سياسة إطلاق النار

يطلقون النار ويمنعون علاج الجرحى: إسرائيل تمنع العلاج الطبّي عن جرحى مظاهرات غزّة

الصورة
מחמוד אל-חוואג'רי בחצר ביתו. צילום: ח'אלד אל-עזאייזה, בצלם, 27.1.19

مظاهرات "مسيرات العودة" التي تجري قرب الشريط الحدودي بين قطاع غزّة وإسرائيل مطالبة بممارسة حقّ العودة ورفضًا للحصار على القطاع لا تزال مستمرّة منذ سنة تقريبًا. تفيد معطيات منظّمة الصحّة العالميّة أنّه حتى نهاية شهر كانون الثاني 2019 أصيب في هذه المظاهرات 27,942 شخصًا وتمّ نقل 14,768 للعلاج في مستشفيات القطاع. أكثر من 6,300 من هؤلاء الجرحى أصيبوا بالرّصاص الحيّ. وتفيد معطيات بتسيلم أنّ عدد الذين قُتلوا في هذه المظاهرات حتى نهاية شهر شباط 2019 قد بلغ 200 شخصًا من بينهم 39 قاصرًا وامرأتين. معظم القتلى والجرحى لم يشكّلوا خطرًا على عناصر قوّات الأمن المنتشرين أصلًا في الجانب الآخر من الشريط الحدودي.

من الصّعب حتى على جهاز صحّة في وضع عاديّ أن يتمكّن من تقديم العلاج لهذا العدد الهائل من الجرحى فكم بالحريّ حين يكون هذا الجهاز على شفا انهيار مثلما في قطاع غزّة. يستمرّ الحصار الإسرائيليّ لقطاع غزّة منذ أكثر من عشر سنوات حيث تقيّد إسرائيل دخول الأدوية والأجهزة الطبيّة المتقدّمة وقطع الغيار للأجهزة المعطّلة كما تقيّد خروج الأطبّاء للمشاركة في دورات التأهيل والاستكمالات. أدّى تقييد إدخال الأدوية إلى نقص كبير في مخزون الأدوية والأدوات الضروريّة. علاوة على ذلك هناك نقص في تزويد الكهرباء للقطاع معظمه بسبب سياسة إسرائيل وانقطاع الكهرباء بشكل متكرّر يُلحق الضرر بالأجهزة الطبّية بحيث تضطرّ المستشفيات هناك إلى العمل جزئيًّا فقط ممّا يجبرها على تأجيل العمليّات الجراحيّة غير العاجلة وتقليص فترة علاج المرضى بإخراجهم إلى منازلهم قبل الأوان.

نظرًا لتدهور جهاز الصحّة في القطاع من الواضح أنّه يعجز عن توفير العلاج الطبّي الضروريّ لجرحى مسيرات العودة وعليه لا بدّ لهؤلاء من الحصول على هذه الخدمات الطبّية خارج القطاع. لكنّ إسرائيل أعلنت بعد وقت قصير من اندلاع مظاهرات العودة أنّها لن تمكّن الجرحى - جميعهم - من مغادرة القطاع لأجل تلقّي العلاج الطبّي في الضفّة الغربيّة (وبضمنها شرقيّ القدس) أو في إسرائيل أو الأردن. في نيسان 2018 تقدّم كلّ من "عدالة" و-"الميزان" بالتماس إلى محكمة العدل العليا باسم جريحين يواجهان خطر بتر الأطراف بسبب انعدام إمكانيّة العلاج في قطاع غزّة. في ردّها المقدّم للمحكمة أبلغت الدولة أنّ طلبات التصاريح رُفضت "على خلفيّة سياسة وزير الأمن في هذا الشأن، بأنّ من جُرحوا أثناء مشاركتهم في أعمال شغب عنيفة نظّمتها حماس لن يمكنهم دخول إسرائيل ما لم يوجد وضع طبّي عينيّ يبرّر الخروج عن هذه القاعدة وفي غياب خطر محقّق على حياة أيّ من مقدّمي الالتماس". كذلك ادّعت الدولة أنّها "حذّرت سكّان القطاع من المشاركة" في المظاهرات وكأنّما تحذيرها هذا يبرّر لها أن تمنع عنهم العلاج الطبّي اللّازم.

رغم الوضع الصحّي الحرج للجريحين المذكورين وبالتالي حاجتهما الملحّة إلى علاج عاجل رفضت محكمة العدل العليا الإيعاز بعقد جلسة عاجلة ممّا أجبر الأطبّاء في القطاع على بتر إحدى الرّجلين لكلّ من الجريحين. فقط بعد مضيّ أكثر من أسبوع على تقديم الالتماس قرّر القضاة تمكين أحدهما (يوسف الكرنز، 19 عامًا) من الخروج من قطاع غزة لتلقّي العلاج في مستشفيات رام الله لأجل إنقاذ الرّجل الثانية. ومع ذلك، أكّد القضاة أن قرارهم هذا لا يُستدلّ منه على الحالات الأخرى وأنّهم لا يتّخذون موقفًا مبدئيًّا من سياسة الدّولة في شأن عبور المتظاهرين الجرحى. بذلك أتاحت محكمة العدل العليا للدولة مواصلة تطبيق سياسة منع العلاج الطبّي عن معظم الجرحى.

تفيد معطيات منظّمة الصحّة العالميّة أنّه منذ بدء مظاهرات العودة وحتّى نهاية شهر كانون الثاني 2019 قدّم 493 من جرحى المظاهرات طلبات تصريح دخول عبر حاجز إيرز لأجل تلقّي العلاج في الضفة الغربية (وبضمنها شرقيّ القدس) أو في إسرائيل؛ وأنّه لم تتمّ الموافقة سوى على 85 طلبًا منها (17%) فيما رُفض 408 طلبات (83%) رفضًا مباشرًا أو بالامتناع عن الردّ عليها. بالنظر إلى كثرة أعداد الجرحى وإلى وضع جهاز الصحّة في قطاع غزّة من المرجّح أن عدد الطلبات الوارد أعلاه لا يعبّر عن كامل الاحتياجات، بل يعبّر عن امتناع الجرحى عن تقديم طلبات تصاريح نتيجة لإدراكهم أنّ احتمالات الموافقة على طلباتهم ضئيلة للغاية.

نسبة طلبات جرحى المظاهرات التي تمّت الموافقة عليها أقلّ بكثير من نسبة ما توافق عليه إسرائيل من مجمل طلبات تصريح الدخول عبر حاجز إيرز التي يقدّمها سكّان قطاع غزّة لأجل تلقّي العلاج خارجه. وفقًا لمعطيات منظّمة الصحّة العالميّة: خلال عام 2018 تقدّم سكّان القطاع بـ25,808 طلبات تصريح دخول لأجل تلقّي العلاج الطبّي في الضفة الغربية (وبضمنها شرقيّ القدس) وفي إسرائيل. رُفض ما يقارب 40% من هذه الطلبات - سواء بالرّفض المباشر أو بعدم الردّ قبل الموعد المقرّر للعلاج. 60% من الطلبات التي تم رفضها تتعلّق بالعلاج في مستشفيات شرقيّ القدس و23% للعلاج في مستشفيات أخرى في الضفّة الغربية و-17% في مستشفيات داخل إسرائيل.

 

  عدد الطلبات المقدّمة طلبات رُفضت مباشرة طلبات رُفضت بعدم الردّ عليها مجموع الطلبات المرفوضة 
المجموع 25,808 1,962 8,014 9,976
شرقيّ القدس 15,285 1,258 4,688 5,946
الضفة الغربيّة 4,773 523 1,812 2,335
إسرائيل 5,750 181 1,514 1,695

 

بعض الأشخاص الذين رفضت إسرائيل طلباتهم أو لم تردّ عليها بتاتًا يحاولون عوضًا عن ذلك الخروج عبر معبر رفح لأجل تلقّي العلاج في الأردن أو في مصر. لكنّ هذا الحلّ يناسب فقط جزءًا من المحتاجين للعلاج فليس الجميع يمكنهم الحصول على العلاج اللّازم في هاتين الدّولتين وبعضهم حتى لا يتحمّل متاعب السّفر الطويل ناهيك عن مخاطر المرور عبر سيناء. منذ شهر أيّار 2018 انتظم العمل في معبر رفح بحيث يفتح خمسة أيّام أسبوعيًّا، لكنّ مصر تقيّد عدد العابرين منه. في الفترة ما بين شهر أيّار وشهر كانون الأوّل 2018 لم يتجاوز عدد العابرين من معبر رفح 1,510 مريضًا، بمتوسّط 189 شهريًّا.

الطرف المسؤول عن نشوء هذا الواقع بكلّ مركّباته هو إسرائيل: هي التي وضعت سياسة إطلاق النار التي تسمح باستخدام الرّصاص الحيّ ضدّ متظاهرين لا يشكّلون خطرًا على أحد وتسبّبت بوقوع آلاف الجرحى - وترفض تغيير هذه السياسة الآن أيضًا، بعد مرور سنة واتّضاح النتائج الوخيمة للجميع منذ زمن طويل. وهي من فرض الحصار على القطاع قبل عشر سنوات وتسبّبت بانهيار جهاز الصحّة هناك والآن هي من يرفض تمكين الجرحى من عبور مسافة بضعة عشرات من الكيلومترات داخل أراضيها لكي يحصلوا على العلاج الطبّي اللّازم لهم. بالنظر إلى ذلك يقع واجب تغيير هذا الواقع على إسرائيل سواء لجهة منع إطلاق الرّصاص الحيّ على من لا يشكّل خطرًا لأحد ورفع الحصار وإتاحة العلاج الطبّي الملائم لكلّ من يحتاجه.

أدناه إفادات جمعها باحثو بتسيلم الميدانيّون من جرحى قدّموا طلبات تصريح للدّخول عبر حاجز إيرز لأجل تلقّي العلاج الطبّي ورفضت إسرائيل طلباتهم:

الجريح حسن العيسوي (41 عامًا) متزوّج وأب لأربعة أولاد وهو من سكّان خان يونس

العيسوي مُسعف متطوّع في المظاهرات ضمن طواقم الهلال الأحمر وقد أصيب بالرّصاص الحيّ في رجله خلال مظاهرة جرت في 19.10.18 شرقيّ خان يونس. حطّمت الرّصاصة عظم رجله وخضع لعدد من العمليّات الجراحيّة في مستشفيات القطاع، لكنّه يحتاج عمليّات إضافيّة لا يمكن إجراؤها هناك فحوّله الأطبّاء إلى مستشفى المقاصد في شرقيّ القدس. تمّ تعيين دور له في المقاصد وقدّم ثلاث مرّات طلبات لتصريح خروج إلى هناك، لكنّ إسرائيل رفضتها في كلّ مرّة. الآن يخشى الأطبّاء أن ذلك سوف يضطرّهم إلى بتر رجله لأنّه لا علاج لها في القطاع. قبل إصابته، كان العيسوي يعمل مدير مشاريع في جمعيّات خاصّة لكنّه اليوم عاطل عن العمل لأنّه لا يستطيع التنقّل.

الصورة
حسن العيسوي في منزله. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 20.2.19

في إفادة أدلى بها العيسوي يوم 19.2.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، قال:

منذ ابتدأت المظاهرات شرقيّ خان يونس تطوّعت مع الهلال الأحمر لتقديم الإسعاف الأوّلي. في يوم الجمعة 19.10.18 وصلت كعادتي إلى المظاهرة شرقيّ خان يونس مع غيري من المسعفين المتطوّعين. ارتديت زيّ المسعفين المتطوّعين وعلّقت بطاقة تعريف من وزارة الصحّة.

خلال المظاهرة وعندما كنت بعيدًا عن الحدود أصبت في رجلي اليمنى بالرّصاص الحيّ وتمّ نقلي إلى المستشفى الأوروبي حيث رقدت هناك للعلاج مدّة ثلاثة أيّام. لقد تحطّم عظم رجلي وقُطع العصب الرئيسي والوتر الرئيسي. قام الأطبّاء بزرع بلاتين داخل رجلي. بعد ذلك تمّ تحويلي إلى مستشفى ناصر حيث رقدت للعلاج طيلة 25 يومًا ومن هناك حوّلوني إلى مستشفيات أخرى مثل دار السلام والمستشفى الحكومي في خان يونس خضعت فيها لثلاث عمليّات جراحيّة.

أثناء مكوثي في المستشفى حوّلني الأطبّاء لاستكمال العلاج في مستشفى المقاصد في شرقيّ القدس لأنّني أحتاج عمليّة جراحيّة معقّدة لا يمكن إجراءها في مستشفيات قطاع غزّة. عبّأت نموذج وزارة الصحّة الفلسطينيّة ثمّ تمّ تعيين دور لي في مستشفى المقاصد بتاريخ 12.11.18. قبل الموعد بيوم واحد تلقّيت عبر الهاتف رسالة نصّيّة تفيد بأنّ طلبي لا يزال قيد الفحص وهكذا خسرت دوري فاضطررت إلى إعادات الإجراءات وتمّ في مستشفى المقاصد تعيين دور جديد في 10.12.18 فقدّمت مرّة ثانية طلب تصريح خروج لكن في هذه المرّة تلقّيت ردًّا بالرفض. في المرّة الثالثة تمّ تعيين دور لي في 7.1.19 وأيضًا في هذه المرّة رفضوا طلبي لتصريح خروج. الآن هناك دور للعلاج في 5.3.19 وقدّمت طلبًا رابعًا لتصريح وما زلت أنتظر الردّ عليه.

في موازاة ذلك قدّمت طلبًا للعلاج في مصر احتياطًا، في حال لم أتمكّن من تلقّي العلاج في شرقيّ القدس - لأنّ وضع رجلي سيّء جدًّا. أعاني من مضاعفات أدّت إلى التهابات في العظم، وهذا وضع خطير يستدعي علاجًا ملائمًا وإلّا فسوف يقطعون رجلي. حاليًّا أتلقّى العلاج الطبيعي في عيادة جمعيّة "أطبّاء بلا حدود" مرّة كلّ يومين والجمعيّة تتكفّل بنقلي إلى هناك. لديّ سيّارة لكنّني لا أستطيع القيادة في ظرفي الحاليّ. أستخدم في المشي عكّازات طبّية ولكنّني لا أخرج من المنزل سوى لأجل العلاجات.

لقد توقّفت حياتي منذ أن أصبت. قبل الإصابة كنت أتدرّب على رفع الأثقال في نادٍ رياضيّ. وقد اضطررت إلى مفارقة زوجتي وأولادي لأنّ منزلنا يقع في الطابق الرّابع وأسكن حاليًّا في منزل والدتي في الطابق الأوّل لكي يسهل عليّ الذّهاب إلى المستشفى وبقيّة العلاجات. أحيانًا أتواجد في منزلي مرّة في الأسبوع وأقضي الوقت مع زوجتي وأولادي. أعيش في توتّر دائم وهذا الوضع يؤثر على علاقتي مع زوجتي والأولاد. علاوة على ذلك أنا عاطل عن العمل منذ الإصابة. كنت أعمل مدير مشاريع في جمعيّات خاصّة لكنّي مسيرتي المهنيّة توقّفت. الآن أقضي معظم وقتي في مواقع التواصل الاجتماعي والعلاجات.

أعاني من آلام شديدة في رجلي لكنّني أرفض تناول مسكّنات قويّة لأنّ أعراضها الجانبيّة تضرّ الكبد والكلى كما أنّها تسبّب الإدمان ولذلك أفضّل تحمّل الألم. أرغب كثيرًا في تلقّي العلاج اللّازم لي ولكنّي محبط جدًّا من ردود الرّفض التي تصلني. لقد سُدّت سبُل العلاج في قطاع غزّة لأنّ العلاج الذي أحتاجه موجود فقط خارج القطاع.

* مستجدّات: في هذه الأثناء رُفض أيضًا الطلب الرّابع الذي قدّمه العيسوي للحصول على تصريح للدخول عبر حاجز إيرز لأجل تلقّي العلاج.

الجريح محمد صالح (12 عامًا) من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين

أصيب محمد صالح بالرّصاص الحيّ في رجله يوم 5.10.18 خلال مظاهرة جرت شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين. نُقل إلى المستشفى الإندونيسي حيث خضع لعمليّة جراحيّة ورقد للعلاج حتى 18.10.18. خلال مكوثه في المستشفى وأيضًا بعد خروجه قدّم والداه ثلاث طلبات تصريح دخول عبر حاجز إيرز لأجل إجراء عمليّة جراحيّة في رجله في مستشفى المقاصد في شرقيّ القدس. رُفض اثنان من هذه الطلبات وجاء الردّ على الطلب الثالث بأنّ عليهم تغيير المرافق أي والدة محمّد. حاليًّا، تنتظر الأسرة تعيين موعد جديد في مستشفى المقاصد لكي يتمكّنوا من تقديم طلب تصريح جديد لأجل معالجة صالح الذي لا يستطيع المشي الآن سوى بمساعدة عكّازين.

الصورة
محمد صالح في منزله. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 21.2.19

في إفادة أدلى بها محمد في 21.2.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة، ألفت الكرد، حدّث عن إصابته وعن حياته بعد الإصابة:

في يوم الجمعة الموافق 5.10.18 شاركت في مظاهرة جرت شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين. أثناء المظاهرة اقتربت كثيرًا من الشريط الحدوديّ وعندها أصبت في رجلي اليمنى بالرّصاص الحيّ. في البداية لم أشعر بالإصابة، ولكن عندما نظرت إلى رجلي ورأيتها تنزف كثيرًا وقعت على الأرض. أخلاني المسعفون إلى سيّارة إسعاف أقلّتني إلى المستشفى الإندونيسي. استمرّ النزيف أثناء نقلي في سيّارة الإسعاف وكنت أشعر كأنّ تيّارًا كهربائيًّا يسري في رجلي. أدخلوني فورًا إلى غرفة العمليّات، ثمّ أدخلوني إلى قسم العناية المكثّفة لمدّة عدّة أيّام، وبعد ذلك رقدت في المستشفى حتى تاريخ 18.10.18. لقد خضعت لعمليّتين جراحيّتين. بعد خروجي من المستشفى كنت أعود إلى هناك مرّة كلّ بضعة أيّام بسبب ارتفاع الحرارة. بعد مضيّ شهر تقريبًا بدأت العلاج الطبيعي في عيادة "أطبّاء بلا حدود".

قبل إصابتي كنت أحبّ لعب كرة القدم وركوب الدرّاجة، لكنّي لا أستطيع اليوم ممارسة ذلك. عندما أرى أصحابي يلعبون كرة القدم أحسّ بحسرة في القلب وأشفق على نفسي. تنتابني الرّغبة في البكاء ولكنّي أتمالك نفسي وأحبس دموعي. أقضي معظم وقتي في المنزل على السّرير. لا أستطيع المشي سوى بمساعدة عكّازين.

أنا تلميذ في الصفّ السّابع، وقد تغيّبت كثيرًا خلال الفصل الأوّل. لقد سمح لي المدير بالقدوم إلى المدرسة مرّتين فقط في الأسبوع لأنّه يصعب عليّ الذهاب كلّ يوم. أذهب إلى المدرسة محمولًا على كتف شقيقي جهاد (30 عامًا) ويمشي بي مسافة كيلومتر واحد لأنّنا لا نملك سيّارة ولا نقودًا ندفعها للسّفر في سيّارة أجرة. قال لي المدير أنّه سوف ينقل صفّنا من الطابق الثالث إلى الطابق الثاني لكي يسهل عليّ الوصول إليه. أصدقائي يساعدونني في الدروس وفي حمل الحقيبة. كانت علاماتي ممتازة قبل الإصابة لكنّها الآن هبطت وأصبحت متوسّطة بسبب كثرة غيابي عن المدرسة. منذ إصابتي أصبحت حزينًا أبكي كثيرًا وأحيانًا أصرخ. أصبحت عصبيّ المزاج وفقدت الشهيّة. أخرج أحيانًا مع والدتي لزيارة الأقارب لكنّني لا أجد متعة في ذلك؛ أنا أريد أن ألعب مع أبناء جيلي وأن أركض مع بقيّة الأولاد وألعب كرة القدم. أتمنّى أن تُجرى لي العمليّات اللّازمة لكي أتمكّن من المشي على رجليّ من جديد وبدون أوجاع.

والدة محمد - نهى صالح (45 عامًا) وهي متزوّجة وأمّ لسبعة أولاد أدلت بإفادتها في 21.2.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، فوصفت كيف تجابه الوضع هي وابنها بعد الإصابة:

بعد ان أصيب محمد وخضع لعمليّتين جراحيّتين قال لنا الأطبّاء أنّه يجب إجراء عمليّة أخرى في رجله ولكن لا يمكن إجراؤها في مستشفيات القطاع لأنّها صعبة وحسّاسة؛ وقالوا أنّ احتمالات نجاح مثل هذه العمليّة متدنّية جدًّا.

حصلنا من وزارة الصحّة على تحويل لمستشفى المقاصد في شرقيّ القدس وعيّن له المستشفى موعدًا في 12.11.18. قبل الموعد بيوم واحد وصلتني رسالة على هاتفي تقول أنّ طلب محمد قد رُفض. عيّنّا موعدًا جديدًا ليوم 18.12.18 وفي هذه المرّة أيضًا رُفض الطلب. تمّ تعيين دور ثالث في تاريخ 18.2.19 ولكن في هذه المرّة وصلتنا رسالة عبر الهاتف وقبل الموعد بيوم واحد تقول أنّ طلب تصريحي للدخول كمرافقة لمحمد لا يزال قيد الفحص ولذلك على محمّد أن يقدّم طلب تصريح جديد. ها نحن الآن ننتظر أن يعيّن له المستشفى موعدًا جديدًا لكي نتمكّن من تقديم طلبات تصاريح جديدة. محمّد يعاني كثيرًا منذ إصابته. كلانا يعيش في توتّر نفسيّ دائم. محمد يقضي اللّيل مستيقظًا ويصرخ من الأوجاع وأنا أيضًا لا أنام لأنّي أظلّ إلى جانبه طوال الليل. فقد محمد الإحساس في رجله لفترة معيّنة، حتّى أنّها احترقت حين لامس المدفئة دون أن يشعر بذلك. لولا أن انتبه شقيقه إياد وصرخ قائلًا له "رجلك تحترق!" لربّما احترقت رجله تمامًا. أخذناه إلى مستشفى الشفاء وظلّ يروح ويجيء طيلة 40 يومًا لأجل تغيير اللّفافات على الحرق - هذا إضافة إلى معاناة الإصابة.

لجريح محمود الحواجري (19 عامًا) من سكّان مخيّم النصيرات للّاجئين

الصورة
محمود الحواجري في منزله. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 27.1.19

أصيب الحواجري بالرّصاص الحيّ في كلتي رجليه خلال مظاهرة جرت شرقيّ مخيّم البريج للّاجئين في 31.3.18، أوّل أيّام "مسيرات العودة". خضع للعلاج في قسم العناية المكثّفة في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح ومن هناك تمّ تحويله بعد ثلاثة أيّام إلى مستشفى الشفاء في غزة حيث خضع لعمليّة زرع بلاتين في رجله. منذ ذلك الحين قدّم الحواجري ثلاث طلبات تصريح دخول عبر حاجز إيرز لأجل إجراء عمليّة جراحيّة في مستشفى المقاصد في شرقيّ القدس ورُفضت جميعًا. في هذه الأثناء تدهور وضع رجله فاضطرّ الأطبّاء إلى بترها في شهر نيسان. قدّم الحواجري طلب تصريح جديد لأجل تركيب رجل اصطناعيّة في مستشفى المقاصد، ولكنّه رُفض أيضًا.

في إفادة أدلى بها محمود لحواجري في 27.1.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ، خالد العزايزة، حدّث عن إصابته وعن حياته في أعقابها:

في أوّل أيّام مسيرات العودة شاركت في نشاط أقيم شرقيّ مخيّم البريج للّاجئين بعد صلاة الظهر. عندما وصلت إلى هناك شاهدت آلاف الأشخاص في منطقة الحدود.

نحو الساعة 17:00 كنت على بُعد خمسين مترًا تقريبًا من الحدود، وبالضبط حين هممت بالابتعاد من هناك أطلق عليّ قنّاص النيران فدخلت الرّصاصة في ساقي اليمنى وخرجت ودخلت في ساقي اليسرى. وقعت على الأرض وأغمي عليّ لشدّة الألم. استيقظت في قسم العناية المكثّفة في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، وبعد ثلاث أيّام نقلوني إلى مستشفى الشفاء في غزة.

أراد الأطبّاء في مستشفى الشفاء قطع رجلي اليمنى لكنّني رفضت فأجريت لي عمليّة زرع بلاتين في الرّجل. بقيت في قسم العناية المكثّفة طيلة سبعة أيّام وبعد ذلك نقلوني إلى قسم الجراحة حيث رقدت طيلة شهر. خلال ذلك الشهر قدّمت عدّة طلبات لتصريح دخول لأجل استكمال معالجة رجلي في مستشفى المقاصد في شرقيّ القدس، لأنّ العلاج المطلوب لا يتوفّر في قطاع غزّة، ولكنّ إسرائيل رفضت جميع الطلبات التي قدّمتها. عانيت آلامًا شديدة وكانت تزداد مع الوقت، ثمّ أخذت تظهر بقع "غنغرينا" سوداء في رجلي اليمنى.

كان خطر قطع رجلي اليمنى يزداد مع مرور كلّ يوم لأنّ الأوردة كانت مقطّعة. بعد رفض طلبي الأخير في شهر نيسان قرّر الأطبّاء في مستشفى الشفاء قطع رجلي لأنّهم خافوا من انتشار "الغنغرينا" في بقيّة أعضاء جسمي ممّا قد يتسبّب في موتي.

 

الصورة
محمود الحواجري في ساحة منزله. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 27.1.19
عندما صحوت من العمليّة بدون رجلي أصبت بصدمة شديدة. كيف أصبحت بدون رجل وكيف ساعيش وأتدبّر أموري بعد الآن؟ أنا غير قادر على العيش بصورة طبيعية منذ أن قطعت رجلي. لا أستطيع المشي بدون عكّازين ولا أستطيع لعب كرة القدم أو ركوب الدرّاجة. هوايتي الوحيدة اليوم تربية الحيوانات: الكلاب والطيور والنحل. أشغل نفسي بقضاء معظم وقتي في السّاحة مع الحيوانات.

أنا أفضّل الانعزال داخل المنزل. أحاول نسيان إصابتي ولكنّني لا أنجح في ذلك حقًّا. آمل أن أستطيع الدّخول إلى المستشفى في القدس لأجل تركيب رجل اصطناعيّة تمكّنني من المشي ولو جزئيًّا. الموعد الأخير الذي عيّنوه لي في المقاصد لأجل تركيب الرّجل الاصطناعيّة كان في 7.6.18، ولكن إسرائيل رفضت طلب تصريح الدّخول الذي قدّمته. حاليًّا أمشي عرجًا برجل واحدة وأتّكئ على عكّاز وهذا يسبّب لي آلامًا كثيرة في رجلي اليسرى لأنّها تحمل كلّ ثقل جسمي. في البرد تشتدّ أوجاعي بشكل خاصّ وعندها يتعكّر مزاجي فأصبح شديد العصبيّة ولا صبر لي على أحد من أبناء عائلتي.

الجريح محمد مسعود (18 عامًا) من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين

أصيب محمد في صدره بتاريخ 13.4.18 خلال إحدى مظاهرات مسيرة العودة شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين وتلقّى العلاج في مستشفى الشفاء حيث وجد الأطبّاء أنّه مصاب بنزيف صدريّ داخلي نتيجة دخول الرّصاصة إلى صدره وخروجها مخترقة الرّئتين. خضع محمد لعمليّة جراحيّة واحتاج استكمال العلاج في شرقيّ القدس غير أنّه لم يتلقّ ردًّا على طلبي تصريح دخول قدّمهما ورُفض طلبه الثالث.

الصورة
محمد مسعود في منزله. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 21.2.19

في إفادة أدلى بها في 18.2.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة، ألفت الكرد، قال:

عندما أصبت أقلّني المسعفون في سيّارة إسعاف إلى المستشفى الإندونيسي قرب مخيّم جباليا للّاجئين وفي الطريق كانوا يقدّمون لي الإسعافات الأوّليّة. عندما وصلت إلى المستشفى فقدت وعيي. بسبب خطورة إصابتي حوّلوني إلى مستشفى الشفاء في غزّة حيث رقدت في غيبوبة طيلة أسبوع في قسم العناية المكثّفة. خضعت لعمليّة جراحيّة لإزالة الدم المتجمّع في منطقة الصدر ولكن بقيت شظايا الرّصاصة داخل رئتيّ. قال الأطباء أنّ إزالتها صعبة بسبب خطورة موقعها. منذ ذلك الحين أحسّ كأنّ شيئًا يتحرّك داخل قفصي الصدري.

نتجت عن هذا الوضع مضاعفات وصرت أعاني اختناقات شديدة في الصدر. منذئذٍ لا أقدر على بذل أيّ مجهود ويصعب عليّ المشي أكثر من بضعة أمتار، كما أنّني لا أستطيع حمل أيّ شيء بيدي اليسرى. عندما يصيبني الاختناق أستخدم البخّاخ. أصعب الأمور عليّ صعود الدّرج خاصّة وأنّنا نسكن في الطابق الثاني. أثناء الاستحمام أختنق عندما تنزل المياه على رأسي. أنا تلميذ في الصفّ الثاني عشر ومنذ الإصابة تقريبًا لم أذهب إلى المدرسة. فعلت ذلك طيلة نحو شهر ولكنّني توقّفت عن ذلك لأنّ المدرسة بعيدة عن منزلنا وكان يصعب عليّ المشي إلى هناك مع الأوجاع الشديدة التي أعانيها.

قال لي الأطبّاء أنّ عليّ تقبّل وضعي الصحّي والتأقلم معه. حاولت ذلك لفترة طويلة ولكنّ هذا الوضع لا يمكن تحمّله. قدّمت طلب تصريح دخول للعلاج في شرقيّ القدس وسجلنا والدي كمرافق وتمّ تعيين دور لي في 10.11.18. قبل الموعد بيوم واحد تلقّت والدتي رسالة على هاتفها تفيد أنّ طلبي لا يزال قيد الفحص. طلبت تحويلًا جديدًا للمستشفى وتمّ تعيين دور آخر في 10.12.18، ولكن وصل الردّ نفسه إلى هاتف والدتي. طلبت تحويلًا ثالثًا وعيّنوا لي دورًا في 21.1.19. في هذه المرّة تلقّت والدتي ردًّا يقول أنّ طلب التصريح لوالدي قد رُفض. يجب إزالة الشظايا من رئتيّ لأنّ وجودها يسبّب لي أوجاعًا دائمة واختناقات متكرّرة. أنا أتناول مسكّنات الأوجاع طوال اليوم، ولكن حتّى هذه لم تعد تؤثّر. أحيانًا أبكي وأحيانًا أصرخ من شدّة الألم. أحسّ طعنات حادّة جدًّا في الصدر تصيبني على نوبات، وأحيانًا يتسارع النبض عندي.

الأطبّاء هنا يقولون أنّه لا يمكن معالجة حالتي في قطاع غزّة وأنّ عليّ التأقلم مع الوضع ولكنّني سأواصل محاولة الوصول لتلقّي العلاج في المستشفى في شرقيّ القدس وإذا لم أحصل على تصريح فسوف أطلب تحويلي للعلاج في مصر. عليّ أن أجد حلًّا لمعاناتي. كلّ ما أريده إجراء العمليّة لكي أتمكّن من العودة إلى المدرسة وممارسة حياتي بشكل طبيعيّ والتخلّص من الأوجاع. حالتي النفسيّة صعبة جدًّا وقد أصبحت عصبيّ المزاج كثير الصّراخ والبكاء، كما انّني فقدت شهيّتي ونحل جسدي كثيرًا.

مواد مقترحة

מוסטפא ד'אהר בבית החולים עם בן דודו מוחמד. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 6.5.18

سياسة إطلاق النار

هكذا يفعلون بالفتى إذا احتجّ على سَجنه في غزّة

منذ 30.3.2018 جرت قرب الشريط الحدودي في قطاع غزة سلسلة من المظاهرات تراوحت اعداد المشاركين فيها بين المئات وعشرات الآلاف. قُتل حتى الآن خلال هذه المظاهرات عشرات الأشخاص بنيران قوّات الأمن بينهم 12 قاصرًا على الأقلّ وجُرح أكثر من 3,600 جرّاء إطلاق الرّصاص الحيّ. تفيد معطيات نشرتها منظّمة الصحة العالميّة أنّه حتّى يوم 22.5.2018 أجرى الأطبّاء في قطاع غزة 32 عمليّة بتر أعضاء من بينها 27 عمليّة بتر أطراف سفليّة. تُظهر الإفادات التي جمعتها بتسيلم من فلسطينيين جُرحوا خلال المظاهرات أنّ النيران أطلقت عليهم في حين لم يشكّلوا خطرًا على حياة أحد بل إنّ بعضهم أصيب حين كان على بُعد مئات الأمتار من الشريط. في بعض الحالات على الأقلّ - لئلّا نقُل في جميعها - أطلقت قوّات الأمن النيران أيضًا على من حاولوا الاقتراب من الجرحى لتقديم الإسعاف لهم. هذه الأعداد الهائلة من الجرحى في المظاهرات لا سابق لها وهي ناجمة عن تعليمات إطلاق النار المخالفة بوضوح للقانون التي صدرت لقوّات الأمن. سمحت هذه التعليمات بإطلاق النار على متظاهرين عُزّل لا يشكّلون خطرًا على أحد ويتواجدون داخل قطاع غزّة في الجانب الآخر من الشريط الحدوديّ. رغم هذه النتائج الوخيمة والتي كانت متوقّعة من تطبيق تلك التعليمات - رفضت جميع الجهات الرسميّة تغيير التعليمات وواصلت ادّعاءها بأنّها تنسجم والقانون بل دافعت عنها أمام محكمة العدل العليا، التي صادقت على هذا الواقع بختمها. ليست الجراح البليغة سوى بداية القصّة. من الصّعب جدًّا حتّى لمنظومة صحّية معافاة وتعمل كما ينبغي أن تجابه هذا العدد الهائل من الجرحى فكم بالحريّ منظومة الصحّة في قطاع غزة الذي كان على شفا انهيار حتّى قبل بدء المظاهرات. نتيجة لهذا الظرف المتشابك وجد كثير من الجرحى أنفسهم دون إمكانيّة لتلقّي العلاج اللّازم لهم. وفقًا لمعطيات نشرتها منظّمة الصحّة العالميّة فإنه حتى 22.5.2018 كانت هناك حاجة عاجلة لـ257 نوعًا من الأدوية و-247 نوعًا من التجهيزات الطبّية المستخدمة لمرّة واحدة إثر نفاد المخزون. أبلغ الأطبّاء في قطاع غزّة منظمة "أطبّاء لحقوق الإنسان" أنّهم يستخدمون مرّات ومرّات التجهيزات الطبّية التي يُفترض أن تُستخدم لمرّة واحدة وأنّ هناك نقص في موادّ التعقيم والتخدير. انهيار النظام الصحّي في القطاع ناجم بالأساس عن سياسة الحصار الإسرائيلية حيث تفرض إسرائيل من خلالها قيودًا على استبدال الأجهزة المعطّلة وإدخال الأجهزة متطوّرة والأدوية وقيودًا على خروج الأطبّاء للمشاركة في استكمالات مهنيّة خارج القطاع. إضافة إلى ذلك يتعطّل عمل المستشفيات في قطاع غزة جرّاء انقطاع الكهرباء المتواصل - والذي تتحمّل إسرائيل قسطًا كبيرًا من المسؤولية عنه. تسبّبت إسرائيل بسياستها المخالفة للقانون بجرح هؤلاء الأشخاص وتسبّبت جرّاء سياسة الحصار بحرمانهم من تلقّي العلاج الطبّي اللّازم لهم وعلاوة على ذلك ترفض إسرائيل مبدئيًّا السّماح لهم بالسّفر بضع عشرات من الكيلومترات داخل حدودها وصولًا إلى أيّ مستشفًى في الضفّة يستطيع فيه - على الأقلّ جزء منهم - تلقّي العلاج اللّازم لهم. منذ بدأت المظاهرات سجّل الباحثون الميدانيّون لبتسيلم عشرات الإفادات من جرحى وشهود عيان على إطلاق النيران بينهم فتية أصيبوا بنيران قوّات الأمن حين كانوا في مواقع مختلفة تفاوتت المسافة بينها وبين الشريط الحدوديّ. وصف الفتية في إفاداتهم صعوبة تلقّي العلاج الطبّي الضروريّ لهم بشكل ملحّ وعمليّة التأهيل الطويلة والمُكلفة التي يُفترض أن يجتازوها. أدناه قصّة ثلاثة منهم: محمد العجوري (16 عامًا) أصيب شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين 30.3.2018: محمد العجوري طالب في الصفّ الحادي عشر يبلغ من العمر 16 عامًا وهو من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين وعضو في الاتّحاد الرياضي الفلسطيني. في يوم الجمعة الموافق 30.3.2018 نحو الساعة 11:00 وصل العجوري برفقة بعض أصدقائه إلى المظاهرة التي جرت قرب الشريط الحدودي شرقيّ مخيّم جباليا. اقترب العجوري وأصدقاؤه من الشريط بحيث فصلت بينهم وبينه بضع عشرات من المترات وكان غرضهم توزيع البصل على المتظاهرين لتخفيف آثار الغاز المسيل للدّموع على المصابين. تراجع العجوري إلى الوراء عندما أطلقت قوّات الأمن كميّة كبيرة من قنابل الغاز نحو المنطقة التي كان فيها. عندما أصبح على بُعد نحو 300 متر من الشريط الحدوديّ أطلقت قوّات الأمن عيارًا ناريًّا على ساقه اليمنى. في إفادة أدلى بها يوم 17.4.2018 أمام الباحثة الميدانية لبتسيلم ألفت الكرد، وصف العجوري ملابسات إصابته: اقتربت حتّى مسافة 50 مترًا تقريبًا من الشريط لكي أوزّع البصل على المتظاهرين. رأيت عدّة جرحى بينهم شخص بالغ أصيب في ساقه اليسرى. كانت عظمة ساقه مكشوفة والدم ينزف بغزارة. معظم الإصابات التي رأيتها كانت في الساقين. كان الجنود يطلقون قنابل الغاز بكثافة وتقريبًا اختنقت فاستدرت وأخذت في الابتعاد من هناك. عندما أصبحت على مسافة نحو 300 متر من الشريط أطلقوا عليّ النار من خلف وأصبت في ساقي اليمنى. لم أقع على الأرض وواصلت الوقوف في المكان وساقي تنزف. جاء والدي لكي يساعدني وبعد ذلك أتى بعض الشبّان وقدّموا لي الإسعاف الأوّلي. لفّوا ساقي بحزام قماشيّ لوقف النزيف وأخذوني على درّاجة ناريّة إلى سيّارة إسعاف كانت متوقّفة على بُعد 250 مترًا. والد محمد هاني العجوري (39 عامًا) الذي كان هناك مشاركًا في المظاهرة ومشاركًا في تقديم الإسعاف الأوّلي كمتطوّع. عندما أطلقت النيران على ابنه كان يقف على مسافة 300 متر من الشريط. في إفادة أدلى بها يوم 3.5.2018 وصف كيف شاهد لحظة إطلاق النار على ولده: عندما رأيت أبنائي الثلاثة في المظاهرة أعدْتُهم إلى الوراء إلى منطقة الخيام - على مسافة نحو 700 متر من الشريط الحدوديّ لأنّني خشيت أن يصابوا بالنيران الحيّة أو من قنابل الغاز. بعد ذلك قال لي شابّ أعرفه أنّ محمّد اقترب كثيرًا من الشريط لكي يسعف المصابين ويوزّع البصل لبعض الشباب المغمى عليهم نتيجة استنشاق الغاز. عندما نظرت باتّجاه الشريط رأيت الجنود يطلقون قنابل الغاز بكثافة على المتظاهرين القريبين منه. رأيت ابني محمد يركض باتّجاهي. عندما أصبح على مسافة بضعة أمتار منّي أطلق عليه النار قنّاص كان فوق تلّة رمليّة في الجانب الآخر من الشريط. اقتربت من ابني واحتضنته. رأيت أنّه أصيب في الجزء الخلفيّ من ساقه اليمنى. كان هناك ثقب كبير في السّاق والدماء تسيل منه. كان منظر ساقه فظيعًا وخشيت أنّهم سيضطرّون إلى بترها. تمكّنت من لفّ الساق بقطعة قماش وربطتها بهدف وقف النزيف. بعد ذلك لم أعد قادرًا على التحمّل أكثر فانهرت تمامًا. لم أقدر بعد على مساعدته. عدد من الشبّان كانوا قد وصلوا فحملوه على درّاجة ناريّة ونقلوه إلى سيّارة الإسعاف. وصلت إلى المستشفى الإندونيسي القريب من مخيّم جباليا لكنّي لم أجد ابني هناك. تابعت إلى مستشفى العودة الواقع في بيت لاهيا فقال لي الأطبّاء هناك أنّه قد وصل إليهم لكنّهم حوّلوه إلى مستشفى الشفاء في غزة نظرًا لخطورة وضعه. سافرت إلى مستشفى الشفاء وفتّشت عن محمّد هناك لكن لم أجده. فتّشت عنه في غرف العمليّات لكن لا أحد كان يعلم عنه شيئًا. صادفت طبيبًا وهو يخرج من غرفة العمليّات سألته عن ابني فأجاب بأنّه لم يصل أحد بهذا الاسم لكن هناك شابّ لم تُعرف هويّته بعد. قال إنّه في غيبوبة ولا يحمل بطاقة هويّة. كانت في هاتف الطبيب صورة للشابّ وعندما أراني إيّاها وجدت أنّه محمّد ابني. تبيّن في المستشفى أنّ محمد العجوري أصيب بشريان في ساقه ويعاني أيضًا من كسر في عظم الساق. أجريت له عمليّة جراحيّة لكنّ الأطبّاء قالوا إنّ حالته خطرة وينبغي أن يجري عمليّة أخرى مستشفًى برام الله. عندما رفضت إسرائيل السّماح له بالخروج من القطاع رفع مركز "عدالة" ومركز "الميزان" التماسًا إلى محكمة العدل العليا باسم الجريح محمد وجريح آخر في 8.4.2018 مطالبين بالسّماح لهما بالخروج لتلقّي العلاج. وطالب الملتمسون المحكمة بإجراء مناقشة عاجلة لكنّ القضاة رفضوا طلبهم. في هذه الأثناء أخذت حالة العجوري تتدهور حتى اضطرّ الأطبّاء إلى بتر ساقه في 9.4.2018 وغادر المستشفى بعد ثلاثة أيّام. وهذا كان أيضًا مصير الجريح الآخر الذي قدّم باسمه الالتماس. قال والده, هاني العجوري, في إفادته: عندما قال لي الأطبّاء أنّهم سوف يضطرّون لبتر ساق محمد لم أوافق. خشيت أن يُمضي كلّ حياته معاقًا وعاجزًا ولم أتقبّل هذا الأمر. في نهاية الأمر أقنعني الأطبّاء أنّه لا مناص من ذلك لأنّه يُخشى أن ينتشر التسمّم في حسمه كلّه. سلّمت بقضاء الله وقدره ووافقت. كان قلبي يتمزّق حسرة كلّما فكّرت بما سيكون عليه مستقبله. أنظر اليوم إلى ولدي وساقه المبتورة فيتملّكني الألم. كان محمد ساعدي الأيمن. كان شابًّا رياضيًّا وأحبّ كرة القدم كما أنّه كان عضو منتخب العدّائين الفلسطينيين وحاز على المرتبة الأولى في المدرسة. محمد مصبح (17 عامًا) أصيب شماليّ بلدة خُزاعة في 5.4.2018 في يوم الخميس الموافق 5.4.2018 نحو الساعة 16:30 وصل محمد مصبح (17 عامًا) وهو طالب في الصف الثاني عشر وهو من سكّان عبسان الكبيرة وعمّه وسيم مصبح (22 عامًا) إلى منطقة المظاهرات شماليّ بلدة خُزاعة. بعد أن مكثا لوقت قصير في منطقة الخيام على مسافة نحو 400 متر من الشريط الحدوديّ تقدّم محمد برفقة شابّ آخر من امرأة كانت تقف وترفع علم فلسطين قرب سلك لولبيّ شائك كان الجيش قد مدّه على الأرض. أخذ الشابّان العَلم من المرأة وتابعا يتقدّمان أكثر نحو السّلك اللّولبيّ الشائك وكان يبعد نحو عشرة أمتار عن الشريط الحدوديّ. في إفادته من يوم 2.5.2018 أمام الباحث الميداني لبتسيلم خالد العزايزة، أدلى محمد بما يلي: تقدّمنا من السّلك اللولبيّ الشائك الذي كان يبعد نحو عشرة أمتار عن الشريط الحدوديّ وعلّقت أنا عليه علم فلسطين. وفجأة أصبت بعيار ناريّ أطلقه جنديّ كان يقف على تلّة ترابيّة في الجانب الآخر من الشريط. وقعت على الأرض وجلس إلى جانبي الشابّ الآخر الذي رافقني والذي لا أعرف حقًّا من يكون. استلقيت على ظهري هناك طيلة نحو عشرين دقيقة. كان شبّان كانوا يقفون إلى الوراء منّا لكنّهم لم يتمكّنوا من الوصول إلينا إذ كان الجيش يطلق النيران نحوهم كلّما حاولوا الاقتراب منّا. طيلة هذا الوقت أحسست وكأنّ تيّارًا كهربائيًّا يسري في جسدي وكانت الدماء تسيل منّي بغزارة. فقد بعد مضيّ عشرين دقيقة تمكّن شبّان من الوصول إليّ وحملوني على عربة "توكتوك" نقلتني من المكان إلى مسافة تبعد نحو 600 متر تقريبًا إلى مشارف بلدة خُزاعة من جهة الشرق لأنّه لم يكن هناك سيّارة إسعاف أقرب. وئام مصبح (23 عامًا وهو من سكّان عبسان الكبيرة) عمل كمُسعف متطوّع في منطقة الخيام أثناء "مسيرة العودة". عندما وقعت الحادثة كان وئام يقف مع مسعفين آخرين تفصلهم بضعة عشرات من الأمتار عن الشريط الحدوديّ. في إفادة من يوم 2.5.2018 أدلى بها أمام الباحث الميداني لبتسيلم خالد العزايزة، قال وئام: عند الساعة 16:30 رأيت شابّين يأخذان علم فلسطين من امرأة كانت تقف قريبًا من سلك لولبيّ شائك ممدود على الأرض ويتقدّمان مع العلم نحو السّلك نفسه الذي كان يبعد نحو عشرة أمتار من الشريط الحدوديّ. وضع الشابّان العلم على السلك اللولبيّ الشائك وعندها سمعت صوت طلقات عدّة ورأيت أحدهما يقع أرضًا واستلقى الشابّ الآخر إلى جانبه على الأرض. حاول بضعة الشبّان التقدّم منهما لتقديم الإسعاف الأوّلي لكنّ الجنود أطلقوا حولهما عيارات ناريّة وقنابل غاز مسيل للدّموع. تقدّمت إليهما مع طاقم الإسعاف الأوّلي فأطلق الجنود قربَنا أعيرة ناريّة تحذيرًا لنا لئلّا نقترب. كان معنا في الطاقم فتاة شابّة رفعت يديها لكي يهدأ الجنود ويفهموا أنّنا طاقم طبّي وتابعنا التقدّم. لكنّ الجنود واصلوا إطلاق النيران قربَنا وفوق رؤوسنا كما أنّهم ألقوا قنابل الغاز خلفنا. رغم هذا كلّه تمكّنا من الوصول إلى الشابّين وعندها اكتشفت أنّ الشابّ المصاب من أقربائي ويدعى محمد مصبح. كان مستلقيًا على الأرض ومصابًا بعيار ناريّ في ساقه اليمنى. كانت ساقه ممزّقة تمامًا في منطقة ما تحت الرّكبة والدّماء تسيل منها بغزارة. لففت الجُرح بقطعة شاش طبّي. كان معنا وسيم مصبح وقد جلب وسيم العصا المثبّت عليها علم فلسطين كسرها وقسمها إلى نصفين ثمّ استخدم كِسرة العصا لتثبيت الساق الجريحة. طيلة هذا الوقت فيما نحن نعالج الجريح كان الجنود يواصلون إطلاق النيران نحونا. تقدّم إلينا بعض الشبّان ومعًا حملنا محمد وأبعدناه عن السّلك اللولبي الشائك ثمّ حملناه على عربة "توكتوك" لأنّه لم تكن هناك سيّارة إسعاف. نُقل محمد مصبح من عربة الـ"توكتوك" إلى سيارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر ونقلته هذه بدورها إلى المستشفى الأوروبي جنوبيّ خان يونس حيث بُترت ساقه اليمنى من تحت الرّكبة. غادر محمد المستشفى بعد مضيّ أكثر من ثلاثة أسابيع. قال محمد صبح في إفادته التي أدلى بها بعد مغادرة المستشفى: عندما استيقظت من العمليّة وجدت والدي بجانبي. قال لي إنّ الطبيب اضطرّ لبتر ساقي اليمنى من تحت الركبة لأنّها أصيبت بشظايا كثيرة تسبّبت بتقطيع الشرايين والأعصاب وتهتّك عظام السّاق. كنت حزينًا جدًّا وشعرت بالاختناق. فهمت أنّني لن أتمكّن من لعب كرة القدم - وأنا أحبّها كثيرًا. قبل أن أصاب كنت أمارس لعب كرة القدم كلّ يوم. يوجد في منطقتنا ملعب لكرة قدم وكنت ألعب ضمن فريق الحيّ كلاعب دفاع. ما زلت أتلقّى العلاج وأعود إلى المستشفى كلّ يوم لإجراء الفحوصات. آخذ ثلاثة أنواع من المضادّات الحيويّة إضافة إلى مسكّنات الأوجاع لأنني ما زلت أشعر بالألم في ساقي. أنام بصعوبة كبيرة وبمساعدة المسكّنات فقط. أكثر ما يشتدّ عليّ الألم عند الظهر وفي اللّيل. في الوقت الحالي جميع طلّاب شعبتي يستعدّون لامتحانات نهاية السنة أمّا أنا فأكاد لا أقدر على القراءة لشدّة الألم. وأيضًا خلال رقودي في المستشفى للعلاج لم أستطع مراجعة الموادّ بسبب الإصابة. لا أعلم إن كنت سأنجح في امتحانات هذه السنة ولا كم من الوقت سوف سيمرّ إلى أن تنتهي عملية التأهيل وأعود إلى حياتي العاديّة. لم يخطر ببلي أبدًا أن أكون معاقًا ذاتَ يوم. أنا ما زلت مصدومًا ممّا حدث لي. مصطفى ظاهر (15 عامًا) أصيب شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين في 2.5.2018 في يوم الأربعاء الموافق 2.5.2018 في ساعات ما بعد الظهر وصل ثلاثة فتية من سكّان مخيّم البريج لحضور مراسيم تأبين شهداء "مظاهرات العودة" والتي جرت في منطقة الخيام شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين. الثلاثة هم: مصطفى ظاهر (15 عامًا) وابن عمّه محمد ظاهر (14 عامًا) ويوسف أبو منصور (17 عامًا). بعد وقت قصير تقدّم الفتيان الثلاثة نحو الشريط الحدوديّ وتوقّفوا على مسافة بضعة عشرات من الأمتار بعيدًا عنه. نحو الساعة 19:00 قرّر الفتية العودة إلى منازلهم. في إفادة أدلى بها يوم 6.5.2018 أمام الباحثة الميدانية لبتسيلم ألفت الكرد، حدّث مصطفى ظاهر قائلًا: في الجهة الأخرى من الشريط الحدوديّ كان جنود يقفون فوق سواتر ترابيّة. كان الهواء مشبّعًا تمامًا بالغاز المسيل للدموع الذي ألقاه الجنود من جيبات الجيش كما أطلقوا النيران الحيّة بكثافة. نحو الساعة السابعة مساءً ناديت أصدقائي: "محمود، يوسف، يجب أن نعود إلى البيت. خلص، سئمت"، وأخذت في المغادرة. في اللحظة التي استدرت فيها أطلق الجنود النار على ساقي اليسرى في منطقة الفخذ. نفذت الرّصاصة من رجلي اليسرى وأصابت رجلي اليمنى. شعرت كأنّما تيّار كهربائيّ يسري في جسدي ووقعت. تقدّم منّي يوسف ومحمود. كان الدّم يسيل منّي بغزارة فوضعت يديّ على الجرحين لوقف النزيف لكن دون فائدة. لفّ يوسف لفّ كلتي رجليّ واحدة بكوفيّة والأخرى بقميصه وهذا ما ساعدني. بعد بضعة دقائق نقل الأصدقاء وشبّان آخرون مصطفى على نقّالة إلى سيّارة إسعاف أقلّته إلى المستشفى الإندونيسي في جوار مخيّم جباليا وهناك أجريت له عمليّة جراحيّة في الساق اليمنى، وما زال يحتاج عمليّة أخرى في السّاق اليسرى. في إفادته قال: ما زلت أرقد في المستشفى قيد العلاج. يجب أن تجرى لي عمليّة أخرى لكنّهم ينتظرون أن ترتفع نسبة الهيموغلوبين في الدّم. أعاني الآن من أوجاع شديدة تنتابني طيلة النهار. أبكي وأصرخ وعندها يعطونني مسكّنات. أتألّم بشكل خاصّ عند فكّ اللّفافات وتغييرها. كلّ ما في الأمر أنّني شاركت في مراسيم تأبين الشهداء. لم أفعل شيئًا يشكّل خطرًا على الجنود الإسرائيليّين. لم أرفع علمًا حتّى ولم أرشق الحجارة. فقط وقفت وتفرّجت على شبّان كانوا يتظاهرون قرب الشريط ورغم ذلك أطلق الجنود النّار عليّ.

31 أيار/مايو 2018

מוחמד אבו סכראן, בן 17, כשנה לאחר פציעתו. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 1.8.22

قطاع غزة

الزمن لا يُداوي الجراح: جرحى من قطاع غزة يتحدثون عن حياتهم منذ جولة القتال في أيّار 2021

بعد نحو سنة ورُبع السنة من انتهاء جولة القتال في أيار 2021 ("حارس الأسوار") عادت إسرائيل إلى قصف قطاع غزة وشنت "جولة" أخرى من القتال ("طلوع الفجر") استمرت هذه المرة ثلاثة أيام في آب 2022 وأسفرت عن مقتل 49 فلسطينياً. خلال الأشهر الأخيرة تحدثت "بتسيلم" مع عدد من جرحى الجولة السابقة والذين لا يزالون يخوضون صراعاً من أجل إعادة تأهيل أنفسهم والعودة إلى مسار حياة طبيعي. خلال تلك الجولة، قُتل في قطاع غزة 233 فلسطينياً من بينهم 38 امرأة و- 54 طفلاً. ووفقًا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بقي عشرات الآلاف بدون مأوى وتضررت عشرات المنشآت الصحية والبنى التحتية الملازمة لها؛ ركام المباني وأعمدة الكهرباء التي انهارت سدّت الشوارع والطرقات وجعلت من الصعب جداً مرور سيارات الإسعاف والمركبات الأخرى من أجل إخلاء المصابين. كما أدى تضرُّر البنى التحتية وشبكتيّ الكهرباء والماء إلى عرقلة عمل المستشفيات. في إفاداتهم، التي استمع إليها باحثو بتسيلم الميدانيون، يتحدث الجرحى عن صراعهم وصراع أُسَرِهم مع تحديات إعادة التأهيل، من منظور شخصي. وإلى جانب ذلك، تسلط الإفادات الضوء على الواقع الأوسع الذي يعيشه جرحى هذه الجولة والجولات السابقة في قطاع غزة، والذين يحاولون إعادة تأهيل أنفسهم بشقّ الأنفس. من الواضح بالطبع، وفي كل الأحوال، أن إعادة التأهيل بعد إصابة بالغة هي عملية مضنية وحاسمة تشمل العديد من الجوانب الطبية والنفسية المركّبة. إلا أن إعادة التأهيل في قطاع غزة هو أكثر تعقيداً، أضعافاً مضاعفة، سواء بسبب عدد الجرحى الآخذ في الازدياد باستمرار من "جولة" إلى "جولة" أخرى، أو بسبب البنى التحتية التي تزاد أوضاعها تردياً وسوءاً باستمرار جرّاء استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع. وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، اثنان من مستشفيات قطاع غزة، التي يبلغ عددها ثلاثين مستشفى، اضطرا إلى التوقف عن العمل تماماً خلال "جولة" القتال الأخيرة جرّاء الأضرار التي لحقت بهما، بينما واصلت المستشفيات الأخرى العمل بصورة جزئية ومحدودة فقط. إضافة إلى ذلك، أغلقت 57 عيادة من بين العيادات العامة الـ 93 في قطاع غزة بينما بقيت العيادات الأخرى تعمل بصورة جزئيّة فقط. ورغم أنّ جهاز الصحّة في القطاع يعاني من نقص خطير في الأدوية والتجهيزات، وكذلك في الأطباء بشكل عام وفي الأطباء ذوي التأهيلات المواكبة للتطورات والتحديثات بشكل خاص، إلا أن إسرائيل تواصل ـ في إطار الحصار الذي تفرضه على القطاع ـ منع إدخال الأدوية والأجهزة الطبيّة المتقدّمة إلى مناطق القطاع، كما تمنع خروج الأطبّاء إلى الاستكمالات. وبذلك، تسبب إسرائيل ضرراً إضافياً آخر للجرحى إذ تحرمهم من إمكانيات العلاج االتأهيلي. لا بل إن إسرائيل تمنع جرحى كثيرين ممّن لا تتوفّر العلاجات والخدمات الصحيّة اللّازمة لهم داخل القطاع من الوصول إلى مؤسّسات طبيّة في الضفة الغربية، رغم أنها لا تبعد سوى عشرات الكيلومترات، من أجل الحصول على العلاج الطبي اللازم والمناسب لهم. وفقاً لمنظمة Handicap International، يعمل في قطاع غزّة نحو خمسين مركزاً للعلاج التأهيليّ تشغّلها منظمات غير حكوميّة وتعتمد على توفّر التمويل من الصّناديق الأجنبية المانحة. تعاني هذه المراكز من نقص في القوى العاملة وصعوبات في التأهيل المهنيّ للعاملين فيها، ولهذا فإنّ خدمات إعادة التأهيل التي يمكن لهذه المراكز تقديمها تقتصر على العلاج الطبيعيّ والدعم النفسيّ - الاجتماعيّ، بينما تكاد إمكانيّات إعادة التأهيل التشغيلي بواسطة أجهزة مساعدة تكون معدومة تماماً. ثمة مركزان اثنان فقط للعلاج التأهيلي للعظام يعملان في مجال تركيب الأطراف الاصطناعيّة، أحدهما تابع للصّليب الأحمر والثاني أقيم في آذار 2022 ويعمل بتمويل من دولة قطر. تتنصّل إسرائيل من أيّة مسؤوليّة وقد سنّت لنفسها قانوناً يعفيها من دفع تعويضات في جميع الحالات تقريباً، بادّعاء أنّها وقعت خلال "عمليّات قتالية". وبذلك أصبح احتمال حصول فلسطينيّين قدّموا دعاوى تعويض عن الأضرار التي ألحقتها بهم إسرائيل شبه معدوم تماماً تقريباً. يعاني ضحايا الحرب في قطاع غزّة من ضائقة اقتصاديّة شديدة ومن انعدام الدّعم الذي يتيح إعادة تأهيلهم. في هذا الروتين اليومي من الخوف والرعب من جولات قتالية متكررة، وفي ظل الشعور بأنهم قد يتحولون في أية لحظة إلى أهداف للقصف الإسرائيلي، يتحدث طلاب، شبان وآباء وأمهات لأطفال أصيبوا بجراح بالغة، وبعضهم فقد في الحرب بعضاً من أبناء عائلاتهم؛ عن الصراعات اليوميّة التي يخوضونها مع الإصابات البالغة، الجسديّة والنفسيّة. بعضهم بقي يعاني من إعاقة مستديمة. فيما يلي الإفادات التي سجلها باحثو بتسيلم الميدانيّون: محمد أبو سكران (17 عاماً، من سكّان حيّ الشجاعيّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ أصاب مدخل منزله وتسبّب أيضاً بمقتل جدّه وابن عمّ والده. لا يزال يعاني حتى اليوم من إعاقة حركيّة في رجليه ويديه ومن شظية بقيت داخل رأسه وتشكل خطراً على حياته. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 1.8.22، فقال: أصبت بجروح بالغة خلال حرب العام الماضي. كان ذلك في اليوم الأخير من شهر رمضان ـ 12.5.2021 نحو السّاعة 20:30، حين كنت في المنزل مع جدّي وابن عمّ والدي. فجأة أطلقوا صاروخاً على منزلنا. رقدتُ لمدّة أسبوع في قسم العناية المكثّفة في مستشفى الشفاء وخلال السّنة الأخيرة تلقّيت العلاج في مستشفى الوفاء التأهيلي في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". أجرِيَت لي عمليّة جراحيّة في الرّجل اليسرى وخضعت للعلاج الطبيعيّ ولعلاجات وظيفيّة أخرى، إضافة إلى الدّعم النفسيّ. قبل الإصابة كانت حياتي عاديّة. أذهب إلى المدرسة المهنيّة كلّ يوم من السّابعة صباحاً حتى الثانية بعد الظهر. كنت أحبّ دروس النجارة والرياضة وكنت أقضي وقتاً كثيراً مع زملائي وأصدقائي. بعد انتهاء الدّوام كنت أتناول وجبة الغداء في المنزل ثمّ أعمل قليلاً في تصليح الدرّاجات الهوائيّة - كانت هذه هوايتي ـ وكنت أساعد جدّي في حراثة الأرض والاعتناء بمزروعاته. منذ أن أصبت توقّفت عن الذهاب إلى المدرسة وأصبحتُ أقضي معظم وقتي في المنزل. أعاني من صُداع شديد لا يُحتمل ولا أقدر على استخدام يدي اليُمنى بسبب مشكلة في الأعصاب. عندما أخرج من المنزل أحتاج إلى عكّازين. أنا أكرههما وأكره منظر جسمي الذي تشوّه بسبب الشظايا. أعصابي تثور لأتفه الأسباب وأتصرّف بعُدوانيّة تجاه إخوتي، ممّا يدمّرني نفسيّاً. وضعي الصحّي لا يتحسّن. ببساطة، أنا لا أستطيع القيام بأيّ شيء لوحدي - لا التمارين الرياضيّة ولا ركوب الدرّاجة الهوائيّة. كلّما نظرت إلى باب المنزل تذكّرت الصّاروخ الذي أصاب المنزل وقتل جدّي وابن عمّ والدي. عندئذٍ أنطوي على نفسي وأجهش بالبكاء. معظم الوقت أشاهد مسلسلات وأفلاماً عبر الهاتف النقال، لكن لا شيء يبعث الفرح في نفسي الآن. أتذكّر كلّ الوقت فترة علاجي في المستشفى بعد إصابتي، أتذكّر جدّي وكيف كان يأخذني لأعمل معه. أصبحت حياتي شريطاً من الذكريات والألم. هشام أبو سكران (44 عاماً)، والد محمد، قال في إفادته: في ذلك المساء كان محمد في المنزل مع جدّه، أحمد إبراهيم أبو سكران (64 عاماً) وابن عمّي محمد ناهد أبو سكران (25 عاماً). فجأة، قصفوا المنزل بصاروخ فقُتل كلاهما بينما أصيب ابني محمد الذي كان قريباً منهما بجروح بالغة. في لحظة القصف كنت في الطابق الثاني. هبطت الدرج مسرعاً فوجدت والدي قد فارق الحياة. رأيت ابني محمد ممدّداً قرب محمد ناهد ودماء كثيرة. كان المكان مليئاً بالدّخان والرّكام. حملت الاثنين وأخرجتهما من المنزل ثمّ نقلتنا سيّارة إلى مستشفى الشفاء، بينما قام شخص آخر بنقل والدي إلى مستشفى آخر وأبلغني الأطبّاء هناك بأنّه استُشهد. لاحقاً استُشهد في المستشفى أيضاً ابن عمّي محمد ناهد متأثراً بجراحه. قيل لي إنّ ابني قد استُشهد لكنّ أحدهم قال إنّه في قسم العناية الفائقة وبحاجة إلى وجبات دم. نحو السّاعة 1:00 بعد منتصف اللّيل طلب منّي الأطبّاء وجبات دم لمحمد. انتظرت حتى السّاعة 3:00 فجراً وأنا لا أعرف عن وضعه شيئاً ثم قالوا لي إنّ حالته لا تزال خطيرة جدّاً وطلبوا أن نصلي وندعو الله من أجله. عندما دخلت إلى الغرفة لكي أراه كان ملقىً في السّرير دون حراك وكلّ جسمه موصولاً بأنابيب. لم أستوعب ما رأته عيناي. خرجت من المستشفى وعدت إلى البيت لإلقاء نظرة وداع أخيرة على والدي ثمّ تشييعه إلى مثواه الأخير. ظلّ محمد راقداً في قسم العناية الفائقة طوال أسبوع نقلوه بعده إلى قسم في المستشفى وبقي فيه لمدّة شهرين. طيلة هذه المدّة كان إلى جانبه في المستشفى ابني تامر (38 عاماً). كان محمد يجد صعوبة في الكلام ولا يستطيع تناوُل الطعام أو الشرب. فقط بعد مضيّ أسبوعين على نقله إلى القسم صار بإمكانه تناول أطعمة خفيفة. بعد ذلك نقلوه إلى مستشفى "الوفاء" التأهيلي، في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". بقي هناك لمدة شهرين تلقّى خلالها العلاج الطبيعيّ والعلاج بالتشغيل. خلال تلك الفترة لم يكن يستطيع التحرّك، إطلاقاً تقريباً ـ كان يجد صعوبة في تحريك يده اليمنى بسبب إصابة في العصب وكانت رجله اليسرى مكسورة وفي رجله اليمنى شظايا. في المركز نفسه تمّ تقطيب جروح كثيرة في جسده وزرع بلاتين في رجليه. طوال تلك الفترة كان يعاني من الأوجاع وقد لازمتُه أنا هناك معظم الوقت لمساعدته قدر المستطاع. بعد شهرين من العلاج في مستشفى الوفاء نُقل إلى مستشفى الشفاء لإصلاح شرائح البلاتين ومن هناك أخذته إلى المنزل وكانت حالته النفسيّة في تراجُع دائم. مرّة أخرى لم يعد يأكل أو يشرب، إطلاقاً تقريباً، ومعظم الوقت ينتابه الغضب والصّراخ. توجّهنا مرّة أخرى إلى "أطبّاء بلا حدود" فقدّموا له الدّعم النفسيّ، كما استأنف تلقّي العلاج الطبيعيّ هناك. وفي أيّار 2022 أزالوا البلاتين الخارجيّ من رجله اليسرى وعالجوا العظم. وهو يستعين اليوم بعكّازين. جسم محمد مليء بالشظايا ولا يزال واهناً جدّاً. يقول الأطبّاء إنّه معرّض للخطر بسبب شظية بقيت في رأسه، قريباً من الدّماغ. لقد نبّهونا كي نحترس لئلّا يتلقّى أية ضربة في رأسه لأنّ هذا قد يحرّك الشظية فتحلق ضرراً بدماغه. حتى العطاس قد يسبّب ذلك. قبل إصابته كان محمد يتعلّم النجارة في المدرسة المهنيّة في غزّة، لكن منذ إصابته لم يُداوم وهو يقضي معظم الوقت الآن في المنزل. إنّه خائف جدّاً. عبد الله اسْليم (23 عاماً، من سكّان مدينة غزّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ استهدفت به إسرائيل سيّارة كان يقف بالقرب منها. في هذا الهجوم قُتل 6 أشخاص، بينهم صديقه وأحد أقرباء الصّديق وأربعة آخرون. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 10:30 كنت ذاهباً مع عبد الغزالي (28 عاماً) في اتّجاه المطعم الذي كنّا نعمل فيه في شارع الوحدة لكي نفتحه، رغم القصف. عندما وصلنا إلى شارع المُغربي التقينا ابن عمّ عبد ويُدعى نادر الغزالي (46 عاماً) خارج المخيطة التي يعمل فيها وتحدّثنا معاً لبعض الوقت. في تلك اللحظات توقّفت سيّارة على بُعد بضعة أمتار منّا. رأيت في داخلها ثلاثة أشخاص وفجأة حدث انفجار قويّ. طار عبد في الهواء وارتطم بباب معدني في إحدى الحوانيت القريبة منّا. بقيت أنا في مكاني وحولي دم يغطّي كلّ شيء. شعرت بدُوار قويّ وبعد أن ابتعدت بضعة أمتار استوعبت أنّ شظايا قد أصابتني في كلّ الجانب الأيمن من جسمي. حين وقعت على الأرض رُحت أتلو الشهادتين. بعد ثلاث دقائق حدث قصف مرّة أخرى وأحسست بأنّني أصبت في بطني. نهضت عن الأرض ومشيت بضعة أمتار في اتّجاه صيدليّة قريبة. طلبت من الصيدليّ أن يساعدني في فحص وضع عبد. كان الدّم ينزف من عيني اليمنى وملابسي كلّها مخضّبة بالدّماء فهاله منظري وصرخ يطلب نجدة. أتى عدد من الشباب وأخذوني في سيّارتهم إلى مستشفى الشفاء. بعد ثلاثة أيّام على مبيتي في المستشفى أخبروني بأنّ عبد ونادر ابن عمّه قد استُشهدا. بقيت في المستشفى 15 يوماً وفي تمّوز 2021 أجريت لي عمليّة جراحيّة في البطن لكنّ الأطبّاء لم يتمكّنوا من إخراج جميع الشظايا وما زلت أعاني من أوجاع. خضعت أيضاً لجراحة في الصدر حيث استأصلوا جزءاً من العظم ومنذ ذلك الحين أعاني من ضيق تنفّس وأوجاع في الصّدر، كما أتصعّب في النوم ليلاً. تضرّر عندي السّمع في الأذن اليمنى وتضرّرت شبكيّة عيني اليمنى. قلّما أخرج من المنزل. لم أتمكّن من العودة إلى عملي في المطعم وبقيت بدون أيّ مدخول بعد أن كنت المعيل الوحيد لأسرتنا. الأسرة كلّها تعاني الآن. قبل ذلك، لم يكن ينقصنا شيء - كانت مائدتنا عامرة وكنت أوفّر للجميع احتياجاتهم. كذلك موّلت التعليم الجامعيّ لأختي هنادي (24 عاماً) وأخي شادي (19 عاماً) لكنّهما لم يُتمّا سوى فصل واحد فقد عجزت عن دفع أقساطهما الدراسيّة بسبب الإصابة. قبل الإصابة كنت قد تمكّنت من توفير 2,000 دولار تقريباً لشراء سيّارة سفريات تضمن لنا مدخولاً إضافيّاً لكنّني صرفت كلّ ما ادّخرته تقريباً لتغطية مصاريف علاجي. منذ أصبحت عاطلاً عن العمل يزداد وضعنا سوءاً ولا أعرف كيف سنستطيع الاستمرار على هذا الحال. معاوية الوحيدي (43 عاماً وأب لاثنين، يُقيم في حيّ الزيتون في مدينة غزّة) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل قرب مكان عمله. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 11:00، حين كنت في صالون الحلاقة خاصتي سمعت انفجاراً قويّاً في الخارج. بعد ذلك مباشرة دخل إلى الصالون نادر الغزالي (46 عاماً) مضطرباً مذهولاً وقال لي: "أنقذوا معاوية! إنّه لا يستطيع التنفّس!". كانت حالته مروّعة. أخذته إلى الخارج وابتعدنا عن صالون الحلاقة نحو 30 متراً. كان الدّم ينزف من فمه ثمّ وقع أرضاً. حاولت أن أسعفه. نظرت حولي فرأيت في الشارع ما لا يقلّ عن أربعة شهداء ممدّدين قرب السيّارة التي انفجرت. عرفت من بينهم سعيد الحتو وزوجته ميسون الحتو. بعد ثلاث دقائق سقط صاروخ آخر بجانبنا تماماً فقُتل نادر على الفور. قُطعت رجلي اليسرى ونزف دمي منها طيلة عشرين دقيقة دون توقّف. جميع من حولي كان في حالة هلع. خفنا جميعاً من قصف جوّيّ آخر. الناس الذين تجمّعوا حولي استدعوا سيّارة إسعاف وعندما وصلت أخلتني من هناك فيما بقي جميع الشهداء على الأرض. أخذوني إلى مستشفى الشفاء ويبدو أنّني فقدت الوعي في الطريق إلى هناك. في المستشفى أدخلوني إلى غرفة العمليّات وقطعوا رجلي اليمنى. بعد ذلك علمت أنّهم كانوا يريدون قطع رجلي اليسرى لأنّها كانت في حالة صعبة، لكنّهم قرّروا معالجتها لاحقاً. بعد أن أمضيت أسبوعاً في المستشفى نقلوني للعلاج لدى منظمة "أطبّاء بلا حدود" التي تعتني بالجرحى وتعمل أيضاً في مستشفى العودة في شمال القطاع. أذكر أنّني في أثناء نقلي إلى هناك كنت أسمع قصف الجيش الإسرائيليّ. بقيت هناك أربعين يوماً تقريباً، رجلي مقطوعة وأعاني مشاكل كثيرة في رجلي الأخرى. بعد ذلك ابتدأت رحلة عذابي الحقيقيّة وهي مستمرّة منذ أكثر من سنة. ما زلت أعاني حتى الآن أوجاعاً في كلّ أنحاء جسمي. أتلقّى العلاج في المنزل مرّتين في الأسبوع على يد طاقم تابع للسّلطة الوطنيّة للعلاجات الطبيعية. رجلي اليسرى غير موجودة تقريباً وأنا بحاجة إلى رِجل اصطناعيّة هيدرولية لتخفيف وزن جسمي على الرّجل والتسهيل عليّ عند المشي. لكنّهم في مستشفى حمد في غزّة قالوا لي إنّهم لا يستطيعون مساعدتي في الحصول عليها لأنّ إسرائيل منعت إدخال قطع الأرجل الاصطناعيّة إلى قطاع غزّة. هنالك أيضاً كرسيّ عجلات خاصَ يمكنه أن يسهّل عليّ العمل لكنّه يكلّف ما يقارب 1,500 دولار ولا أستطيع اقتناءه حاليّاً. قدّمت لي إحدى الجمعيّات كرسيّ عجلات كهربائيّاً يمكنني بواسطته التجوّل في الخارج وأحياناً أتلقّى بعض المساعدات من أفراد. شقّتنا في الطابق الرّابع وبدون مصعد كهربائي مما يصعّب عليّ الخروج فأقضي معظم وقتي في المنزل. أشعر بأنّني عبء على عائلتي. زوجتي بدأت تعاني من انزلاق غضروفيّ في العمود الفقريّ لأنّها تبذل جهداً أكثر من اللّازم وأنا لا أستطيع أن أساعد في شيء في المنزل. شعوري بالعجز يؤثّر على جميع مَن في المنزل. ولداي سديم (8 سنوات) وسراج (11 سنة) كانا تلميذين متفوّقين لكنّ تحصيلهما الدراسيّ هبط منذ إصابتي. هما يشاهدان نوبات العصبيّة التي تنتابني طوال الوقت إلى درجة أنّني أحطّم أشياء في المنزل. لقد مرّت سنة منذ أن أصبت وما زلت أتصعّب في التخلّص من هذه الحالة النفسيّة. أصبحتُ ضحيةً للجيش الإسرائيليّ بينما كنت في عملي ولم أشكّل أيّ خطر على إسرائيل. أحياناً، عندما آتي إلى صالون الحلاقة أرى في مخيّلتي السيّارة وهي تحترق والشهداء والجرحى ممدّين على الأرض. أتذكّر نفسي حاملاً الشهيد نادر الغزالي وفارّاً من الصّاروخ الثاني. كلّما حدث لي ذلك أبكي وأشعر بالاختناق. أنا أحاول المجيء إلى صالون الحلاقة من حين لآخر وممارسة عملي ولكن عندما يدخل زبون ويطلب أن يقصّ شعره لا أقدر على ذلك أحياناً. كلّ ما أريده هو أن أرمّم صالون الحلاقة وأعود لمزاولة مهنتي مجدّداً. لقد عملت حلّاقاً طيلة 25 عاماً وكنت المعيل الوحيد في المنزل. الآن، رغم إعاقتي، أنا لا أتلقّى أيّة مخصّصات من أيّة جهة. أشعر بأنّني تحوّلت من صاحب مصلحة إلى شحّاذ متسوّل. إسحاق فيّاض (51 عاماً وأب لستّة، من سكان بيت حانون) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أصاب منزله إصابة مباشرة. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 19.5.22 فقال: ليلة 14.5.21 استضفنا نحو ستّين شخصاً من أقاربنا، نصفهم أطفال، في منزلنا في شارع البعلي وسط بيت حانون، لأنّ منزلنا يقع في منطقة تعتبر أكثر أمناً. قبيل منتصف اللّيل سمعنا أصوات انفجارات أخذت تقترب منّا أكثر فأكثر. عندما اشتدّ صوت الانفجارات راح الجميع يصرخون من شدّة الخوف. حاولت أن أهدّئهم وقلت لهُم إنّهم في أمان. صعدت إلى الطابق العلويّ وعندما وصلت إلى أعلى وكنت لا أزال في بيت الدّرج، في جزئه غير المسقوف، حدث انفجار هائل طيّرني مسافة ثلاثة أمتار على الأقلّ. بعد ثوانٍ معدودة انفجر صاروخ آخر أصاب منزل جيراننا. جميع حجارة الجدران والسّقف في بنايتنا كانت متناثرة في كلّ مكان ولم يبق منتصباً سوى العُمدان. رجلي اليمنى قُطعت تقريباً. كانت موصولة فقط بقليل من الجلد وشريان وقد حاولت أن أسحبها قريباً منّي. شظايا الصّاروخ أصابت رجلي اليسرى ودمي كان ينزف دون توقّف. أخذت أهبط الدّرج زحفاً حتى وصلت إلى الطابق الأرضيّ ومن ثمّ إلى الشارع. وهناك شاهدت أناساً كثيرين يركضون بهلع ويبحثون عن أبناء عائلاتهم. شعرتُ بدُوار. قام ابني إبراهيم (22 عاماً) وزوجته غزل (22 عاماً) بجرّي إلى منزل الجيران، عائلة الزعانين، وهناك ربطا رجلي لكي يوقفا النزيف. بعد عدّة دقائق أخذوني إلى خارج المنزل لكي تنقلني سيّارة الإسعاف إلى المستشفى. بعد نحو رُبع ساعة وصلت سيّارة إسعاف نقلتني إلى مستشفىً في بيت حانون. في المستشفى لفّوني بضمادات ثمّ نقلوني إلى المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا. رافقني إلى هناك ابني جاسر (23 عاماً). في الطريق أغمي عليّ ولم أستفق سوى بعد ظهر اليوم التالي لأجد نفسي في المستشفى. بعد أربعة أيّام نقلوني إلى مستشفى ناصر في القاهرة وهناك أجريت لي عشر عمليّات جراحيّة في الرّجلين وتمّ تركيب مثبّت في رجلي اليمنى. خلال تلك الفترة عانيت من أوجاع فظيعة وفقدت الكثير من وزني. كنت أبدو مثل هيكل عظميّ وبالكاد يمكن التعرّف عليّ. حالتي النفسيّة كانت سيّئة جدّاً ولكن من حسن حظّي أنّ وردة زوجتي آزرتني وكانت معي هناك طول الوقت. أمضيت في المستشفى في القاهرة تسعة أشهر ثمّ في 13.3.22 عدت إلى غزة واستأنفت العلاجات لدى منظّمة "أطبّاء بلا حدود" في مستشفى العودة. قال لي الطبيب هناك إنّه يجب قطع رجلي اليمنى فصُدمت من أنّ الأمور قد وصلت إلى هذه الدرجة. وبالفعل بعد ثلاثة أسابيع تقريباً قطعوا رجلي. ثمّ أجريت لي عمليّتان جراحيّتان إضافيتان في الرّجل وما زلت أتلقّى العلاج الطبيعيّ حتى اليوم. إضافة إلى ذلك، أصبت بمرض السكّري وارتفاع ضغط الدّم لكن الأدوية التي أحتاج إليها لا تتوفّر في الصيدليّات الحكوميّة في القطاع مما يضطرني إلى شرائها على حسابي الخاصّ. على سبيل المثال، الحبة الواحدة من دواء فلوكورال، المضاد لالتهاب الرّجلين، تكلّفني 13 شيكل. منذ أن قطعوا رجلي أكاد لا أخرج من المنزل لأنّ شقّتنا في الطابق الثاني والبناية بدون مصعد كهربائي وعندما خرجت ذات مرّة وقعت على الدّرج. قبل إصابتي كنت في حركة دائمة بحُكم عملي في تجارة المواشي. لستُ معتاداً على العطالة وملازمة المنزل. على الأقلّ يأتي الأصدقاء المقرّبون لزيارتي أحياناً، كي لا أبقى وحيداً. مجد العجلة (21 عاماً، طالب حقوق، من سكان حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة) أصيب جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وهو يقف قرب منزله ويعاني منذ إصابته من إعاقة حركيّة ومشاكل في النطق. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 26.5.22 فقال: في يوم الأحد الموافق 15.5.21 خرجت من منزلي في حيّ الشجاعيّة، وعند السّاعة 13:00 تقريباً حينما كنت لا أزال قرب المنزل أطلق صاروخ من طائرة فسقط قريباً منّي. قُتل جرّاء هذا القصف ثلاثة من أقاربي هم: يحيى العجلة (24 عاماً) وسيف الدين أبو العطا (18 عاماً) - وكان قد فرّ من منزله في شرق الشجاعيّة ولقي حتفه قرب منزل عمّه - ومحمد بهار (17 عاماً) وقد قُتل عند مدخل منزل أخيه. أنا وأخي محمد أصبنا بجروح بالغة. كنت غائباً عن الوعي طيلة 25 يوماً وعندما استفقت وجدت نفسي في مستشفى الشفاء. خلال تلك الفترة خضعت لعمليّات جراحيّة في الرأس بسبب كسر في الجمجمة وفي البطن بسبب شظايا تسبّبت بنزيف وأضرار في الامعاء. في 11.6.21 حصلت على تصريح وسافرت إلى المستشفى الأهليّ في الخليل وهناك أجريت لي عمليّات جراحيّة في اليد والرّجل اليمنى. بقيت هناك لمدّة نصف سنة ثمّ في 5.12.21 عدت إلى غزّة وكنت عاجزاً عن المشي والنطق لأنّ الإصابة في رأسي سبّبت لي شللاً في الجزء الأيمن من جسمي لم أستطع جرّاءه تحريك يدي اليمنى ورجلي اليمنى ولا تزال كلاهما ملفوفتين بالجبس. حاليّاً أنا في حاجة إلى زراعة عظم في الجزء الأيسر من الجمجمة. خضعت للعلاج الطبيعيّ والعلاج بالنطق في مستشفى الهلال الأحمر في غزّة، لكنّني ما زلت أتصعّب في النطق والمشي. أستعين بعكّازين إلى حين تركيب رجل اصطناعيّة في مستشفى حمد. حياتي كلّها تغيّرت منذ إصابتي - يدي ورجلي مشلولتان؛ الناس يتعاملون معي كعاجز وينظرون إليّ كمُعاق وهذا صعب جدّاً عليّ؛ معظم الوقت أحتاج إلى مساعدة الآخرين بسبب الشلل؛ وقد أدركت أنّ حياتي لن تعود كما كانت. أتلقّى العلاج النفسيّ بسبب مصاعبي النفسيّة في مجابهة وضعي. قبل إصابتي كان كلّ شيء عاديّاً - كنت طالب حقوق في السنة الثالثة في جامعة الأزهر في غزّة لكنّني لم أستأنف دراستي بسبب وضعي. كان حلمي أن أعمل في مجال المحاماة لأساعد الناس على تحصيل حقوقهم. وأمّي أيضاً كانت ترغب في أن يكون ابنها البكر متعلّماً وناجحاً. أنا مُنهك من طلب المساعدة من والدتي وإخوتي كل الوقت. هُم يساعدونني على ارتداء ملابسي، على تناول طعامي وشرابي وعلى دخول المرحاض. وهُم يرافقونني أيضاً إلى جميع العلاجات. لا أستطيع التنقّل كما أشاء أو مجرّد أن الخروج إلى الشارع وقضاء الوقت مع أصدقائي. لقد فقدت قسماً من أصدقائي المقرّبين لأنّهم شعروا بأنّني أصبحت عبئاً عليهم. حياتي أمضيها في المستشفيات من علاج إلى علاج. أرجو ألا يستمرّ هذا العذاب وقتاً طويلاً. الطفلة سارة المتربيعي (5 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل فاخترق سقف منزل عائلتها الكائن في حيّ الصّبرة في مدينة غزّة. والدتها لينا المتربيعي (27 عاماً، أمّ لثلاثة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 22.5.22 فقالت: في 14.5.21 نحو السّاعة 20:30، كان زوجي زاهر (43 عاماً) يجلس في غرفة الصّالون وكنت قد أطعمت ابنتي سارة (5 سنوات). فجأة ودون سابق إنذار اخترق صاروخ سقف منزلنا وسقط في الغرفة التي كنّا جالسين فيها. قصفوا الشقّة التي من فوقنا. الرّكام غطّانا أنا وسارة. خفت أن يكون زوجي قد استُشهد وخشيت أن يكون الجيش الإسرائيلي استهدف منزلنا. سارة كانت تحت الحجارة تبكي دون توقّف وقد تمكّنت من سحبها قريباً منّي. بعد ذلك جاء زوجي وأخذها. كنت حاملاً في الشهر الخامس وشظايا الصّاروخ دخلت في بطني وظهري وذراعي اليمنى. ارتديت ملابس الصّلاة ثمّ أخذنا سارة إلى خارج المنزل لكي نعثر على سيّارة إسعاف أو سيّارة مدنيّة تُخليها إلى المستشفى. بعد بضع دقائق أغمي على سارة ثمّ وصلت سيّارة الإسعاف وأخذتها إلى مستشفى الشفاء حيث أدخلوها إلى قسم العناية الفائقة. كانت لديها إصابة في الجمجمة سبّبت لديها التهاباً في غشاء الدّماغ وكسر مفتوح في العمود الفقريّ وشظايا في العمود الفقريّ سبّبت شللاً في كلتي رجليها. قال لنا الأطبّاء إنّ حالتها حرجة للغاية وطلبوا أن نصلّي وندعو الله من أجلها. استعادت سارة وعيها بعد ثلاثة أيّام لكنهم لم يسمحوا لي بزيارتها سوى بعد ستّة أيّام. بعد ذلك نقلوها إلى قسم جراحة الأطفال في مستشفى الشفاء حيث مكثت أربعة أيّام. كانت حالتها خطيرة جدّاً - لم تكن قادرة على الإبصار أو النطق. بعد مضيّ عشرة أيّام، في 24.5.21، حصلنا على تصريح سفر إلى الأردن لمعالجة سارة في مستشفى الحسين. سافرنا عبر حاجز "إيرز". في المستشفى، هناك، خضعت سارة لأكثر من عشرين عمليّة جراحيّة في الظهر، لإصلاح وإعادة تأهيل عمودها الفقريّ وتثبيته بواسطة بَراغٍ. كما أجريت لها عمليّة زرع جلد في رجليها. كانت حالة سارة النفسيّة صعبة جدّاً، حتى أنّها بالكاد كانت تأكل. كانت طوال الوقت تجهش بالبكاء وتصرخ وفي اللّيل كانت تنتابها كوابيس. تلقّت هناك علاجاً نفسيّاً أيضاً. بعد نحو أربعة أشهر، في 23.9.21، أنجبت ابني عبد الله في مستشفىً في الأردن، في جراحة قيصريّة. فترة التعافي من العمليّة القيصريّة وعلاجات تأهيل سارة كانت من أصعب فترات حياتي. عدنا إلى غزّة في 17.11.21، بعد أن نصف سنة تقريباً من إصابة سارة وكانت حالتها لا تزال صعبة. لم تكن قادرة على المشي وبالتالي ملازمة لكرسيّ عجلات. لم يتحسّن وضعها حتى يومنا هذا وقد حوّلها الأطبّاء في مستشفى حمد للعلاج الطبيعيّ وآخذها للجلسات مرّة كلّ أسبوع أو أسبوعين. تعاني سارة أيضاً من عدم التحكّم بالبول ولذلك أفرغ بولها بواسطة أنبوب وأغيّر حفاضاتها بانتظام. وحيث أنّ زوجي عاطل عن العمل فنحن لا نستطيع أن نوفّر لسارة جميع احتياجاتها. أحياناً نحصل على حفاضات كتبرّع من جمعيّات ومنظمات إغاثة. لكي تتمكّن سارة من التنقّل استأجرنا شقّة في الطابق الأوّل من بناية فيها مصعد كهربائي، مقابل 500 شيكل شهريّاً. حالة سارة ما زالت غير مستقرّة وهي تظلّ متعبة معظم الوقت ولكن رغم ذلك آخذها إلى الروضة في الفترات التي تتلقّى فيها العلاج. الحمد لله أنّها تحبّ أصدقاءها وهُم يساعدونها ولا يُبقونها وحدها أبداً. هي لا تفهم وضعها كثيراً. أحياناً تسأل لماذا قصفها الجيش ولماذا هي لا تزال مريضة فأقول لها إنّها قويّة. عليّ أن امسك بها أثناء استحمامها وأن ألبسها ملابسها وهذا صعب ومُتعب جدّاً. ولكن رغم أنّ الأمر مُنهك فأنا أريدها أن تبقى فعّالة ونشيطة قدر الإمكان، إذ ربّما يُلهيها ذلك قليلاً عن إعاقتها. عندما تكون في المنزل تزحف على الأرض أو تجلس على الكنبة أو على كرسيّ العجلات. هي لا تزال خائفة طوال الوقت من احتمال حدوث مكروه وتطلب منّا ألا نتحدّث عن إصابتها أو عن الحرب. عندما تنظر إلى نفسها في المرآة تطلب منّي أحياناً أن أغطّي رجليها لأنّ رؤيتهما تزعجها لكنّني أصرّ أحياناً أن تسمح لنفسها بالنظر إلى موضع إصابتها فربّما يساعدها ذلك على تقبّل وضعها. هي تصاب بذُعر شديد من أيّة ضجّة قويّة وتخاف أن تبقى وحدها في المنزل، لذلك فأنا كثيراً ما أصحبها في نزهات إلى شاطئ البحر لكي تروّح عن نفسها وتهدأ. أيّ ذنب ارتكبته سارة؟ هي كانت جالسة في المنزل فقط تتناول وجبة العشاء. لقد قصفونا دون سابق إنذار وسلبوا ابنتي كلّ شيء جميل في حياتها. قلبي يتقطّع ولكن قرب سارة أحاول أن أبقى قويّة وأخفي عنها حسرة قلبي. هي بحاجة الآن إلى إعادة تقييم لوضعها في مستشفىً خارج القطاع لأنّه لا تتوفر هنا الموارد التي يمكن أن تساعدها. تستطيع تلقّي علاج جيّد خارج القطاع فقط، في مستشفيات الدول العربيّة أو في إسرائيل أو في أوروبا. فرح البحطيطي (6 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وسقط خارج منزل عائلتها الكائن في حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة. والدتها هبة البحطيطي (32 عاماً وأمّ لستّة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 19.5.22 فقالت: في 12.5.21، اليوم الأخير من شهر رمضان، نحو السّاعة 14:00، أرسلتُ ابنتي الصّغيرة فرح لشراء بعض الحاجيّات من دكّان قرب بيتنا. كانت سهام (30 عاماً)، شقيقة زوجي، تنظّف الدّرج فرأت فرح ذاهبة ونادتها لترجع إلى البيت لأنّها خشيت أن يصيبها سوء. فجأة سمعنا انفجاراً مدوّياً في الخارج - تحطّم زجاج جميع النوافذ وتناثرت حجارة البناية في الهواء. عندما سمعت سهام تصرخ "لقد استُشهدت فرح!" ركضتُ إلى الخارج فرأيت سيّارة تحترق وفي داخلها شهيد لم أميّزه. بجانب السيارة كان ثمة جرحى كثيرون. كانت فرح ملقاة على الأرض مغمىً عليها، قريباً من المنزل. وكان دمها ينزف من كلّ أنحاء جسمها. صُدمت وهالني حالُها وكنت على وشك الانهيار لظنّي أنّها ربّما استُشهدت. صرخت عمّتها وفاء (23 عاماً) تقول إنّ فرح على قيد الحياة ثمّ شرعت تبحث عن سيّارة تُخليها من هناك. أخذوا فرح إلى قسم العناية الفائقة في مستشفى الشفاء وهناك شخّصوا حالتها بأنّها خطيرة جدّاً. بعد نصف ساعة على إخلاء فرح جاءت سيّارة إسعاف أخرى وأخلت سهام، إذ كانت قد أصابتها شظايا في رجلها اليسرى. ظلّت فرح غائبة عن الوعي طيلة 12 يوماً. فترة طويلة جدّاً، حتى أنّني خشيت ألا تستردّ وعيها. سمحوا لشخص واحد فقط بالدّخول إلى غرفة العناية الفائقة فكان رفعت زوجي (39 عاماً) هو الذي يزورها. قال إنّ وضعها صعب جدّاً ورجلها اليسرى ويدها اليسرى قد تهشّمتا تماماً. لم يكن باستطاعتي فعل أي شيء من أجلها سوى الصّلاة والدّعاء. خضعت فرح لعدّة عمليّات جراحيّة، بضمنها استئصال الأمعاء وتركيب بلاتين في يدها ورجلها. عندما خرجت من العناية الفائقة لم تكن تتكلّم أو تسمع جيّداً ولم تتعرّف على أيّ منّا. طيلة أسبوعين ظننت أنّها خرست أو فقدت القدرة على النطق. صرت أزورها ومعي إخوتها وأبناء عمومتها وأصدقاؤها وحينئذٍ بدأت تستجيب قليلاً. قدّمنا عدّة طلبات للحصول على تصريح لمعالجتها في مستشفىً في الأردن وأخيراً حصلنا في 3.6.21 على تصريح للسّفر عبر حاجز "إيرز". سافرت مع فرح عبر حاجز "إيرز" إلى المستشفى التأهيليّ في الأردن. كانت لديها إصابات أيضاً في مؤخّرة رأسها وشظايا في الرّئتين والبطن والعُنق وفي يدها اليسرى وكفّي قدميها كما في عينها اليسرى وأذنها اليمنى. الشظايا التي في يدها اليسرى سبّبت ضرراً في عصب الرّسغ والشظايا التي دخلت إلى كفّي قدميها سبّبت ضرراً للأوتار. كذلك فقدت فرح الكثير من أنسجة الجلد وخضعت لعمليّات زرع جلد في البطن والرّجل اليسرى كما خضعت أيضاً لفحوصات وصور كثيرة في المستشفى. أمضينا في الأردن ثلاثة أشهر ثمّ عدنا إلى غزّة في 5.9.21 واستأنفت فرح علاجها التأهيليّ في المستشفى الأردني في غزّة. عندما تحسّن وضعها صارت تمشي. حاليّاً هي تتلقّى العلاج الطبيعيّ في المنزل على يد مُعالج من "الجمعيّة الوطنيّة للتأهيل". اليوم تستطيع أن تُمسك بأشياء خفيفة الوزن بيدها اليمنى لكنّها لا لا تستطيع التحكّم بيدها اليسرى بعد. ينبغي أن تضع فرح ضمادات ضغط تكون مشدودة مباشرة على الجلد لمنع تورّمه لكنّها تُزيلها أحياناً لأنّها تضغط عليها كثيراً ولا تتحمّلها. تحتاج فرح إلى زرع جلد وإعادة بناء الأوتار المتضرّرة وسوف نذهب في نهاية الشهر لفحص لدى مختصّ في الأطراف. كلما نظرت فرح إلى جسمها في المرآة تبكي وتسأل "لماذا فعل الإسرائيليّون هذا بي؟". ما زالت تخاف هدير الطائرات وكلّما سمعته تظنّ أنّها جاءت لتستهدفها. أحاول أن أهدّئها وأطمئنها، أقول لها إنّ الحرب قد انتهت ونحن جميعاً هنا معك. دائماً تنتابها كوابيس في اللّيل وهي تخاف من أمور بسيطة - حتى من الماء أثناء الاستحمام ومن الأطبّاء والحقن. منذ إصابتها تعاني فرح من التبوّل اللّاإراديّ وأنا أضع لها حفاضات بشكل دائم. كنت أنام بجانبها في اللّيل وفقط مؤخّراً صارت تقبل أن تنام لوحدها. الآن هي تنام بجانب أختها رغم أنّها ما زالت خائفة وقلقة. فرح تذهب إلى صفّ البستان في الأيّام التي ليست فيها علاجات أو فحوصات ولكن ليس من السّهل عليها التعامُل مع أسئلة الأطفال عن وضعها. أخشى طوال الوقت أن يؤذيها طفلٌ في البستان، ولو بشكل غير متعمّد. تلقّينا دعماً من سيّدة فاضلة تبنّت فرح وتكفّلت بمصاريف سفرنا إلى الأردن وإقامتنا هناك. لكنّ وضعنا الاقتصاديّ الآن سيّء للغاية - نحن نسكن في شقّة واحدة في اكتظاظ شديد مع 28 شخصاً من العائلة. مصدر معيشتنا الوحيد مدخول زوجي من بسطة الفواكه خاصّته وهو لا يكفي لسدّ احتياجات أطفالنا الستّة: التوأم بولا وفؤاد (15 عاماً) ومحمد (13 عاماً) وأحمد (11 عاماً) ويوسف (8 سنوات) وفرح (6 سنوات).

30 آب/أغسطس 2022