا حدث عصر ذلك اليوم - من إفادة أدلى أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد بها في 26.5.21: عندما استُشهد إسلام كنت بجانبه. كنّا أربعة شبان نقف على بُعد نحو عشرين متراً من الجدار. عند السّاعة 17:15 شاهدت جنديّين يخرجان من الخيمة التي في الجهة الأخرى من الجدار فأخذت أصرخ محذّراً الآخرين "كمين! كمين!" لكي يتمكّنوا من الفرار. أطلق الجنود رصاصتين أو ثلاث فانبطح بعضنا على الأرض والبعض الآخر اختبأوا خلف الأشجار. بعد ذلك نهضنا لكي نرشق الجنود بالحجارة وعندئذٍ أطلق أحدهُم رصاصتين متتاليتين. في تلك اللّحظة كان إسلام في مرمى رصاصهم لكنّه لم يرَهُم. أصيب إسلام في مؤخّرة رأسه ووقع أرضاً ثمّ لم ينبس بكلمة. سمعته فقط يشهق شهقة عميقة ثمّ استرخى جسده. انبطحت مرّة أخرى على الأرض وصرتُ أزحف نحو إسلام لكي أسحبه وأحمله إلى سيّارة الإسعاف، لكنّ جنود الخيمة استأنفوا إطلاق الرّصاص والجنديّ الذي على التلّة أيضاً أطلق الرّصاص نحونا ونحو متظاهرين لكي يمنعهم من التقدّم وكانت رصاصاته ترتطم بالصّخور قربنا. بعد دقائق عدة توقّف إطلاق الرّصاص فتقدّمت نحو إسلام وحملته بيديّ لأنّه لم يكن يزن كثيراً. مشيت بضع خطوات وكنت على وشك انهيار عصبيّ ثمّ أخذه منّي شباب آخرون. لم أمضِ معهم لأنّ رجليّ تشنّجتا من شدّة الخوف والاضطراب. بينما أخذ الشبان إسلام إلى سيّارة الإسعاف جلست أنا على الأرض وأجهشت بالبكاء. استمرّ عدد من الشبان في الاشتباك مع الجنود وهؤلاء بدورهم واصلوا إطلاق الرّصاص من حين لحين ولم يستخدموا سوى الرّصاص الحيّ. أدناه بعض ما جاء في إفادة والدة إسلام، جنّات دار ناصر (36 عاماً) - أدلت بها أمام بحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد: قبل المسيرة بيوم واحد سألني إسلام في اللّيل ما إذا كنت سأشارك ولكي لا أخيّب ظنّه أجبته "سنأتي بالتأكيد". إسلام كان يحبّ المشاركة في هذه المسيرات لأنّه يلتقي أثناءها بأصدقائه ويُمضون الوقت معاً. في تلك اللّيلة سهر إسلام معنا حتى ساعة متأخّرة فنهض في الصّباح متأخّراً عند السّاعة 10:00. جاء إلى المطبخ وساعدني في إعداد الفطور. كان يستمتع بإعداد الطعام ويحبّ بشكل خاصّ إعداد البطاطا المقليّة لأنّه كان يحبّها وكذلك إخوته الصّغار. كان حلمه أن يصبح "شيف" مشهوراً وكان يحبّ أن أناديه "شيف إسلام" فكنت أفعل ذلك وأنا أضحك فرحة. سُررت لحُلمه هذا لأنّه مميّز فالعادة أنّ الفتيان يحدّثون عن أحلام عاديّة ومكرّرة: طبيب أو مهندس أو صيدليّ أو محاسب. من النادر أن تسمع أحدهم يقول إنّه يريد أن يصبح "شيف" محترف كما كان يقول إسلام. بعد أن تناولنا الفطور أراد إسلام أن يساعدني في التنظيف والترتيب لكنّني رفضت وطلبت منه أن يذهب ويستعدّ لامتحانات نهاية السّنة. خرج إسلام من المنزل عند السّاعة 14:30 وقبل ألحّ عليّ أن لا أتأخّر في المجيء إلى المسيرة. نحو السّاعة 17:00 عصراً بينما كنت أهيّئ نفسي وأطفالي لكي نخرج إلى المسيرة جاءت زوجة أخي راني وكان يبدو عليها الاضطراب والقلق. يعاني أخي من شلل نصفيّ جرّاء إصابته على يد الجيش في مظاهرة جرت في العام 2000 وهو يستخدم كرسيّ عجلات. طلبت زوجته منّي أن أساعدها في إعداد كرسيّه وسيّارته لأنّه يريد السّفر عاجلاً إلى رام الله. راودتني الشكوك إذ أحسست أنّه هناك خطب ما. ألحّيت عليها أن تخبرني ما الذي حدث بالضّبط وقد كان لديّ إحساس بأنّ إسلام قد حدث له سوء أو لشخص آخر من العائلة. لكنّها رفضت أن تقول. بينما كنّا منشغلتين في إعداد كرسيّ أخي راني جاء محمود ابن أخي (12 عاماً) وهو يبكي ويقول إنّ إسلام أصيب في رأسه وقد أخذوه إلى مستشفىً في رام الله. صُعقت ثم أخذت أبكي وأصرخ: "ابني إسلام، حبيبي، ما الذي جرى لك؟ أين أنت!"، وصرت أتوسّل إلى الله قائلة "رُحماك يا ألله! احفظ لي ابني فليس لي أحد غيره في هذه الدّنيا". توجّهت جنّات إلى المستشفى مع قريب لها وهناك انتظرت أخباراً عن حالة ابنها الذي كان في تلك الأثناء في غرفة العمليّات. وتتابع جنّات في إفادتها قائلة: قبل المسيرة بيوم واحد سألني إسلام في اللّيل ما إذا كنت سأشارك ولكي لا أخيّب ظنّه أجبته "سنأتي بالتأكيد". إسلام كان يحبّ المشاركة في هذه المسيرات لأنّه يلتقي أثناءها بأصدقائه ويُمضون الوقت معاً.نحو السّاعة 18:30 - 19:00 نقلوا إسلام إلى قسم العناية المكثّفة. وبينما كنت أنتظر أخباراً تطمئنني عنه أخبروني أنّه قد استُشهد. تهاويت وأحسست أنّني على وشك الإغماء. أعطاني الأطبّاء والعائلة مهدّئات فتمالكت نفسي رُويداً رُويداً. حين ودّعت ابني في ثلّاجة الموتى رأيته كأنّما يبتسم إليّ كعادته ويقول لي: "لا عليكِ يا أمّي، لا تبكي. أنا أحبّك كثيراً. حافظي على إخوتي واعتني بهم". دعوت له بالرّحمة والمغفرة من ربّ العالمين. نحن أسرة صغيرة ووضعنا الاقتصاديّ صعب لكنّ نطمح أن نعلّم أولادنا ونربّيهم على أفضل وجه لكي يحظوا بما حُرمنا نحن منه. أردنا أن يتعلّموا في مدارس جيّدة لكي نضمن لهُم مستقبلاً جيّداً وحياة أقلّ بؤساً وتعباً. لقد استُشهد ابني إسلام قبل أن يحقّق أحلامه. كنّا نأمل أن نراه يكبر ويتعلّم ويحقّق طموحاته ويعمل كـ"شيف" ويساعد والده في إعالة الأسرة. لقد فقدت طعم الحياة. أحسّ أنّني وحيدة في هذه الدّنيا، بلا أمل وبلا طموح وبلا مستقبل. لقد تركت عملي وها أنا أجلس في البيت بدون أدنى طاقة. فقط أبحث عن زاوية أجلس فيها وحدي وأبكي. وضع والد إسلام وإخوته ليس أفضل من وضعي. جميعهم في حِداد مستمرّ. منذ الحادثة لا أقدر على النّوم، أتنقّل من غرفة إلى غرفة أتحسّس سرير إسلام والخزانة وكلّ أغراضه التي بقيت من بعده - الملابس والألعاب والكتب والأشياء التي اقتناها لنفسه. ومع كلّ شيء ألمسه أتذكّر كلّ لحظة حُلوة قضيناها معاً، أتذكّر ابتساماته الرّائقة وضحكاته وكلامه الجميل. تحديث: في 18.11.21 نشرت وسائل الإعلام بأن الملف لا زال قيد اللتحقيق. في 1.6.22 أبلغ الناطق بلسان الجيش بتسيلم بأن الملف ما زال قيد التحقيق.

21 تموز/يوليو 2021

מחנה הפליטים קלנדיה מאחורי גדר ההפרדה. צילום: אן פק, אקטיבסטילס, 3 באפריל 2019

سياسة إطلاق النار

ضرْب فتىً في منزله وإطلاق نار عشوائيّ وإصابة خمسة أشخاص في مُداهمة الجيش لمخيّم قلنديا للّاجئين

نحو الثامنة من صباح يوم الاثنين الموافق 7.12.20دهمت مخيّم قلنديا للّاجئين قوّة من الشرطة الخاصة (اليَسام) وشرطة حرس الحدود، علماً أنّ معظم مساحة المخيّم تقع في أراضي السّلطة الفلسطينيّة خارج منطقة نفوذ بلديّة القدس. توجّهت القوّة نحو منزل عائلة حمد حيث يسكن عشرة أنفار. اقتحم نحو عشرة من أفراد القوّة منزل الأسرة ومعهم كلب فيما انتشر بقيّة العناصر في الشوارع المجاورة وعلى أسطح منازل في الحيّ. في منزل العائلة هاجم العناصر الفتى نصر الله (15 عاماً) كما فرّقوا بقيّة أفراد الأسرة واحتجزوهم في غرف المنزل. بعد ذلك فتّش الجنود المنزل بعُنف شديد وضمن ذلك كسروا بابين ومزّقوا تنجيد الأثاث. بعد مضيّ نصف السّاعة غادروا المنزل وهُم يقتادون اثنين من الأبناء وهُما محمد حمد (28 عاماً) وشقيقه مُعاذ (21 عاماً). في خضمّ اقتحام المنزل وأيضاً أثناء خروج القوّة منه ألقى عدد من أهالي المخيّم حجارة وأغراضًا ثقيلة نحو العناصر وأطلق عدد من القنّاصة الرّصاص الحيّ وبضمنه رصاص "التوتو" بصورة عشوائيّة دون تفريق بين المارّة والمشاركين في المواجهة وأصابوا أربعة أشخاص هُم: عليّ حمد (25 عاماً) - أصيب في بطنه وهو على سطح منزله إذ صعد لينظر إلى أين يقتاد العناصر شقيقيه؛ أحمد روم (29 عاماً) - أصيب في صدره عندما كان واقفاً عند مفترق في جوار منزل عائلة حمد؛ عليّ عبد القادر (16 عاماً) - أصيب في فخذه عندما كان قرب منزل جدّته على بُعد نحو مئة متر من منزل عائلة حمد؛ ومحمد خليل (47 عاماً) - أصيب في ساقه عندما همّ لمساعدة الفتى المصاب عليّ عبد القادر؛ ومن أهالي المخيّم جُرح أيضاً شخص جرّاء إصابته بشظايا. في صفوف عناصر الشرطة أصيب ستّة بإصابات طفيفة وفق تقارير نشرتها وسائل الإعلام. لم يكن هناك أي مبرّر لتفتيش منزل عائلة حمد بهذا العُنف الذي تخلّله اعتداء بالضرب على أحد الأبناء وتكسير الأبواب واحتجاز أفراد الأسرة وإتلاف الممتلكات. كذلك لا مبرّر لإطلاق الرّصاص الكثيف الذي قام به العناصر: زعمت الشرطة (الرابط بالعبرية) أنّ العناصر "استشعروا خطراً على حياتهم فأطلقوا الرّصاص واستخدموا وسائل تفريق مرتكبي أعمال الشغب" لكنّ هذا التفسير لا ينسجم ووقائع الحادثة كما تكشّفت في تحقيق بتسيلم: عناصر شرطة مسلّحون ومحصّنون جيّداً أطلقوا الرّصاص الحيّ داخل حيّ مكتظّ بالسكّان نحو المارّة والأهالي وجرحوا خمسة أشخاص. هذه الأفعال أيضاً لا يمكن إيجاد مبرّر لها. كما في مئات المداهمات السّابقة لن يُحاسب أحد على الاعتداء على أفراد الأسرة أو إطلاق الرّصاص المنفلت خلال هذه المداهمة - لا من نفّذوه ولا المسؤولون عنهم في المستويين السياسيّ والعسكريّ ولا المستشارون القضائيّون الذين يصادقون على هذه العمليّات المرّة تلو الأخرى. فيما يلي إفادات سجّلها باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد: أدناه تصف الأمّ عُلا حمد (47 عاماً) الاقتحام العنيف لمنزلها واعتقال اثنين من أبنائها وإصابة ثالث بجُروح: في الثامنة من صباح الاثنين الموافق 7.12.20 أيقظني من نومي صُراخ ابني نصر الله في غرفته ينادي "أمي! أمي!" فنهضت مذعورة وإذّاك سمعت جلبة عناصر الشرطة وقد اقتحموا منزلنا. استبدلت ملابسي بسُرعة وأيقظت زوجي ثمّ توجّهت نحو غرفة ابني فرأيت هناك نحو عشرة عناصر شرطة كلّهم مسلّحون ويرتدون الزيّ الأسود وسترات واقية. كانت رؤوسهم ووجوههم مخفيّة تحت الخوذات والكمامات بحيث يصعب تمييز ملامحهم أو حتى رؤية عيونهم. وكان معهم كلب ضخم على فمه كمامة ومنظره يثير الرّعب. ثبّت عدد من العناصر ابني على الأرض. كان نصر الله يبكي ويصرخ مستغيثاً "يمّاه، إنّهم يضربونني. أمي، أمي". كدت أفقد عقلي. كيف يُعقل أن يهجم أربعة أشخاص مسلّحين على فتىً بهذا الشكل؟! صرخت عليهم: "حرام هذا الذي تفعلونه! ماذا فعل لكم أصلاً؟! إنّه فتىً صغير!". عندما حاولت أن أخلّصه من أيديهم دفعوني وأبعدوني تحت تهديد السّلاح. لم يتركوه إلّا بعد أن توسّلت إليهم. في هذه الأثناء اعتقل عناصر آخرون اثنين من أبنائي الكبار. بعد ذلك أجبروني وزوجي وبناتنا وحماتي أن ندخل إلى إحدى الغرف. عبر شقّ الباب رأيت العناصر يحطّمون بابي غرفتين وسمعتهم يوقعون قطع أثاث على الأرض. بعد أن غادروا تبيّن لي أنّهم مزّقوا أيضاً تنجيد تسع من كنبات الصّالون. بعد مضيّ عشرين دقيقة تقريباً غادروا منزلنا وأخذوا معهم ابنيّ محمد ومعاذ ويدي كلّ منهما مكبّلتين إلى الخلف. لكي أمنعهم من اعتقال ولديّ هممت بالخروج من الغرفة وأنا أصرخ عليهم "حرام، إلى أين تأخذونهما؟! ماذا فعلا لكم؟!" لكنّ الشرطي الواقف عند الباب دفعني إلى الدّاخل ومنعني من الخروج. عندما غادر عناصر الشرطة لحقت بهم حتى مدخل البناية ولكنّني عدت وصعدت إلى المنزل لأنّ بعض العناصر أخذوا يطلقون الرّصاص الحيّ نحو راشقي حجارة في الخارج. أثناء صعودي رأيت ابني عليّ (25 عاماً) محنيّاً ممسكًا ببطنه. قال لي "لقد أصبت. أصبت في بطني". أبعدت يده لأرى موضع الإصابة فرأيت نزيف دم خفيف. لاحقاً أوضح لي عليّ أنّه صعد إلى السّطح لكي ينظر إلى أين ستأخذ الشرطة أخويه وهناك أصابته رصاصة أطلقها أحد العناصر. أخذنا عليّ وأدخلناه في سيّارة زوجي التي كانت متوقّفة في السّاحة المجاورة وكانت المواجهة بين عناصر الشرطة وراشقي الحجارة لا تزال مستمرّة على بُعد بضع عشرات من الأمتار. أخذنا عليّ إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله وقد وصلنا إلى هناك خلال أقلّ من عشر دقائق. بعد أن فحصوه في قسم الطوارئ أدخلوه إلى غرفة العمليّات وأجروا له عمليّة استمرّت أكثر من ثلاث ساعات. قال الأطبّاء إنّ إصابته خطيرة لأنّ الرّصاصة سبّبت أضراراً داخل البطن وقد اضطرّوا لقطع جزء من أمعائه - لكنّهم طمأنونا لناحية عدم وجود خطر على حياته. إنّه الآن في المنزل يتماثل للشفاء لكنّه لم يعُد إلى العمل بعد، علماً أنّ عمله كان يساعدنا في بعض مصاريف المعيشة. أحد المصابين سائق تاكسي من سكّان رام الله تصادف وجوده في المخيّم أثناء المواجهات ويُدعى أحمد روم (29 عاماً). جاء أحمد عند السّاعة 8:30 لكي يلتقي صديقه فأوقف سيّارته وتقدّم راجلاً ثمّ وقف في مفترق طرق مجاور لمنزل عائلة حمد وهناك أصابته رصاصة "توتو" في صدره. أدناه وصف للأحداث كما جاء في إفادة أحمد روم: أوقفت سيّارتي وتقدّمت داخل المخيّم بحذر لكي ألتقي صديقي وفي ذلك الوقت كانت تجري مواجهات قرب منزل عائلة حمد بين شبّان معدودين يُلقون الحجارة من الزُقاق ومن خلف زوايا المنازل وعن الأسطح وبين عناصر شرطة كانوا يُطلقون نحوهم الرّصاص الحيّ والرّصاص "المطّاطيّ". من حيث كنت أقف رأيت اثنين أو ثلاثة من عناصر شرطة حرس الحدود قرب منزل عائلة حمد كما رأيت نحو عشرة أشخاص آخرين يقفون ويتفرّجون على بُعد بضع عشرات من الأمتار. فجأة أحسست ما يشبه لسعة في صدري من جهة اليسار. لم أسمع إطلاق رصاص ولكنّني أحسست برصاصة تصيبني وفوراً أخذ الدّم ينزف وشعرت بغثيان. بعض الشبّان القريبين منّي حملوني وسحبوني قرابة 30-40 متراً ثمّ أدخلوني إلى سيّارة خاصّة نقلتني فوراً إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله. كان قد وصل قبلي إلى غرفة الطوارئ ثلاثة أو أربعة جرحى من المخيّم. أدخلوني إلى غرفة العمليّات وأجروا عمليّة استمرّت ساعتين تقريباً ثمّ نقلوني إلى قسم الجراحة لاستكمال العلاج. يبدو أنّ مسار الرّصاصة التي أصابتني كان من أعلى إلى أسفل إذ اخترقت صدري وخرجت من خاصرتي اليُسرى. خرجت من المستشفى بعد خمسة أيّام في مساء يوم السّبت. الآن أنا لا أعمل لأنّني لا أقدر حتى على المشي علماً أنّ عملي يُسهم في تدبير مصاريف معيشة أسرتنا التي تعدّ 7 أنفار. ليس واضحاً الآن ماذا ستكون عواقب الإصابة وآثارها ولذلك أنا قلق بالنسبة للمستقبل. عند السّاعة 8:30 من ذلك اليوم كان عليّ عبد القادر (16 عاماً) تلميذ الصفّ الحادي عشر عائداً من مدرسته إلى المخيّم عندما اكتشف بأن التعليم قد أوقف بسبب الكورونا. عندما أصبح قرب مخبز عائلة خليل استهدفه قنّاص وأصابه في فخذه فهرع إليه محمد خليل (47 عاماً) وهو ابن صاحب المخبز وحاول أن يساعده في الابتعاد عن المكان لكنّ قنّاصاً استهدفه هو أيضاً وأصابه في ساقه. أدناه وصف لملابسات إصابة الفتى عليّ عبد القادر كما وردت في إفادته: عند السّاعة 8:30 كنت قرب منزل جدّتي الواقع قرب المخبز وفجأة أحسست بوخزة قويّة جدّاً في الفخذ فأدركت أنّني أصبت. كانت الإصابة وسط فخذي الأيمن. خفت كثيراً خاصّة وأنّ الدم كان ينزف بغزارة وأخذت أصرخ "لقد أصبت! لقد أصبت!". لم أسمع صوت الطلقة ولم أرَ الشرطيّ الذي أطلقها وأصابني ولكنّني أعتقد أنّه من عناصر الشرطة المنتشرين على الأرض على بُعد نحو ثمانين متراً قبالة منزل عائلة حمد. استدرت إلى الخلف أركض نحو المخبز لكي أطلب النجدة ولكن بعد خطوات قليلة وقعت أرضاً ولم أقدر على تحريك رجلي. خرج محمد خليل من مخبزه متوجّهاً نحوي لكي يساعدني وفجأة أصابته هُو الآخر رصاصة في رجله وفي هذه المرّة أيضاً لم أسمع صوت الطلقة. كان قربنا بضعة شبّان ومُسعف تقدّموا وحملوا كلينا وأدخلونا إلى سيّارة خاصّة. في الطّريق ضمّد المُسعف جُرحي بقطعة قماش لكي يوقف النزيف. أدناه وصف لما حدث من إفادة محمد خليل: أثناء خروج عناصر الشرطة من المخيّم كنت في داخل المخبز. فيما كنت أنظر إلى الخارج سمعت إطلاق رصاص حيّ ورصاص "توتو" ورأيت عليّ عبد القادر يركض في اتّجاهي وهو يعرج. كان مصاباً في الفخذ ودمه ينزف. خرجت فوراً من المخبز لكي أساعده وكان يبعد عنّي بضعة أمتار. حين وصلت إليه وأسندته كان شرطيّ يقف قرب منزل عائلة حمد على بُعد نحو ثمانين متراً منّي. عندما كنت أمسك بالفتى المصاب أصابتني رصاصة "توتو" في رجلي اليسرى تحت الرّكبة. أعتقد أنّ ذاك الشرطيّ هو الذي أطلقها. بما أنّ الإصابة لم توقعني أرضاً واصلت محاولة مساعدة الفتى المصاب ولكنّني لم أقدر على حمله. تقدّم مُسعف من الحيّ وساعدني على حمل عليّ وتمكّنّا من الابتعاد عن مرمى عناصر الشرطة. اختبأنا في إحدى الزوايا إلى أن مرّت سيّارة خاصّة وأخذتنا إلى مجمّع فلسطين الطبّي وهناك أدخلونا فوراً إلى قسم الطوارئ وفوراً بدأوا معالجتي بمحاليل عبر الوريد كما عقّموا الجُرح وضمّدوه. في المساء أجروا لي عمليّة جراحيّة لترميم الأوتار والأعصاب التي تمزّقت جرّاء الإصابة وبعد ستّة أيّام خرجت من المستشفى. أمّا علي عبد القادر فقد تبيّن أنّ شريان فخذه انقطع وتمزّقت العضلات كما تلفت أعصاب الفخذ وخضع هو الآخر لعمليّة جراحيّة. غادر عليّ المستشفى بعد ستّة أيّام علماً أنّه قد يحتاج إلى عمليّات جراحيّة أخرى لترميم الأعصاب والأوتار المتضرّرة. عن ذلك قال عليّ في إفادته: أنا الآن ملازم للسّرير ولا أستطيع التحرّك بدون مساعدة. قال مدير المدرسة إنّهم يأخذون وضعي بعين الاعتبار وبعد شفائي سوف ينظّمون لأجلي عملية تعلّم عن بُعد. كنت أعمل مساعداً في مطعم عمّتي ولكنّني الآن لا أقدر على العمل مع أنّني الابن البكر ومسؤوليّة إعالة الأسرة تقع عليّ إذ توفّي والدي قبل تسع سنوات. نحن 4 أنفار ونعتمد الآن على مساعدات الأقارب ومؤسّسات الشؤون الاجتماعيّة. لا أعلم كيف سنتدبّر أمورنا ولا كم من الوقت سنصمد هكذا.

24 شباط/فبراير 2021

עובדים פלסטינים עוברים בפרצה בגדר ההפרדה ליד פרעון שבאזור קלקיליה. צילום: אלכס ליבק, 6.6.20.

سياسة إطلاق النار

جنود يطلقون النيران من كمين عمداً وبدم بارد على سيقان عمّال فلسطينيّين ويضربون فتىً فيكسرون ذراعه

منذ بداية شهر أيّار 2020 وثّقت بتسيلم خمسة أحداث كمن خلالها جنود لعمّال فلسطينيين حاولوا اجتياز ثغرات في جدار الفصل قرب قرية فرعون الواقعة جنوب طولكرم لكي يدخلوا إلى إسرائيل بحثاً عن رزقهم. في أربع من الحالات أطلق الجنود النار على العمّال وأصابوا خمسة منهم وفي حالة أخرى اعتدوا بالضرب المبرح على فتىً في الـ15 من عمره حتّى كسروا ذراعه وهو يعاني الآن من نزيف داخليّ في بطنه جرّاء الضرب. في معظم الحالات أسعف الجنود ضحاياهم الذين لم يتمكّنوا من الفرار ثمّ استدعوا في كلّ مرّة سيّارة إسعاف إسرائيليّة نقلت الجرحى إلى حاجز الكفريّات المجاور وهناك كانت الجنود يصوّرون كلّ جريح وبطاقة هويّته ثمّ تنقله سيّارة إسعاف فلسطينيّة إلى مستشفىً في طولكرم. آلاف الفلسطينيّين يدخلون إلى إسرائيل دون تصريح كلّ يوم لأجل العمل لأنّ كثيرين منهم لا يملكون خيارات أخرى حيث الحصول على التصاريح تحول دونه عراقيل كثيرة تضعها إسرائيل في سياسة متعمّدة وفي الوقت نفسه تمنع إسرائيل تطوير اقتصاد فلسطينيّ مستقلّ يوفّر فرص عمل للفلسطينيّين. منذ تفشّى وباء كورونا فرضت إسرائيل قيوداً إضافيّة على دخول العمّال إلى إسرائيل ومن ضمنها تقليص عدد التصاريح التي تصدرها ومطالبة الدّاخلين أن يمكثوا في إسرائيل مدّة طويلة دون العودة إلى منازلهم. تدرك إسرائيل جيّداً تفاصيل هذا الواقع وهي تجني المكاسب من قوّة العمل الرّخيصة والمستضعفة. استهداف الفلسطينيّين الذين يحاولون اجتياز الجدار ليست ممارسة جديدة وليست مقتصر على فرعون وقد سبق أن وثّقت بتسيلم ذلك في الماضي. فقط من شهر تشرين الثاني وحتى كانون الأوّل 2019 أطلق جنود النيران في المحافظة نفسها على أرجل 17 فلسطينيّاً على الأقلّ وهُم يحاولون دخول إسرائيل عبر ثغرات في جدار الفصل كما أطلقوا رصاصة معدنيّة مغلّفة بالمطّاط على رجلي فلسطينيّ آخر. لا يمكن إيجاد مبرّر للاعتداء بالضرب المُبرح على فتىً قاصر ولا لإطلاق النيران على أرجل عّمال لم يشكّلوا خطراً على أحد. ينصب الجنود الكمائن علماً منهم أنّ فلسطينيّين يجتازون الجدار عبر ثغرات فيه يعلم الجنود مواضعها جيّداً ولكنّهم يتربّصون بالفلسطينيّين ويتحيّنون الفرصة لإطلاق الرّصاص عليهم. هنا يجدر التأكيد أنّ التصرّف على هذا النحو ليس خياراً شخصيّاً أو "مخالفة" يرتكبها هذا الجنديّ أو ذاك وإنّما هو سياسة تُدار بطريقة ممنهجة وبالتالي لا يتوقّعنّ أحد أن يحاسَب الجنود المتورّطون بهذه الجرائم أو المسؤولون الذين صادقوا على تنفيذها. في ما يلي إفادات أدلى بها عدد من العمّال سكّان المنطقة وبعضهم أصيب بنيران الجنود سجّلها باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السّعدي. جنود يعتدون بالضرب المُبرح على فتىً في الـ15 من عمره فيكسرون ذراعه ويسبّبون نزيفاً داخليّا في بطنه - 7.5.20 نحو السّادسة والنصف من صباح يوم الخميس الموافق 7.5.20 حاول أ.ي. (15 عاماً) من سكّان قرية فرعون وابن عمّه ل. ف. (18 عاماً) اجتياز ثغرة في السياج الشائك قرب قريتهما حيث كانا يخططان لإيجاد عمل مؤقت داخل إسرائيل. حين توقّف الاثنان في الجهة الشرقيّة للجدار لمراقبة المكان وصلت سيّارة جيب وتوقّفت على الشارع الأمنيّ على بُعد نحو 15 متراً منهما. ترجّل من الجيب ثلاثة جنود وأخذوا يصرخون على الشابّين ويأمرونهما بالتوقّف ثمّ أطلقوا بضع رصاصات في الهواء. تمكّن ل. ف. من الفرار باتّجاه منازل القرية أمّا أ.ي. فقد وقع أرضاً فركض الجنود نحوه وركله أحدهم فيما ضربه آخر ببندقيّته. أغمي على أ.ي. طيلة دقائق والجنود يقفون حوله. بعض الأهالي الذين شاهدوا الحادثة تجمّعوا في المكان ثمّ تقدّموا نحو أ.ي. وحملوه إلى سيّارة أحدهم ولم يُبدِ الجنود أيّ اعتراض. توقّف السّائق عند منزل المصاب حيث انضمّ اثنان من أفراد أسرته ومن هناك واصل إلى مستشفى ثابت ثابت في طولكرم. بّنت الفحوصات الطبيّة وصور الأشعّة أنّ أ.ي. يعاني نزيفاً داخليّاً في بطنه وكسراً في ذراعه الأيمن. أدخل الأطبّاء المصاب إلى قسم العناية المكثّفة فرقد هناك حتى 12.5.20 ثمّ نُقل إلى قسم جراحة الأطفال وفي 14.5.20 غادر المستشفى إلى منزله. أدناه إفادة أ.ي. يصف فيها اعتداء الجنود عليه - أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميداني عبد الكريم سعدي في 9.5.20: في 7.5.20 توجّهت مع ابن عمّي نحو الجدار لكي نجتازه وندخل إسرائيل لنبحث عن عمل مؤقت ليوم واحد لكي نكسب نقوداً نشتري بها ملابس جديدة للعيد. وصلنا إلى جدار الفصل نحو السّاعة 6:30 صباحاً وتوقّفنا حين كنّا بعيدين عنه أمتاراً معدودة. فجأة ظهر جيب عسكريّ وترجّل منه ثلاثة جنود أخذوا يصرخون ويطلقون الرّصاص وأمرونا أن نتوقّف. خفت كثيراً بل كنت مذعوراً خاصّة وأنّ الجنود أخذوا يركضون خلفنا حين أخذنا نركض أنا وابن عمّي شرقاً باتجاه منازل القرية. ركضت ثلاث أو أربع خطوات ولكنّني تعثّرت بحجر ووقعت أرضاً على بطني. تألّمت كثيراً وأخذت أصرخ. لم أكن قادراً على التنفّس أو التحرّك. في هذه الأثناء واصل ابن عمّي الرّكض وتمكّن من الفرار. وصل الجنود إليّ وكنت مستلقياً على بطني فركلني أحدهم في ظهري وضربني آخر ببندقيّته على كتفي الأيمن. أغمي عليّ من شدّة الوجع نتيجة السقوط والضرب معاً. شاهد عيان فلسطينيّ مرّ في المنطقة فنقل المصاب أ.ي في سيّارته - أدناه يصف الشاهد ما رآه: رأيت جيب عسكري يُسرع ثمّ يتوقّف قبالة إحدى ثغرات الجدار. ترجّل من الجيب ثلاثة جنود وأخذوا يصرخون على الشابين ويأمرونهما بالتوقف وكذلك أطلقوا الرّصاص الحيّ في الهواء. في ذلك الوقت كنت على بُعد 30-40 متراً من ثغرة الجدار. شاهدت شابّين يركضان وقد تمكن أحدهما من الهرب فيما وقع الثاني أرضاً لأنّه تعثّر بحجر وهو يحاول الفرار. شاهدت الجنود يصلون إلى الشابّ الذي وقع. في هذه الأثناء خرجت من السيّارة لكي أرى ما يحدث. لاحقاً علمت أن الشابّ الذي وقع يُدعى أ.ي. أخذت أتقدّم نحو الشابّ وكان مستلقياً على الأرض ومحاطاً بالجنود. كذلك تقدّم معي بعض الشبان. حملنا أ.ي. وساعدناه في الوصول إلى سيّارتي. لم يعترض الجنود على ذلك. أوصلت أ.ي إلى منزله وكان طوال الطريق يصرخ ويتأوّه متوجّعاً. عندما وصلنا إلى منزله صعدت والدته وشقيقه إلى سيّارتي. أوصلتهم إلى مستشفى ثابت ثبات في طولكرم ثمّ عدت إلى منزلي. ليس اعتداءً وحسب بل وإطلاق رصاص حيّ: جنود ينصبون كميناً قرب ثغرة في الجدار ويطلقون النار على ع.ح. - 3.5.20: نحو السّابعة إلّا رُبعاً من صباح يوم الأحد الموافق 3.5.20 وصل أ.ح (55 عاماً) وهو من سكّان ذنابة في محافظة طولكرم مع ابنيه البالغين إلى البوّابة الزراعيّة المنصوبة غربيّ قرية فرعون. لدى الثلاثة تصاريح دخول زراعيّة تخوّلهم العمل في أراضيهم الواقعة وراء جدار الفصل. كان يُفترض أن تفتح البوّابة عند السّاعة 7:00 لكنّ الجنود لم يأتوا. انتظر الثلاثة حتى السّاعة 7:30 ثمّ فقدوا الأمل قرّروا أن يحاولوا الدّخول عبر ثغرة قريبة في الجدار وفعل ذلك آخرون كانوا أيضاً ينتظرون فتح البوّابة. فور أن اجتاز الثلاثة الثغرة أطلق الجنود نحوهم الرّصاص الحيّ من كمين وبدون سابق إنذار فأصابوا أحد الابنين ع.ح. البالغ من العمر 31 عاماً في رجله اليسرى. نُقل المصاب في سيّارة إسعاف إسرائيليّة إلى حاجز الكفريّات القريب ومن هناك نقلته سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر إلى مستشفى ثابت ثابت في طولكرم. لم يسمح الجنود لوالد المصاب وأخيه أن يرافقاه وأمروهما بمغادرة المكان. أدناه إفادة ع.ح. حول ما حدث، وهو متزوّج وأب لأربعة أبناء - أدلى بها هاتفيّاً أمام باحث بتسيلم الميدانيّ قائلاً: كنّا ننتظر وصول الجنود لكي يفتحوا البوّابة وكان يُفترض أن يأتوا عند السّاعة 7:00. في هذه الأثناء جاء أربعة أشخاص آخرون. عندما أصبحت السّاعة 7:30 ولم يأت الجنود قرّرنا الدخول إلى منطقة التماس عبر ثغرة في الجدار قريبة من البوّابة الزراعيّة. كنت أوّل من اجتاز الثغرة ولم أكد أن أخطو خطوة أو اثنتين حتّى رأيت جنديّين يختبئان بين أشجار الزيتون غربيّ الجدار. كانوا يبعدون عنّي مسافة 10-15 مترًا. أطلق أحد الجنود أربع أو خمس رصاصات فأصابتني رصاصة في كفّ قدمي اليسرى. فوراً وقعت أرضاً. أحد الجنود أخذ يصرخ علينا ويأمرنا أن نتوقّف فتوقّف الجميع ولم يتحركوا. تقدّم نحوي جنديّان وشرع أحدهما في إسعافي. خلال أقلّ من دقيقتين وصلت سيّارة إسعاف إسرائيليّة ثمّ تلقّيت علاجاً في الموقع هناك. بعد ذلك نقلتني سيّارة الإسعاف إلى حاجز الكفريّات وهناك صوّرني الجنود وصوّروا بطاقة هويّتي. تمّ نقلي إلى مستشفى طولكرم في سيّارة إسعاف فلسطينيّة كانت تنتظر عند الحاجز. في المستشفى أجريت لي فحوصات وصور أشعّة وتمّ إخراج الرّصاصة التي استقرّت في قدمي اليسرى. رقدت في المستشفى لمدّة 3 أيّام ثمّ غادرت إلى المنزل ورجلي ملفوفة بالجبص. جنود يطلقون النيران من كمين قرب ثغرة في الجدار على قدم أ.ع. - 7.5.20: في السّادسة من صباح يوم الخميس الموافق 7.5.20 وصل أ.ع. إلى البوّابة الزراعيّة القريبة من فرعون وهو مقاول بناء في الـ39 من عمره يقيم في مخيّم طولكرم للّاجئين وهو متزوّج وأب لأربعة أبناء. لدى أ.ع. تصريح دخول لكنّ تصريحه أجبره على البقاء في إسرائيل طوال شهر رمضان ولذلك لم يشأ أن يستخدمه وعوضاً عن ذلك قرّر الدّخول عبر ثغرة في الجدار قريبة من مكان كان ينتظر فيه بضع عشرات من الفلسطينيّين. بعد أن اجتاز الثغرة أطلق جنود النيران عليه من كمين دون أن يحذّروه قبلاً بشكل فعّال. أصيب أ.ع. في ساقه ونُقل في سيّارة إسعاف إسرائيليّة إلى حاجز الكفريّات حيث التقط الجنود صوراً له وصوّروا بطاقة هويّته. من هناك نُقل في سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر إلى مستشفى ثابت ثابت في طولكرم. أدناه إفادة أ.ع. يصف فيها ماحدث - أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميداني في 9.5.20: تقدّمت نحو إحدى ثغرات الجدار ورأيت عشرات العمّال ينتظرون لكي يجتازوا الجدار عبر الثغرات. اجتزت السّلك اللولبيّ الشائك والجدار ثمّ مشيت بضع خطوات ووصلت إلى الشارع الأمنيّ. فجأة ظهر أمامي جنود خرجوا من كمين نصبوه بين أشجار الزيتون. أطلقوا رصاصة واحدة في الهواء ورصاصة أخرى أصابت ساقي اليمنى تحت الرّكبة. شعرت بألم شديد ووقعت أرضاً. لم أسمع أيّ نداء تحذير من الجنود. تقدّم منّي الجنديّان وكان أحدهما ملثّماً ثمّ جاء جنود آخرون. طلب أحدهم بالعبريّة من جنديّ آخر أن يكبّل يديّ. كان معي تصريحي وهو جديد وحين أريتهم التصريح تراجعوا عن تكبيل يديّ. حاول أحد الجنود وقف النزيف في ساقي واستدعى جنديّ آخر سيّارة إسعاف وصلت خلال دقيقة أو دقيقتين. أخذوا في إسعافي وبعد 10-15 دقيقة نقلوني في سيّارة الإسعاف إلى حاجز الكفريّات وهناك صوّرني الجنود وصوّروا بطاقة هويّتي. بعد ذلك نُقلت إلى مستشفىً في طولكرم في سيّارة إسعاف فلسطينيّة كانت تنتظر هناك. في المستشفى أجريت لي فحوصات ثمّ لفّوا ساقي بالجبص من الفخذ وحتى كفّ القدم. مكثت هناك 3 ساعات ثمّ نقلوني إلى مستشفى خاصّ في طولكرم بناءً على طلبي. في المساء غادرت المستشفى إلى منزلي وقد أوصى الأطبّاء أن أرتاح وأن لا أسير على قدمي. جنود يطلقون النار من كمين على أقدام س.س. و-ح.ق. - 10.5.20: نحو السّابعة من صباح يوم الأحد الموافق 10.5.20 وصل إلى إحدى ثغرات الجدار كلّ من س.س. من سكّان طولكرم (21 عاماً) وعمّه ح.ق. (58 عاماً) من سكّان مخيّم الفارعة للّاجئين الواقع شمال شرق نابلس. بعد أن اجتاز الاثنان الثغرة ووصلا إلى الشارع الأمنيّ باغتهما جنديّان خرجا من كمين في كرم زيتون غربيّ الجدار وأطلقا عليهما الرّصاص. أصيب الاثنان في ساقيهما وكغيرهما من المصابين تلقّيا الإسعاف الأوّلي من الجنود ونُقلا في سيّارة إسعاف إسرائيليّة إلى حاجز الكفريّات حيث التقط الجنود صوراً لهما ولبطاقتي هويّتهما. من هناك نُقل المصابان في سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر إلى مستشفى ثابت ثابت في طولكرم. أدناه إفادة س. س. - أدلى بها في 20.5.20 قائلاً: كنت أوّل من اجتاز إحدى الثغرات. تقدّمت حتى منتصف الشارع الأمنيّ وكان عمّي يسير خلفي. لم أشاهد جنوداً في المنطقة ولكن فجأة أطلقت علينا النار. أربع رصاصات تقريباً ودون سابق إنذار أو نداء يأمرنا بالتوقّف. أصبت في كاحلي الأيسر وعند ركبتي اليمنى. لم أرَ الجنود الذين أطلقوا النار ولكن بعد إطلاقها سمعت أصواتهم عن بُعد 10-15 متراً منّا. حاولت الفرار وركضت بضعة أمتار ثمّ وقعت. فوراً تجمّع حولي نحو ستّة جنود وحاول أحدهم وقف النزيف بواسطة قطعة قماش. كنت أنزف كثيراً وأتوجّع بشدّة. لم أقدر على الوقوف. أوقع الجنود عمّي أرضًا إلى جانبي وعندها رأيت أنّه مصاب أيضاً في رجله. خلال بضع دقائق نقلنا الجنود على حمّالات إسعاف مسافة مئة متر إلى بوّابة فرعون الزراعيّة وبعد خمس دقائق وصلت سيّارة إسعاف إسرائيليّة فقام طاقمها بإسعافنا ثمّ نقلونا إلى حاجز الكفريّات. التقط الجنود صوراً لنا وكذلك صوّروا بطاقتي هويّتنا ومن ثمّ نقلتنا سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر إلى مستشفىً في طولكرم. في المستشفى فحصني الأطبّاء وأجروا لي صور أشعّة. وجدوا عندي فتحتي دخول وخروج رصاصة في ساقي اليسرى وجُرح تحت ركبتي اليمنى. الرّصاصة التي أصابت عمّي اخترقت ساقه اليمنى تحت الرّكبة واستقرّت فيها. مكثت في المستشفى لمدّة 6 ساعات تقريبًا ثمّ غادرت. أعطوني دواءً لأتناوله في المنزل على أن أتابع العلاج في عيادة العظام في المستشفى نفسه. الآن أنا عاطل عن العمل وأمشي بمساعدة عكّازين حين أريد التجوّل في المنزل.

18 حزيران/يونيو 2020