"تقريباً بعد ساعة من الوقت سمعنا صوت تدفّق المياه عبر المزاريب. امتلأت السّاحة بالمياه. بعد ذلك أصابت رصاصة أخرى نافذة المطبخ وحطّمت الزّجاج. أطلق الجنود الرّصاص على منزلنا وأنا متأكّد من ذلك لأنّ التلة التي يتمركزون فوقها تقع مقابل النافذة بالضبط. إنّها المرّة الثالثة التي يثقب فيها الجنود خزّاننا خلال هذا الشّهر. الكثير من المياه ذهبت هباءً في كلّ مرّة بسببهم"
من إفادة أشرف شتيوي - أدلى بها في 26.4.20.
الصورة
ثقوب سُدّت في خزان مياه تملكه عائلة شتيوي. الصورة بتفضل من العائلة.
تعمّد الجنود مراراً وتكراراً خلال الأسابيع الأخيرة إطلاق النار على خزّانات المياه المنصوبة فوق منازل أهالي كفر قدّوم. استهداف الخزّانات وثقبها يأتي ضمن قمع الجيش للمظاهرات الأسبوعيّة التي يقوم بها الأهالي منذ العام 2011 احتجاجاً على إغلاق المنفذ الشرقيّ للقرية الذي يؤدّي منه الشارع إلى نابلس ويمرّ عبر الأراضي التي توسّعت عليها مستوطنة "كدوميم".
نتيجة لسياسة إسرائيل يعاني سكّان الضفة الغربيّة من نقص حادّ في المياه المزوّدة لهم ومن عدم انتظام تزويدها. للتغلّب على أزمة المياه عمد الأهالي إلى نصب خزّانات فوق منازلهم تتراوح سعتها ما بين 500 و1000 لتر يملأونها بالمياه أثناء توفّرها ويستعينون بها أثناء فترات انقطاع المياه.
أظهر التحقيق الذي أجرته بتسيلم أنّ الجنود يتعمّدون إطلاق الرّصاص على خزّانات المياه وأنّ الأهالي فقدوا نتيجة لذلك مئات اللّيترات من المياه علاوة على أنّهم مضطرّون الآن لشراء خزّانات جديدة علماً أنّ تكلفة الواحد منها تصل إلى 500 شيكل تقريباً. استهدف الجنود منذ بداية شهر نيسان 24 خزانًا منصوبة على أسطح المنازل وبعضها طالها رصاصُهم أكثر من مرّة. وهناك عدد من المنازل ثُقبت خزّاناتها ثلاث أو أربع مرّات خلال شهر ونصف.
لا غاية من تدمير خزّانات المياه سوى التجبّر بالسكّان ومعاقبتهم جماعيّاً ولا حاجة بنا للقول إنّها ممارسات مخالفة للقانون. التدمير المتعمّد لخزّانات المياه بالذّات في هذه الأيّام حيث يتفشّى وباء الكورونا وتزداد حاجة السكّان إلى التشدّد في النظافة وضمن ذلك تكرار غسل الأيدي لهُو تصرّف بالغ الخطورة. غير أنّ إطلاق الرّصاص على خزّانات المياه يستمرّ منذ عدّة أسابيع دون أيّ رادع وهذا يدلّ على أنّ الظاهرة لا تشير إلى تراكُم نزوات فرديّة من بعض الجنود بل هي ممارسات تحظى بدعم القادة الميدانيّين على الأقلّ ممّا يؤكّد بالتالي استهتارهم بحياة أهالي القرية وممتلكاتهم.
أدناه إفادات أدلى بها عدد من الأهالي أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السّعدي:
منزل عاصم ونهى عقل:
نحو الواحدة والنصف من ظهر يوم السبت الموافق 25.4.20 وبعد أن مضت ساعة تقريباً على بدء المظاهرة أطلق جنود الرّصاص على خزّانات المياه المنصوبة فوق مبنىً يقيم فيه عاصم عقل (42 عاماً) وزوجته نهى (43 عاماً) وأبناؤهم الخمسة إضافة إلى أسرة أخيه. بعد انتهاء المظاهرة صعد عاصم عقل إلى سطح منزله وأصلح الثقوب في الخزّانات مؤقتاً. في إفادة أدلى بها غداة الحادثة قال:
في إفادة أدلى بها غداة الحادثة قال:
الصورة
عاصم عقل. صورة قدّمتها الشاهد
أنا وزوجتي وأبناؤنا كنّا في المنزل أثناء المظاهرة والمواجهات مع الجنود الذين كانوا في انتظار المتظاهرين. كنّا نسمع بين الفينة والأخرى إطلاق رصاص حيّ ورصاص مطّاطيّ وقنابل غاز مسيل للدّموع. سمعت أيضاً إطلاق رصاص من التلّة تقع خلف منزلنا على بُعد نحو 200 متر منه وبعد ثوانٍ معدودات سمعت صوت المياه تتدفّق في المزاريب من سطح المنزل إلى السّاحة. خفت أن أصعد إلى السّطح لأنّ الجنود كانوا على التلّة وعليه فقد اكتفيت بإغلاق القاطع الرئيسيّ لوقف تدفّق المياه إلى الخزّان.
انتظرت تقريباً ساعة إلى أن انتهت المظاهرة وعندما تأكّدت أنّ الجنود قد غادروا التلّة صعدت إلى السّطح. كانت خزّانات المياه مثقوبة وحيث أنّها مصنوعة من البلاستيك قمت بإصلاحها مؤقتاً عن طريق إغلاق كلّ ثقب ببُرغيّ مع إضافة مادّة لاصقة حوله - ولكنّ المياه ما زالت تسيل عبرها. خسرنا جرّاء ذلك 450 لتر مياه ذهبت سدى. حدث في السّنة الماضية أيضاً أن أطلق الجيش الإسرائيلي الرّصاص على خزّاننا واضطررنا حينذاك لاستبداله بآخر جديد.
في الآونة الأخيرة وبسبب وباء الكورونا علينا أن نحرص كثيراً في كلّ ما يخصّ النظافة. نحتاج أن نستحمّ وأن نغسل ملابسنا وأيدينا ناهيك عن أنّنا نستخدم المياه للشرب والطبخ. أنا لا أفهم هؤلاء الجنود - كيف يطاوعهم قلبهم على إتلاف خزّانات المياه؟! المياه أساس الحياة وهي حيويّة لكلّ إنسان!
وبسبب الكورونا من الصّعب السّفر في هذه الفترة بين القرى والحوانيت التي تبيع حاويات البلاستيك في القرى المجاورة مغلقة على أيّة حال. لقد قمت بإصلاح العطب مؤقتاً فقط. في نهاية الأمر أنا مضطرّ لشراء خزّان جديد وسوف يكلّفني شراؤه وتركيبه 500 شيكل.
منازل عائلة شتيوي
منذ بداية شهر نيسان أطلق الجنود الرّصاص ثلاث مرّات على خزّانات المياه المنصوبة فوق المبنى الذي تسكنه عائلة شتيوي الممتدّة ويتألّف من ثلاثة طوابق. تخدم هذه الخزّانات ثلاثة منازل: منزل عوني شتيوي (38 عاماً) وزوجته رؤى (31 عاماً) وأبناؤهما الأربعة - ويقيمون في الطابق الأوّل. منزل شقيقه معين (45 عاماً) وزوجته نهال (36 عاماً) وابناهما. ومنزل والدته نزيهة (67 عاماً) وعمّته عبلة (65 عاماً).
أدناه إفادة عوني شتيوي، أدلى بها في 3.5.20 قائلاً:
كانت المرّة الأولى التي أطلق فيها الجنود الرّصاص على خزّانات المياه خاصّتنا في يوم الجمعة الموافق 10.4.20 نحو السّاعة 14:00. أصابت رصاصتان خزّان منزلي واثنتان أخريان أصابتا خزّان منزل والدتي وأصيب خزّان منزل أخي معين برصاصة واحدة. كانت المياه تتدفّق من الخزّانات الثلاثة عبر المزراب إلى ساحة البناية ومن هناك إلى الشارع المحاذي للبناية.
خرجت إلى السّاحة وأغلقت حنفيّات الأنابيب الموصلة إلى الخزّانات لكي أوقف دفق المياه إليها. بعد ذلك انتظرت حتى انتهت المظاهرة وصعدت إلى السّطح. أرجّح أنّ الرّصاص جاء من راس تلّة تقع على بُعد مئة متر من منزلنا. نحن نسمّيها "جبل الأقرع". عادةً ينتشر أثناء المظاهرات فوق هذه التلّة 10-15 جنديّاً. تشاورت مع أخي وقرّرنا عدم شراء خزّانات جديدة مُكتفين بإصلاح العطب بواسطة براغي وصمغ لاصق لأنّ شراء 3 خزّانات جديدة سوف يكلّفنا 1,500 شيكل.
مضى أسبوعان على هذه الحادثة وفي يوم الجمعة الموافق 24.4.20 أطلقوا الرّصاص على الخزّانات مرّة أخرى وتدفّقت المياه مرّة أخرى إلى السّاحة عبر المزراب. خرج أولادي وأغلقوا القاطع الرّئيسي مرّة أخرى. وبعد أسبوع آخر في يوم السّبت الموافق 2.5.20 تكرّر ذلك مرّة ثالثة ولكنّني في هذه المرّة استبقت الأمور وأغلقت القواطع الرّئيسيّة قبل بدء المظاهرة لكي لا تذهب المياه هباءً. وفي هذه المرّة أيضاً أغلقنا الثقوب بواسطة البراغي والصّمغ اللّاصق.
الإصلاحات التي قمنا بها مؤقتة ولن تصمد طويلاً. هذه الخزّانات تلقّت الرّصاص ثلاث مرّات وبعضها فيه خمسة أو ستّة ثقوب. من المؤكّد أنّنا مجبرون على استبدالها بأخرى جديدة ولكن من العبث القيام بذلك الآن. سوف ننتظر إلى ما بعد توقّف الجنود عن استهداف الخزّانات. إضافة إلى بنايتنا فقد استهدف الجنود المنتشرون فوق التلّة عدداً كبيراً من الخزّانات المنصوبة فوق المنازل المجاورة لنا.
مياه هذه الخزّانات تلزمنا لأمور كثيرة في حياتنا اليوميّة: للشرب والطبخ والغسيل والاستحمام والنظافة الشخصيّة عموماً. إطلاق الجنود الرّصاص على هذه الخزّانات ممارسة تنافي الأخلاق وكلّ ما هو إنسانيّ. ربّما هُم يعتقدون أنّ ذلك سوف يوقف المظاهرات الأسبوعيّة ولكنّه مخطئون تماماً. إنّهم يعيشون في وهْم. لو استمرّوا في هذه الممارسات نحن سوف نستمرّ في إصلاح ما يُتلفونه ولكنّنا لن نستسلم أبداً ولن نخضع لهُم.
منزل أشرف وأثناء شتيوي
ثُقب خزّان المياه فوق منزل أشرف شتيوي (44 عاماً) وزوجته أثناء (39 عاماً) وأبنائهما الثلاثة أربع مرّات منذ بداية شهر نيسان.
أدناه إفادة أشرف شتيوي، أدلى بها في 26.4.20 حيث قال:
الصورة
أشرف شتيوي. صورة قدّمتها الشاهد
في يوم الجمعة الموافق 24.4.20 وهو أوّل أيّام شهر رمضان صليت في المسجد وعدت إلى منزلي. بعد انطلاق المظاهرة بوقت قصير اندلعت مواجهات بين المتظاهرين والجنود وسمعنا انفجار قنابل صوت وإطلاق رصاص حيّ ورصاص مطّاطيّ.
تقريباً بعد ساعة من الوقت سمعنا صوت تدفّق المياه عبر المزاريب. امتلأت السّاحة بالمياه. بعد ذلك أصابت رصاصة أخرى نافذة المطبخ وحطّمت الزّجاج. أطلق الجنود الرّصاص على منزلنا وأنا متأكّد من ذلك لأنّ التلة التي يتمركزون فوقها تقع مقابل النافذة بالضبط.
خافت زوجتي كثيراً وكذلك أولادنا الصّغار. أدخلتهم إلى الصّالون لكي أبعدهم عن مرمى الرّصاص ثمّ خرجت من المنزل وأغلقت القاطع الرّئيسيّ لكي لا تضيع المزيد من المياه سُدى. ولأنّ منزلنا يقع مقابل التلّة انتظرت حتى انتهت المواجهات وتأكّدت من مغادرة الجنود ثمّ صعدت إلى السّطح لأتفقّد الأضرار التي لحقت بالخزّان وأسدّ الثقوب بواسطة البراغي.
الصورة
شباك منزل العائلة المكسور. الصورة بتفضل من العائلة.
إنّها المرّة الثالثة التي يُتلف فيها الجنود خزّاننا خلال الشهر الأخير. وفي كلّ مرّة خسرنا الكثير من المياه وفي كلّ مرّة كنت أثبّت البراغي في الثقوب التي خلّفها الرّصاص. في اليوم التالي عصراً حدث الأمر نفسه للمرّة الرّابعة. أطلق الجنود المنتشرون على التلّة رصاصتين على الخزّان ففرغ تماماً من المياه.
إطلاق الجنود الرّصاص على خزّانات المياه بمثابة عقاب جماعيّ لأهالي القرية. إنّهم يُتلفون ممتلكاتنا بسبب المظاهرات الأسبوعيّة. أنا لا أستطيع كلّما أطلقوا الرّصاص على خزّان أن أدفع 500 شيكل تكاليف شراء وتركيب خزّان جديد. لذلك أعمد في كلّ مرّة إلى إغلاق القاطع الرئيسيّ ثمّ إصلاح الخزّان وسدّ الثقوب بالبراغي والصّمغ اللّاصق.
خلال أيام القتال الأخيرة في قطاع غزّة خرج أهالي قريتي بلعين وكفر نعمة في عدّة مظاهرة احتجاجاً على ما يجري في قطاع غزة وضدّ عُنف قوّات الأمن في المسجد الأقصى وخطر الإخلاء المحدق بأهالي حيّ الشيخ جرّاح في شرقيّ القدس. في المظاهرتين الأوليين - في 10.5.21 وفي 15.5.21 - خرج جنود من كمين نصبوه في الجهة الأخرى من جدار الفصل المارّ غربيّ القرية وأطلقوا الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين بمجرّد وصولهم وفرّقوا المظاهرة عند بدايتها. جرّاء الرّصاص الحيّ الذي أطلقه الجنود في مظاهرة 15.5.21 أصيب في رجله فتىً في الـ14 من عمره، علماً أنّهم استخدموا في ذلك اليوم أيضاً الرّصاص المعدني المغلف بالمطّاط وقنابل الغاز المسيل للدّموع. المظاهرة الثالثة جرت في 18.5.21. في ذلك اليوم نحو السّاعة 16:00 – وقبل نصف ساعة من انطلاق المتظاهرين من مركز القرية - توجّهت مجموعة منهم تعدّ 15-20 شخصاً معظمهم أطفال وفتيان إلى المنطقة المتاخمة لجدار الفصل، وقد جلب بعضهم معه إطارات وأخذوا يعدّون لإشعالها أثناء المظاهرة بينما أخذ البعض الآخر يرشق الحجارة بواسطة مقاليع نحو جنديّين كانا على بُعد نحو 100-150 متراً منهم فوق تلّة في الجهة الأخرى من جدار الفصل. أطلق أحد الجنديّين قنبلة غاز مسيل للدّموع نحو الفتية كما أطلق الرّصاص الحيّ في الهواء. على بُعد نحو 150 متراً شماليّ الجنديّين كان يقف عدد من الضبّاط قرب جيب عسكريّ. إضافة إلى ذلك وقبالة المنطقة التي كان يقف فيها المتظاهرون على بُعد نحو عشرين أو ثلاثين متراً من الجدار تجاه جهته الأخرى، كانت خيمة يختبئ فيها جنود. قرب السّاعة 17:00 ومع وصول أوائل المتظاهرين في المسيرة التي انطلقت من القرية، خرج جنديّان من الخيمة بشكل فجائيّ وأطلقوا النّار فوراً نحو مجموعة من أربعة متظاهرين كانوا على بُعد نحو أربعين متراً منهم. استلقى بعض المتظاهرين أرضاً واحتمى آخرون بالأشجار. بعد عدّة ثوانٍ نهض المتظاهرون لكي يرشقوا الحجارة نحو الجنديّين اللّذين خرجا من الخيمة وعندئذٍ أطلق أحد الجنديّين النّار نحوهم فأصاب مؤخّرة رأس الفتى إسلام دار ناصر (16 عاماً) وقد كان ملثماً. حاول بعض المتظاهرين نقل إسلام من المكان لكنّ الجنود واصلوا إطلاق النّار نحوهم طوال دقائق عديدة وفقط بعد ذلك نُقل إسلام إلى سيّارة إسعاف كانت تقف على بُعد نحو مئة متر. نُقل إسلام إلى مستشفىً في رام الله حيث أجرى الأطبّاء محاولات لإنعاشه ثمّ أدخلوه إلى غرفة العمليّات. بعد ساعة ونصف السّاعة أعلن الأطبّاء وفاته. لقد جرى إطلاق الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين دون أن يشكّل هؤلاء أيّ خطر. من كمين في الجهة الأخرى للجدار أطلق الجنديّان النّار على متظاهرين رشقوا حجارة نحو جنود آخرين ودون أن يشكّلوا خطراً عليهم. بعد أن ظهر الجنديّان أطلقا النار وأصابا الفتى إسلام دار ناصر (16 عاماً) عن مسافة تُقارب أربعين متراً حين كان يرشق نحوهم الحجارة، علماً أنّه لم يشكّل خطراً على أيّ منهُما. نصب الكمين على يد الجيش - على بُعد بضع عشرات من الأمتار في الجانب الآخر من جدار الفصل - وإطلاق النيران الفتّاكة نحو راشقي حجارة، كلاهُما ممارسة غير شرعيّة. كذلك فإنّ استهداف الفتى إسلام دار ناصر بالرّصاص الحيّ ليس قانونيّاً، لأنّ إطلاق الرّصاص الحيّ يُسمح به فقط لمنع خطر داهم ومحقّق يهدّد الحياة وفي غياب أيّة وسيلة أخرى لدرء هذا الخطر. استخدام النيران الفتّاكة في هذه الحالة ليس سوى مثالًا آخر على سياسة إطلاق النّار التي يطبّقها الجيش في المناطق المحتلّة حيث يجري الردّ على أيّ تهديد حقيقيًّا كان أو متخيّلًا باستخدام النيران الفتّاكة. نشرت وسائل الإعلام أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة قد باشرت التحقيق، ولكن يمكن القول بالنظر إلى تجربة سنين طويلة لمنظّمة بتسيلم أنّه سينتهي مثل غيره إلى إغلاق الملفّ وطمس الحقائق ممّا يُسهم بالنتيجة في استمرار قتل الفلسطينيّين. أدناه يصف أ.ي. (19 عاماً) ما حدث، وهو من سكّان بلعين وقد حضر إلى المظاهرة نحو السّاعة 16:30 - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد: كنت جالساً مع مجموعة من الفتيان تعد تقريباً 15 فردًا ننتظر وصول المتظاهرين. عند السّاعة 17:00 وصلت بدايات المسيرة إلى المنطقة التي فوقنا، وعندئذٍ اقتربنا من الجدار. رأيت إسلام دار ناصر مع مجموعة أطفال وفتيان ولكنّني لم أميّزه لأنّه كان يلفّ رأسه بقميص. كانوا يرشقون الحجارة بالأيدي والمقاليع نحو الجنود المتواجدين على التلّة، ولكن لم يصل أيّ حجر إلى حيث الجنود لأنّهم كانوا على بُعد 100-150 متراً. شاهدت أيضاً خيمة تحت شجرة كبيرة في الجهة الأخرى من الجدار على بُعد نحو ثلاثين متراً جنوباً من الأولاد. عادة ما في هذه الخيمة جنود وظيفتهم تفريق المتظاهرين ولكنّ الخيمة كانت مغلقة وبدا كأنّها خالية من الجنود. بعد مضيّ نحو 15 دقيقة كنت مع إسلام وشابّين يُدعى أحدهما "س" على بُعد 15-20 متراً من الجدار. أحد الجنود الذين على التلّة القريبة كان يحرّك سلاحه يميناً ويساراً. فجأة سمعت "س" يصرخ "كمين! كمين! من الخيمة!". ما كاد س. يُنهي كلامه إلّا وانطلقت بضع رصاصات متتالية أطلقها جنديّان أو ثلاثة خرجوا فجأة من الخيمة. في هذه اللّحظات كان إسلام و"س" على بٌعد خسمة أمتار منّى أقرب لجهة الخيمة. كان الجنود في موقع منخفض نسبة إلى موقعنا ولذلك لم يتمكّنوا من إصابة من انبطحوا على الأرض. بعد صلية الرّصاص الأولى توقّف إطلاق النار لبضع ثوانٍ فنهض إسلام والآخرون لأنّهم على ما يبدو اعتقدوا أنّ الجنود عادوا إلى الخيمة. فجأة أطلق الجنود الذين قرب الخيمة رصاصة أصابت إسلام في مؤخّرة رأسه فوقع أرضاً من فوره ثمّ لم يتكلّم ولم يتحرّك. أدناه يحدّث س.س. (23 عاماً وهو من سكّان بلعين) عمّا حدث عصر ذلك اليوم - من إفادة أدلى أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد بها في 26.5.21: عندما استُشهد إسلام كنت بجانبه. كنّا أربعة شبان نقف على بُعد نحو عشرين متراً من الجدار. عند السّاعة 17:15 شاهدت جنديّين يخرجان من الخيمة التي في الجهة الأخرى من الجدار فأخذت أصرخ محذّراً الآخرين "كمين! كمين!" لكي يتمكّنوا من الفرار. أطلق الجنود رصاصتين أو ثلاث فانبطح بعضنا على الأرض والبعض الآخر اختبأوا خلف الأشجار. بعد ذلك نهضنا لكي نرشق الجنود بالحجارة وعندئذٍ أطلق أحدهُم رصاصتين متتاليتين. في تلك اللّحظة كان إسلام في مرمى رصاصهم لكنّه لم يرَهُم. أصيب إسلام في مؤخّرة رأسه ووقع أرضاً ثمّ لم ينبس بكلمة. سمعته فقط يشهق شهقة عميقة ثمّ استرخى جسده. انبطحت مرّة أخرى على الأرض وصرتُ أزحف نحو إسلام لكي أسحبه وأحمله إلى سيّارة الإسعاف، لكنّ جنود الخيمة استأنفوا إطلاق الرّصاص والجنديّ الذي على التلّة أيضاً أطلق الرّصاص نحونا ونحو متظاهرين لكي يمنعهم من التقدّم وكانت رصاصاته ترتطم بالصّخور قربنا. بعد دقائق عدة توقّف إطلاق الرّصاص فتقدّمت نحو إسلام وحملته بيديّ لأنّه لم يكن يزن كثيراً. مشيت بضع خطوات وكنت على وشك انهيار عصبيّ ثمّ أخذه منّي شباب آخرون. لم أمضِ معهم لأنّ رجليّ تشنّجتا من شدّة الخوف والاضطراب. بينما أخذ الشبان إسلام إلى سيّارة الإسعاف جلست أنا على الأرض وأجهشت بالبكاء. استمرّ عدد من الشبان في الاشتباك مع الجنود وهؤلاء بدورهم واصلوا إطلاق الرّصاص من حين لحين ولم يستخدموا سوى الرّصاص الحيّ. أدناه بعض ما جاء في إفادة والدة إسلام، جنّات دار ناصر (36 عاماً) - أدلت بها أمام بحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد: قبل المسيرة بيوم واحد سألني إسلام في اللّيل ما إذا كنت سأشارك ولكي لا أخيّب ظنّه أجبته "سنأتي بالتأكيد". إسلام كان يحبّ المشاركة في هذه المسيرات لأنّه يلتقي أثناءها بأصدقائه ويُمضون الوقت معاً. في تلك اللّيلة سهر إسلام معنا حتى ساعة متأخّرة فنهض في الصّباح متأخّراً عند السّاعة 10:00. جاء إلى المطبخ وساعدني في إعداد الفطور. كان يستمتع بإعداد الطعام ويحبّ بشكل خاصّ إعداد البطاطا المقليّة لأنّه كان يحبّها وكذلك إخوته الصّغار. كان حلمه أن يصبح "شيف" مشهوراً وكان يحبّ أن أناديه "شيف إسلام" فكنت أفعل ذلك وأنا أضحك فرحة. سُررت لحُلمه هذا لأنّه مميّز فالعادة أنّ الفتيان يحدّثون عن أحلام عاديّة ومكرّرة: طبيب أو مهندس أو صيدليّ أو محاسب. من النادر أن تسمع أحدهم يقول إنّه يريد أن يصبح "شيف" محترف كما كان يقول إسلام. بعد أن تناولنا الفطور أراد إسلام أن يساعدني في التنظيف والترتيب لكنّني رفضت وطلبت منه أن يذهب ويستعدّ لامتحانات نهاية السّنة. خرج إسلام من المنزل عند السّاعة 14:30 وقبل ألحّ عليّ أن لا أتأخّر في المجيء إلى المسيرة. نحو السّاعة 17:00 عصراً بينما كنت أهيّئ نفسي وأطفالي لكي نخرج إلى المسيرة جاءت زوجة أخي راني وكان يبدو عليها الاضطراب والقلق. يعاني أخي من شلل نصفيّ جرّاء إصابته على يد الجيش في مظاهرة جرت في العام 2000 وهو يستخدم كرسيّ عجلات. طلبت زوجته منّي أن أساعدها في إعداد كرسيّه وسيّارته لأنّه يريد السّفر عاجلاً إلى رام الله. راودتني الشكوك إذ أحسست أنّه هناك خطب ما. ألحّيت عليها أن تخبرني ما الذي حدث بالضّبط وقد كان لديّ إحساس بأنّ إسلام قد حدث له سوء أو لشخص آخر من العائلة. لكنّها رفضت أن تقول. بينما كنّا منشغلتين في إعداد كرسيّ أخي راني جاء محمود ابن أخي (12 عاماً) وهو يبكي ويقول إنّ إسلام أصيب في رأسه وقد أخذوه إلى مستشفىً في رام الله. صُعقت ثم أخذت أبكي وأصرخ: "ابني إسلام، حبيبي، ما الذي جرى لك؟ أين أنت!"، وصرت أتوسّل إلى الله قائلة "رُحماك يا ألله! احفظ لي ابني فليس لي أحد غيره في هذه الدّنيا". توجّهت جنّات إلى المستشفى مع قريب لها وهناك انتظرت أخباراً عن حالة ابنها الذي كان في تلك الأثناء في غرفة العمليّات. وتتابع جنّات في إفادتها قائلة: قبل المسيرة بيوم واحد سألني إسلام في اللّيل ما إذا كنت سأشارك ولكي لا أخيّب ظنّه أجبته "سنأتي بالتأكيد". إسلام كان يحبّ المشاركة في هذه المسيرات لأنّه يلتقي أثناءها بأصدقائه ويُمضون الوقت معاً.نحو السّاعة 18:30 - 19:00 نقلوا إسلام إلى قسم العناية المكثّفة. وبينما كنت أنتظر أخباراً تطمئنني عنه أخبروني أنّه قد استُشهد. تهاويت وأحسست أنّني على وشك الإغماء. أعطاني الأطبّاء والعائلة مهدّئات فتمالكت نفسي رُويداً رُويداً. حين ودّعت ابني في ثلّاجة الموتى رأيته كأنّما يبتسم إليّ كعادته ويقول لي: "لا عليكِ يا أمّي، لا تبكي. أنا أحبّك كثيراً. حافظي على إخوتي واعتني بهم". دعوت له بالرّحمة والمغفرة من ربّ العالمين. نحن أسرة صغيرة ووضعنا الاقتصاديّ صعب لكنّ نطمح أن نعلّم أولادنا ونربّيهم على أفضل وجه لكي يحظوا بما حُرمنا نحن منه. أردنا أن يتعلّموا في مدارس جيّدة لكي نضمن لهُم مستقبلاً جيّداً وحياة أقلّ بؤساً وتعباً. لقد استُشهد ابني إسلام قبل أن يحقّق أحلامه. كنّا نأمل أن نراه يكبر ويتعلّم ويحقّق طموحاته ويعمل كـ"شيف" ويساعد والده في إعالة الأسرة. لقد فقدت طعم الحياة. أحسّ أنّني وحيدة في هذه الدّنيا، بلا أمل وبلا طموح وبلا مستقبل. لقد تركت عملي وها أنا أجلس في البيت بدون أدنى طاقة. فقط أبحث عن زاوية أجلس فيها وحدي وأبكي. وضع والد إسلام وإخوته ليس أفضل من وضعي. جميعهم في حِداد مستمرّ. منذ الحادثة لا أقدر على النّوم، أتنقّل من غرفة إلى غرفة أتحسّس سرير إسلام والخزانة وكلّ أغراضه التي بقيت من بعده - الملابس والألعاب والكتب والأشياء التي اقتناها لنفسه. ومع كلّ شيء ألمسه أتذكّر كلّ لحظة حُلوة قضيناها معاً، أتذكّر ابتساماته الرّائقة وضحكاته وكلامه الجميل. تحديث: في 18.11.21 نشرت وسائل الإعلام بأن الملف لا زال قيد اللتحقيق. في 1.6.22 أبلغ الناطق بلسان الجيش بتسيلم بأن الملف ما زال قيد التحقيق.
يقع مخيّم الجلزّون شماليّ رام الله، ويسكنه نحو 14,000 شخص، بينهم 5,000 قاصر. في عام 1977 أقيمت في جواره مستوطنة "بيت إيل" ممّا استدعى حضور الجنود هناك بشكل دائم - داخل أبراج المراقبة وفي دوريّات عسكريّة - على امتداد الشارع المحاذي كما في المساحة الممتدّة بينه وبين المستوطنة. في جوار المدخل الجنوبي - الشرقي للمخيّم توجد مدرستان تابعتان لوكالة غوث اللّاجئين (UNRWA) - واحدة للبنات وأخرى للبنين، يرتادهما 2,000 طالب وطالبة، تلاميذ الصفّ الأوّل حتّى السّادس. فرض الجيش عددًا من القيود التعسّفيّة على المدرستين: أجبر وكالة الغوث أن تعلّي النوافذ الشرقيّة، المطلّة على مستوطنة "بيت إيل"، لتكون أقرب إلى السقف. فوق ذلك، فرض الجيش أن يكون عرض النوافذ قليلاً بحيث لا يسمح بدخول ما يكفي من الهواء والضوء إلى الصّفوف؛ وأمر بأن يبقى الضوء مشتعلاً في جميع الصّفوف طيلة ساعات اللّيل. القرب بين المستوطنين وسكّان مخيّم اللّاجئين يستدعي حضورًا دائمًا للجنود في المنطقة - داخل أبراج المراقبة؛ في دوريّات عسكرية تجوب شارع 466 والمساحة الممتدّة بينه وبين المستوطنة؛ كما يستدعي إغلاق الشارع وتعطيل حركة المرور. هذا الحضور العسكريّ يؤدّي إلى مواجهات كثيرة بين سكّان المخيّم وقوّات الأمن، الذين بات وجودهم جزءًا لا يتجزّأ من روتين الحياة هناك. يطلق الجيش خلال هذه المواجهات قنابل الغاز المسيل للدّموع والعيارات المعدنيّة المغلّفة بالمطّاط، وأحيانًا حتّى الرّصاص الحيّ؛ مسبّبًا مقتل وجرح عديدين من سكّان المخيّم - بينهم قاصرون، إضافة إلى تعطيل الدراسة في المدرستين: ينتشر الغاز المسيل للدموع من موقع المواجهات إلى داخل الصفوف، ويحدث أن تسقط قنابل الغاز في محيط المدرستين أو حتّى داخل ساحتيهما، وفي الحالتين يعاني التلاميذ والمعلّمون الاختناق، فتضطرّ الإدارة أحيانًا إلى إنهاء الدّوام كلّيًّا. إطلاق قنابل الغاز والرّصاص "المطّاطي" والرّصاص الحيّ يبعث الخوف في قلوب التلاميذ ويسبّب لهم توتّرًا شديدًا. وجود الجنود وعناصر الشرطة في محيط المدرستين، وكذا المواجهات التي تقع حولهما، يثيران قلق الأهل على سلامة أولادهم فيُجبَرون على مرافقتهم في طريقهم من وإلى المدرسة. اضغطوا هنا لمشاهدة الخارطة بحجم أكبر. بين الأشهر تشرين الثاني 2017 وكانون الثاني 2018 بنى الجيش إضافة إلى الجدار الإسمنتيّ الذي أقيم عام 2015 شرقيّ مستوطنة "بيت إيل"، على امتداد شارع 466. بُني المقطع الجديد على تخوم منازل فلسطينية تقع شرقيّ الشارع وتسكنها عشر أسَر من عائلة حامد. خلال أعمال إنشاء الجدار كان الجيش يغلق الشارع كلّ يوم أمام السيّارات الفلسطينية بواسطة سدّة ينصبها على بُعد نحو خمسين مترًا من منازل عائلة حامد، ويوقف عندها جنودًا. كان التلاميذ أبناء هذه الأسَر يضطرّون في طريقهم إلى المدرسة مشيًا على الأقدام أن يجتازوا تلك السدّة، فيُجبرهم الجنود على التوقّف لأجل تفتيش أجسادهم وحقائبهم ويضايقهم بطرق أخرى شتّى. في الشهرين الماضيين استمع إياد حدّاد، الباحث الميداني من بتسيلم، إلى إفادات بعض سكّان المخيّم، المديرين السابقين للمدرستين، وبعض التلاميذ وأهاليهم. تصف الإفادات تعطّل الدراسة، المخاوف التي تلازم التلاميذ في طريقهم من وإلى المدرسة، وتأثير كلّ ذلك على حياة السكّان. في 31.12.2017، قرب الساعة 8:00 صباحًا، أغلق الجيش الجزء الشماليّ من الشارع المؤدّي من المخيّم إلى رام الله، أثناء إنشاء مقطع الجدار المذكور. أدّى الإغلاق إلى مواجهات بين شباب من المخيّم والجنود المنتشرين لحراسة المُنشأة: الشباب يرشقون الحجارة والجنود يطلقون قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص "المطّاطي". في هذه الأجواء المتوتّرة كانت تجري امتحانات نهاية الفصل في مدرسة البنات، وتمّ إدخال الطالبات مباشرة إلى الصفوف وبدء الامتحانات - لأجل إنهائها سريعًا، خشية من تصعيد قد يستدعي إنهاء الدّوام. مرام أبو مسلّم، 13 عامًا، طالبة الصفّ الثامن، وصفت في إفادة أدلت بها يوم 3.1.2018 ما جرى: في ذلك اليوم كان لديّ امتحان في مادّة العلوم، وقد تشوّشت أفكاري بسبب تقديم موعد الامتحان. نسيت كثيرًا من الموادّ، رغم أنّني درست جيّدًا. نحو الساعة 8:00 سمعت صوت إطلاق نار في الخارج، ممّا زادني تشويشًا. غرفة صفّنا في الطابق الثاني وتطلّ على المكان الذي فيه الجنود. كنت أسترق النظر من حين لآخر، رغم أنّ المعلّمة منعتنا من ذلك. اتّضح لاحقًا أنّ الجنود يطاردون مجموعة صغيرة من الفتيان الذين رشقوا نحوهم حجارة. بعد ذلك، سقطت بعض قنابل الغاز في ساحة المدرسة وانتشر الغاز حتّى وصل إلى صفّنا. بدأنا نشعر بالاختناق. في الساعة 8:30، قبل أن أنهي الامتحان، دخل الكثير من الغاز إلى غرفة صفّنا فأخذتنا المعلّمات إلى غرفة المكتبة في الطابق الأوّل، حيث لم يصلها الغاز لأنّها تقع في الجهة الأخرى من المدرسة. جمعت المعلّمات أكثر من خمسين طالبة هناك، وأرسلن البقيّة إلى بيوتهنّ أفواجًا أفواجًا. تملّكنا الهلع، وكثيرات منّا شعرن بالاختناق. حالتي أنا كانت سيّئة جدًّا. أحسست بحرقة شديدة في الحلق والعينين والوجه، ذرفت دموعي بكثرة، آلمني رأسي جدًّا، وتقريبًا لم أتمكّن من الرّؤية. أخذت أصرخ طلبًا للنّجدة، أحسست وكأنّني على وشك أن أموت. حاولت المعلّمات مساعدتي على التنفّس بواسطة العطور وتحريك الهواء بواسطة الكتب، لأنّه لم يكن هواء كافٍ في غرفة المكتبة، ولا كان يمكن الخروج لأنّ الغاز لا يزال يملأ الجوّ، والجيش لا يزال يطلق قنابل الغاز من حين لحين. شعرت أنّني أختنق. استدعت المعلمات سيّارة إسعاف، جاءت - بعد 20 أو 30 دقيقة - فوصلتُ بمساعدة المعلّمات إلى حيث توقّفتْ خارج المدرسة، على بُعد نحو أربعين مترًا. ناولني المسعف قطع شاش مبلّلة بالكحول لأضعها على أنفي، وانتظر عشر دقائق. كان قد قال لي: "إذا لم يتحسّن وضعك خلال عشر دقائق ننقلك إلى المستشفى". بعد عشر دقائق صرت أفضل. تحسّن التنفّس تدريجيًّا، وبدأت تخفّ الحرقة في العينين. بعد ذلك أقلّوني إلى داخل المخيّم، وتابعت طريقي إلى المنزل. كان ألم الرأس لا يزال شديدًا فاضطررت لتناوُل مسكّنات. في المدرسة، لم أحلّ جميع أسئلة الامتحان، أجبت فقط على نصفها، لأنّ المعلّمات جمعن الأوراق عندما بدأ الغاز يؤثّر علينا. رهف زيد، 15 عامًا، طالبة في الصفّ التاسع، قالت في إفادة أدلت بها يوم 18.1.2018: أحيانًا تضطرّ المديرة إلى إلغاء التعليم وإرسالنا إلى بيوتنا باكرًا، بسبب المواجهات في الخارج وإطلاق النار على يد الجيش. في فترة ما قبل الامتحانات أرسلونا مرّتين أو ثلاث مرّات قبل انتهاء الدّوام، وأحيانًا حتّى في بدايته. وأحيانًا كان يحدث العكس، كنّا نضطرّ إلى البقاء في المدرسة بعد انتهاء الدّوام، لأنّ الجنود يوقفون الحركة. في هذه الحالة يغضب الناس ويتعكّر الجوّ فيتشجّع الشبّان على بدء جولة أخرى من رشق الحجارة. عندئذٍ نحن نخاف الخروج من المدرسة، ونضطرّ إلى الانتظار حتّى تهدأ الأوضاع، أو حتّى يغادر الجيش. قد يحدث أن نصل إلى بيوتنا بتأخير ساعة أو ساعتين، وأحيانًا أكثر. يقع منزلنا في آخر المخيّم، ولذلك أصل متأخّرة أكثر من الآخرين، فأجد أهلي "مضغوطين" وقلقين في انتظار عودتي. في المقابل، تجد أبناء المستوطنين، الذين يسكنون قبالتنا تمامًا ولا يفصل بيننا سوى الشارع، يعيشون بكلّ راحة وهدوء. هم يحصلون على كلّ ما يحتاجونه لكي تكون حياتهم جيّدة ولكي يدرسوا بهدوء، ونحن لا يُسمح لنا حتّى بالتمتّع بطفولتنا. حكمت حامد، 14 عامًا، من سكّان منطقة منازل عائلة حامد، طالب في مدرسة البنين، أدلى بإفادته يوم 20.1.2018 قائلاً: مع بدء أعمال بناء الجدار عند مستوطنة "بيت إيل" بدأ إغلاق الشارع على يد الجنود ومطاردة راشقي الحجارة. يستخدم الجنود قنابل الصوت والغاز المسيل للدّموع، وأحيانًا الرّصاص "المطّاطي" والرّصاص الحيّ. كثيرًا ما سقطت قنابل الغاز قرب المدرسة، ممّا سبّب الاختناق وتعطيل الدراسة. في كلّ مرّة يعاني الطلّاب من حرقة شديدة في العينين والوجه، أوجاع في الرأس، سعال، وذرف دموع. عادةً، نحن نستخدم العطور أو البصل لمجابهة الغاز. طلّاب كثيرون يجلبون معهم العطور استعدادًا لحالات الطوارئ. أحيانًا، عندما يتواصل إطلاق قنابل الغاز، يضطرّ المعلّمون إلى وقف الدراسة وإرسالنا إلى منازلنا. لقد حدث ذلك عدّة مرّات في الأشهر الأخيرة، منذ تشرين الثاني 2017. يستمرّ تأثير الغاز أيّامًا عديدة، وحتّى بعد تهوئة الصفوف يظلّ الطلّاب يعطسون ويسعلون، بعد يوم أو يومين - خاصّة من لديهم حساسيّة. لا يفرّق الجيش وهو يطلق قنابل الغاز بين من يشاركون في المظاهرات ومن يجلسون في صفوفهم الدراسيّة. نحن لا نساوي شيئًا في نظرهم، ولا يهمّهم أنّنا أولاد أو طلّاب. أنا أخاف العودة إلى البيت، لأنّ منزلنا يقع قرب مركز الأحداث، وفي أحيان كثيرة تتوقّف سيّارات الشرطة والجيش الإسرائيلي قريبًا منه وتغلق الشارع. كثيرًا ما أنتظر في المدرسة، أو أذهب إلى أصدقائي في المخيم، لأمضي الوقت إلى أن تنتهي المواجهات أو تخفّ، أو إلى أن يغادر الجنود المكان. قد يستغرق ذلك وقتًا طويلاً، وعندها يقلق أهلي كثيرًا. أحيانًا، لدى خروجنا من المنزل في طريقنا إلى المدرسة، أنا وأولاد عمّي - هم أكبر منّي، ويسكنون في جوارنا - يستوقفنا الجنود وعناصر الشرطة بحجّة أنّ عليهم تفتيشنا، ويأخذون في استفزازنا دون سبب. وهم يكرّرون الأمر نفسه لدى عودتنا إلى البيت. لهذا يضطرّ كبار العائلة إلى مرافقتنا في خروجنا وعودتنا، لكي يضمنوا ألّا نتعرّض لمضايقات الجنود وعناصر الشرطة - لكنّ هؤلاء لا توجد في قلبهم شفقة على الصغير ولا احترام للكبير. من حقّنا أن نعيش حياة طبيعية، مثل بقيّة الأولاد في العالم. الجيش يقيّدنا ويضيّق مجالنا لكي يُفسح مجالًا لأولاد المستوطنة القريبة منّا. محمود شيخة، 49 عامًا، متزوّج وأب لسبعة أولاد، يدرس أحدهم (13 عامًا) في مدرسة البنين في المخيّم. في إفادته يوم 7.3.2018 أدلى الوالد بما يلي: أعمل بائعًا في بقالة عند مدخل المخيّم، على بُعد نحو مائتي متر من المدرسة. في السنتين الأخيرتين توجد في منطقة المدارس مشاكل كثيرة بسبب وجود الجيش وإطلاق قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع، وأيضًا الرّصاص الحيّ والرّصاص "المطّاطيّ". عندما يحدث ذلك ينتابني القلق على ابني. لست وحدي في ذلك. أنا أرى نساءً ورجالاً يمرّون قبالة بقالتي مهرولين إلى المدرسة لكي يتأكّدوا أنّ أولادهم بخير. عندما تسمع أنّ أحدهم أصيب، ينتابك الخوف على ابنك. ينشأ جوّ من الهلع، يأخذ الجميع في الاتّصال مع أبنائهم ليطمئنّوا عليهم أو مع إدارة المدرسة للاستفسار عمّا يحدث. نحن نعيش في توتّر وقلق. هذا وضع صعب ومرهق جسديًّا ونفسيًّا. يصعب عليّ أن أصف لك ذلك. إنّها أحداث تجري تقريبًا كلّ يوم. نحن نسكن في ضاحية التعليم، خارج المخيّم نوعًا ما، ولذلك عندما تقع مواجهات قرب المدارس لا يستطيع ابني الوصول إلى المدرسة أو العودة من المدرسة إلى البيت، فالجنود والمواجهات في طريق منزلنا. يضطرّ ابني للانتظار في أيّ مكان داخل المخيّم أو عندي في البقالة هنا، حتّى تهدأ الأوضاع ويغادر الجيش. عندما بنى الجيش المقطع الجديد في الجدار، قرب المستوطنة، كانت الأحداث تقع كلّ يوم تقريبًا. كثيرًا ما اختنق ابني من الغاز، وكان يعالج نفسه بالبصل أو بالعطر. حدث أن منعته مرّتين من الذهاب إلى المدرسة لأنّ الأحداث وقعت منذ الصباح الباكر. في أحيان كثيرة كان الجيش هو الذي يستفزّ التلاميذ في طريقهم إلى المدرسة أو لدى عودتهم إلى منازلهم، فيؤدّي الأمر إلى وقوع مواجهات بين الجيش والتلاميذ. فكّرت أكثر من مرّة في نقل ابني الصغير من مدرسة مخيّم الجلزّون إلى مدرسة أخرى، بسبب الخطر والتوتّر والقلق؛ غير أنّه لا توجد بدائل جيّدة. فمثلاً، لأجل الوصول إلى مدرسة في رام الله أو في قرى المنطقة، يجب عليه المرور من الطريق نفسها والمنطقة نفسها التي تقع فيها المواجهات ومعاناة المشاكل ذاتها، مضافًا فوق ذلك الأخطار في الشوارع والتكاليف الباهظة الملازمة للتعليم في رام الله والسفر إليها. لا نملك خيارًا سوى التسليم بالأمر الواقع، إلى أن يأتي الفرج من السّماء وتصبح الأوضاع أفضل.
تستعرض منظمة “بتسيلم” في التقرير السنوي تشكيلة واسعة من المسائل المتعلقة بانتهاك حقوق الإنسان في الضفة الغربية وقطاع غزة من طرف السلطات الإسرائيلية إبان عام 2011، وهو العام الـ 44 على احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة. يتضح من معطيات التقرير انه طرأ ارتفاع حادّ في عام 2011 على عدد الفلسطينيين غير الضالعين في الاقتتال والذين قتلتهم قوات الأمن الإسرائيلية في قطاع غزة. كما طرأ ارتفاع بعدد المواطنين الإسرائيليين الذين قتلهم فلسطينيون في الاراضي المحتلة وإسرائيل، مقارنة مع العام 2010.