سياسة إطلاق النار

جنديّان أطلقا النّار من كمين وقتلا الفتى إسلام دار ناصر (16 عاماً) الذي كان يرشق الحجارة عن بُعد ولم يشكّل أيّ خطر

21 تموز/يوليو 2021، حُدّث في 15 شباط/فبراير 2023

الصورة
איסלאם דאר נאסר. התמונה באדיבות המשפחה

خلال أيام القتال الأخيرة في قطاع غزّة خرج أهالي قريتي بلعين وكفر نعمة في عدّة مظاهرة احتجاجاً على ما يجري في قطاع غزة وضدّ عُنف قوّات الأمن في المسجد الأقصى وخطر الإخلاء المحدق بأهالي حيّ الشيخ جرّاح في شرقيّ القدس. في المظاهرتين الأوليين - في 10.5.21 وفي 15.5.21 - خرج جنود من كمين نصبوه في الجهة الأخرى من جدار الفصل المارّ غربيّ القرية وأطلقوا الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين بمجرّد وصولهم وفرّقوا المظاهرة عند بدايتها. جرّاء الرّصاص الحيّ الذي أطلقه الجنود في مظاهرة 15.5.21 أصيب في رجله فتىً في الـ14 من عمره، علماً أنّهم استخدموا في ذلك اليوم أيضاً الرّصاص المعدني المغلف بالمطّاط وقنابل الغاز المسيل للدّموع.

المظاهرة الثالثة جرت في 18.5.21. في ذلك اليوم نحو السّاعة 16:00 – وقبل نصف ساعة من انطلاق المتظاهرين من مركز القرية - توجّهت مجموعة منهم تعدّ 15-20 شخصاً معظمهم أطفال وفتيان إلى المنطقة المتاخمة لجدار الفصل، وقد جلب بعضهم معه إطارات وأخذوا يعدّون لإشعالها أثناء المظاهرة بينما أخذ البعض الآخر يرشق الحجارة بواسطة مقاليع نحو جنديّين كانا على بُعد نحو 100-150 متراً منهم فوق تلّة في الجهة الأخرى من جدار الفصل. أطلق أحد الجنديّين قنبلة غاز مسيل للدّموع نحو الفتية كما أطلق الرّصاص الحيّ في الهواء. على بُعد نحو 150 متراً شماليّ الجنديّين كان يقف عدد من الضبّاط قرب جيب عسكريّ.

الصورة
باحث بتسيلم الميداني إياد حداد يقف في المكان الذي قُتل فيه إسلام دار ناصر وهو يشير إلى الشجرات التي كانت الخيمة منصوبة تحتها. تصوير: إليكس ليباك، 29.5.21
باحث بتسيلم الميداني إياد حداد يقف في المكان الذي قُتل فيه إسلام دار ناصر وهو يشير إلى الشجرات التي كانت الخيمة منصوبة تحتها. تصوير: إليكس ليباك، 29.5.21

إضافة إلى ذلك وقبالة المنطقة التي كان يقف فيها المتظاهرون على بُعد نحو عشرين أو ثلاثين متراً من الجدار تجاه جهته الأخرى، كانت خيمة يختبئ فيها جنود. قرب السّاعة 17:00 ومع وصول أوائل المتظاهرين في المسيرة التي انطلقت من القرية، خرج جنديّان من الخيمة بشكل فجائيّ وأطلقوا النّار فوراً نحو مجموعة من أربعة متظاهرين كانوا على بُعد نحو أربعين متراً منهم. استلقى بعض المتظاهرين أرضاً واحتمى آخرون بالأشجار. بعد عدّة ثوانٍ نهض المتظاهرون لكي يرشقوا الحجارة نحو الجنديّين اللّذين خرجا من الخيمة وعندئذٍ أطلق أحد الجنديّين النّار نحوهم فأصاب مؤخّرة رأس الفتى إسلام دار ناصر (16 عاماً) وقد كان ملثماً.

حاول بعض المتظاهرين نقل إسلام من المكان لكنّ الجنود واصلوا إطلاق النّار نحوهم طوال دقائق عديدة وفقط بعد ذلك نُقل إسلام إلى سيّارة إسعاف كانت تقف على بُعد نحو مئة متر. نُقل إسلام إلى مستشفىً في رام الله حيث أجرى الأطبّاء محاولات لإنعاشه ثمّ أدخلوه إلى غرفة العمليّات. بعد ساعة ونصف السّاعة أعلن الأطبّاء وفاته.

لقد جرى إطلاق الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين دون أن يشكّل هؤلاء أيّ خطر. من كمين في الجهة الأخرى للجدار أطلق الجنديّان النّار على متظاهرين رشقوا حجارة نحو جنود آخرين ودون أن يشكّلوا خطراً عليهم. بعد أن ظهر الجنديّان أطلقا النار وأصابا الفتى إسلام دار ناصر (16 عاماً) عن مسافة تُقارب أربعين متراً حين كان يرشق نحوهم الحجارة، علماً أنّه لم يشكّل خطراً على أيّ منهُما.

نصب الكمين على يد الجيش - على بُعد بضع عشرات من الأمتار في الجانب الآخر من جدار الفصل - وإطلاق النيران الفتّاكة نحو راشقي حجارة، كلاهُما ممارسة غير شرعيّة. كذلك فإنّ استهداف الفتى إسلام دار ناصر بالرّصاص الحيّ ليس قانونيّاً، لأنّ إطلاق الرّصاص الحيّ يُسمح به فقط لمنع خطر داهم ومحقّق يهدّد الحياة وفي غياب أيّة وسيلة أخرى لدرء هذا الخطر. استخدام النيران الفتّاكة في هذه الحالة ليس سوى مثالًا آخر على سياسة إطلاق النّار التي يطبّقها الجيش في المناطق المحتلّة حيث يجري الردّ على أيّ تهديد حقيقيًّا كان أو متخيّلًا باستخدام النيران الفتّاكة. نشرت وسائل الإعلام أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة قد باشرت التحقيق، ولكن يمكن القول بالنظر إلى تجربة سنين طويلة لمنظّمة بتسيلم أنّه سينتهي مثل غيره إلى إغلاق الملفّ وطمس الحقائق ممّا يُسهم بالنتيجة في استمرار قتل الفلسطينيّين.

أدناه يصف أ.ي. (19 عاماً) ما حدث، وهو من سكّان بلعين وقد حضر إلى المظاهرة نحو السّاعة 16:30 - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

كنت جالساً مع مجموعة من الفتيان تعد تقريباً 15 فردًا ننتظر وصول المتظاهرين. عند السّاعة 17:00 وصلت بدايات المسيرة إلى المنطقة التي فوقنا، وعندئذٍ اقتربنا من الجدار. رأيت إسلام دار ناصر مع مجموعة أطفال وفتيان ولكنّني لم أميّزه لأنّه كان يلفّ رأسه بقميص. كانوا يرشقون الحجارة بالأيدي والمقاليع نحو الجنود المتواجدين على التلّة، ولكن لم يصل أيّ حجر إلى حيث الجنود لأنّهم كانوا على بُعد 100-150 متراً. شاهدت أيضاً خيمة تحت شجرة كبيرة في الجهة الأخرى من الجدار على بُعد نحو ثلاثين متراً جنوباً من الأولاد. عادة ما في هذه الخيمة جنود وظيفتهم تفريق المتظاهرين ولكنّ الخيمة كانت مغلقة وبدا كأنّها خالية من الجنود.

بعد مضيّ نحو 15 دقيقة كنت مع إسلام وشابّين يُدعى أحدهما "س" على بُعد 15-20 متراً من الجدار. أحد الجنود الذين على التلّة القريبة كان يحرّك سلاحه يميناً ويساراً. فجأة سمعت "س" يصرخ "كمين! كمين! من الخيمة!". ما كاد س. يُنهي كلامه إلّا وانطلقت بضع رصاصات متتالية أطلقها جنديّان أو ثلاثة خرجوا فجأة من الخيمة. في هذه اللّحظات كان إسلام و"س" على بٌعد خسمة أمتار منّى أقرب لجهة الخيمة. كان الجنود في موقع منخفض نسبة إلى موقعنا ولذلك لم يتمكّنوا من إصابة من انبطحوا على الأرض.

بعد صلية الرّصاص الأولى توقّف إطلاق النار لبضع ثوانٍ فنهض إسلام والآخرون لأنّهم على ما يبدو اعتقدوا أنّ الجنود عادوا إلى الخيمة. فجأة أطلق الجنود الذين قرب الخيمة رصاصة أصابت إسلام في مؤخّرة رأسه فوقع أرضاً من فوره ثمّ لم يتكلّم ولم يتحرّك.

أدناه يحدّث س.س. (23 عاماً وهو من سكّان بلعين) عمّا حدث عصر ذلك اليوم - من إفادة أدلى أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد بها في 26.5.21:

عندما استُشهد إسلام كنت بجانبه. كنّا أربعة شبان نقف على بُعد نحو عشرين متراً من الجدار. عند السّاعة 17:15 شاهدت جنديّين يخرجان من الخيمة التي في الجهة الأخرى من الجدار فأخذت أصرخ محذّراً الآخرين "كمين! كمين!" لكي يتمكّنوا من الفرار. أطلق الجنود رصاصتين أو ثلاث فانبطح بعضنا على الأرض والبعض الآخر اختبأوا خلف الأشجار. بعد ذلك نهضنا لكي نرشق الجنود بالحجارة وعندئذٍ أطلق أحدهُم رصاصتين متتاليتين. في تلك اللّحظة كان إسلام في مرمى رصاصهم لكنّه لم يرَهُم. أصيب إسلام في مؤخّرة رأسه ووقع أرضاً ثمّ لم ينبس بكلمة. سمعته فقط يشهق شهقة عميقة ثمّ استرخى جسده.

انبطحت مرّة أخرى على الأرض وصرتُ أزحف نحو إسلام لكي أسحبه وأحمله إلى سيّارة الإسعاف، لكنّ جنود الخيمة استأنفوا إطلاق الرّصاص والجنديّ الذي على التلّة أيضاً أطلق الرّصاص نحونا ونحو متظاهرين لكي يمنعهم من التقدّم وكانت رصاصاته ترتطم بالصّخور قربنا. بعد دقائق عدة توقّف إطلاق الرّصاص فتقدّمت نحو إسلام وحملته بيديّ لأنّه لم يكن يزن كثيراً. مشيت بضع خطوات وكنت على وشك انهيار عصبيّ ثمّ أخذه منّي شباب آخرون. لم أمضِ معهم لأنّ رجليّ تشنّجتا من شدّة الخوف والاضطراب. بينما أخذ الشبان إسلام إلى سيّارة الإسعاف جلست أنا على الأرض وأجهشت بالبكاء. استمرّ عدد من الشبان في الاشتباك مع الجنود وهؤلاء بدورهم واصلوا إطلاق الرّصاص من حين لحين ولم يستخدموا سوى الرّصاص الحيّ.

أدناه بعض ما جاء في إفادة والدة إسلام، جنّات دار ناصر (36 عاماً) - أدلت بها أمام بحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

قبل المسيرة بيوم واحد سألني إسلام في اللّيل ما إذا كنت سأشارك ولكي لا أخيّب ظنّه أجبته "سنأتي بالتأكيد". إسلام كان يحبّ المشاركة في هذه المسيرات لأنّه يلتقي أثناءها بأصدقائه ويُمضون الوقت معاً. في تلك اللّيلة سهر إسلام معنا حتى ساعة متأخّرة فنهض في الصّباح متأخّراً عند السّاعة 10:00. جاء إلى المطبخ وساعدني في إعداد الفطور. كان يستمتع بإعداد الطعام ويحبّ بشكل خاصّ إعداد البطاطا المقليّة لأنّه كان يحبّها وكذلك إخوته الصّغار. كان حلمه أن يصبح "شيف" مشهوراً  وكان يحبّ أن أناديه "شيف إسلام" فكنت أفعل ذلك وأنا أضحك فرحة. سُررت لحُلمه هذا لأنّه مميّز فالعادة أنّ الفتيان يحدّثون عن أحلام عاديّة ومكرّرة: طبيب أو مهندس أو صيدليّ أو محاسب. من النادر أن تسمع أحدهم يقول إنّه يريد أن يصبح "شيف" محترف كما كان يقول إسلام. بعد أن تناولنا الفطور أراد إسلام أن يساعدني في التنظيف والترتيب لكنّني رفضت وطلبت منه أن يذهب ويستعدّ لامتحانات نهاية السّنة. 

خرج إسلام من المنزل عند السّاعة 14:30 وقبل ألحّ عليّ أن لا أتأخّر في المجيء إلى المسيرة. نحو السّاعة 17:00 عصراً بينما كنت أهيّئ نفسي وأطفالي لكي نخرج إلى المسيرة جاءت زوجة أخي راني وكان يبدو عليها الاضطراب والقلق. يعاني أخي من شلل نصفيّ جرّاء إصابته على يد الجيش في مظاهرة جرت في العام 2000 وهو يستخدم كرسيّ عجلات. طلبت زوجته منّي أن أساعدها في إعداد كرسيّه وسيّارته لأنّه يريد السّفر عاجلاً إلى رام الله. راودتني الشكوك إذ أحسست أنّه هناك خطب ما. ألحّيت عليها أن تخبرني ما الذي حدث بالضّبط وقد كان لديّ إحساس بأنّ إسلام قد حدث له سوء أو لشخص آخر من العائلة. لكنّها رفضت أن تقول. 

بينما كنّا منشغلتين في إعداد كرسيّ أخي راني جاء محمود ابن أخي (12 عاماً) وهو يبكي ويقول إنّ إسلام أصيب في رأسه وقد أخذوه إلى مستشفىً في رام الله. صُعقت ثم أخذت أبكي وأصرخ: "ابني إسلام، حبيبي، ما الذي جرى لك؟ أين أنت!"، وصرت أتوسّل إلى الله قائلة "رُحماك يا ألله! احفظ لي ابني فليس لي أحد غيره في هذه الدّنيا". 

توجّهت جنّات إلى المستشفى مع قريب لها وهناك انتظرت أخباراً عن حالة ابنها الذي كان في تلك الأثناء في غرفة العمليّات.

وتتابع جنّات في إفادتها قائلة:

قبل المسيرة بيوم واحد سألني إسلام في اللّيل ما إذا كنت سأشارك ولكي لا أخيّب ظنّه أجبته "سنأتي بالتأكيد". إسلام كان يحبّ المشاركة في هذه المسيرات لأنّه يلتقي أثناءها بأصدقائه ويُمضون الوقت معاً.نحو السّاعة 18:30 - 19:00 نقلوا إسلام إلى قسم العناية المكثّفة. وبينما كنت أنتظر أخباراً تطمئنني عنه أخبروني أنّه قد استُشهد. تهاويت وأحسست أنّني على وشك الإغماء. أعطاني الأطبّاء والعائلة مهدّئات فتمالكت نفسي رُويداً رُويداً.

حين ودّعت ابني في ثلّاجة الموتى رأيته كأنّما يبتسم إليّ كعادته ويقول لي: "لا عليكِ يا أمّي، لا تبكي. أنا أحبّك كثيراً. حافظي على إخوتي واعتني بهم". دعوت له بالرّحمة والمغفرة من ربّ العالمين. نحن أسرة صغيرة ووضعنا الاقتصاديّ صعب لكنّ نطمح أن نعلّم أولادنا ونربّيهم على أفضل وجه لكي يحظوا بما حُرمنا نحن منه. أردنا أن يتعلّموا في مدارس جيّدة لكي نضمن لهُم مستقبلاً جيّداً وحياة أقلّ بؤساً وتعباً. لقد استُشهد ابني إسلام قبل أن يحقّق أحلامه. كنّا نأمل أن نراه يكبر ويتعلّم ويحقّق طموحاته ويعمل كـ"شيف" ويساعد والده في إعالة الأسرة.

لقد فقدت طعم الحياة. أحسّ أنّني وحيدة في هذه الدّنيا، بلا أمل وبلا طموح وبلا مستقبل. لقد تركت عملي وها أنا أجلس في البيت بدون أدنى طاقة. فقط أبحث عن زاوية أجلس فيها وحدي وأبكي. وضع والد إسلام وإخوته ليس أفضل من وضعي. جميعهم في حِداد مستمرّ. منذ الحادثة لا أقدر على النّوم، أتنقّل من غرفة إلى غرفة أتحسّس سرير إسلام والخزانة وكلّ أغراضه التي بقيت من بعده - الملابس والألعاب والكتب والأشياء التي اقتناها لنفسه. ومع كلّ شيء ألمسه أتذكّر كلّ لحظة حُلوة قضيناها معاً، أتذكّر ابتساماته الرّائقة وضحكاته وكلامه الجميل.

تحديث: في 18.11.21 نشرت وسائل الإعلام بأن الملف لا زال قيد اللتحقيق.  في 1.6.22 أبلغ الناطق بلسان الجيش بتسيلم بأن الملف ما زال قيد التحقيق.  

مواد مقترحة

غياب المساءلة والمحاسبة

على خلفيّة التحقيق الجاري في محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي، تقرير جديد تُصدره بتسيلم والمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان يُظهر أنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في أدائها خلال مظاهرات العودة في غزّة:

״لا تُريد ولا تَقدر״ طمس إسرائيل لحقائق التحقيق في مظاهرات العودة المركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يُصدران اليوم تقريراً مشتركاً يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000. لقد سارعت إسرائيل إلى التصريح بأنّها تحقّق في المظاهرات وذلك بسبب الإجراءات التي باشرتها ضدّها محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي - ذلك أنّ أحد المبادئ التي توجّه عمل هذه المحكمة هو مبدأ التكامُل، والذي يقتضي تدخّل المحكمة فقط إذا كانت الدّولة "لا تُريد أو لا تقدر" على إجراء التحقيق بنفسها. في حال أجرت الدّولة بنفسها تحقيقاً في الأحداث تمتنع المحكمة عن التدخّل. غير أنّه لكي تمتنع المحكمة عن التدخّل لا يكفي مجرّد التصريح بأنّه يجري تحقيق أيّاً كان، بل ينبغي أن يجري تحقيق حقيقيّ وفعّال يطال المسؤولين عن وضع السياسة وتطبيقها ويؤدّي إلى اتّخاذ إجراءات ضدّ من يتحمّلون المسؤوليّة. التحقيقات التي أجرتها إسرائيل بخُصوص المظاهرات لم تستوف هذه المطالب: هذه التحقيقات - التي أدارها الجيش وحده - لم تنظر أبداً في تعليمات إطلاق النار المخالفة للقانون التي صدرت لقوّات الأمن ولا السّياسة التي جرى تطبيقها خلال المظاهرات، وإنّما هي تركّزت فقط في الجنود ذوي الرّتب الدّنيا وفقط في السّؤال هل تصرّف هؤلاء خلافاً للتعليمات نفسها - المخالفة للقانون. علاوة على ذلك فقد نظرت محكمة العدل العليا أثناء فترة المظاهرات في التماسات حول عدم قانونيّة تعليمات إطلاق النار، لكنّ قُضاة المحكمة رفضوا تلك الالتماسات وأتاحوا للجيش أن يواصل تطبيق السّياسة نفسها. هنا ينبغي التنويه أنّ القُضاة لم يصدّقوا التعليمات التي طُبّقت فعليّاً على أرض الواقع - فهذه لم تُطرح أمامهم - وإنّما فقط التعليمات التي زعمت الدّولة أمام المحكمة أنّ الجيش يعمل وفقاً لها. لقد تجاهل القُضاة الهوّة السّحيقة والصّارخة التي تفصل بين مزاعم الدّولة في شأن هذه التعليمات وبين نتائج تطبيقها في الواقع: إلى حين النظر في الالتماسات كان قد وقع في صفوف المتظاهرين عشرات القتلى ونحو ألفي جريح. جهاز إنفاذ القانون العسكريّ يتصعّب حتى في أداء المهمّة المقتضبة التي انتُدب للقيام بها - أي التحقيق فقط في "أحداث استثنائيّة". لقد قرّر الجيش بشكل تعسّفيّ ودون تقديم أيّ تفسير أن يحقّق فقط في الأحداث التي أسفرت عن مقتل فلسطينيّين على يد عناصر قوّات الأمن لكنّه لم يحقّق بتاتاً في الأحداث التي أوقعت آلاف الجرحى، وبضمنهم من أصيبوا بجُروح بليغة أبقتهم مشلولين أو أدّت إلى بتر أطرافهم. عدد مصابي المظاهرات لا يستوعبه عقل: لقد جُرح خلال المظاهرات 13,457 فلسطينيّاً، ومن بين هؤلاء بلغ عدد المصابين بالرّصاص الحيّ 8,079 وعدد المصابين بالرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط 2,424 وعدد من جُرحوا جرّاء إصابتهم مباشرة بقنابل الغاز 2,954. وهناك من بين الجرحى 155 أسفرت إصابتهم عن بتر أطراف. جميع هذه الأحداث لم يتمّ التحقيق فيها. وفقاً لمعطيات أرسلها الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ إلى بتسيلم، فإنه حتى 25.4.21 تم تحويل 234 حالة متعلقة بمقتل فلسطينيين إلى جهاز قيادة الأركان للتحقيق في الأحداث الاستثنائيّة لينظر فيها. وبضمن هذه المعطيات أحداث مقتل فلسطينيّين آخرين خلال الفترة التي جرت فيها المظاهرات. أنجز الجهاز فحص 143 حالة وحوّلها إلى النيابة العسكريّة لتنظر فيها، وارتأى المدّعي العامّ العسكريّ أن تباشر وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة التحقيق في 33 منها كما أنّه أوعز بإجراء تحقيق في ثلاثة أحداث أخرى لم يعالجها الجهاز. هناك أربع شكاوى انتهى التحقيق فيها بإغلاق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. في الحالات الـ 95 التي أنهى الجهاز معالجتها قرّر المدّعي العامّ العسكريّ عدم فتح تحقيق جنائيّ وأغلق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. أما بقيّة الشكاوى التي تلقّاها الجهاز ما زالت قيد المعالجة. هناك تحقيق واحد فقط يتعلّق بالمظاهرات - بخُصوص مقتل الفتى عثمان حلّس (14 عاماً) - انتهى بتقديم لائحة اتّهام ضدّ الجنديّ المتورّط، وقد أدين هذا في صفقة ادّعاء بتهمة سلوكيّة بسيطة هي "تجاوُز الصّلاحيّات على نحوٍ يعرّض حياة أو صحّة أحدهم للخطر"، وحُكم عليه بتنفيذ أعمال خدمات لمّدة شهر. السياسيّون والمستشار القضائيّ للحكومة وقُضاة المحكمة العُليا والمدّعي العامّ العسكريّ وكبار الضبّاط الآخرين في الجيش هُم المسؤولون عن وضع سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون وعن تطبيقها - وهُم الذين يُفترض أن يتمّ التحقيق معهم وأن يتحمّلوا مسؤوليّة النتائج الفتّاكة التي أسفر عنها تطبيق هذه السياسة. التحقيقات التي تُجريها إسرائيل هدفها ذرّ الرّماد في العُيون إذ تظنّ أنّها بذلك تستطيع أن تجنّب المسؤولين محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي. لكنّ هذه التحقيقات تثبت العكس: إنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوّات أمنها خلال مظاهرات العودة في قطاع غزّة. بالنظر إلى ذلك، العمل على مساءلة ومحاسبة المتورّطين في هذه الانتهاكات يقع الآن على عاتق محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

غياب المساءلة والمحاسبة

لا تُريد ولا تَقدر

تقرير مشترك للمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

شبان يحملون المصاب عمر أبو النيل وينقلونه لتلقي العلاج بعدما أطلق الجنود الرصاص عليه وأصابوه في رقبته. تصوير: عبد الرحيم الخطيب

قطاع غزة

عناصر قوّات الأمن أردوا بنيرانهم الطفل عمر أبو النيل (13 عاماً) أثناء مظاهرة عند حدود غزّة، وكان يقف على بُعد عشرات الأمتار من الشريط الحدوديّ

في يوم السبت الموافق 21.8.21 جرت مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ مدينة غزّة، لإحياء الذكرى الـ52 لإحراق المسجد الأقصى. العائق الذي تعكف إسرائيل على توسيعه في السّنوات الأخيرة مكوّن - وفقاً للتقارير المنشورة - من جدار إسمنتيّ تحت أرضيّ يتغلغل إلى عُمق عشرات الأمتار. أمّا فوق الأرض وفي هذه المنطقة فهو مكوّن من جدار إسمنتيّ ارتفاعه بضعة أمتار ومن فوقه سياج معدنيّ. خلال المظاهرة أشعل بعض المتظاهرين الإطارات ورشقوا الحجارة وعبوات نحو عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجهة الأخرى من الشريط الحدوديّ. بدورهم أطلق عناصر الأمن نحو المتظاهرين قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط والرّصاص الحيّ. وفقاً لمعطيات وزارة الصحّة الفلسطينيّة أصيب جرّاء الرّصاص الحيّ 41 متظاهراً بضمنهم 22 قاصراً، وقد توفّي اثنان من الجرحى متأثرين بجراحهما بعد مرور بضعة أيّام: في 25.8.21 توفّي أسامة دعيج (31 عاماً) من مخيّم جباليا للّاجئين، وكان ناشطاً في الذراع العسكريّة لحركة حماس؛ وفي 28.8.21 توفّي الطفل عمر أبو النيل (13 عاماً) من سكّان مدينة غزّة. بعد مرور يومين توفّي في إسرائيل متأثراً بجراحه شرطيّ حرس الحدود برئيل حداريا شموئيلي (21 عاماً) من "بئير يعقوب"، وكان قد أصيب خلال المظاهرة بجراح جرّاء نيران أطلقها فلسطينيّ وهو في منصّة إطلاق نار نُصبت في الجانب الشرقيّ من الشريط. في ذلك اليوم جاء الطفل عمر أبو النيل إلى موقع المظاهرة في ساعات العصر وعند السّاعة 17:30 تقريباً تقدّم حتى صار على بُعد نحو مئة متر من الشريط، ووقف يتفرّج على الأحداث. أثناء ذلك أصابه عيار ناريّ في عُنقه فنقله متظاهرون آخرون إلى سيّارة إسعاف نقلته إلى مستشفى الشفاء حيث تلقّى العلاج حتى يوم وفاته في 28.8.21. بمقتل عمر أبو النيل يصل عدد المتظاهرين الذين قتلتهم إسرائيل في مظاهرات قرب الشريط الحدوديّ منذ انطلقت "مظاهرات العودة" في آذار 2018 إلى 226 بضمنهم 48 قاصراً آخرهم الطفل عمر أبو النيل. سياسة إطلاق النار التي يطبّقها عناصر قوّات الأمن لا مبرّر لها وهي مخالفة للقانون إذ تسمح بإطلاق الرّصاص الحيّ نحو متظاهرين غالبيّتهم السّاحقة مدنيّون عُزّل ولا يشكّلون خطراً على حياة عناصر قوّات الأمن، خاصّة وأنّ هؤلاء محصّنون جيّداً في الجهة الثانية من الشريط الحدوديّ. رغم ذلك ورغم وقوع مئات القتلى وآلاف الجرحى بالرصاص الحي، تواصل إسرائيل تطبيق السياسة الفتّاكة عينها، والمتوقّع أنّها سوف توقع المزيد من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين الفلسطينيّين. نحو السّاعة 15:30 جاء إلى المظاهرة أنس الغفري (18 عاماً) وهو جار الطفل عمر أبو النيل، وبعد نحو السّاعة ونصف السّاعة تقدّم في اتّجاه الشريط الحدوديّ حتى صار على مسافة منه تقارب 100 متر، وبعد عشرين دقيقة تقريباً انضمّ إليه عمر أبو النيل: في إفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 31.8.21، قال أنس الغفري: : تقدّمت أكثر نحو الشريط وبعد مضيّ عشرين دقيقة جاء عمر أبو النيل ابن جيراننا، ووقف بجانبي. كانت السّاعة 17:30. سألني عمر "لماذا تخاف أن تنزل؟" فصفعته وقلت له "ارجع إلى الوراء" لكنّه لم يرجع بل تقدّم بضعة أمتار في اتّجاه الشريط وهو يأكل المكسرات. فجأة رأيته يقع أرضاً فظننت أنّه تعثّر ولكن بعد ذلك رأيت الشبّان والفتيان متجمّعين حوله وكان ينزف. عندما حملوه رأيت في عنقه أثر مدخل رصاصة ومخرجها. أخذه الشباب إلى سيّارة الإسعاف وقد رافقته إلى مستشفى الشفاء. في الطريق قدّم له الطاقم الإسعاف الأوّلي وحاولوا إنعاشه. هاتفت عمّ عمر وأخبرته عن إصابته. عندما وصلنا إلى المستشفى أدخلوا عمر إلى قسم العناية المكثّفة وأيضاً حاولوا إنعاشه. بعد ذلك جاءت عائلة عمر. والدُه وقع مغشيّاً عليه عندما رأى ابنه ممدّداً في قسم العناية المكثفة. بقيت في المستشفى حتى السّاعة 22:00 ثمّ غادرت إلى منزلي. أدناه يحدّث أ. ز. (36 عاماً) عمّا جرى وهو من سكّان مدينة غزّة وكان قد جاء إلى المظاهرة عند الظهر لكي يغطّي الحدث ضمن عمله كمصوّر مستقلّ - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 28.9.21 أثناء المظاهرة تقدّم مئات الشبان والفتيان والأطفال نحو الشريط الحدوديّ لكي يرشقوا قوّات الاحتلال بالحجارة. سحبوا شبكة السّياج وأتلفوها ثمّ أشعلوا الإطارات. أطلق الجنود قنابل الغاز المسيل للدّموع وأردفوه برصاص تحذيريّ أطلقوه في الهواء. عندما اشتدّ رشق الحجارة أطلق الجنود الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين. رأيت متظاهرين اثنين مصابين بجراح جرّاء الرّصاص وآخرين مختنقين جرّاء استنشاق الغاز. بينما كنت واقفاً أصوّر المتظاهرين رأيت قبالتي فتىً يقع أرضاً وكان يبعد عنّي 30-40 متراً باتجاه الشريط وكان يبعد عن الشريط نحو 100 متر. حمله الشبّان وأخذوه إلى سيّارة الإسعاف. لم أصوّره لأنّني كنت تحت وقع الصّدمة. كان مصاباً في العُنق وينزف بغزارة. لحقت الشبّان الذين حملوه لكي أستفهم عن حالته وبعد ذلك نقل إلى المستشفى. عدت إلى المظاهرة لوقت قصير وفي هذه الأثناء رأيت صديقي عاصم شحادة يُصاب بشظية في الجهة اليمنى من فكّه ويقع أرضاً. بينما كنت أصوّره سمعت إطلاق رصاص من جانبنا في اتّجاه الشريط. كان الصّوت يشبه إطلاق نار من مسدّس. بعد ذلك غادرت المكان. في 31.8.21 أدلت والدة عمر، إيمان أبو النيل (40 عاماً) بإفادة أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد، حدّثت فيها عن ابنها وعن فترة علاجه في المستشفى: كنت في المنزل عندما سمعت أنّ عمر أصيب أثناء وجوده في المظاهرة. كنت أعتقد أنّه ذهب عند العصر إلى النادي إذ لم يسبق له أن شارك في مظاهرات قرب الجدار. صعدت إلى منزل سلفتي وهناك تهاويت ووقعت أرضاً وأنا أصرخ. احتضنتني سلفتي وابنتها ثمّ أعانتاني على العودة إلى منزلي. استبدلت ملابسي وتوجّهت إلى منزل والديّ ومن هناك إلى مستشفى الشفاء. عندما وصلت إلى المستشفى سألت في الاستعلامات عن عمر فقيل لي إنّه أصيب في رجله ويخضع الآن لعمليّة جراحيّة بسيطة. صعدت إلى طابق غرف العمليّات فوجدت هناك زوجي (حسن أبو النيل) وقد احمرّت عيناه واغرورقت بالدّموع. لم يستطع التفوّه بشيء عن حالة عمر فأدركت فوراً أنّ عمر لم يصب في رجله. قال لي زوجي إن عمر أصيب في كتفه فقلت له إنّ إصابته أخطر من ذلك. أحسست أنّني لن تحمّل أيّة أنباء سيّئة فانهمكت أدعو الله أن يمنحني الصّبر والعزيمة. وقفت أنتظر على درج غرفة العمليّات لا أكلّم أحداً. من شدّة الصّدمة لم أستطع حتى أن أبكي. نحو السّاعة 22:00 أخرجوا عمر من غرفة العمليّات ونقلوه إلى قسم العناية المكثّفة وكان لا يزال في غيبوبة من أثر البنج. خرج طبيب من غرفة العمليّات وجهه متكدّر ولا يشي بأيّ أمل. طلبت من زوجي أن يُخبر أولادنا أنّ عمر في حالة خطيرة جدّاً لكي لا يصعقهم نبأ وفاته فجأة. ذهبت إلى المنزل على أمل أن أعود في الغد إلى المستشفى فأجد عمر وقد تحسّن. عندما وصلت في اليوم التالي إلى المستشفى كانت السّاعة قرابة 12:00. وجدت عمر على حاله لا يزال في غيبوبة. قال لي الأطبّاء إنّه قد يستفيق خلال يومين. أمضينا الوقت في توتّر شديد وكلّما رنّ جرس الهاتف كنّا نخشى أن نتلقّى نبأ استشهاد عمر. في التاسعة من صباح يوم الثلاثاء الموافق 24.8.21 اتّصلوا بي من المستشفى وقالوا إنّهم سوف يُجرون لعمر صورة C.T. والأمر يتطلّب وجودي هناك. ظننت أنّني سوف أسمع أنباء طيّبة عن حالته وأنّه أفاق من غيبوبته. لكنّهم وجدوا أثناء الفحص أنّ جريان الدم إلى الدّماغ قد توقّف أي أنّ عمر في حالة موت سريريّ. تهاويت أرضاً وأنا أدعو الله وأبتهل. في يوم السّبت الموافق 28.8.21 نحو السّاعة الواحدة بعد منتصف اللّيل أبلغونا أنّ عمر قد استُشهد. عدت إلى المستشفى لكي أودّعه. بعد أن فصلوا جسده عن الأجهزة احتضنته وقبّلته ولامست كلّ جسده الصّغير وأنا أبكي. لم تدمع لي عين ولكنّ قلبي كان يبكي. عدت إلى المنزل وقد فارقت عمر إلى الأبد. كان عمر العامود الذي يسند المنزل. بوفاته أصبح البيت بلا روح لأنّ عمر كان روح البيت. عمر كان الغالي المدلّل. كنّا قريبين جدّاً. كان قد ترفّع إلى الصفّ التاسع ولم يُكمل يومه الرّابع فيه بعد. هو لا يزال حيّاً في قلبي يعيش معنا وروحه لا تفارقني ولو للحظة واحدة. عندما نجلس لتناول الطعام أنظر إلى المقعد الذي كان يجلس عليه عمر فأقول لنفسي إنّه معنا. ابنتي ملك (6 سنوات) تسألني إلى أين ذهب عمر فأقول لها إنّه ذهب إلى الجنّة.

28 تشرين الأول/أكتوبر 2021