سياسة إطلاق النار

المظاهرات قرب الشريط في قطاع غزة مستمرّة منذ 7 أشهر والنتيجة: أكثر من 5,800 مصاب بالرّصاص الحيّ

22 تشرين الثاني/نوفمبر 2018

الصورة
מימין לשמאל: יוסף א-דוש, עבדאללה קאסם ומוחמד אבו חוסיין. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם

منذ بدء المظاهرات بالقرب من الشريط الحدودي في قطاع غزة يوم 30.3.2018 قُتل أكثر من 180 متظاهرًا بنيران قوّات الأمن من بينهم 31 قاصرًا وأصيب أكثر 5,800. غالبية المتظاهرين الساحقة كانوا عزلًا وقد أُطلق عليهم الرصاص عن بعد وهم داخل أراضي قطاع غزة. في العموم لم تتعرض حياة أيّ من عناصر قوّات الأمن الذين قاموا بقنص المتظاهرين لخطر فعلي إذ هم يتمركزون متحصنين على الجانب الآخر من الشريط. قام جزء من المتظاهرين برشق الحجارة وتخريب الشريط وبعضهم تجاوزه كما ألقى بعضهم القنابل اليدوية والعبوات محلية الصنع والزجاجات حارقة نحو عناصر قوّات الأمن.

تفيد معطيات نشرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) ومنظمة الصحّة العالميّة (WHO) أنّ أكثر من 12,700 مصابًا تلقوا العلاج في مستشفيات قطاع غزّة. من بين مجمل الجرحى أكثر من 5,800 أصيبوا بالرّصاص الحيّ ونحو 1,900 جرّاء استنشاق الغاز المسيل للدّموع ونحو 480 أصيبوا بالرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط. من بين المصابين نحو 2,300 قاصر كما اضطرّ الأطبّاء لبتر أطراف أكثر من 90 جريحًا بينهم 17 قاصرًا وامرأة واحدة. في معظم الحالات (82 جريحًا) جرى بتر الأطراف السّفلى.

أجرت بتسيلم خلال الأشهر الماضية بواسطة باحثيها الميدانيّين استبيانًا شاملًا شارك فيه 406 مصابين بالرّصاص الحيّ من المتظاهرين. 63 من المشاركين في الاستبيان منهم (أي 15%) قاصرون تحت سنّ الـ18. ليست هذه عيّنة تمثيليّة وإنّما عمليّة جمع معطيات موسّعة شملت نحو 7% من مجمل جرحى الرّصاص الحيّ. بذلنا جهدنا أن يشمل المسح مصابين جُرحوا في مواقع تظاهُر مختلفة وفي أوقات مختلفة وذلك لأجل الحصول على صورة أكثر تنوّعًا وشمولًا وأمانة - بقدر ما تسمح به الظروف المركّبة للمظاهرات التي تجري منذ فترة طويلة وفي مواقع كثيرة في جوار الشريط.

لدى معالجة المعطيات المستفادة من الاستمارات التي عبّأها المشاركون في الاستبيان تظهر النتائج التالية:

85% (348 من المشاركين بينهم 48 قاصرًا) قالوا إنّهم أصيبوا في أطرافهم السّفلى. 8% (33 من المشاركين بينهم 10 قاصرين). 8% (33 من المشاركين بينهم 10 قاصرين) قالوا إنّهم أصيبوا في أطرافهم العليا. 3% (12 من المشاركين بينهم 3 قاصرين) قالوا إنّهم أصيبوا في الرأس.

41% (167 من المشاركين بينهم 29 قاصرًا) قالوا إنّهم أصيبوا على مقربة من الشريط (كانت تفصلهم عنه 10 أمتار على الأكثر) فيما قال 35% منهم (145 من المشاركين بينهم 24 قاصرًا) أنّهم أصيبوا وهم على مسافة أبعد (كانت تفصلهم عن الشريط مسافة لا تتعدى الـ 150 مترًا). 22% (92 من المشاركين بينهم 9 قاصرين) قالوا إنّهم أصيبوا وهم على مسافة تزيد عن 150 مترًا من الشريط. من ضمن 237 مشاركًا في الاستبيان (أي ما يعادل 58% من كافة المشاركين) لم يكونوا في محاذاة الشريط مباشرة حين أصيبوا - أي على بُعد أكثر من 10 أمتار - أصيب 84% منهم (200 جريحًا) في أطرافهم السفلى و13% (30 جريحًا) في أطرافهم العليا أو في رؤوسهم.

معظم المستجوبين* (58%) أصيبوا  ليس في محاذاة الشريط مباشرة

ثلثا المشاركين القاصرين في الاستبيان (41 جريحًا) قالوا إنّهم أصيبوا عندما كانوا يتفرّجون على المظاهرة أو يرفعون علمًا أو يوثّقون المظاهرة بكاميراتهم أو أثناء ابتعادهم عن موقع المظاهرة أو حين كانوا يقدّمون المساعدة للجرحى.

65% من المستجوبين القاصرين (*) أصيبوا وهم يتفرّجون على الأحداث

83% من المشاركين (339 جريحًا) احتاجوا لمواصلة العلاج و-57% منهم (233 جريحًا) احتاجوا بعد العلاج إلى عمليّة تأهيل وعلاجات طبيعيّة. 10% من المشاركين (42 جريحًا) يعانون عجزًا جرّاء الإصابة.

57% من المستجوبين* احتاجوا علاجًا تأهيليًّا من ضمنهم 10% يعانون عجزًا

لقد كانت الإصابات البليغة بداية رحلة من المعاناة المستمرّة. أيّ جهاز صحّة حتى لو كان يعمل بشكل سليم تمامًا سيواجه صعوبات في معالجة مثل هذا العدد الهائل من المصابين فكم بالحريّ جهاز الصحّة في قطاع غزّة الذي كان على شفا انهيار قبل أن تبدأ المظاهرات. نظرًا لهذه الظروف وجد الكثير من الجرحى أنفسهم محرومين من فرصة تلقّي العلاج الذي يحتاجونه. المعطيات التي نشرتها منظمة الصحّة العالميّة - وهي صحيحة حتى تاريخ 3.11.18 - حول متوفّرات مخزن الأدوية المركزي في غزة الذي يزوّد معظم المعدّات الطبّية للمستشفيات تفيد بما يلي: 226 نوع دواء ضروريًّا قد نفد تمامًا. 241 نوع دواء ضروريًّا لم يتبقّ منه سوى احتياجات شهر واحد. 257 نوعًا من المعدّات الطبيّة المستخدمة لمرّة واحدة قد نفدت تمامًا. الوضع البائس الذي ينوء تحته جهاز الصحّة في قطاع غزّة سببه الأساسيّ سياسة الحصار الإسرائيليّة حيث تمنع إسرائيل ضمن ذلك استبدال المعدّات المعطّلة كما تمنع إدخال الأدوية والمعدّات الطبّية المتقدّمة وخروج الأطبّاء للمشاركة في برامج التأهيل والاستكمالات المهنيّة خارج القطاع. علاوة على ذلك تشهد المستشفيات في قطاع غزة تشويشات كثيرة في عملها بسبب تقطّع تزويد الكهرباء - وهذا أيضًا ناجم في معظمه عن سياسات إسرائيل.

asafvol

اضغطوا للتكبير

 

إنّ ما أدّى إلى إصابة هؤلاء المتظاهرين هو سياسات إسرائيل المخالفة للقانون وما يعطّل قدرة المستشفيات في القطاع على تقديم العلاج اللّازم لهم هو الحصار المتواصل الذي تفرضه إسرائيل. ولكنّ إسرائيل لا تكتفي بذلك فهي ترفض السماح للجرحى بعبور بضعة عشرات من الكيلومترات داخل أراضيها لكي يصلوا إلى مستشفيات الضفة الغربية حيث يمكن هناك معالجة جزء منهم على الأقلّ. تفيد المعطيات التي نشرتها منظّمة الصحّة العالميّة أنّه حتى تاريخ 7.10.18 حول مصير 283 طلب تصريح خروج من غزة عبر حاجز إيرز قدّمها مصابون في المظاهرات لأجل تلقّي العلاج الطبّي أنّه تمّت الموافقة على 66 طلبًا فقط (أي ما يعادل 23% منها) فيما لم يتمكّن ثلاثة أرباع مقدّمي الطلبات من السّفر لتلقّي العلاج سواء بفعل رفض طلباتهم (107 طلبات أي ما يعادل 38% من مجمل الطلبات) أو بفعل عدم تلقّي أيّ ردّ وبالتالي تفويت موعد العلاج المعيّن لهم (110 طلبات أي ما يعادل 39% من مجمل الطلبات).

هذا الكمّ الهائل من جرحى مظاهرات مسيرة العودة ليس أمرًا لا مفرّ منه وإنّما هو نتاج سياسة مقصودة يتّبعها جهاز الأمن. منذ اليوم الأوّل للمظاهرات في 30.3.18 هدّد وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان سكّان غزة قائلًا: "كلّ من سيقترب اليوم من الشريط يعرّض نفسه للخطر. أنصحكم بمواصلة حياتكم وعدم المشاركة في الاستفزاز". لقد نشرت بتسيلم من قبل أنّ كثرة أعداد الجرحى - في المظاهرات المتواصلة منذ نصف سنة - أمر لم يسبق له مثيل وأنّه نتيجة مباشرة لأوامر مخالفة بوضوح للقانون تصدر لعناصر قوّات الأمن. تسمح هذه الأوامر بإطلاق الرّصاص الحيّ على المتظاهرين العزّل الذين لا يشكّلون خطرًا على أحد المتواجدون أصلًا داخل قطاع غزّة في الجانب الآخر من الشريط. إنّ الاقتراب من الشريط أو المسّ به أو تجاوزه إلى الجانب الآخر - ليست مخالفات عقوبتها الإعدام. ولكن التصريحات عبر وسائل الإعلام نستطيع من خلالها أن نفهم بأنّ الجيش يسمح ليس فقط بإطلاق النّار على الفلسطينيين الذين يهدّدون حياة عناصر قوّات الأمن وإنّما أيضًا نحو من يعتبرهم "محرّضون رئيسيون" وفق تعريف مبهم ومخالف للقانون: راشقو الحجارة والمتظاهرون الذين يمسّون بالشريط المتظاهرون الذين يحاولون اجتياز الشريط وحتى من يقتربون من الشريط وهم داخل أراضي القطاع. على سبيل المثال في مقابلة بثّتها نشرة أخبار القناة 20 قال وزير الأمن الدّاخلي، جلعاد أردان: "ليس صدفة بأنّ مئات من ناشطي حماس قد قُتلوا في الأشهر الأخيرة… أطلقت النيران على أكثر من 5,000 فلسطيني من غزّة في الأشهر الأخيرة - أي أنّهم أصيبوا بالرّصاص أو إصابات أخرى- في إطار السياسة التي تمنع الاقتراب من الشريط أو وضع العبوات". وفي الواقع لا تكتفي قوّات الأمن بمخالفة القانون عبر إطلاق النيران على من يقتربون من الشريط بل هم يطلقون النيران أيضًا على المتظاهرين المتواجدين على بُعد مئات الأمتار من الشريط ولا يقومون بأيّ عمل يشكّل خطرًا على عناصر هذه القوّات.

رغم أنّ نتائج تطبيق هذه الأوامر المخالفة للقانون معروفة سلفًا ترفض جميع الجهات المسؤولة في إسرائيل تغيير تعليمات إطلاق النار وتواصل الادّعاء أنّها "قانونيّة" بل وتدافع عنها أمام المحكمة العليا - وحتّى قضاة العليا قبلوا هذه الادّعاءات وشرعنوا هذا الواقع.

الباحثة الميدانيّة لدى بتسيلم، ألفت الكرد، استمعت إلى إفادات بعض المصابين، وأفراد أسرهم، وشهود عيان على إصابتهم.
 

إصابة محمد أبو عكر البالغ من العمر 26 عامًا شمالي بلدة خزاعة في 6.4.18

في يوم الجمعة الموافق 6.4.18 نحو الساعة 15:30 التقى محمد أبو عكر ابن عمّه فايز أبو عكر (كلاهما في الـ26 من عمره) في مظاهرة جرت شماليّ بلدة خزاعة. عند الساعة 15:00 اقترب محمد أبو عكر من الشريط وأشعل الإطارات ورشق الحجارة نحو عناصر قوّات الأمن الذين كانوا منتشرين في الجانب الآخر من الشريط.

أدلى فايز أبو بكر يوم 17.9.18 بإفادة حول إصابة محمّد:

الصورة
فايز أبو بكر. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 17.9.18

في ذلك اليوم الذي أطلق عليه اسم "جمعة الكاوتشوك"، كان الوضع صعبًا. كانت هناك أعداد كبيرة من المتظاهرين وإطارات مشتعلة كثيرة ودخان ومصابون كثيرون. كنت قرب الشريط أساعد في نقل الإطارات. نحو الساعة الثالثة والنصف التقيت ابن عمّي محمد أبو عكر. كان يقف على بُعد نحو 10 أمتار منّي ونحو ثلاثين مترًا من الشريط. كان إطلاق النار على المتظاهرين كثيفًا. معظم الإصابات التي شاهدتها كانت في الأرجُل.

لاحقًا أخذت في التراجُع إلى الوراء لأنّ الأحداث كانت مشتدّة. كان محمد خلفي. سمعت طلقة. التفتّ إلى محمد فوجدته ملقًى على الأرض ويلوّح بيده للمتظاهرين. مرّت عشر دقائق على إصابة محمد ولم أتمكّن من الوصول إليه بسبب كثافة النيران. بعد ذلك زحفت نحوه بسرعة مع بعض الشبّان. وجدناه مستلقيًا على الأرض والدّماء تسيل من جُرح كبير في ظهره. ضمدت جرحه بكوفيّة وحملته. طلبت منه أن يتلو الشهادتين لأنّي كنت متأكّدًا أنّه على وشك الموت. لم نتمكّن من استدعاء سيارة إسعاف لأنّها لا تقترب من الشريط. نقلنا محمد إلى خيمة العيادة الميدانيّة. فيما بعد أخبرني أشقّائي أنّ حالته خطيرة جدًّا.

أدلى المصاب محمد أبو عكر بإفادته يوم 17.9.18 واصفًا ما حدث في ذلك اليوم:

الصورة
محمد أبو عكر. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 17.9.18

كان هناك عدد من الجرحى وإطلاق نيران كثيفة من جانب الجيش الإسرائيلي. كان الجنود يهبطون عن السّواتر الترابيّة ويطلقون علينا قنابل الغاز المسيل للدّموع. كذلك كانت طائرة تُنزل علينا قنابل غاز. كثير من المتظاهرين أغمي عليهم. في وقت لاحق بدأت في إشعال الإطارات وبعد ذلك كنت أرشق الحجارة نحو الجيش الإسرائيلي. كنت على بُعد نحو 30 مترًا من الشريط. عندما أدرت ظهري أصبت برصاصة في ظهري فوقعت على الأرض وأحسست بآلام شديدة في البطن.

كان ابن عمّي فايز أبو عكر متواجدًا على بُعد 10-15 مترًا منّي. بعد مضيّ عشر دقائق وصل إليّ مع بعض الشبّان لكي يقدّموا لي الإسعاف الأوّلي. لم يتمكّنوا من الوصول قبل ذلك بسبب كثافة النيران والغاز. نقلوني من المكان إلى منطقة الخيام وهم يردّدون "شهيد شهيد". عندما وصلت إلى العيادة الميدانيّة قدّم لي الطاقم الإسعافات الأوليّة. قال لي الطبيب "حاول أن تبقى مستيقظًا". بعد ذلك نقلوني إلى مستشفى ناصر في خان يونس. كانت إصابتي خطيرة جدًّا. سمعت أناسًا يقولون "شهيد شهيد". كان لديّ نزيف حادّ وبعد ذلك أغمي عليّ.

صحوت من الغيبوبة بعد سبعة أيّام. فوجدت نفسي موصولًا بأنابيب كثيرة في البطن والأنف والفم. كنت في قسم العناية المكثّفة ولم أكن قادرًا على الحركة ولا التحدّث مع أفراد أسرتي عندما كانوا يأتون لزيارتي. كنت فقط أبكي عندما أراهم. بقيت هكذا طيلة نحو سبعة أيّام. بعد ذلك بدأ الأطبّاء بإزالة بعض الأنابيب. أزالوا الأنبوب عن أنفي وعن فمي وصرت قادرًا على التكلّم. سألت الأطبّاء عن وضعي فقالوا إنّهم سوف أجروا لي عمليّة جراحيّة، استغرقت ثلاث ساعات - أوقفوا النزيف ورمّموا التمزّقات في الأمعاء. وكانت لديّ أيضًا شظايا في منطقة الحوض. كان المشي صعبًا عليّ وكنت أتناول فقط طعامًا مُسالًا.

رقدت في مستشفى ناصر مدّة شهر تقريبًا حتى تاريخ 14.5.18. في الوقت الحالي عمليّة الإخراج تتمّ عبر أنبوب موصول إلى كيس معلّق على جسمي وأعاني من التهابات في الجُرح والقطب التي في البطن. أتناول الكثير من مسكّنات الأوجاع وأتصعّب في الجلوس والمشي. تمّ تحويلي للعلاج في مصر ولكنّي لم أسافر - بسبب التكاليف الماليّة. أدعو الله أن يشفيني وآمل الحصول على تحويل للعلاج والتخلّص من كيس الغائط هذا لأنّه يسبّب لي معاناة نفسيّة.

إصابة عبد الله قاسم البالغ من العمر 16 عامًا شرقيّ مدينة غزّة في 14.5.18

يوم الإثنين الموافق 14.5.18 جرت مظاهرة شرقيّ مدينة غزّة احتجاجًا على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس شارك فيها الآلاف. نحو الساعة 9:30 وصل عبد الله قاسم (16 عامًا) وصديقه عمران زغرة (18 عامًا) للمشاركة في المظاهرة. نحو الساعة 12:00 تراجع الاثنان إلى الخلف وجلسا على تلّة ترابيّة تبعد نحو 100 متر عن الشريط العازل.

أدلى عمران زغرة بإفادة في 6.8.18 وصف فيها ما حدث حينئذ:

الصورة
عمران زغرة. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 6.8.18

نحو السّاعة 12:00 ظهرًا تراجعنا أنا وعبد الله إلى الخلف لأنّ الغاز انتشر بقوّة كبيرة وشعرنا أنّنا نختنق. جلسنا على تلّة ترابيّة صغيرة تبعد نحو مئة متر عن الجدار وكنّا نشاهد المتظاهرين من فوق ونحن على التلّة. قلت لعبد الله إنّ علينا أداء صلاة الظهر فقال لي "انتظر. دعنا نرى أوّلًا ماذا سيحدث للمتظاهرين القريبين من الشريط". بعد مضيّ بضعة دقائق وكنّا لا نزال جالسين على التلّة أطلقت النيران نحونا. لم أسمع صوت الطلقات. في البداية ظننت أنّني قد أصبت إذ رأيت دمًا على رجليّ وعندها أخذ عبد الله يصرخ. نظرت إليه فوجدته يمسك برجليه وكان دماء كثيرة تسيل منهما. حاولت حمله ولكنّني لم أستطع. ناديت المسعفين فجاءوا ونقلوه من المكان.  

أدلى المصاب عبد الله قاسم بإفادته في 5.8.18 قائلًا:

الصورة
عبد الله قاسم. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 5.8.18

شارك في المسيرة أناس كثيرون. قرب الشريط كان متظاهرون يرشقون الحجارة نحو الجيش الإسرائيلي وإطارات مشتعلة بأعداد كبيرة جدًّا. شاهدت ما يقارب 30 جنديًّا ينتشرون فوق وخلف سواتر ترابيّة وكذلك رأيت عددًا من المركبات وجيبات عسكريّة تطلق قنابل الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين وطائرات تُسقط فوق المتظاهرين عبوات غاز مسيل للدموع أيضًا. أعداد المصابين كانت كبيرة منهم جرحى ومنهم من اختنق أو أغمي عليه جرّاء استنشاق الغاز. كذلك سقط بعض الشهداء. معظم الجرحى الذين شاهدتهم كانوا مصابين في الأطراف السفليّة.

عند الساعة 12:00 ظهرًا بينما كنت جالسًا قرب صديقي عمران على تلّة ترابيّة صغيرة تبعد مائة متر عن الشريط أطلق الجيش الإسرائيلي الرّصاص علينا. أصابتني رصاصة اخترقت رجلي اليمنى وخرجت منها وأصابت رجلي اليسرى. حاولت الوقوف ولم أستطع. وقعت على الأرض وحاول صديقي مساعدتي لكنّه لم يستطع فنادى المسعفين.

تمّ نقلي فورًا إلى سيارة إسعاف متوقّفة في منطقة الخيام. بقيت في العيادة الميدانيّة طيلة ساعة تقريبًا تلقّيت خلالها الإسعاف الأوّلي حيث ضمّدوا رجليّ. بعد ذلك نقلوني إلى مستشفى الشفاء في غزة. كانت هناك أعداد كبيرة من الجرحى والمصابين وبسبب الاكتظاظ نقلوني بعد مضيّ أربع ساعات إلى مستشفى القدس في غزّة أيضًا. 

أجريت لقاسم عمليّة جراحيّة في مستشفى القدس لكن الأطبّاء لم يتمكّنوا من إنقاذ رجليه. أُعيد لاحقًا إلى مستشفى الشفاء وبعد مضيّ أسبوعين ونصف تقريبًا اضطرّ الأطبّاء هناك إلى بتر رجله اليمنى من تحت الرّكبة ورجله اليسرى من فوق الرّكبة.

عن ذلك قال قاسم في إفادته:

في يوم الثلاثاء الموافق 22.5.18 قبل أن يُدخلوني إلى غرفة العمليّات أخبرني والدي أنّ الأطبّاء سوف يجرون عمليّة بتر لرجليّ الاثنتين لأنّ حالتي كانت قد تدهورت. حزنت كثيرًا نظرًا إلى أنّني سوف أفقد أجزاء من جسدي ولكن هكذا هو قدَري. توكّلت على الله ودخلت غرفة العمليّات. أبقوني في حالة تنويم بالبنج حتى 30.5.18 وعندما صحوت وجدت أنّهم قطعوا رجلي اليمنى من تحت الرّكبة ورجلي اليسرى من فوق الرّكبة. عانيت من أوجاع شديدة جدًّا وكنت أبكي وأصرخ طيلة الوقت. كانوا يقدّمون لي أدوية مسكّنة للأوجاع لكنّها لم تساعدني. بعد مضيّ شهر وأسبوع خرجت من المستشفى على كرسي متحرك. لن أتمكّن من السير على قدميّ بعد الآن.

كنت أحبّ السّباحة وكرة القدم ولكنّني لا أستطيع ممارستهما الآن. بعد قليل تبدأ السنة الدراسيّة وبدلًا من الذهاب سيرًا على الأقدام سأضطر إلى دخول المدرسة على كرسي متحرك. منذ أن بُترت رجلاي أكاد لا أتحرّك - لا مشي ولا لعب. أفكّر حتى بالتخلّي عن الدراسة في الفترة القريبة لأنّني لا أستطيع أن أتخيّل نفسي داخلًا إلى المدرسة على كرسي متحرك. هذا يسبّب لي حزنًا شديدًا. أنا ما زلت في حالة الصّدمة النفسيّة. 

أيّ ذنب جنيتُه حين ذهبت للمشاركة في مسيرات العودة؟ كلّ ما فعلته أنّني جلست وشاهدت المتظاهرين. ذهبت إلى هناك على رجليّ وعدت إلى البيت بدونهما. الجيش الإسرائيلي أطلق عليّ النار دون أيّ سبب. تلك الطلقة كلّفتني رجليّ. الآن أنا في انتظار تجهيز رجلين اصطناعيّتين لكي أتمكّن من المشي والعودة إلى المدرسة وممارسة حياتي كبقيّة أبناء جيلي. لقد حرموني من إمكانيّة الخروج للترفيه مع أصدقائي وقضاء الوقت في الشوارع. كذلك أنا لا أستطيع استخدام الدّرج وإذا احتجت الوصول إلى مكان ما يساعدني أشقّائي ويحملونني. 

في إفادة أدلى بها يوم 1.11.18 تحدّث قاسم عن عودته إلى المدرسة:

في البداية لم أقبل الذهاب إلى المدرسة لأنّني لا أستطيع صعود الدّرج هناك. أردت تأجيل الدراسة لكنّ والديّ لم يوافقا وقالا لي "نحن سندعمك وسنساعدك". في الأسابيع الثلاثة الأولى لم أذهب إلى المدرسة لأنّ صفّي يقع في الطابق الثالث ولا أستطيع الوصول إليه. بعد ذلك قرّرت إدارة المدرسة نقل صفّنا إلى الطابق الأرضي لكي أتمكّن من الانتظام في الدراسة.

الآن أنا أحتاج رجلين اصطناعيّتين لكي أتمكّن من المشي وممارسة حياة طبيعيّة. توجّهت إلى عدّة منظمات وطلبت أن يساعدوني في السفر إلى الخارج لأجل تركيب الرّجلين ولكن دون فائدة. وضعي النفسي آخذ في التدهور. كلّ ما أتمنّاه أن أحصل على رجلين اصطناعيّتين وأن أعود لروتين الحياة وأنهي دراستي الثانوية وأحقّق حلمي وأصبح صحفيًّا.

إصابة محمد أبو حسين البالغ من العمر 13 عامًا شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين في 29.6.18

في يوم الجمعة الموافق 29.6.18 نحو الساعة 17:00 حضر محمد أبو حسين البالغ من العمر 13 عامًا وهو طالب في الصف الثامن من سكّان مخيم جباليا للّاجئين، لكي يشارك في مظاهرة جرت شرقيّ المخيّم. اقترب محمد حتى مسافة ثلاثين مترًا من الشريط وهناك - نحو الساعة 18:00 أصيب بالرصاص برجله. 

صديقه أحمد السحار البالغ من العمر 17 عامًا طالب في الصفّ الثاني عشر أدلى بإفادة يوم 5.8.18، وصف فيها ما حدث:

بعد السّاعة 16:30 أخذ تتوافد أعداد كبيرة من النّاس وصارت المظاهرة أقوى. متظاهرون كثيرون تقدّموا باتّجاه الشريط. بعضهم رشق الحجارة نحو الجيش الإسرائيلي وهناك من أشعل الإطارات. اقتربت حتى أصبحت على بُعد نحو عشرة أمتار من الشريط. خلف الشريط كان عدد من الجنود فوق سواتر رمليّة يطلقون الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين. كانت هناك أيضًا بعض الجيبات تطلق قنابل الغاز المسيل للدموع وأصيب عدد من المتظاهرين جرّاء إطلاق النيران وكثيرون اختنقوا جرّاء استنشاق الغاز. 

بقيت في المكان نفسه ولاحقًا التقيت صديقي محمد أبو حسين. لقد فاجأتني رؤيته هناك لأنه ولد صغير. أمسكته وأعدته إلى الوراء إلى منطقة الخيام وتبعد عن الشريط بضعة مئات من الأمتار لكيلا يصاب بالرّصاص أو الغاز. اقتربت مجدّدًا من الشريط وإذ بعد نحو 15 دقيقة رأيت محمد مرّة أخرى وقد اقترب كثيرًا من الشريط. كان الجيش الإسرائيلي يطلق النيران بكثافة. عند الساعة 18:00 تقريبًا أيضًا كانت النيران كثيفة وكان محمد يبعد عنّي مسافة بضعة أمتار. قرّرت التراجع إلى الوراء وأخذ محمد معي لأنّني خفت عليه. ولكن في اللحظة نفسها أصاب الجيش رجل شابّ كان يقف قربنا. أطلق الجنود النيران أيضًا نحونا وأصيب محمد في رجله. نظرت إليه فوجدت أنّ رجله تكاد تكون مقطوعة، وكان ينزف بشدّة. أخذت أصرخ وأبكي وأنادي المسعفين فأتوا وحملوه على نقّالة إلى سيّارة الإسعاف. 

محمد أبو حسين البالغ من العمر 13 عامًا قال في إفادة أدلى بها يوم 2.8.18: 

الصورة
محمد أبو حسين. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 2.8.18

عند الساعة 18:00 كنت أقف مع صديقي أحمد السحار. أطلق الجيش الإسرائيلي النيران نحونا في حين كنت فقط أقف وأتفرّج على الأحداث قرب الشريط. أصابتني الرّصاصة في رجلي اليمنى ووقعت على الأرض. كانت رجلي مهروسة تقريبًا وكان الدّم ينزف منها بكثرة. كنت أبكي وأصرخ من شدّة الألم. نادى أحمد المسعفين فأتوا ونقلوني إلى سيّارة الإسعاف وضمّدوا رجلي. بعد ذلك نقلوني إلى المستشفى الإندونيسي وبعد مضيّ ساعة حوّلوني إلى مستشفى الشفاء في غزة لأنّ إصابتي كانت خطيرة. كان النزف لا يزال مستمرًّا وبعد ذلك أغمي عليّ. في مستشفى الشفاء قرّر الأطبّاء قطع رجلي لأنّ حالتي كانت حرجة. أدخلوني إلى غرفة العمليّات وقطعوا رجلي من فق الرّكبة.

عندما زال تأثير البنج وصحوت كانت الساعة الرّابعة فجرًا. سألت أخي عبد الرحمن عن رجلي هل قطعوها؟ فقال لا لم يقطعوها. بعد ذلك كلّما حاولت النهوض والوقوف على رجليّ كان أخي يقول لي "لا تحاول أن تتحرّك" ففهمت أنّهم قطعوا رجلي. كنت حزينًا جدًّا. طلبت من أخي أن يدفنوا رجلي في قبر بجوار قبر والدي الذي توفي قبل سنتين تقريبًا. لقد عانيت كثيرًا نفسيًّا وجسديًّا - من الأوجاع والأدوية. بعد مضيّ ثلاثة أسابيع تقريبًا خرجت من المستشفى.

حاليًّا أنا لا أستطيع المشي بدون عكّازين وأحيانًا أتعب كثيرًا من المشي هكذا لأنّني لم أعتدهما بعد. طبعًا لن أتمكّن بعد اليوم من ركوب درّاجتي أو اللّعب مع أصدقائي كما في السّابق. كنت أحبّ أن ألعب كرة القدم كثيرًا ولكن لن أتمكّن من ذلك بعد الآن. أحيانًا أحاول ذلك ولكن دون نجاح. يوجعني قلبي وأحزن كثيرًا عندما أنظر إلى أصدقائي يلعبون بينما أنا عاجز عن مشاركتهم اللّعب. 

بعد قليل سوف نعود إلى المدرسة وأنا لا أعرف بعد هل سأتمكّن من العودة. كيف أصل إلى هناك مع العكّازين؟ كيف أشارك أصدقائي اللّعب؟ أتمنّى أن يركّبوا لي رجلًا اصطناعية - لكي أتمكّن من اللّعب مجدّدًا وركوب درّاجتي والعودة إلى المدرسة وممارسة لعبة كرة القدم من جديد. لقد أطلقوا عليّ النار دون أيّ سبب. كنت أقف جانبًا ولم أفعل شيئًا. بسببهم فقدت رجلي وأصبحت عاجزًا.

آمنة أبو حسين والدة محمد البالغة من العمر 44 عامًا تحدّثت عن ابنها في إفادة أدلت بها يوم 28.10.18 :

اليوم الذي قطعوا فيه رجل ولدي محمد كان يومًا أسودَ بالنسبة إليّ. وقع عليّ الخبر كالصاعقة. ذهبت إلى المستشفى الذي يرقد فيه، وكنت أظنّها إصابة بسيطة. عندما رأيته رجله وعلمت أنّهم سيقطعونها أخذت في البكاء والصراخ. إنّه ولد صغير لم يتعدّ الـ13 من عمره. خفت أن يضيع مستقبله وأن تذهب دراسته وأحلامه أدراج الرياح. ماذا سيفعل ولد عندما يكتشف أنّ رجله قد اختفت؟ وماذا فعل ابني أصلًا لكي يفعلوا به ذلك؟ هو لم يحمل سلاحًا! وإذا كان قد حمل حجرًا فليس لذلك أيّ تأثير جديّ على الجيش الإسرائيلي. 

أشعر الآن بالحزن الشديد. محمد فقد استقلاليّته فأنا ألبسه وأغسله. إنّي قلقة عليه وأخاف أن أتركه ولو للحظة. قلبي يعتصره الألم عندما أراه جالسًا عاجزًا عن اللّعب أو الذهاب إلى المدرسة. كلّ أصدقائه يذهبون بشكل طبيعي إلّا هو. 

يتلقّى محمد الآن العلاج في مؤسّسة "أطبّاء بلا حدود". يهيّئونه ويدرّبونه لأجل تركيب الرّجْل الاصطناعيّة. في هذا الأسبوع سافر محمد إلى الولايات المتحدة عن طريق منظمة "إغاثة أولاد فلسطين" وهناك سوف يركّبون له الرّجل الاصطناعيّة. سيبقى هناك عدّة أشهر وقد أردت السّفر معه والبقاء إلى جانبه أثناء العلاج لكن المؤسّسة لم تسمح بذلك. ستكون هذه فترة صعبة بالنسبة لي ولمحمد أيضًا فهو يحتاجني إلى جانبه. هذه أوّل مرّة يفارقني فيها. لقد كان يرغب جدًّا في أن أرافقه أثناء فترة العلاج هناك لكن ذلك غير ممكن. أتمنّى أن يشفى وأراه عائدًا إليّ ماشيًا على قدميه بدون العكّازين.

إصابة يوسف الدّوش البالغ من العمر 18 عامًا قرب حاجز إيرز في 4.9.18

في يوم الثلاثاء، الموافق 4.9.18 أثناء مظاهرة جرت قرب حاجز إيرز شمالي مدينة بيت حانون تجاوز بعض المتظاهرين بوّابة الحاجز. عند الساعة 15:30 وصل يوسف الدوش البالغ من العمر 18 عامًا وهو من سكّان بلدة بيت لاهيا ليشارك في المظاهرة. كان يرافقه ابن عمّه عبد الله سلمان البالغ من العمر 16 عامًا وهو من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين. اقترب الاثنان من الحاجز وهما يرشقان الحجارة نحو عناصر قوّات الأمن الذين كانوا منتشرين في الجانب الآخر من الحاجز والجدار الذي وراءه. قرب الساعة 17:20 عندما تجاوز يوسف الدوش بوّابة الحاجز ورشق حجارة نحو عناصر قوّات الأمن عن مسافة نحو 15 مترًا أطلق هؤلاء النار على رجله.

الصورة
المظاهرة بالقرب من حاجز إيرز. تصوير: محمد الزعنون, أكتيفيست ليست, 4.9.18

في إفادة أدلى بها عبد الله سلمان يوم 12.9.18 تحدّث عن إطلاق النار على ابن عمّه قائلًا: ​​​​​​

الصورة
عبد الله سلمان. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 12.9.18

عندما وصلنا كانت السّاعة 15:30 وكان هناك عدد كبير من المتظاهرين يرشقون الحجارة نحو الجيش الإسرائيلي المتواجد في حاجز إيرز. تقدّمنا إلى الأمام واجتزنا بوّابة الحاجز نحو الجيش الإسرائيلي - الذين كانوا متحصّنين خلف جدران من الباطون. أطلق الجيش على المتظاهرين قنابل الغاز المسيل للدموع بكثافة وأيضًا الرّصاص الحيّ الذي أصاب بعض المتظاهرين وأوقعهم جرحى. 

كنّا أنا ويوسف نرشق الحجارة. تقدّم يوسف نحو الجنود وبقيت أنا خلفه على بُعد نحو 15 مترًا منه وواصلنا رشق الحجارة. كنت أنظر إلى يوسف فقال لي: "تقدّم يا عبد الله"، وعندها أطلق الجنود علينا الرّصاص الحيّ وأصيب يوسف برجله. حاولت التقدّم نحوه لكي أسعفه ولكن لم أستطع لأنّ الجنود أطلقوا نحونا وابلًا من قنابل الغاز المسيل للدموع. أخذ يوسف يتراجع إلى الخلف وكان ينزف. عندما اقترب منّا جاء المسعفون وضمّدوا رجله ثمّ أدخلوه إلى سيارة الإسعاف وصعدت أنا معه. أصيبت رجله بالرّصاص الحيّ وكانت تنزف بشدّة وكان هو يصرخ من الألم حين كان المسعفون يعالجونه. عندما وصلنا إلى مستشفى العودة كانت حالته صعبة جدًّا.  

المصاب يوسف الدّوش أدلى بإفادته يوم 12.9.18 قائلًا:

رشقت مع بقيّة المتظاهرين الحجارة نحو الجيش الإسرائيلي وفي الوقت نفسه كنت أتقدّم نحو الجنود. كان هناك جنود يعتلون جدارًا إسمنتيًا إضافة إلى الجيبات وإطلاق قنابل الغاز بشكل كثيف. أغمي على الكثير من الناس بسبب الغاز. أصيب القلائل جرّاء إطلاق النيران ولكن معظمهم كان إصاباتهم جدّية. تجاوزت بوّابة حاجز إيرز واقتربت من الجيش الإسرائيلي ومن نقطة التفتيش. تقدّمت حتى لم يفصلني عن الجنود سوى 15 مترًا تقريبًا ورشقت الحجارة. 

نحو الساعة 17:20 أحسست شيئًا في رجلي اليمنى. نظرت إلى رجلي فرأيت نافورة دماء. حاولت المشي إلى الخلف ولكن لم يتقدّم أحد لمساعدتي لكثرة الغاز المسيل للدموع. واصلت التراجع إلى الخلف حتى وصلت إلى المسعفين وعندها ضمّدوا رجلي وأدخلوني إلى سيّارة الإسعاف وكان معي عبد الله ابن عمّي. نقلني المسعفون إلى مستشفى العودة في جباليا ورجلي لا تزال تنزف. بسبب خطورة الإصابة حوّلوني إلى مستشفى الشفاء في غزة وهناك أدخلوني فورًا إلى غرفة العمليّات. أثناء العمليّة تلقيت وجبات دم كثيرة لأنّ الرّصاصة اخترقت الرّكبة اليمنى ومزّقت الأنسجة وقطعت الشريان الرئيسي. استمرّت العمليّة ثلاث ساعات ونصف. صحوت في غرفة العناية المكثّفة ورقدت هناك لمدّة يومين تقريبًا وما زلت أرقد في مستشفى الشفاء. قال لي الأطبّاء إنّ وضعي جيّد وإنّ هناك تحسّن ولكنّي أحتاج البقاء في المستشفى مزيدًا من الوقت وبأنهم سيجرون لي عمليّة تجميليّة لأنّ جزءًا من نسيج الرجل قد انسلخ. 

خرج يوسف الدوش من المستشفى بعد ثلاثة أسابيع لكنّ وضع رجله ظلّ يتدهور. في إحدى زيارات متابعة العلاج قال له الأطبّاء إنّه لا مناص من بتر رجله. رفض والده الموافقة على عمليّة البتر وسعى جاهدًا لتحويل ولده للعلاج في الخارج. 

الصورة
يوسف الدّوش. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 29.10.18

أدلى المصاب بإفادته يوم 29.10.18 محدّثًا عن إصابته ومحاولات العلاج:

أجرى والدي اتّصالًا مع طبيب خاصّ فجاء وفحصني. قال الطبيب إنّ وضع رجلي سيّئ جدًّا حيث تبيّن في صورة CT أنّ هناك انسداد كبير في الشرايين. تلقّيت أدوية عن طريق الفم والإبر. أحد أقاربنا يعمل طبيبًا في وزارة الصحّة أخذني إلى منزله في مخيّم النصيرات لكي يعكف على معالجة رجلي. أمكث في منزله منذ أسبوعين. هو من يغيّر الضمّادات وينظف الجرح. الآن رجلي آخذة في التحسّن.  

لقد سبّبت لي الإصابة معاناة شديدة. أنا لا أستطيع المشي ولذلك أستعين بعكّازين. أظل طريح الفراش ليل نهار وأعاني أوجاعًا شديدة وإحساسًا بالحرَقة في الرّجل. أحيانًا أخبط على رأسي من شدّة الألم. والدي موظّف بسيط ولا يمكنه توفير المال اللّازم للعلاجات التي أحتاجها. فقدت الشهيّة وانخفض وزني. أعاني أوجاعًا في الرأس طيلة الوقت. حتى دخول المرحاض صار أمرًا صعبًا عليّ. لقد فقدت عملي جرّاء هذه الإصابة. كنت أعمل في معمل معجّنات. لم يعد بإمكاني ممارسة لعبة كرة القدم في النادي الذي كنت أنتمي إليه. كان يُمتعني كثيرًا منافسة أصدقائي في الرّكض على شاطئ البحر ولكنّني لن أستطيع العودة إلى ذلك بسبب نتائج الإصابة. لقد فقدت كلّ هذه الأشياء. أنا مرهق نفسيًّا وجسديًّا وأكاد لا أخرج من المنزل. أدعو الله أن يشفيني فأتمكّن من المشي على قدميّ مجدّدًا. 

مواد مقترحة

מוחמד אבו סכראן, בן 17, כשנה לאחר פציעתו. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 1.8.22

قطاع غزة

الزمن لا يُداوي الجراح: جرحى من قطاع غزة يتحدثون عن حياتهم منذ جولة القتال في أيّار 2021

بعد نحو سنة ورُبع السنة من انتهاء جولة القتال في أيار 2021 ("حارس الأسوار") عادت إسرائيل إلى قصف قطاع غزة وشنت "جولة" أخرى من القتال ("طلوع الفجر") استمرت هذه المرة ثلاثة أيام في آب 2022 وأسفرت عن مقتل 49 فلسطينياً. خلال الأشهر الأخيرة تحدثت "بتسيلم" مع عدد من جرحى الجولة السابقة والذين لا يزالون يخوضون صراعاً من أجل إعادة تأهيل أنفسهم والعودة إلى مسار حياة طبيعي. خلال تلك الجولة، قُتل في قطاع غزة 233 فلسطينياً من بينهم 38 امرأة و- 54 طفلاً. ووفقًا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بقي عشرات الآلاف بدون مأوى وتضررت عشرات المنشآت الصحية والبنى التحتية الملازمة لها؛ ركام المباني وأعمدة الكهرباء التي انهارت سدّت الشوارع والطرقات وجعلت من الصعب جداً مرور سيارات الإسعاف والمركبات الأخرى من أجل إخلاء المصابين. كما أدى تضرُّر البنى التحتية وشبكتيّ الكهرباء والماء إلى عرقلة عمل المستشفيات. في إفاداتهم، التي استمع إليها باحثو بتسيلم الميدانيون، يتحدث الجرحى عن صراعهم وصراع أُسَرِهم مع تحديات إعادة التأهيل، من منظور شخصي. وإلى جانب ذلك، تسلط الإفادات الضوء على الواقع الأوسع الذي يعيشه جرحى هذه الجولة والجولات السابقة في قطاع غزة، والذين يحاولون إعادة تأهيل أنفسهم بشقّ الأنفس. من الواضح بالطبع، وفي كل الأحوال، أن إعادة التأهيل بعد إصابة بالغة هي عملية مضنية وحاسمة تشمل العديد من الجوانب الطبية والنفسية المركّبة. إلا أن إعادة التأهيل في قطاع غزة هو أكثر تعقيداً، أضعافاً مضاعفة، سواء بسبب عدد الجرحى الآخذ في الازدياد باستمرار من "جولة" إلى "جولة" أخرى، أو بسبب البنى التحتية التي تزاد أوضاعها تردياً وسوءاً باستمرار جرّاء استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع. وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، اثنان من مستشفيات قطاع غزة، التي يبلغ عددها ثلاثين مستشفى، اضطرا إلى التوقف عن العمل تماماً خلال "جولة" القتال الأخيرة جرّاء الأضرار التي لحقت بهما، بينما واصلت المستشفيات الأخرى العمل بصورة جزئية ومحدودة فقط. إضافة إلى ذلك، أغلقت 57 عيادة من بين العيادات العامة الـ 93 في قطاع غزة بينما بقيت العيادات الأخرى تعمل بصورة جزئيّة فقط. ورغم أنّ جهاز الصحّة في القطاع يعاني من نقص خطير في الأدوية والتجهيزات، وكذلك في الأطباء بشكل عام وفي الأطباء ذوي التأهيلات المواكبة للتطورات والتحديثات بشكل خاص، إلا أن إسرائيل تواصل ـ في إطار الحصار الذي تفرضه على القطاع ـ منع إدخال الأدوية والأجهزة الطبيّة المتقدّمة إلى مناطق القطاع، كما تمنع خروج الأطبّاء إلى الاستكمالات. وبذلك، تسبب إسرائيل ضرراً إضافياً آخر للجرحى إذ تحرمهم من إمكانيات العلاج االتأهيلي. لا بل إن إسرائيل تمنع جرحى كثيرين ممّن لا تتوفّر العلاجات والخدمات الصحيّة اللّازمة لهم داخل القطاع من الوصول إلى مؤسّسات طبيّة في الضفة الغربية، رغم أنها لا تبعد سوى عشرات الكيلومترات، من أجل الحصول على العلاج الطبي اللازم والمناسب لهم. وفقاً لمنظمة Handicap International، يعمل في قطاع غزّة نحو خمسين مركزاً للعلاج التأهيليّ تشغّلها منظمات غير حكوميّة وتعتمد على توفّر التمويل من الصّناديق الأجنبية المانحة. تعاني هذه المراكز من نقص في القوى العاملة وصعوبات في التأهيل المهنيّ للعاملين فيها، ولهذا فإنّ خدمات إعادة التأهيل التي يمكن لهذه المراكز تقديمها تقتصر على العلاج الطبيعيّ والدعم النفسيّ - الاجتماعيّ، بينما تكاد إمكانيّات إعادة التأهيل التشغيلي بواسطة أجهزة مساعدة تكون معدومة تماماً. ثمة مركزان اثنان فقط للعلاج التأهيلي للعظام يعملان في مجال تركيب الأطراف الاصطناعيّة، أحدهما تابع للصّليب الأحمر والثاني أقيم في آذار 2022 ويعمل بتمويل من دولة قطر. تتنصّل إسرائيل من أيّة مسؤوليّة وقد سنّت لنفسها قانوناً يعفيها من دفع تعويضات في جميع الحالات تقريباً، بادّعاء أنّها وقعت خلال "عمليّات قتالية". وبذلك أصبح احتمال حصول فلسطينيّين قدّموا دعاوى تعويض عن الأضرار التي ألحقتها بهم إسرائيل شبه معدوم تماماً تقريباً. يعاني ضحايا الحرب في قطاع غزّة من ضائقة اقتصاديّة شديدة ومن انعدام الدّعم الذي يتيح إعادة تأهيلهم. في هذا الروتين اليومي من الخوف والرعب من جولات قتالية متكررة، وفي ظل الشعور بأنهم قد يتحولون في أية لحظة إلى أهداف للقصف الإسرائيلي، يتحدث طلاب، شبان وآباء وأمهات لأطفال أصيبوا بجراح بالغة، وبعضهم فقد في الحرب بعضاً من أبناء عائلاتهم؛ عن الصراعات اليوميّة التي يخوضونها مع الإصابات البالغة، الجسديّة والنفسيّة. بعضهم بقي يعاني من إعاقة مستديمة. فيما يلي الإفادات التي سجلها باحثو بتسيلم الميدانيّون: محمد أبو سكران (17 عاماً، من سكّان حيّ الشجاعيّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ أصاب مدخل منزله وتسبّب أيضاً بمقتل جدّه وابن عمّ والده. لا يزال يعاني حتى اليوم من إعاقة حركيّة في رجليه ويديه ومن شظية بقيت داخل رأسه وتشكل خطراً على حياته. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 1.8.22، فقال: أصبت بجروح بالغة خلال حرب العام الماضي. كان ذلك في اليوم الأخير من شهر رمضان ـ 12.5.2021 نحو السّاعة 20:30، حين كنت في المنزل مع جدّي وابن عمّ والدي. فجأة أطلقوا صاروخاً على منزلنا. رقدتُ لمدّة أسبوع في قسم العناية المكثّفة في مستشفى الشفاء وخلال السّنة الأخيرة تلقّيت العلاج في مستشفى الوفاء التأهيلي في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". أجرِيَت لي عمليّة جراحيّة في الرّجل اليسرى وخضعت للعلاج الطبيعيّ ولعلاجات وظيفيّة أخرى، إضافة إلى الدّعم النفسيّ. قبل الإصابة كانت حياتي عاديّة. أذهب إلى المدرسة المهنيّة كلّ يوم من السّابعة صباحاً حتى الثانية بعد الظهر. كنت أحبّ دروس النجارة والرياضة وكنت أقضي وقتاً كثيراً مع زملائي وأصدقائي. بعد انتهاء الدّوام كنت أتناول وجبة الغداء في المنزل ثمّ أعمل قليلاً في تصليح الدرّاجات الهوائيّة - كانت هذه هوايتي ـ وكنت أساعد جدّي في حراثة الأرض والاعتناء بمزروعاته. منذ أن أصبت توقّفت عن الذهاب إلى المدرسة وأصبحتُ أقضي معظم وقتي في المنزل. أعاني من صُداع شديد لا يُحتمل ولا أقدر على استخدام يدي اليُمنى بسبب مشكلة في الأعصاب. عندما أخرج من المنزل أحتاج إلى عكّازين. أنا أكرههما وأكره منظر جسمي الذي تشوّه بسبب الشظايا. أعصابي تثور لأتفه الأسباب وأتصرّف بعُدوانيّة تجاه إخوتي، ممّا يدمّرني نفسيّاً. وضعي الصحّي لا يتحسّن. ببساطة، أنا لا أستطيع القيام بأيّ شيء لوحدي - لا التمارين الرياضيّة ولا ركوب الدرّاجة الهوائيّة. كلّما نظرت إلى باب المنزل تذكّرت الصّاروخ الذي أصاب المنزل وقتل جدّي وابن عمّ والدي. عندئذٍ أنطوي على نفسي وأجهش بالبكاء. معظم الوقت أشاهد مسلسلات وأفلاماً عبر الهاتف النقال، لكن لا شيء يبعث الفرح في نفسي الآن. أتذكّر كلّ الوقت فترة علاجي في المستشفى بعد إصابتي، أتذكّر جدّي وكيف كان يأخذني لأعمل معه. أصبحت حياتي شريطاً من الذكريات والألم. هشام أبو سكران (44 عاماً)، والد محمد، قال في إفادته: في ذلك المساء كان محمد في المنزل مع جدّه، أحمد إبراهيم أبو سكران (64 عاماً) وابن عمّي محمد ناهد أبو سكران (25 عاماً). فجأة، قصفوا المنزل بصاروخ فقُتل كلاهما بينما أصيب ابني محمد الذي كان قريباً منهما بجروح بالغة. في لحظة القصف كنت في الطابق الثاني. هبطت الدرج مسرعاً فوجدت والدي قد فارق الحياة. رأيت ابني محمد ممدّداً قرب محمد ناهد ودماء كثيرة. كان المكان مليئاً بالدّخان والرّكام. حملت الاثنين وأخرجتهما من المنزل ثمّ نقلتنا سيّارة إلى مستشفى الشفاء، بينما قام شخص آخر بنقل والدي إلى مستشفى آخر وأبلغني الأطبّاء هناك بأنّه استُشهد. لاحقاً استُشهد في المستشفى أيضاً ابن عمّي محمد ناهد متأثراً بجراحه. قيل لي إنّ ابني قد استُشهد لكنّ أحدهم قال إنّه في قسم العناية الفائقة وبحاجة إلى وجبات دم. نحو السّاعة 1:00 بعد منتصف اللّيل طلب منّي الأطبّاء وجبات دم لمحمد. انتظرت حتى السّاعة 3:00 فجراً وأنا لا أعرف عن وضعه شيئاً ثم قالوا لي إنّ حالته لا تزال خطيرة جدّاً وطلبوا أن نصلي وندعو الله من أجله. عندما دخلت إلى الغرفة لكي أراه كان ملقىً في السّرير دون حراك وكلّ جسمه موصولاً بأنابيب. لم أستوعب ما رأته عيناي. خرجت من المستشفى وعدت إلى البيت لإلقاء نظرة وداع أخيرة على والدي ثمّ تشييعه إلى مثواه الأخير. ظلّ محمد راقداً في قسم العناية الفائقة طوال أسبوع نقلوه بعده إلى قسم في المستشفى وبقي فيه لمدّة شهرين. طيلة هذه المدّة كان إلى جانبه في المستشفى ابني تامر (38 عاماً). كان محمد يجد صعوبة في الكلام ولا يستطيع تناوُل الطعام أو الشرب. فقط بعد مضيّ أسبوعين على نقله إلى القسم صار بإمكانه تناول أطعمة خفيفة. بعد ذلك نقلوه إلى مستشفى "الوفاء" التأهيلي، في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". بقي هناك لمدة شهرين تلقّى خلالها العلاج الطبيعيّ والعلاج بالتشغيل. خلال تلك الفترة لم يكن يستطيع التحرّك، إطلاقاً تقريباً ـ كان يجد صعوبة في تحريك يده اليمنى بسبب إصابة في العصب وكانت رجله اليسرى مكسورة وفي رجله اليمنى شظايا. في المركز نفسه تمّ تقطيب جروح كثيرة في جسده وزرع بلاتين في رجليه. طوال تلك الفترة كان يعاني من الأوجاع وقد لازمتُه أنا هناك معظم الوقت لمساعدته قدر المستطاع. بعد شهرين من العلاج في مستشفى الوفاء نُقل إلى مستشفى الشفاء لإصلاح شرائح البلاتين ومن هناك أخذته إلى المنزل وكانت حالته النفسيّة في تراجُع دائم. مرّة أخرى لم يعد يأكل أو يشرب، إطلاقاً تقريباً، ومعظم الوقت ينتابه الغضب والصّراخ. توجّهنا مرّة أخرى إلى "أطبّاء بلا حدود" فقدّموا له الدّعم النفسيّ، كما استأنف تلقّي العلاج الطبيعيّ هناك. وفي أيّار 2022 أزالوا البلاتين الخارجيّ من رجله اليسرى وعالجوا العظم. وهو يستعين اليوم بعكّازين. جسم محمد مليء بالشظايا ولا يزال واهناً جدّاً. يقول الأطبّاء إنّه معرّض للخطر بسبب شظية بقيت في رأسه، قريباً من الدّماغ. لقد نبّهونا كي نحترس لئلّا يتلقّى أية ضربة في رأسه لأنّ هذا قد يحرّك الشظية فتحلق ضرراً بدماغه. حتى العطاس قد يسبّب ذلك. قبل إصابته كان محمد يتعلّم النجارة في المدرسة المهنيّة في غزّة، لكن منذ إصابته لم يُداوم وهو يقضي معظم الوقت الآن في المنزل. إنّه خائف جدّاً. عبد الله اسْليم (23 عاماً، من سكّان مدينة غزّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ استهدفت به إسرائيل سيّارة كان يقف بالقرب منها. في هذا الهجوم قُتل 6 أشخاص، بينهم صديقه وأحد أقرباء الصّديق وأربعة آخرون. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 10:30 كنت ذاهباً مع عبد الغزالي (28 عاماً) في اتّجاه المطعم الذي كنّا نعمل فيه في شارع الوحدة لكي نفتحه، رغم القصف. عندما وصلنا إلى شارع المُغربي التقينا ابن عمّ عبد ويُدعى نادر الغزالي (46 عاماً) خارج المخيطة التي يعمل فيها وتحدّثنا معاً لبعض الوقت. في تلك اللحظات توقّفت سيّارة على بُعد بضعة أمتار منّا. رأيت في داخلها ثلاثة أشخاص وفجأة حدث انفجار قويّ. طار عبد في الهواء وارتطم بباب معدني في إحدى الحوانيت القريبة منّا. بقيت أنا في مكاني وحولي دم يغطّي كلّ شيء. شعرت بدُوار قويّ وبعد أن ابتعدت بضعة أمتار استوعبت أنّ شظايا قد أصابتني في كلّ الجانب الأيمن من جسمي. حين وقعت على الأرض رُحت أتلو الشهادتين. بعد ثلاث دقائق حدث قصف مرّة أخرى وأحسست بأنّني أصبت في بطني. نهضت عن الأرض ومشيت بضعة أمتار في اتّجاه صيدليّة قريبة. طلبت من الصيدليّ أن يساعدني في فحص وضع عبد. كان الدّم ينزف من عيني اليمنى وملابسي كلّها مخضّبة بالدّماء فهاله منظري وصرخ يطلب نجدة. أتى عدد من الشباب وأخذوني في سيّارتهم إلى مستشفى الشفاء. بعد ثلاثة أيّام على مبيتي في المستشفى أخبروني بأنّ عبد ونادر ابن عمّه قد استُشهدا. بقيت في المستشفى 15 يوماً وفي تمّوز 2021 أجريت لي عمليّة جراحيّة في البطن لكنّ الأطبّاء لم يتمكّنوا من إخراج جميع الشظايا وما زلت أعاني من أوجاع. خضعت أيضاً لجراحة في الصدر حيث استأصلوا جزءاً من العظم ومنذ ذلك الحين أعاني من ضيق تنفّس وأوجاع في الصّدر، كما أتصعّب في النوم ليلاً. تضرّر عندي السّمع في الأذن اليمنى وتضرّرت شبكيّة عيني اليمنى. قلّما أخرج من المنزل. لم أتمكّن من العودة إلى عملي في المطعم وبقيت بدون أيّ مدخول بعد أن كنت المعيل الوحيد لأسرتنا. الأسرة كلّها تعاني الآن. قبل ذلك، لم يكن ينقصنا شيء - كانت مائدتنا عامرة وكنت أوفّر للجميع احتياجاتهم. كذلك موّلت التعليم الجامعيّ لأختي هنادي (24 عاماً) وأخي شادي (19 عاماً) لكنّهما لم يُتمّا سوى فصل واحد فقد عجزت عن دفع أقساطهما الدراسيّة بسبب الإصابة. قبل الإصابة كنت قد تمكّنت من توفير 2,000 دولار تقريباً لشراء سيّارة سفريات تضمن لنا مدخولاً إضافيّاً لكنّني صرفت كلّ ما ادّخرته تقريباً لتغطية مصاريف علاجي. منذ أصبحت عاطلاً عن العمل يزداد وضعنا سوءاً ولا أعرف كيف سنستطيع الاستمرار على هذا الحال. معاوية الوحيدي (43 عاماً وأب لاثنين، يُقيم في حيّ الزيتون في مدينة غزّة) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل قرب مكان عمله. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 11:00، حين كنت في صالون الحلاقة خاصتي سمعت انفجاراً قويّاً في الخارج. بعد ذلك مباشرة دخل إلى الصالون نادر الغزالي (46 عاماً) مضطرباً مذهولاً وقال لي: "أنقذوا معاوية! إنّه لا يستطيع التنفّس!". كانت حالته مروّعة. أخذته إلى الخارج وابتعدنا عن صالون الحلاقة نحو 30 متراً. كان الدّم ينزف من فمه ثمّ وقع أرضاً. حاولت أن أسعفه. نظرت حولي فرأيت في الشارع ما لا يقلّ عن أربعة شهداء ممدّدين قرب السيّارة التي انفجرت. عرفت من بينهم سعيد الحتو وزوجته ميسون الحتو. بعد ثلاث دقائق سقط صاروخ آخر بجانبنا تماماً فقُتل نادر على الفور. قُطعت رجلي اليسرى ونزف دمي منها طيلة عشرين دقيقة دون توقّف. جميع من حولي كان في حالة هلع. خفنا جميعاً من قصف جوّيّ آخر. الناس الذين تجمّعوا حولي استدعوا سيّارة إسعاف وعندما وصلت أخلتني من هناك فيما بقي جميع الشهداء على الأرض. أخذوني إلى مستشفى الشفاء ويبدو أنّني فقدت الوعي في الطريق إلى هناك. في المستشفى أدخلوني إلى غرفة العمليّات وقطعوا رجلي اليمنى. بعد ذلك علمت أنّهم كانوا يريدون قطع رجلي اليسرى لأنّها كانت في حالة صعبة، لكنّهم قرّروا معالجتها لاحقاً. بعد أن أمضيت أسبوعاً في المستشفى نقلوني للعلاج لدى منظمة "أطبّاء بلا حدود" التي تعتني بالجرحى وتعمل أيضاً في مستشفى العودة في شمال القطاع. أذكر أنّني في أثناء نقلي إلى هناك كنت أسمع قصف الجيش الإسرائيليّ. بقيت هناك أربعين يوماً تقريباً، رجلي مقطوعة وأعاني مشاكل كثيرة في رجلي الأخرى. بعد ذلك ابتدأت رحلة عذابي الحقيقيّة وهي مستمرّة منذ أكثر من سنة. ما زلت أعاني حتى الآن أوجاعاً في كلّ أنحاء جسمي. أتلقّى العلاج في المنزل مرّتين في الأسبوع على يد طاقم تابع للسّلطة الوطنيّة للعلاجات الطبيعية. رجلي اليسرى غير موجودة تقريباً وأنا بحاجة إلى رِجل اصطناعيّة هيدرولية لتخفيف وزن جسمي على الرّجل والتسهيل عليّ عند المشي. لكنّهم في مستشفى حمد في غزّة قالوا لي إنّهم لا يستطيعون مساعدتي في الحصول عليها لأنّ إسرائيل منعت إدخال قطع الأرجل الاصطناعيّة إلى قطاع غزّة. هنالك أيضاً كرسيّ عجلات خاصَ يمكنه أن يسهّل عليّ العمل لكنّه يكلّف ما يقارب 1,500 دولار ولا أستطيع اقتناءه حاليّاً. قدّمت لي إحدى الجمعيّات كرسيّ عجلات كهربائيّاً يمكنني بواسطته التجوّل في الخارج وأحياناً أتلقّى بعض المساعدات من أفراد. شقّتنا في الطابق الرّابع وبدون مصعد كهربائي مما يصعّب عليّ الخروج فأقضي معظم وقتي في المنزل. أشعر بأنّني عبء على عائلتي. زوجتي بدأت تعاني من انزلاق غضروفيّ في العمود الفقريّ لأنّها تبذل جهداً أكثر من اللّازم وأنا لا أستطيع أن أساعد في شيء في المنزل. شعوري بالعجز يؤثّر على جميع مَن في المنزل. ولداي سديم (8 سنوات) وسراج (11 سنة) كانا تلميذين متفوّقين لكنّ تحصيلهما الدراسيّ هبط منذ إصابتي. هما يشاهدان نوبات العصبيّة التي تنتابني طوال الوقت إلى درجة أنّني أحطّم أشياء في المنزل. لقد مرّت سنة منذ أن أصبت وما زلت أتصعّب في التخلّص من هذه الحالة النفسيّة. أصبحتُ ضحيةً للجيش الإسرائيليّ بينما كنت في عملي ولم أشكّل أيّ خطر على إسرائيل. أحياناً، عندما آتي إلى صالون الحلاقة أرى في مخيّلتي السيّارة وهي تحترق والشهداء والجرحى ممدّين على الأرض. أتذكّر نفسي حاملاً الشهيد نادر الغزالي وفارّاً من الصّاروخ الثاني. كلّما حدث لي ذلك أبكي وأشعر بالاختناق. أنا أحاول المجيء إلى صالون الحلاقة من حين لآخر وممارسة عملي ولكن عندما يدخل زبون ويطلب أن يقصّ شعره لا أقدر على ذلك أحياناً. كلّ ما أريده هو أن أرمّم صالون الحلاقة وأعود لمزاولة مهنتي مجدّداً. لقد عملت حلّاقاً طيلة 25 عاماً وكنت المعيل الوحيد في المنزل. الآن، رغم إعاقتي، أنا لا أتلقّى أيّة مخصّصات من أيّة جهة. أشعر بأنّني تحوّلت من صاحب مصلحة إلى شحّاذ متسوّل. إسحاق فيّاض (51 عاماً وأب لستّة، من سكان بيت حانون) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أصاب منزله إصابة مباشرة. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 19.5.22 فقال: ليلة 14.5.21 استضفنا نحو ستّين شخصاً من أقاربنا، نصفهم أطفال، في منزلنا في شارع البعلي وسط بيت حانون، لأنّ منزلنا يقع في منطقة تعتبر أكثر أمناً. قبيل منتصف اللّيل سمعنا أصوات انفجارات أخذت تقترب منّا أكثر فأكثر. عندما اشتدّ صوت الانفجارات راح الجميع يصرخون من شدّة الخوف. حاولت أن أهدّئهم وقلت لهُم إنّهم في أمان. صعدت إلى الطابق العلويّ وعندما وصلت إلى أعلى وكنت لا أزال في بيت الدّرج، في جزئه غير المسقوف، حدث انفجار هائل طيّرني مسافة ثلاثة أمتار على الأقلّ. بعد ثوانٍ معدودة انفجر صاروخ آخر أصاب منزل جيراننا. جميع حجارة الجدران والسّقف في بنايتنا كانت متناثرة في كلّ مكان ولم يبق منتصباً سوى العُمدان. رجلي اليمنى قُطعت تقريباً. كانت موصولة فقط بقليل من الجلد وشريان وقد حاولت أن أسحبها قريباً منّي. شظايا الصّاروخ أصابت رجلي اليسرى ودمي كان ينزف دون توقّف. أخذت أهبط الدّرج زحفاً حتى وصلت إلى الطابق الأرضيّ ومن ثمّ إلى الشارع. وهناك شاهدت أناساً كثيرين يركضون بهلع ويبحثون عن أبناء عائلاتهم. شعرتُ بدُوار. قام ابني إبراهيم (22 عاماً) وزوجته غزل (22 عاماً) بجرّي إلى منزل الجيران، عائلة الزعانين، وهناك ربطا رجلي لكي يوقفا النزيف. بعد عدّة دقائق أخذوني إلى خارج المنزل لكي تنقلني سيّارة الإسعاف إلى المستشفى. بعد نحو رُبع ساعة وصلت سيّارة إسعاف نقلتني إلى مستشفىً في بيت حانون. في المستشفى لفّوني بضمادات ثمّ نقلوني إلى المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا. رافقني إلى هناك ابني جاسر (23 عاماً). في الطريق أغمي عليّ ولم أستفق سوى بعد ظهر اليوم التالي لأجد نفسي في المستشفى. بعد أربعة أيّام نقلوني إلى مستشفى ناصر في القاهرة وهناك أجريت لي عشر عمليّات جراحيّة في الرّجلين وتمّ تركيب مثبّت في رجلي اليمنى. خلال تلك الفترة عانيت من أوجاع فظيعة وفقدت الكثير من وزني. كنت أبدو مثل هيكل عظميّ وبالكاد يمكن التعرّف عليّ. حالتي النفسيّة كانت سيّئة جدّاً ولكن من حسن حظّي أنّ وردة زوجتي آزرتني وكانت معي هناك طول الوقت. أمضيت في المستشفى في القاهرة تسعة أشهر ثمّ في 13.3.22 عدت إلى غزة واستأنفت العلاجات لدى منظّمة "أطبّاء بلا حدود" في مستشفى العودة. قال لي الطبيب هناك إنّه يجب قطع رجلي اليمنى فصُدمت من أنّ الأمور قد وصلت إلى هذه الدرجة. وبالفعل بعد ثلاثة أسابيع تقريباً قطعوا رجلي. ثمّ أجريت لي عمليّتان جراحيّتان إضافيتان في الرّجل وما زلت أتلقّى العلاج الطبيعيّ حتى اليوم. إضافة إلى ذلك، أصبت بمرض السكّري وارتفاع ضغط الدّم لكن الأدوية التي أحتاج إليها لا تتوفّر في الصيدليّات الحكوميّة في القطاع مما يضطرني إلى شرائها على حسابي الخاصّ. على سبيل المثال، الحبة الواحدة من دواء فلوكورال، المضاد لالتهاب الرّجلين، تكلّفني 13 شيكل. منذ أن قطعوا رجلي أكاد لا أخرج من المنزل لأنّ شقّتنا في الطابق الثاني والبناية بدون مصعد كهربائي وعندما خرجت ذات مرّة وقعت على الدّرج. قبل إصابتي كنت في حركة دائمة بحُكم عملي في تجارة المواشي. لستُ معتاداً على العطالة وملازمة المنزل. على الأقلّ يأتي الأصدقاء المقرّبون لزيارتي أحياناً، كي لا أبقى وحيداً. مجد العجلة (21 عاماً، طالب حقوق، من سكان حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة) أصيب جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وهو يقف قرب منزله ويعاني منذ إصابته من إعاقة حركيّة ومشاكل في النطق. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 26.5.22 فقال: في يوم الأحد الموافق 15.5.21 خرجت من منزلي في حيّ الشجاعيّة، وعند السّاعة 13:00 تقريباً حينما كنت لا أزال قرب المنزل أطلق صاروخ من طائرة فسقط قريباً منّي. قُتل جرّاء هذا القصف ثلاثة من أقاربي هم: يحيى العجلة (24 عاماً) وسيف الدين أبو العطا (18 عاماً) - وكان قد فرّ من منزله في شرق الشجاعيّة ولقي حتفه قرب منزل عمّه - ومحمد بهار (17 عاماً) وقد قُتل عند مدخل منزل أخيه. أنا وأخي محمد أصبنا بجروح بالغة. كنت غائباً عن الوعي طيلة 25 يوماً وعندما استفقت وجدت نفسي في مستشفى الشفاء. خلال تلك الفترة خضعت لعمليّات جراحيّة في الرأس بسبب كسر في الجمجمة وفي البطن بسبب شظايا تسبّبت بنزيف وأضرار في الامعاء. في 11.6.21 حصلت على تصريح وسافرت إلى المستشفى الأهليّ في الخليل وهناك أجريت لي عمليّات جراحيّة في اليد والرّجل اليمنى. بقيت هناك لمدّة نصف سنة ثمّ في 5.12.21 عدت إلى غزّة وكنت عاجزاً عن المشي والنطق لأنّ الإصابة في رأسي سبّبت لي شللاً في الجزء الأيمن من جسمي لم أستطع جرّاءه تحريك يدي اليمنى ورجلي اليمنى ولا تزال كلاهما ملفوفتين بالجبس. حاليّاً أنا في حاجة إلى زراعة عظم في الجزء الأيسر من الجمجمة. خضعت للعلاج الطبيعيّ والعلاج بالنطق في مستشفى الهلال الأحمر في غزّة، لكنّني ما زلت أتصعّب في النطق والمشي. أستعين بعكّازين إلى حين تركيب رجل اصطناعيّة في مستشفى حمد. حياتي كلّها تغيّرت منذ إصابتي - يدي ورجلي مشلولتان؛ الناس يتعاملون معي كعاجز وينظرون إليّ كمُعاق وهذا صعب جدّاً عليّ؛ معظم الوقت أحتاج إلى مساعدة الآخرين بسبب الشلل؛ وقد أدركت أنّ حياتي لن تعود كما كانت. أتلقّى العلاج النفسيّ بسبب مصاعبي النفسيّة في مجابهة وضعي. قبل إصابتي كان كلّ شيء عاديّاً - كنت طالب حقوق في السنة الثالثة في جامعة الأزهر في غزّة لكنّني لم أستأنف دراستي بسبب وضعي. كان حلمي أن أعمل في مجال المحاماة لأساعد الناس على تحصيل حقوقهم. وأمّي أيضاً كانت ترغب في أن يكون ابنها البكر متعلّماً وناجحاً. أنا مُنهك من طلب المساعدة من والدتي وإخوتي كل الوقت. هُم يساعدونني على ارتداء ملابسي، على تناول طعامي وشرابي وعلى دخول المرحاض. وهُم يرافقونني أيضاً إلى جميع العلاجات. لا أستطيع التنقّل كما أشاء أو مجرّد أن الخروج إلى الشارع وقضاء الوقت مع أصدقائي. لقد فقدت قسماً من أصدقائي المقرّبين لأنّهم شعروا بأنّني أصبحت عبئاً عليهم. حياتي أمضيها في المستشفيات من علاج إلى علاج. أرجو ألا يستمرّ هذا العذاب وقتاً طويلاً. الطفلة سارة المتربيعي (5 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل فاخترق سقف منزل عائلتها الكائن في حيّ الصّبرة في مدينة غزّة. والدتها لينا المتربيعي (27 عاماً، أمّ لثلاثة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 22.5.22 فقالت: في 14.5.21 نحو السّاعة 20:30، كان زوجي زاهر (43 عاماً) يجلس في غرفة الصّالون وكنت قد أطعمت ابنتي سارة (5 سنوات). فجأة ودون سابق إنذار اخترق صاروخ سقف منزلنا وسقط في الغرفة التي كنّا جالسين فيها. قصفوا الشقّة التي من فوقنا. الرّكام غطّانا أنا وسارة. خفت أن يكون زوجي قد استُشهد وخشيت أن يكون الجيش الإسرائيلي استهدف منزلنا. سارة كانت تحت الحجارة تبكي دون توقّف وقد تمكّنت من سحبها قريباً منّي. بعد ذلك جاء زوجي وأخذها. كنت حاملاً في الشهر الخامس وشظايا الصّاروخ دخلت في بطني وظهري وذراعي اليمنى. ارتديت ملابس الصّلاة ثمّ أخذنا سارة إلى خارج المنزل لكي نعثر على سيّارة إسعاف أو سيّارة مدنيّة تُخليها إلى المستشفى. بعد بضع دقائق أغمي على سارة ثمّ وصلت سيّارة الإسعاف وأخذتها إلى مستشفى الشفاء حيث أدخلوها إلى قسم العناية الفائقة. كانت لديها إصابة في الجمجمة سبّبت لديها التهاباً في غشاء الدّماغ وكسر مفتوح في العمود الفقريّ وشظايا في العمود الفقريّ سبّبت شللاً في كلتي رجليها. قال لنا الأطبّاء إنّ حالتها حرجة للغاية وطلبوا أن نصلّي وندعو الله من أجلها. استعادت سارة وعيها بعد ثلاثة أيّام لكنهم لم يسمحوا لي بزيارتها سوى بعد ستّة أيّام. بعد ذلك نقلوها إلى قسم جراحة الأطفال في مستشفى الشفاء حيث مكثت أربعة أيّام. كانت حالتها خطيرة جدّاً - لم تكن قادرة على الإبصار أو النطق. بعد مضيّ عشرة أيّام، في 24.5.21، حصلنا على تصريح سفر إلى الأردن لمعالجة سارة في مستشفى الحسين. سافرنا عبر حاجز "إيرز". في المستشفى، هناك، خضعت سارة لأكثر من عشرين عمليّة جراحيّة في الظهر، لإصلاح وإعادة تأهيل عمودها الفقريّ وتثبيته بواسطة بَراغٍ. كما أجريت لها عمليّة زرع جلد في رجليها. كانت حالة سارة النفسيّة صعبة جدّاً، حتى أنّها بالكاد كانت تأكل. كانت طوال الوقت تجهش بالبكاء وتصرخ وفي اللّيل كانت تنتابها كوابيس. تلقّت هناك علاجاً نفسيّاً أيضاً. بعد نحو أربعة أشهر، في 23.9.21، أنجبت ابني عبد الله في مستشفىً في الأردن، في جراحة قيصريّة. فترة التعافي من العمليّة القيصريّة وعلاجات تأهيل سارة كانت من أصعب فترات حياتي. عدنا إلى غزّة في 17.11.21، بعد أن نصف سنة تقريباً من إصابة سارة وكانت حالتها لا تزال صعبة. لم تكن قادرة على المشي وبالتالي ملازمة لكرسيّ عجلات. لم يتحسّن وضعها حتى يومنا هذا وقد حوّلها الأطبّاء في مستشفى حمد للعلاج الطبيعيّ وآخذها للجلسات مرّة كلّ أسبوع أو أسبوعين. تعاني سارة أيضاً من عدم التحكّم بالبول ولذلك أفرغ بولها بواسطة أنبوب وأغيّر حفاضاتها بانتظام. وحيث أنّ زوجي عاطل عن العمل فنحن لا نستطيع أن نوفّر لسارة جميع احتياجاتها. أحياناً نحصل على حفاضات كتبرّع من جمعيّات ومنظمات إغاثة. لكي تتمكّن سارة من التنقّل استأجرنا شقّة في الطابق الأوّل من بناية فيها مصعد كهربائي، مقابل 500 شيكل شهريّاً. حالة سارة ما زالت غير مستقرّة وهي تظلّ متعبة معظم الوقت ولكن رغم ذلك آخذها إلى الروضة في الفترات التي تتلقّى فيها العلاج. الحمد لله أنّها تحبّ أصدقاءها وهُم يساعدونها ولا يُبقونها وحدها أبداً. هي لا تفهم وضعها كثيراً. أحياناً تسأل لماذا قصفها الجيش ولماذا هي لا تزال مريضة فأقول لها إنّها قويّة. عليّ أن امسك بها أثناء استحمامها وأن ألبسها ملابسها وهذا صعب ومُتعب جدّاً. ولكن رغم أنّ الأمر مُنهك فأنا أريدها أن تبقى فعّالة ونشيطة قدر الإمكان، إذ ربّما يُلهيها ذلك قليلاً عن إعاقتها. عندما تكون في المنزل تزحف على الأرض أو تجلس على الكنبة أو على كرسيّ العجلات. هي لا تزال خائفة طوال الوقت من احتمال حدوث مكروه وتطلب منّا ألا نتحدّث عن إصابتها أو عن الحرب. عندما تنظر إلى نفسها في المرآة تطلب منّي أحياناً أن أغطّي رجليها لأنّ رؤيتهما تزعجها لكنّني أصرّ أحياناً أن تسمح لنفسها بالنظر إلى موضع إصابتها فربّما يساعدها ذلك على تقبّل وضعها. هي تصاب بذُعر شديد من أيّة ضجّة قويّة وتخاف أن تبقى وحدها في المنزل، لذلك فأنا كثيراً ما أصحبها في نزهات إلى شاطئ البحر لكي تروّح عن نفسها وتهدأ. أيّ ذنب ارتكبته سارة؟ هي كانت جالسة في المنزل فقط تتناول وجبة العشاء. لقد قصفونا دون سابق إنذار وسلبوا ابنتي كلّ شيء جميل في حياتها. قلبي يتقطّع ولكن قرب سارة أحاول أن أبقى قويّة وأخفي عنها حسرة قلبي. هي بحاجة الآن إلى إعادة تقييم لوضعها في مستشفىً خارج القطاع لأنّه لا تتوفر هنا الموارد التي يمكن أن تساعدها. تستطيع تلقّي علاج جيّد خارج القطاع فقط، في مستشفيات الدول العربيّة أو في إسرائيل أو في أوروبا. فرح البحطيطي (6 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وسقط خارج منزل عائلتها الكائن في حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة. والدتها هبة البحطيطي (32 عاماً وأمّ لستّة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 19.5.22 فقالت: في 12.5.21، اليوم الأخير من شهر رمضان، نحو السّاعة 14:00، أرسلتُ ابنتي الصّغيرة فرح لشراء بعض الحاجيّات من دكّان قرب بيتنا. كانت سهام (30 عاماً)، شقيقة زوجي، تنظّف الدّرج فرأت فرح ذاهبة ونادتها لترجع إلى البيت لأنّها خشيت أن يصيبها سوء. فجأة سمعنا انفجاراً مدوّياً في الخارج - تحطّم زجاج جميع النوافذ وتناثرت حجارة البناية في الهواء. عندما سمعت سهام تصرخ "لقد استُشهدت فرح!" ركضتُ إلى الخارج فرأيت سيّارة تحترق وفي داخلها شهيد لم أميّزه. بجانب السيارة كان ثمة جرحى كثيرون. كانت فرح ملقاة على الأرض مغمىً عليها، قريباً من المنزل. وكان دمها ينزف من كلّ أنحاء جسمها. صُدمت وهالني حالُها وكنت على وشك الانهيار لظنّي أنّها ربّما استُشهدت. صرخت عمّتها وفاء (23 عاماً) تقول إنّ فرح على قيد الحياة ثمّ شرعت تبحث عن سيّارة تُخليها من هناك. أخذوا فرح إلى قسم العناية الفائقة في مستشفى الشفاء وهناك شخّصوا حالتها بأنّها خطيرة جدّاً. بعد نصف ساعة على إخلاء فرح جاءت سيّارة إسعاف أخرى وأخلت سهام، إذ كانت قد أصابتها شظايا في رجلها اليسرى. ظلّت فرح غائبة عن الوعي طيلة 12 يوماً. فترة طويلة جدّاً، حتى أنّني خشيت ألا تستردّ وعيها. سمحوا لشخص واحد فقط بالدّخول إلى غرفة العناية الفائقة فكان رفعت زوجي (39 عاماً) هو الذي يزورها. قال إنّ وضعها صعب جدّاً ورجلها اليسرى ويدها اليسرى قد تهشّمتا تماماً. لم يكن باستطاعتي فعل أي شيء من أجلها سوى الصّلاة والدّعاء. خضعت فرح لعدّة عمليّات جراحيّة، بضمنها استئصال الأمعاء وتركيب بلاتين في يدها ورجلها. عندما خرجت من العناية الفائقة لم تكن تتكلّم أو تسمع جيّداً ولم تتعرّف على أيّ منّا. طيلة أسبوعين ظننت أنّها خرست أو فقدت القدرة على النطق. صرت أزورها ومعي إخوتها وأبناء عمومتها وأصدقاؤها وحينئذٍ بدأت تستجيب قليلاً. قدّمنا عدّة طلبات للحصول على تصريح لمعالجتها في مستشفىً في الأردن وأخيراً حصلنا في 3.6.21 على تصريح للسّفر عبر حاجز "إيرز". سافرت مع فرح عبر حاجز "إيرز" إلى المستشفى التأهيليّ في الأردن. كانت لديها إصابات أيضاً في مؤخّرة رأسها وشظايا في الرّئتين والبطن والعُنق وفي يدها اليسرى وكفّي قدميها كما في عينها اليسرى وأذنها اليمنى. الشظايا التي في يدها اليسرى سبّبت ضرراً في عصب الرّسغ والشظايا التي دخلت إلى كفّي قدميها سبّبت ضرراً للأوتار. كذلك فقدت فرح الكثير من أنسجة الجلد وخضعت لعمليّات زرع جلد في البطن والرّجل اليسرى كما خضعت أيضاً لفحوصات وصور كثيرة في المستشفى. أمضينا في الأردن ثلاثة أشهر ثمّ عدنا إلى غزّة في 5.9.21 واستأنفت فرح علاجها التأهيليّ في المستشفى الأردني في غزّة. عندما تحسّن وضعها صارت تمشي. حاليّاً هي تتلقّى العلاج الطبيعيّ في المنزل على يد مُعالج من "الجمعيّة الوطنيّة للتأهيل". اليوم تستطيع أن تُمسك بأشياء خفيفة الوزن بيدها اليمنى لكنّها لا لا تستطيع التحكّم بيدها اليسرى بعد. ينبغي أن تضع فرح ضمادات ضغط تكون مشدودة مباشرة على الجلد لمنع تورّمه لكنّها تُزيلها أحياناً لأنّها تضغط عليها كثيراً ولا تتحمّلها. تحتاج فرح إلى زرع جلد وإعادة بناء الأوتار المتضرّرة وسوف نذهب في نهاية الشهر لفحص لدى مختصّ في الأطراف. كلما نظرت فرح إلى جسمها في المرآة تبكي وتسأل "لماذا فعل الإسرائيليّون هذا بي؟". ما زالت تخاف هدير الطائرات وكلّما سمعته تظنّ أنّها جاءت لتستهدفها. أحاول أن أهدّئها وأطمئنها، أقول لها إنّ الحرب قد انتهت ونحن جميعاً هنا معك. دائماً تنتابها كوابيس في اللّيل وهي تخاف من أمور بسيطة - حتى من الماء أثناء الاستحمام ومن الأطبّاء والحقن. منذ إصابتها تعاني فرح من التبوّل اللّاإراديّ وأنا أضع لها حفاضات بشكل دائم. كنت أنام بجانبها في اللّيل وفقط مؤخّراً صارت تقبل أن تنام لوحدها. الآن هي تنام بجانب أختها رغم أنّها ما زالت خائفة وقلقة. فرح تذهب إلى صفّ البستان في الأيّام التي ليست فيها علاجات أو فحوصات ولكن ليس من السّهل عليها التعامُل مع أسئلة الأطفال عن وضعها. أخشى طوال الوقت أن يؤذيها طفلٌ في البستان، ولو بشكل غير متعمّد. تلقّينا دعماً من سيّدة فاضلة تبنّت فرح وتكفّلت بمصاريف سفرنا إلى الأردن وإقامتنا هناك. لكنّ وضعنا الاقتصاديّ الآن سيّء للغاية - نحن نسكن في شقّة واحدة في اكتظاظ شديد مع 28 شخصاً من العائلة. مصدر معيشتنا الوحيد مدخول زوجي من بسطة الفواكه خاصّته وهو لا يكفي لسدّ احتياجات أطفالنا الستّة: التوأم بولا وفؤاد (15 عاماً) ومحمد (13 عاماً) وأحمد (11 عاماً) ويوسف (8 سنوات) وفرح (6 سنوات).

30 آب/أغسطس 2022

محمد أبو معوّض (15 عاما) الجزء السفلي من جسده مشلول منذ إصابته برصاص جنود بتاريخ 3.5.19. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم 26.12.19

سياسة إطلاق النار

يطلقون النار ويمنعون علاج الجرحى: 155 حالة بتر أطراف و-27 حالة شلل خلال سنتين - هكذا تعاقب إسرائيل من يجرؤ على الاحتجاج ضدّ الحصار في قطاع غزّة.

انطلقت في آذار 2018 "مظاهرات العودة" قرب الشريط الحدوديّ في قطاع غزّة احتجاجًا على الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع ومطالبة بممارسة حقّ العودة. سياسة إطلاق النار المخالفة للقانون التي تطبّقها إسرائيل في هذه المظاهرات تسمح للجنود بإطلاق الرّصاص الحيّ نحو متظاهرين عزّل لا يشكّلون خطرًا على أحد وقد سبق أن وثّقتها بتسيلم بتوسّع. لقد أسفرت هذه السّياسة عن نتائج مروّعة: أكثر من 200 متظاهر قُتلوا وجُرح حتى نهاية كانون الثاني 2020 بالرّصاص الحيّ نحو 8,000 متظاهر من بينهم ما يقارب 1,500 قاصر ونحو 150 امرأة. تفيد معطيات منظّمة الصحّة العالميّة (WHO) حتى نهاية عام 2019 أنّ الأطبّاء اضطرّوا إلى بتر أطراف 155 متظاهرًا تقريبًا من بينهم 30 قاصرًا كما أن هناك 27 متظاهرًا يعانون الشلل نتيجة لإصابات في العامود الفقريّ. لا تنتهي المعاناة عند حدّ الإصابة البليغة بل هي بداية رحلة من العذاب تشمل العلاجات والفحوصات والعمليّات الجراحيّة التي يخضع لها المصابون ثم صعوبات تأقلمهم مع ظروف حياتهم الجديدة. لكنّ مصابي مظاهرات غزّة يشقون في عذابات أكثر تعقيدًا: الحقّ أنّه من الصّعب على أيّ جهاز صحّة الصّمود في ظرف توافُد الجرحى بهذه الأعداد الكبيرة ولكنّ جهاز الصحّة في غزّة حتى قبل مظاهرات العودة كان يعاني نقصًا في الأدوية والأطبّاء والأجهزة نتيجة للحصار المفروض على غزّة والذي يُمنع الاطبّاء جرّاءه حتى من الخروج للاستكمالات المهنيّة. نتيجة لهذا كلّه معظم الجرحى لا يتلقّون العلاج الذي يحتاجونه ممّا يسبّب مضاعفات خطيرة في بعض الحالات ويصبح الأمر أصعب إذا أخذنا بالحسبان النقص في مؤسّسات العلاج التأهيليّ في قطاع غزّة. هناك عدد قليل من الجرحى يحصلون على فرصة تلقّي العلاج خارج قطاع غزّة - في مستشفيات الضفة الغربيّة (بما فيها شرقيّ القدس) لكنّ هذا يحدث فقط في حالات استثنائيّة حصل فيها الجرحى على تصريح دخول إلى إسرائيل - وقد سبق أن أعلنت إسرائيل منذ انطلاق المظاهرات أنّها ستقل في إصدار التصاريح. تفيد معطيات منظّمة الصحّة العالميّة (WHO) أنّه منذ بدء مظاهرات العودة وحتّى نهاية عام 2019 قدّم 604 مصابين في مظاهرات العودة طلبات تصريح دخول عبر حاجز إيرز لأجل تلقّي العلاج في الضفة الغربية (وبضمنها شرقيّ القدس) أو في إسرائيل. 17% فقط منها تمت الموافقة عليها فيما رُفض ما نسبته 83% رفضًا مباشرًا أو بالامتناع عن الردّ عليها. هناك جرحى اضطرّوا إلى تلقّي العلاج في دول أخرى مثل مصر وتركيا وبعضهم على حسابهم الخاصّ. في إفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد قال فتحي أبو معوّض من مخيّم جباليا للّاجئين - جدّ الفتى المصاب محمد (15 عامًا): صُدمت عندما أخبرني الطبيب أنّ محمد سيظلّ مشلولًا في الجزء السفليّ من جسده. خرجت إلى ساحة المستشفى وأجهشت بالبكاء. بكيت أساسًا لأنّ محمد حفيدي الأوّل ومقرّب كثيرًا إلى قلبي. عندما أدخلوه إلى غرفة العمليّات كنت أمسكه وأبكي. تركته بصعوبة. وقفت عند الباب وانتظرت خروج محمد من العمليّة. كان معي ابني رمزي - والد محمد وكان هو أيضًا متألّمًا جدًّا لحال ابنه. كان ذلك من أصعب أيّام حياتي. تحدّث عدد من المصابين في إفاداتهم أمام باحثي بتسيلم الميدانيّين في قطاع غزّة عن ملابسات إصابتهم ومواجهة صعوبات ما بعد الإصابة في ظروف لا تطاق: محمد الزعيم (26 عامًا) من سكّان مدينة غزّة، أصيب في 6.4.18: في 6.4.18 في الجمعة الثانية للمظاهرات ذهب محمد الزعيم وهو صاحب حانوت قرطاسيّة إلى المظاهرة التي أقيمت قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ مدينة غزة. نحو السّاعة 17:00 أطلق جنود الرّصاص الحيّ على محمد وأصابوه في ساقيه. نُقل محمد إلى الخيمة الطبّية ومن هناك نُقل إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة. بعد أن رقد للعلاج طوال عشرة أيّام تمّ تحويله إلى المستشفى الاستشاري في رام الله فسافر إلى هناك برفقة جدّه وهناك اضطرّ الأطبّاء إلى بتر ساقه اليسرى. أدناه إفادة محمد الزعيم أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 17.12.19، محدّثًا عن حياته بعد الإصابة: عندما علمت أنّهم قطعوا رجلي انتابتني الصّدمة. أنا شابّ في بداية حياتي، كيف يقطعون رجلي! بعد أن عدت إلى المنزل كان عليّ أن أخضع أيضًا لعمليّة زرع عصب في ساقي اليمنى وزرع عظام وأعصاب في ساقي اليسرى وعلاجات أخرى. طلبت تحويلي للعلاج مرّة أخرى في مستشفى في رام الله ولكنّ الجواب كان دائمًا أنّ طلبي قيد الفحص. كنت يائسًا ومحبطًا من ذلك فرفضت تلقّي العلاج في قطاع غزّة لأنّني خشيت أن يسبّبوا أضرارًا لساقي. في تشرين الأوّل سافرت مع والدي إلى مصر لإجراء عمليّات جراحيّة وتركيب ساق اصطناعيّة يسرى. مكثت هناك تسعة أشهر. دفعت تكاليف السّفر والسّاق الاصطناعيّة من حسابي الخاصّ. الآن أنا أحتاج عمليّة أخرى في ساقي اليسرى. حالتي النفسيّة اليوم صعبة فأنا أمضي يومي نائمًا أو قبالة التلفزيون. لا أريد أن أرى الناس ولا ألتقي كثيرًا بأصدقائي. أحسّ أنّني أصبحت عالة وعبئًا كبيرة على أسرتي وخاصّة والدتي التي تهتمّ بي وقلّما تخرج من المنزل لأنّها مضطرّة إلى البقاء بجانبي. أحيانًا أحسّ بالاختناق وأصاب بنوبات عصبيّة فأكسّر ما تطاله يدي من أغراض المنزل. لا أستطيع اليوم ركوب درّاجتي الناريّة أو لعب كرة القدم التي كنت أحبّها كثيرًا. لقد اقترحوا عليّ المشاركة في مباريات سباحة وكرة قدم تقيمها جمعيّة لتأهيل المعاقين ولكنّني رفضت. لا أريد أن ينظر الناس إليّ بإشفاق. لهذا السّبب لا أخرج كثيرًا من المنزل في ساعات النهار. أنا أستخدم عكّازين عند الخروج ولا أخرج سوى في اللّيل تحت جُنح الظلام. كان لدينا دكّان اضطررنا لإغلاقه لأنّ والدي يعاني من مرض في القلب. ربّما أتّجه للدّراسة ذات يوم ورّبما أتزوّج وأنشيء أسرة. أنا أفكّر في هذا الموضوع. أستصعب النوم من كثرة الأوجاع وأقضي الليل بالتفكير بإصابتي والعلاجات. لا أغفو إلّا بعد تناوُل مسكّنات الأوجاع. في الشتاء تشتدّ الأوجاع بسبب البرد. أحيانًا يصعب عليّ كثيرًا النظر إلى ساقي الاصطناعيّة لأنّ منظرها يُسبّب لي الاكتئاب. لقد دمّرت إسرائيل حياتي جسدّيًا ونفسيًّا. جلال أبو حيّة (39 عامًا) أب لخمسة أبناء من سكّان عبسان الكبيرة، أصيب في 14.5.18: يعمل جلال أبو حيّة في جهاز الدّفاع المدنيّ وقد اعتاد تقديم الإسعاف الأوّلي للمصابين في المظاهرات. في يوم الاثنين الموافق 14.5.18 نحو السّاعة 8:00 وصل جلال إلى المظاهرة التي أقيمت قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ بلدة عبسان الجديدة. قرب السّاعة 11:00 أطلق جنديّ الرّصاص الحيّ وأصابه في ظهره. نُقل جلال إلى مستشفى ناصر في خان يونس حيث تبيّن أنّ الرّصاصة أصابت عاموده الفقريّ. من هناك تمّ تحويله إلى المستشفى الأوروبيّ جنوبيّ خان يونس لإخراج الرّصاصة. بعد العمليّة رقد في المستشفى طيلة ثمانيّة أيّام ثمّ نُقل إلى العلاج التأهيليّ في مستشفًى تابع للهلال الأحمر في خان يونس حيث خضع للعلاج طيلة أربعة أسابيع. من هناك عاد جلال إلى منزله مشلولًا في النصف الأسفل من جسده. أدناه إفادة جلال أبو حيّة، أدلى بها في 22.12.18 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة قائلًا: بعد أن خرجت من المستشفى كنت في وضع صعب جدًّا. قال الأطبّاء إنّه يجب تقليبي في الفراش كلّ ساعتين لئلّا تحدث تقرّحات وكانت زوجتي تضطرّ إلى الاستيقاظ مرارًا في اللّيل لكي تقلبني. كانت الجروح تؤلمني كثيرًا. كنت مشلولًا وعبئًا على زوجتي فكانت حالتي النفسيّة متردّية جدًّا. كنت أفكّر دائمًا كيف يمكنني التخفيف عنها فقرّرت بناء سرير يمكنني التقلّب فيه بواسطة رافعات. وفعلًا بنيت السّرير بمساعدة ابني محمد (17 عامًا). استغرق ذلك سبعة أشهر وقد اشتريت جميع القطع وأدوات العمل اللّازمة على حسابي الخاصّ. عندما بدأت باستخدام السّرير اطمأنّيت - لم أعد بحاجة لمساعدة من زوجتي واعتمدت على ساعة منبّه. أعاني أوجاعًا شديدة في الجزء المشلول من جسمي وأتناول المسكّنات وهذه أشتريها من حسابي الخاصّ لأنّ العيادات العامّة لا توفّرها لنا. بعد شهر من استخدام السّرير أخذت أتنقّل بواسطة كرسي متحرك. كنت أمارس سابقًا هواية صنع السّكاكين والشباري وبعد إصابتي قرّرت كسب رزقي من صنع الشباري في المنزل وبيعها. ولأنّني لا أستطيع استخدام منشار الحديد الدّائريّ (القرص) قمت بتصميم أدوات عمل لجلخ الحديد تريحني كثيرًا في العمل وتساعدني إلى صُنع منتجات بنوعيّة جيّدة. وبما أنّني أتصعّب كثيرًا في التحرّك حيث أتنقّل بواسطة كرسيّ متحرك فقد بنيت ممرًّا خاصًّا فوق درجات مدخل المنزل لتسهيل خروجي ودخولي. ولكنّني ما زلت بحاجة لمن يساعدني في دفع الكرسيّ عند صعود الممرّ. أنا لا أخرج كثيرًا من المنزل بسبب صعوبة التنقّل وإذا ما رغبت بزيارة أحد عليّ التأكّد أوّلًا أنّ المبنى خالٍ من الأدّراج. أقلّل من اللّقاءات الاجتماعيّة لكيلا أكون عبئًا على أحد وكذلك لأنّ الانتقال من مكان إلى آخر يسبّب لي أوجاعًا. ما زلت أتلقّى جزءًا من راتبي من جهاز الدّفاع المدنيّ كما أتلقّى مخصّصات من جمعيّة قَطَريّة. قبل الإصابة كنت أعمل أحيانًا في القصارة ولكنّني اليوم لا أستطيع ذلك. حالتي تؤثّر طبعًا على وضع أسرتي الاقتصادي لأنّ مدخولنا أصبح أقلّ. أحمد الخضري (21 عامًا) من سكّان مدينة غزّة، أصيب في 1.3.19: كان أحمد الخضري عامل بناء. في الثالثة والنصف من عصر يوم الجمعة الموافق 1.3.19 ذهب للمشاركة في مظاهرة أقيمت قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ مدينة غزّة. بعد مضيّ ساعة أطلق جنديّ عيارًا ناريًّا أصاب أحمد في ساقه اليمنى فنُقل إلى الخيمة الطبّية ومن هناك تمّ تحويله إلى مستشفى الشفاء حيث أجريت له عمليّة جراحيّة. بعد مرور يومين بتر الأطبّاء ساقه من تحت الرّكبة وبعد أسبوع خرج من المستشفى. أدناه إفادة أحمد الخضري، أدلى بها في 16.12.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد محدّثًا عن حياته منذ إصابته: بعد قطع ساقي مررت بفترة صعبة من الناحية النفسيّة فقد انتابني حزن عميق وشعور بالعجز. كان الناس ينظرون إليّ بإشفاق بسب وضعي وكنت بدوري أنظر إلى الناس الذين يسيرون بشكل طبيعي وأبكي. كانت نفسيّتي محطّمة. قبل قطع ساقي كنت أعمل في البناء وأساعد والدي في إعالة الأسرة ومصروفات المنزل. كذلك كنت أمارس لعبة كرة القدم والسّباحة في البحر. أمّا اليوم فأمشي معتمدًا على العكاكيز ولا أستطيع العمل في البناء. قبل ثمانية أشهر تقريبًا انضممت إلى مجموعة دعم نفسي ونحن نقوم بتدريبات رياضيّة معًا ونخرج في جولات ورحلات. أذهب إلى هناك تقريبًا بشكل يوميّ خلال الأسبوع. أحاول أن أمتلك حياتي من جديد: عدت إلى ممارسة هواياتي ولكنّ الأمر صعب فأنا ألعب كرة القدم ولكن اللّعب بساق مبتورة لا يكون بمستوى من لديه ساقان. حاولت أيضًا السّباحة في البحر ونجحت في ذلك. أنا أتحدّى الإعاقة ولا أريد أن يشفق الناس عليّ. أحاول تدبّر أموري أثناء الاستحمام دون مساعدة وأعدّ الطعام لنفسي. هذا صعب ولكنّني لا أتنازل. أشعر أنّ الأولاد في الشارع والحارة يخافون من منظري بسبب رجلي المقطوعة وهذا يضايقني. عندما رأت شقيقتاي الصّغيرتان – ليان (7 سنوات) ولمى (6 سنوات) - رجلي للمرّة الأولى فرّت كلتاهما خوفًا فتألّمت كثيرًا لهذا. لكنّني رويدًا رويدًا تقرّبت منهما وساعدتهما على تقبّل وضعي وعدم الخوف منّي. أنا شابّ في بداية حياتي وأخشى ألّا أجد شابّة أتزوّجها. أفكّر في ذلك دائمًا. كنت أحبّ العمل والآن لا أستطيع ذلك. في الآونة الأخيرة أذهب إلى المستشفى للتدرّب على استخدام السّاق الاصطناعيّة التي سيقومون بتركيبها في الأسبوع القادم. آمل أن يكون مقاسها ملائمًا وألّا تسبّب لي المشاكل. فكرة تركيب ساق اصطناعيّة صعبة جدًّا عليّ ولكنّني آمل أن أتقبّلها وأن يتوقّف الناس عن التعامُل معي بإشفاق. محمد أبو معوّض (15 عامًا) من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، أصيب في 3.5.19: محمد أبو معوّض تلميذ في مدرسة مهنيّة يتعلّ الخياطة. نحو الثانية والنصف من بعد ظهر يوم الجمعة الموافق 3.5.19 ذهب محمد ليشارك في مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ المخيّم. نحو السّاعة 19:00 أطلق عليه جنديّ النار وأصابه في صدره. من ثمّ نُقل محمد إلى المستشفى الإندونيسي القريب من المخيّم ومن هناك تمّ تحويله إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة نظرًا لخطورة وضعه. في مستشفى الشفاء أجريت له عمليّة لإخراج الرّصاصة لكنّه بقي مشلولًا في الجزء السفليّ من جسده. بعد مضيّ عشرة أيّام نُقل محمد لتلقّي العلاج التأهيليّ في مستشفى حمد في مدينة غزّة وبعد شهر غادرة المستشفى إلى منزله. أدناه إفادة الفتى محمد معوّض - أدلى بها في 26.12.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد واصفًا ما جرى له:: قبل الإصابة كنت أتعلّم الخياطة في مدرسة مهنيّة وكنت أقضي معظم وقتي خارج المنزل: أركب درّاجتي الهوائيّة وألعب كرة القدم مع أصدقائي وأرتاد أماكن ألعاب الحاسوب وأيضًا أذهب إلى السّوق لشراء الحاجيّات لأسرتي. كانت حياتي غنيّة وكنت سعيدًا فيها. الآن أنا ألازم المنزل وسريري الطبّي الخاصّ وأتسلّى طوال الوقت بالهاتف - ألعاب أو مشاهدة أشرطة الفيديو. لا أذهب إلى المدرسة ولا أركب الدرّاجة ولا ألعب مع أصدقائي. هذا كلّه سرقوه منّي. حين أشاهد أولاد المخيّم يلعبون وأسمع أصواتهم وهم فرحين أو يصرخون على بعضهم البعض أتمنّى لو أنّني معهم. ولكنّني أشفق على نفسي ثمّ أغضب وأبكي وآخذ في تكسير أغراض المنزل. نحن عائلة تعيش في ظروف صعبة جدًّا: والدي عاطل عن العمل ونحن أسرة من ثمانية أنفار نسكن بالإيجار في الإسكان الشعبيّ في مخيّم جباليا للّاجئين. كانت لديّ آمال أن أعمل خيّاطًا وأساعد والدي في تربية إخوتي وإعالة الأسرة لكنّني الآن مشلول ولا أقدر على فعل شيء. أعاني من التقرّحات لأنّها تؤلمني كثيرًا. يأتي إلى منزلنا مرّتين في الأسبوع طاقم من جمعيّة طبّية يقوم بتغيير الضمادات وتضميد جراحي من جديد. أعاني كذلك من فقر الدم وأذهب إلى المستشفى الإندونيسيّ حيث أتلقّى وجبات دم. أتمنّى الخضوع لعمليّات جراحيّة خارج قطاع غزّة لكي أتمكّن من المشي من جديد فتعود لي حياتي الطبيعيّة وأعود إلى اللّعب كالسّابق. أدناه إفادة فتحي أبو معوّض جدّ الفتى محمد (62 عامًا) وهو أب لتسعة أبناء، أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 15.1.20 محدّثًا عن وضع حفيده: صُدمت عندما أخبرني الطبيب أنّ محمد سيظلّ مشلولًا في الجزء السفليّ من جسده. خرجت إلى ساحة المستشفى وأجهشت بالبكاء. بكيت أساسًا لأنّ محمد حفيدي الأوّل ومقرّب كثيرًا إلى قلبي. عندما أدخلوه إلى غرفة العمليّات كنت أمسكه وأبكي. تركته بصعوبة. وقفت عند الباب وانتظرت خروج محمد من العمليّة. كان معي ابني رمزي - والد محمد وكان هو أيضًا متألّمًا جدًّا لحال ابنه. كان ذلك من أصعب أيّام حياتي. خلال رقوده للعلاج في المستشفى كان محمد يسألني دائمًا "هل سأمشي من جديد؟" وكنت أقول له "نعم ولكن هناك علاجات وأدوية يجب أن تأخذها أوّلًا". كنت دائمًا أطمئنه بأنّه سوف يُشفى ولا أستطيع أن أخبره عن حقيقة وضعه. لكنّه كان يقول لي إنّه لا يشعر بالجزء السفلي من جسده عندما كنت أساعده على تحريك جسده في السّرير أو تغيير حفاظه الصحّي لأنّه لا يسيطر على خروجه. أحيانًا كان محمد يحاول النهوض من سريره فيتذكّر فجأة أنّه لا يستطيع ذلك. كم كنت أحزن عندما يحدث له ذلك. كان ينتابني اليأس والحزن فأسرع للخروج من الغرفة وأجهش بالبكاء. بعد مضيّ عشرة أيّام نقلوا محمد إلى مستشفى حمد للعلاج التأهيليّ في مدينة غزة. كنّا نراه فقط في أوقات الزّيارة المحدّدة. كان يتّصل بي أثناء اللّيل ويقول "أنا خائف. لماذا وضعوني في هذا المستشفى؟" فكنت أطمئنه وأهدّئ من روعه قائلًا "هذا لكي تتلقّى العلاج وتشفى يا محمد وتمشي من جديد". لكنّه كان يجيبني "أنت تكذب يا جدّي. لا أحد يريدني ولا أحد يحبّني. لو كنت تحبّني لما تركتني وحيدًا في المستشفى. لقد عافت نفسي. أنا أكره المستشفى". بسبب الأوجاع يعاني محمد منذ إصابته نوبات غضب - يقذف أغراض المنزل ويكسرها. إنّه يبقى في السّرير ولا يخرج إلّا قليلًا على الكرسي المتحرك ليلتقي أصدقاءه من أبناء المخيّم. أرى الحزن في عينيه وهو ينظر إلى أصدقائه يمرحون ويلعبون فيما هو "مقيّد" إلى الكرسي المتحرك. أنا ووالداه لا نفارقه. والدة محمد تعاني مشاكل نفسيّة نتيجة صدمة حرب 2014 وهي تتناول الأدوية لكي تتمكّن من رعاية أسرتها. ابني رمزي عاطل عن العمل ويتلقّى مخصّصات من وزارة الرّفاه مبلغ 1,800 شيكل كلّ خمسة أو ستّة أشهر. إنّهم أسرة مؤلّفة من 8 أنفار ويعيشون في ظروف صعبة جدًّا وخاصّة منذ إصابة محمد لأنّه يحتاج إلى أدوية وحفاظات صحيّة وغذاء. في الشتاء يعانون كثيرًا لأنّ المطر يدلف إلى منزلهم عبر السّقف. أدعو الله أن يشفي محمد. إنّه يحتاج الكثير من العناية والعلاجات. هو يريد إجراء عمليّة خارج القطاع ولكن وزارة الصحّة لم توافق على تحويله لأنّهم يعتقدون أنّه لا فائدة تُرجى منها. أنا أقوم بما أستطيع أسانده وأبقى معه وأوفّر له ما أقدر عليه وأهتمّ بإدخال الفرح إلى قلبه. نزيهة قديح (39 عامًا) من سكّان عبسان الكبيرة، أصيبت في 14.5.18: نزيهة قديح تعمل مزارعة. في العاشرة من صباح يوم الاثنين الموافق 14.5.18 وصلت للمشاركة في مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ بلدة خُزاعة. بعد ستّ ساعات ونحو السّاعة 16:00 أصيبت في ساقها اليمنى جرّاء نيران أطلقها جنديّ ونُقلت إلى الخيمة الطبّية. من هناك نُقلت نزيهة إلى المستشفى الأوروبيّ جنوبيّ خان يونس حيث بتر الأطبّاء ساقها. أدناه إفادة نزيهة قديح - أدلت بها في 12.1.20 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد. قالت: بعد أن أنهيت دراستي الثانويّة توجّهت للعمل في أراضي عائلتنا وأيضًا أراضي الجيران. كنت أزرع بعض الخضار وأحرث الأرض وأحصد القمح. ساعدت أسرتي أيضًا في قطف الزيتون كلّ سنة. كنت أحبّ العمل الزراعيّ بحيث أخرج من المنزل في الصّباح وأعود في ساعات المساء. وكان يسرّني أنّني قادرة على إعالة نفسي وأسرتي فوالداي مسنّان وأخي صهيب (34 عامًا) أصيب هو أيضًا في "مظاهرات العودة" وبُترت ساقه. هو متزوّج وأب لأربعة أبناء وابنتان. لقد دُمّرت حياتي منذ الإصابة. أنا الآن عاطلة عن العمل وأبقى في المنزل طوال اليوم. لا أستطيع القيام بأيّ شيء. أقضي معظم وقتي في النّوم. نفسيّتي متعبة وأنا أبكي طوال الوقت. أعاني من الصّداع وساقي تؤلمني. لقد حصلت على ساق اصطناعيّة ولكنّني لا أستخدمها لأنّها تسببّ لي حكّة في رجلي. نعيش أنا ووالديّ المسنّين وحدنا ولكي أنظّف المنزل أزحف على الأرض ممّا يسبّب لي الإنهاك. أحيانًا أقف على رجلي اليسرى عندما أقوم بغسل الأواني ولكن هذا أيضًا متعب. عندما أرى الأصدقاء والجيران ذاهبين إلى أراضيهم أو أهلي ذاهبين لقطف الزيتون أتمنّى أن أرافقهم وأن أحرث الأرض وأزرعها. عندها أبكي بحرقة ويملؤني الحزن. أشتاق للجمعات الحلوة والجوّ البهيج وقت حصاد القمح والشعير في أراضينا. يتحطّم قلبي عندما أرى الصّبايا يمشين في الشارع بالكعب العالي ويرتدين الملابس الجميلة. لا توجد لي علاقات اجتماعيّة. لقد انقطعت عن الناس والأقارب والجيران ولا أشارك في كثير من المناسبات العائليّة. الخروج من المنزل يتعبني وكذلك يؤلمني أن يراني الناس في هذا الحال. لقد اسودّت حياتي وهي تصبح أصعب يومًا بعد يوم. لقد أصبحت بلا مستقبل. أعتقد أنّني الفتاة الوحيدة التي قُطعت ساقها في مظاهرات العودة. أتمنى أن يكون لديّ كرسي متحرك فأنا اليوم لا أستطيع الخروج من المنزل وإعالة نفسي.

30 كانون الثاني/يناير 2020

מחמוד אל-חוואג'רי בחצר ביתו. צילום: ח'אלד אל-עזאייזה, בצלם, 27.1.19

سياسة إطلاق النار

يطلقون النار ويمنعون علاج الجرحى: إسرائيل تمنع العلاج الطبّي عن جرحى مظاهرات غزّة

مظاهرات "مسيرات العودة" التي تجري قرب الشريط الحدودي بين قطاع غزّة وإسرائيل مطالبة بممارسة حقّ العودة ورفضًا للحصار على القطاع لا تزال مستمرّة منذ سنة تقريبًا. تفيد معطيات منظّمة الصحّة العالميّة أنّه حتى نهاية شهر كانون الثاني 2019 أصيب في هذه المظاهرات 27,942 شخصًا وتمّ نقل 14,768 للعلاج في مستشفيات القطاع. أكثر من 6,300 من هؤلاء الجرحى أصيبوا بالرّصاص الحيّ. وتفيد معطيات بتسيلم أنّ عدد الذين قُتلوا في هذه المظاهرات حتى نهاية شهر شباط 2019 قد بلغ 200 شخصًا من بينهم 39 قاصرًا وامرأتين. معظم القتلى والجرحى لم يشكّلوا خطرًا على عناصر قوّات الأمن المنتشرين أصلًا في الجانب الآخر من الشريط الحدودي. من الصّعب حتى على جهاز صحّة في وضع عاديّ أن يتمكّن من تقديم العلاج لهذا العدد الهائل من الجرحى فكم بالحريّ حين يكون هذا الجهاز على شفا انهيار مثلما في قطاع غزّة. يستمرّ الحصار الإسرائيليّ لقطاع غزّة منذ أكثر من عشر سنوات حيث تقيّد إسرائيل دخول الأدوية والأجهزة الطبيّة المتقدّمة وقطع الغيار للأجهزة المعطّلة كما تقيّد خروج الأطبّاء للمشاركة في دورات التأهيل والاستكمالات. أدّى تقييد إدخال الأدوية إلى نقص كبير في مخزون الأدوية والأدوات الضروريّة. علاوة على ذلك هناك نقص في تزويد الكهرباء للقطاع معظمه بسبب سياسة إسرائيل وانقطاع الكهرباء بشكل متكرّر يُلحق الضرر بالأجهزة الطبّية بحيث تضطرّ المستشفيات هناك إلى العمل جزئيًّا فقط ممّا يجبرها على تأجيل العمليّات الجراحيّة غير العاجلة وتقليص فترة علاج المرضى بإخراجهم إلى منازلهم قبل الأوان. نظرًا لتدهور جهاز الصحّة في القطاع من الواضح أنّه يعجز عن توفير العلاج الطبّي الضروريّ لجرحى مسيرات العودة وعليه لا بدّ لهؤلاء من الحصول على هذه الخدمات الطبّية خارج القطاع. لكنّ إسرائيل أعلنت بعد وقت قصير من اندلاع مظاهرات العودة أنّها لن تمكّن الجرحى - جميعهم - من مغادرة القطاع لأجل تلقّي العلاج الطبّي في الضفّة الغربيّة (وبضمنها شرقيّ القدس) أو في إسرائيل أو الأردن. في نيسان 2018 تقدّم كلّ من "عدالة" و-"الميزان" بالتماس إلى محكمة العدل العليا باسم جريحين يواجهان خطر بتر الأطراف بسبب انعدام إمكانيّة العلاج في قطاع غزّة. في ردّها المقدّم للمحكمة أبلغت الدولة أنّ طلبات التصاريح رُفضت "على خلفيّة سياسة وزير الأمن في هذا الشأن، بأنّ من جُرحوا أثناء مشاركتهم في أعمال شغب عنيفة نظّمتها حماس لن يمكنهم دخول إسرائيل ما لم يوجد وضع طبّي عينيّ يبرّر الخروج عن هذه القاعدة وفي غياب خطر محقّق على حياة أيّ من مقدّمي الالتماس". كذلك ادّعت الدولة أنّها "حذّرت سكّان القطاع من المشاركة" في المظاهرات وكأنّما تحذيرها هذا يبرّر لها أن تمنع عنهم العلاج الطبّي اللّازم. رغم الوضع الصحّي الحرج للجريحين المذكورين وبالتالي حاجتهما الملحّة إلى علاج عاجل رفضت محكمة العدل العليا الإيعاز بعقد جلسة عاجلة ممّا أجبر الأطبّاء في القطاع على بتر إحدى الرّجلين لكلّ من الجريحين. فقط بعد مضيّ أكثر من أسبوع على تقديم الالتماس قرّر القضاة تمكين أحدهما (يوسف الكرنز، 19 عامًا) من الخروج من قطاع غزة لتلقّي العلاج في مستشفيات رام الله لأجل إنقاذ الرّجل الثانية. ومع ذلك، أكّد القضاة أن قرارهم هذا لا يُستدلّ منه على الحالات الأخرى وأنّهم لا يتّخذون موقفًا مبدئيًّا من سياسة الدّولة في شأن عبور المتظاهرين الجرحى. بذلك أتاحت محكمة العدل العليا للدولة مواصلة تطبيق سياسة منع العلاج الطبّي عن معظم الجرحى. تفيد معطيات منظّمة الصحّة العالميّة أنّه منذ بدء مظاهرات العودة وحتّى نهاية شهر كانون الثاني 2019 قدّم 493 من جرحى المظاهرات طلبات تصريح دخول عبر حاجز إيرز لأجل تلقّي العلاج في الضفة الغربية (وبضمنها شرقيّ القدس) أو في إسرائيل؛ وأنّه لم تتمّ الموافقة سوى على 85 طلبًا منها (17%) فيما رُفض 408 طلبات (83%) رفضًا مباشرًا أو بالامتناع عن الردّ عليها. بالنظر إلى كثرة أعداد الجرحى وإلى وضع جهاز الصحّة في قطاع غزّة من المرجّح أن عدد الطلبات الوارد أعلاه لا يعبّر عن كامل الاحتياجات، بل يعبّر عن امتناع الجرحى عن تقديم طلبات تصاريح نتيجة لإدراكهم أنّ احتمالات الموافقة على طلباتهم ضئيلة للغاية. نسبة طلبات جرحى المظاهرات التي تمّت الموافقة عليها أقلّ بكثير من نسبة ما توافق عليه إسرائيل من مجمل طلبات تصريح الدخول عبر حاجز إيرز التي يقدّمها سكّان قطاع غزّة لأجل تلقّي العلاج خارجه. وفقًا لمعطيات منظّمة الصحّة العالميّة: خلال عام 2018 تقدّم سكّان القطاع بـ25,808 طلبات تصريح دخول لأجل تلقّي العلاج الطبّي في الضفة الغربية (وبضمنها شرقيّ القدس) وفي إسرائيل. رُفض ما يقارب 40% من هذه الطلبات - سواء بالرّفض المباشر أو بعدم الردّ قبل الموعد المقرّر للعلاج. 60% من الطلبات التي تم رفضها تتعلّق بالعلاج في مستشفيات شرقيّ القدس و23% للعلاج في مستشفيات أخرى في الضفّة الغربية و-17% في مستشفيات داخل إسرائيل. عدد الطلبات المقدّمة طلبات رُفضت مباشرة طلبات رُفضت بعدم الردّ عليها مجموع الطلبات المرفوضة المجموع 25,808 1,962 8,014 9,976 شرقيّ القدس 15,285 1,258 4,688 5,946 الضفة الغربيّة 4,773 523 1,812 2,335 إسرائيل 5,750 181 1,514 1,695 بعض الأشخاص الذين رفضت إسرائيل طلباتهم أو لم تردّ عليها بتاتًا يحاولون عوضًا عن ذلك الخروج عبر معبر رفح لأجل تلقّي العلاج في الأردن أو في مصر. لكنّ هذا الحلّ يناسب فقط جزءًا من المحتاجين للعلاج فليس الجميع يمكنهم الحصول على العلاج اللّازم في هاتين الدّولتين وبعضهم حتى لا يتحمّل متاعب السّفر الطويل ناهيك عن مخاطر المرور عبر سيناء. منذ شهر أيّار 2018 انتظم العمل في معبر رفح بحيث يفتح خمسة أيّام أسبوعيًّا، لكنّ مصر تقيّد عدد العابرين منه. في الفترة ما بين شهر أيّار وشهر كانون الأوّل 2018 لم يتجاوز عدد العابرين من معبر رفح 1,510 مريضًا، بمتوسّط 189 شهريًّا. الطرف المسؤول عن نشوء هذا الواقع بكلّ مركّباته هو إسرائيل: هي التي وضعت سياسة إطلاق النار التي تسمح باستخدام الرّصاص الحيّ ضدّ متظاهرين لا يشكّلون خطرًا على أحد وتسبّبت بوقوع آلاف الجرحى - وترفض تغيير هذه السياسة الآن أيضًا، بعد مرور سنة واتّضاح النتائج الوخيمة للجميع منذ زمن طويل. وهي من فرض الحصار على القطاع قبل عشر سنوات وتسبّبت بانهيار جهاز الصحّة هناك والآن هي من يرفض تمكين الجرحى من عبور مسافة بضعة عشرات من الكيلومترات داخل أراضيها لكي يحصلوا على العلاج الطبّي اللّازم لهم. بالنظر إلى ذلك يقع واجب تغيير هذا الواقع على إسرائيل سواء لجهة منع إطلاق الرّصاص الحيّ على من لا يشكّل خطرًا لأحد ورفع الحصار وإتاحة العلاج الطبّي الملائم لكلّ من يحتاجه. أدناه إفادات جمعها باحثو بتسيلم الميدانيّون من جرحى قدّموا طلبات تصريح للدّخول عبر حاجز إيرز لأجل تلقّي العلاج الطبّي ورفضت إسرائيل طلباتهم: الجريح حسن العيسوي (41 عامًا) متزوّج وأب لأربعة أولاد وهو من سكّان خان يونس العيسوي مُسعف متطوّع في المظاهرات ضمن طواقم الهلال الأحمر وقد أصيب بالرّصاص الحيّ في رجله خلال مظاهرة جرت في 19.10.18 شرقيّ خان يونس. حطّمت الرّصاصة عظم رجله وخضع لعدد من العمليّات الجراحيّة في مستشفيات القطاع، لكنّه يحتاج عمليّات إضافيّة لا يمكن إجراؤها هناك فحوّله الأطبّاء إلى مستشفى المقاصد في شرقيّ القدس. تمّ تعيين دور له في المقاصد وقدّم ثلاث مرّات طلبات لتصريح خروج إلى هناك، لكنّ إسرائيل رفضتها في كلّ مرّة. الآن يخشى الأطبّاء أن ذلك سوف يضطرّهم إلى بتر رجله لأنّه لا علاج لها في القطاع. قبل إصابته، كان العيسوي يعمل مدير مشاريع في جمعيّات خاصّة لكنّه اليوم عاطل عن العمل لأنّه لا يستطيع التنقّل. في إفادة أدلى بها العيسوي يوم 19.2.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، قال: منذ ابتدأت المظاهرات شرقيّ خان يونس تطوّعت مع الهلال الأحمر لتقديم الإسعاف الأوّلي. في يوم الجمعة 19.10.18 وصلت كعادتي إلى المظاهرة شرقيّ خان يونس مع غيري من المسعفين المتطوّعين. ارتديت زيّ المسعفين المتطوّعين وعلّقت بطاقة تعريف من وزارة الصحّة. خلال المظاهرة وعندما كنت بعيدًا عن الحدود أصبت في رجلي اليمنى بالرّصاص الحيّ وتمّ نقلي إلى المستشفى الأوروبي حيث رقدت هناك للعلاج مدّة ثلاثة أيّام. لقد تحطّم عظم رجلي وقُطع العصب الرئيسي والوتر الرئيسي. قام الأطبّاء بزرع بلاتين داخل رجلي. بعد ذلك تمّ تحويلي إلى مستشفى ناصر حيث رقدت للعلاج طيلة 25 يومًا ومن هناك حوّلوني إلى مستشفيات أخرى مثل دار السلام والمستشفى الحكومي في خان يونس خضعت فيها لثلاث عمليّات جراحيّة. أثناء مكوثي في المستشفى حوّلني الأطبّاء لاستكمال العلاج في مستشفى المقاصد في شرقيّ القدس لأنّني أحتاج عمليّة جراحيّة معقّدة لا يمكن إجراءها في مستشفيات قطاع غزّة. عبّأت نموذج وزارة الصحّة الفلسطينيّة ثمّ تمّ تعيين دور لي في مستشفى المقاصد بتاريخ 12.11.18. قبل الموعد بيوم واحد تلقّيت عبر الهاتف رسالة نصّيّة تفيد بأنّ طلبي لا يزال قيد الفحص وهكذا خسرت دوري فاضطررت إلى إعادات الإجراءات وتمّ في مستشفى المقاصد تعيين دور جديد في 10.12.18 فقدّمت مرّة ثانية طلب تصريح خروج لكن في هذه المرّة تلقّيت ردًّا بالرفض. في المرّة الثالثة تمّ تعيين دور لي في 7.1.19 وأيضًا في هذه المرّة رفضوا طلبي لتصريح خروج. الآن هناك دور للعلاج في 5.3.19 وقدّمت طلبًا رابعًا لتصريح وما زلت أنتظر الردّ عليه. في موازاة ذلك قدّمت طلبًا للعلاج في مصر احتياطًا، في حال لم أتمكّن من تلقّي العلاج في شرقيّ القدس - لأنّ وضع رجلي سيّء جدًّا. أعاني من مضاعفات أدّت إلى التهابات في العظم، وهذا وضع خطير يستدعي علاجًا ملائمًا وإلّا فسوف يقطعون رجلي. حاليًّا أتلقّى العلاج الطبيعي في عيادة جمعيّة "أطبّاء بلا حدود" مرّة كلّ يومين والجمعيّة تتكفّل بنقلي إلى هناك. لديّ سيّارة لكنّني لا أستطيع القيادة في ظرفي الحاليّ. أستخدم في المشي عكّازات طبّية ولكنّني لا أخرج من المنزل سوى لأجل العلاجات. لقد توقّفت حياتي منذ أن أصبت. قبل الإصابة كنت أتدرّب على رفع الأثقال في نادٍ رياضيّ. وقد اضطررت إلى مفارقة زوجتي وأولادي لأنّ منزلنا يقع في الطابق الرّابع وأسكن حاليًّا في منزل والدتي في الطابق الأوّل لكي يسهل عليّ الذّهاب إلى المستشفى وبقيّة العلاجات. أحيانًا أتواجد في منزلي مرّة في الأسبوع وأقضي الوقت مع زوجتي وأولادي. أعيش في توتّر دائم وهذا الوضع يؤثر على علاقتي مع زوجتي والأولاد. علاوة على ذلك أنا عاطل عن العمل منذ الإصابة. كنت أعمل مدير مشاريع في جمعيّات خاصّة لكنّي مسيرتي المهنيّة توقّفت. الآن أقضي معظم وقتي في مواقع التواصل الاجتماعي والعلاجات. أعاني من آلام شديدة في رجلي لكنّني أرفض تناول مسكّنات قويّة لأنّ أعراضها الجانبيّة تضرّ الكبد والكلى كما أنّها تسبّب الإدمان ولذلك أفضّل تحمّل الألم. أرغب كثيرًا في تلقّي العلاج اللّازم لي ولكنّي محبط جدًّا من ردود الرّفض التي تصلني. لقد سُدّت سبُل العلاج في قطاع غزّة لأنّ العلاج الذي أحتاجه موجود فقط خارج القطاع. * مستجدّات: في هذه الأثناء رُفض أيضًا الطلب الرّابع الذي قدّمه العيسوي للحصول على تصريح للدخول عبر حاجز إيرز لأجل تلقّي العلاج. الجريح محمد صالح (12 عامًا) من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين أصيب محمد صالح بالرّصاص الحيّ في رجله يوم 5.10.18 خلال مظاهرة جرت شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين. نُقل إلى المستشفى الإندونيسي حيث خضع لعمليّة جراحيّة ورقد للعلاج حتى 18.10.18. خلال مكوثه في المستشفى وأيضًا بعد خروجه قدّم والداه ثلاث طلبات تصريح دخول عبر حاجز إيرز لأجل إجراء عمليّة جراحيّة في رجله في مستشفى المقاصد في شرقيّ القدس. رُفض اثنان من هذه الطلبات وجاء الردّ على الطلب الثالث بأنّ عليهم تغيير المرافق أي والدة محمّد. حاليًّا، تنتظر الأسرة تعيين موعد جديد في مستشفى المقاصد لكي يتمكّنوا من تقديم طلب تصريح جديد لأجل معالجة صالح الذي لا يستطيع المشي الآن سوى بمساعدة عكّازين. في إفادة أدلى بها محمد في 21.2.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة، ألفت الكرد، حدّث عن إصابته وعن حياته بعد الإصابة: في يوم الجمعة الموافق 5.10.18 شاركت في مظاهرة جرت شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين. أثناء المظاهرة اقتربت كثيرًا من الشريط الحدوديّ وعندها أصبت في رجلي اليمنى بالرّصاص الحيّ. في البداية لم أشعر بالإصابة، ولكن عندما نظرت إلى رجلي ورأيتها تنزف كثيرًا وقعت على الأرض. أخلاني المسعفون إلى سيّارة إسعاف أقلّتني إلى المستشفى الإندونيسي. استمرّ النزيف أثناء نقلي في سيّارة الإسعاف وكنت أشعر كأنّ تيّارًا كهربائيًّا يسري في رجلي. أدخلوني فورًا إلى غرفة العمليّات، ثمّ أدخلوني إلى قسم العناية المكثّفة لمدّة عدّة أيّام، وبعد ذلك رقدت في المستشفى حتى تاريخ 18.10.18. لقد خضعت لعمليّتين جراحيّتين. بعد خروجي من المستشفى كنت أعود إلى هناك مرّة كلّ بضعة أيّام بسبب ارتفاع الحرارة. بعد مضيّ شهر تقريبًا بدأت العلاج الطبيعي في عيادة "أطبّاء بلا حدود". قبل إصابتي كنت أحبّ لعب كرة القدم وركوب الدرّاجة، لكنّي لا أستطيع اليوم ممارسة ذلك. عندما أرى أصحابي يلعبون كرة القدم أحسّ بحسرة في القلب وأشفق على نفسي. تنتابني الرّغبة في البكاء ولكنّي أتمالك نفسي وأحبس دموعي. أقضي معظم وقتي في المنزل على السّرير. لا أستطيع المشي سوى بمساعدة عكّازين. أنا تلميذ في الصفّ السّابع، وقد تغيّبت كثيرًا خلال الفصل الأوّل. لقد سمح لي المدير بالقدوم إلى المدرسة مرّتين فقط في الأسبوع لأنّه يصعب عليّ الذهاب كلّ يوم. أذهب إلى المدرسة محمولًا على كتف شقيقي جهاد (30 عامًا) ويمشي بي مسافة كيلومتر واحد لأنّنا لا نملك سيّارة ولا نقودًا ندفعها للسّفر في سيّارة أجرة. قال لي المدير أنّه سوف ينقل صفّنا من الطابق الثالث إلى الطابق الثاني لكي يسهل عليّ الوصول إليه. أصدقائي يساعدونني في الدروس وفي حمل الحقيبة. كانت علاماتي ممتازة قبل الإصابة لكنّها الآن هبطت وأصبحت متوسّطة بسبب كثرة غيابي عن المدرسة. منذ إصابتي أصبحت حزينًا أبكي كثيرًا وأحيانًا أصرخ. أصبحت عصبيّ المزاج وفقدت الشهيّة. أخرج أحيانًا مع والدتي لزيارة الأقارب لكنّني لا أجد متعة في ذلك؛ أنا أريد أن ألعب مع أبناء جيلي وأن أركض مع بقيّة الأولاد وألعب كرة القدم. أتمنّى أن تُجرى لي العمليّات اللّازمة لكي أتمكّن من المشي على رجليّ من جديد وبدون أوجاع. والدة محمد - نهى صالح (45 عامًا) وهي متزوّجة وأمّ لسبعة أولاد أدلت بإفادتها في 21.2.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، فوصفت كيف تجابه الوضع هي وابنها بعد الإصابة: بعد ان أصيب محمد وخضع لعمليّتين جراحيّتين قال لنا الأطبّاء أنّه يجب إجراء عمليّة أخرى في رجله ولكن لا يمكن إجراؤها في مستشفيات القطاع لأنّها صعبة وحسّاسة؛ وقالوا أنّ احتمالات نجاح مثل هذه العمليّة متدنّية جدًّا. حصلنا من وزارة الصحّة على تحويل لمستشفى المقاصد في شرقيّ القدس وعيّن له المستشفى موعدًا في 12.11.18. قبل الموعد بيوم واحد وصلتني رسالة على هاتفي تقول أنّ طلب محمد قد رُفض. عيّنّا موعدًا جديدًا ليوم 18.12.18 وفي هذه المرّة أيضًا رُفض الطلب. تمّ تعيين دور ثالث في تاريخ 18.2.19 ولكن في هذه المرّة وصلتنا رسالة عبر الهاتف وقبل الموعد بيوم واحد تقول أنّ طلب تصريحي للدخول كمرافقة لمحمد لا يزال قيد الفحص ولذلك على محمّد أن يقدّم طلب تصريح جديد. ها نحن الآن ننتظر أن يعيّن له المستشفى موعدًا جديدًا لكي نتمكّن من تقديم طلبات تصاريح جديدة. محمّد يعاني كثيرًا منذ إصابته. كلانا يعيش في توتّر نفسيّ دائم. محمد يقضي اللّيل مستيقظًا ويصرخ من الأوجاع وأنا أيضًا لا أنام لأنّي أظلّ إلى جانبه طوال الليل. فقد محمد الإحساس في رجله لفترة معيّنة، حتّى أنّها احترقت حين لامس المدفئة دون أن يشعر بذلك. لولا أن انتبه شقيقه إياد وصرخ قائلًا له "رجلك تحترق!" لربّما احترقت رجله تمامًا. أخذناه إلى مستشفى الشفاء وظلّ يروح ويجيء طيلة 40 يومًا لأجل تغيير اللّفافات على الحرق - هذا إضافة إلى معاناة الإصابة. لجريح محمود الحواجري (19 عامًا) من سكّان مخيّم النصيرات للّاجئين أصيب الحواجري بالرّصاص الحيّ في كلتي رجليه خلال مظاهرة جرت شرقيّ مخيّم البريج للّاجئين في 31.3.18، أوّل أيّام "مسيرات العودة". خضع للعلاج في قسم العناية المكثّفة في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح ومن هناك تمّ تحويله بعد ثلاثة أيّام إلى مستشفى الشفاء في غزة حيث خضع لعمليّة زرع بلاتين في رجله. منذ ذلك الحين قدّم الحواجري ثلاث طلبات تصريح دخول عبر حاجز إيرز لأجل إجراء عمليّة جراحيّة في مستشفى المقاصد في شرقيّ القدس ورُفضت جميعًا. في هذه الأثناء تدهور وضع رجله فاضطرّ الأطبّاء إلى بترها في شهر نيسان. قدّم الحواجري طلب تصريح جديد لأجل تركيب رجل اصطناعيّة في مستشفى المقاصد، ولكنّه رُفض أيضًا. في إفادة أدلى بها محمود لحواجري في 27.1.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ، خالد العزايزة، حدّث عن إصابته وعن حياته في أعقابها: في أوّل أيّام مسيرات العودة شاركت في نشاط أقيم شرقيّ مخيّم البريج للّاجئين بعد صلاة الظهر. عندما وصلت إلى هناك شاهدت آلاف الأشخاص في منطقة الحدود. نحو الساعة 17:00 كنت على بُعد خمسين مترًا تقريبًا من الحدود، وبالضبط حين هممت بالابتعاد من هناك أطلق عليّ قنّاص النيران فدخلت الرّصاصة في ساقي اليمنى وخرجت ودخلت في ساقي اليسرى. وقعت على الأرض وأغمي عليّ لشدّة الألم. استيقظت في قسم العناية المكثّفة في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، وبعد ثلاث أيّام نقلوني إلى مستشفى الشفاء في غزة. أراد الأطبّاء في مستشفى الشفاء قطع رجلي اليمنى لكنّني رفضت فأجريت لي عمليّة زرع بلاتين في الرّجل. بقيت في قسم العناية المكثّفة طيلة سبعة أيّام وبعد ذلك نقلوني إلى قسم الجراحة حيث رقدت طيلة شهر. خلال ذلك الشهر قدّمت عدّة طلبات لتصريح دخول لأجل استكمال معالجة رجلي في مستشفى المقاصد في شرقيّ القدس، لأنّ العلاج المطلوب لا يتوفّر في قطاع غزّة، ولكنّ إسرائيل رفضت جميع الطلبات التي قدّمتها. عانيت آلامًا شديدة وكانت تزداد مع الوقت، ثمّ أخذت تظهر بقع "غنغرينا" سوداء في رجلي اليمنى. كان خطر قطع رجلي اليمنى يزداد مع مرور كلّ يوم لأنّ الأوردة كانت مقطّعة. بعد رفض طلبي الأخير في شهر نيسان قرّر الأطبّاء في مستشفى الشفاء قطع رجلي لأنّهم خافوا من انتشار "الغنغرينا" في بقيّة أعضاء جسمي ممّا قد يتسبّب في موتي. عندما صحوت من العمليّة بدون رجلي أصبت بصدمة شديدة. كيف أصبحت بدون رجل وكيف ساعيش وأتدبّر أموري بعد الآن؟ أنا غير قادر على العيش بصورة طبيعية منذ أن قطعت رجلي. لا أستطيع المشي بدون عكّازين ولا أستطيع لعب كرة القدم أو ركوب الدرّاجة. هوايتي الوحيدة اليوم تربية الحيوانات: الكلاب والطيور والنحل. أشغل نفسي بقضاء معظم وقتي في السّاحة مع الحيوانات. أنا أفضّل الانعزال داخل المنزل. أحاول نسيان إصابتي ولكنّني لا أنجح في ذلك حقًّا. آمل أن أستطيع الدّخول إلى المستشفى في القدس لأجل تركيب رجل اصطناعيّة تمكّنني من المشي ولو جزئيًّا. الموعد الأخير الذي عيّنوه لي في المقاصد لأجل تركيب الرّجل الاصطناعيّة كان في 7.6.18، ولكن إسرائيل رفضت طلب تصريح الدّخول الذي قدّمته. حاليًّا أمشي عرجًا برجل واحدة وأتّكئ على عكّاز وهذا يسبّب لي آلامًا كثيرة في رجلي اليسرى لأنّها تحمل كلّ ثقل جسمي. في البرد تشتدّ أوجاعي بشكل خاصّ وعندها يتعكّر مزاجي فأصبح شديد العصبيّة ولا صبر لي على أحد من أبناء عائلتي. الجريح محمد مسعود (18 عامًا) من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين أصيب محمد في صدره بتاريخ 13.4.18 خلال إحدى مظاهرات مسيرة العودة شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين وتلقّى العلاج في مستشفى الشفاء حيث وجد الأطبّاء أنّه مصاب بنزيف صدريّ داخلي نتيجة دخول الرّصاصة إلى صدره وخروجها مخترقة الرّئتين. خضع محمد لعمليّة جراحيّة واحتاج استكمال العلاج في شرقيّ القدس غير أنّه لم يتلقّ ردًّا على طلبي تصريح دخول قدّمهما ورُفض طلبه الثالث. في إفادة أدلى بها في 18.2.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة، ألفت الكرد، قال: عندما أصبت أقلّني المسعفون في سيّارة إسعاف إلى المستشفى الإندونيسي قرب مخيّم جباليا للّاجئين وفي الطريق كانوا يقدّمون لي الإسعافات الأوّليّة. عندما وصلت إلى المستشفى فقدت وعيي. بسبب خطورة إصابتي حوّلوني إلى مستشفى الشفاء في غزّة حيث رقدت في غيبوبة طيلة أسبوع في قسم العناية المكثّفة. خضعت لعمليّة جراحيّة لإزالة الدم المتجمّع في منطقة الصدر ولكن بقيت شظايا الرّصاصة داخل رئتيّ. قال الأطباء أنّ إزالتها صعبة بسبب خطورة موقعها. منذ ذلك الحين أحسّ كأنّ شيئًا يتحرّك داخل قفصي الصدري. نتجت عن هذا الوضع مضاعفات وصرت أعاني اختناقات شديدة في الصدر. منذئذٍ لا أقدر على بذل أيّ مجهود ويصعب عليّ المشي أكثر من بضعة أمتار، كما أنّني لا أستطيع حمل أيّ شيء بيدي اليسرى. عندما يصيبني الاختناق أستخدم البخّاخ. أصعب الأمور عليّ صعود الدّرج خاصّة وأنّنا نسكن في الطابق الثاني. أثناء الاستحمام أختنق عندما تنزل المياه على رأسي. أنا تلميذ في الصفّ الثاني عشر ومنذ الإصابة تقريبًا لم أذهب إلى المدرسة. فعلت ذلك طيلة نحو شهر ولكنّني توقّفت عن ذلك لأنّ المدرسة بعيدة عن منزلنا وكان يصعب عليّ المشي إلى هناك مع الأوجاع الشديدة التي أعانيها. قال لي الأطبّاء أنّ عليّ تقبّل وضعي الصحّي والتأقلم معه. حاولت ذلك لفترة طويلة ولكنّ هذا الوضع لا يمكن تحمّله. قدّمت طلب تصريح دخول للعلاج في شرقيّ القدس وسجلنا والدي كمرافق وتمّ تعيين دور لي في 10.11.18. قبل الموعد بيوم واحد تلقّت والدتي رسالة على هاتفها تفيد أنّ طلبي لا يزال قيد الفحص. طلبت تحويلًا جديدًا للمستشفى وتمّ تعيين دور آخر في 10.12.18، ولكن وصل الردّ نفسه إلى هاتف والدتي. طلبت تحويلًا ثالثًا وعيّنوا لي دورًا في 21.1.19. في هذه المرّة تلقّت والدتي ردًّا يقول أنّ طلب التصريح لوالدي قد رُفض. يجب إزالة الشظايا من رئتيّ لأنّ وجودها يسبّب لي أوجاعًا دائمة واختناقات متكرّرة. أنا أتناول مسكّنات الأوجاع طوال اليوم، ولكن حتّى هذه لم تعد تؤثّر. أحيانًا أبكي وأحيانًا أصرخ من شدّة الألم. أحسّ طعنات حادّة جدًّا في الصدر تصيبني على نوبات، وأحيانًا يتسارع النبض عندي. الأطبّاء هنا يقولون أنّه لا يمكن معالجة حالتي في قطاع غزّة وأنّ عليّ التأقلم مع الوضع ولكنّني سأواصل محاولة الوصول لتلقّي العلاج في المستشفى في شرقيّ القدس وإذا لم أحصل على تصريح فسوف أطلب تحويلي للعلاج في مصر. عليّ أن أجد حلًّا لمعاناتي. كلّ ما أريده إجراء العمليّة لكي أتمكّن من العودة إلى المدرسة وممارسة حياتي بشكل طبيعيّ والتخلّص من الأوجاع. حالتي النفسيّة صعبة جدًّا وقد أصبحت عصبيّ المزاج كثير الصّراخ والبكاء، كما انّني فقدت شهيّتي ونحل جسدي كثيرًا.

14 آذار/مارس 2019