إبراهيم أبو ثريّا من سكّان دير البلح كان شابًّا في الـ29 من عمره مقعدًا ورجلاه مبتورتان. أثناء مشاركته في مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ في قطاع غزّة أطلق عليه جنود النيران وأردوه قتيلاً. في الماضي سبق أن أصابته نيران الجنود ثلاث مرّات: في عام 2001 أصيب برجليه خلال مواجهات وقعت شرقيّ مدينة غزّة. بعد ذلك بثلاث سنوات في عام 2004 أصابوه ببطنه خلال مواجهات وقعت في نفس المكان. في عام 2008 خلال "حملة الرّصاص المصبوب العسكرية" أصيب للمرّة الثالثة وفقد رجليه الاثنتين جرّاء انفجار صاروخ أطلقه الجيش بعد دخوله إلى مخيّم البريج للّاجئين. إضافة إليه فقد أصيب جرّاء إطلاق ذلك الصاروخ سبعة فلسطينيّين بينهم أربعة قاصرين. كان أبو ثريّا يسكن مع والديه وإخوته وأخواته الستة وكان المعيل الوحيد للأسرة اعتمادًا على مخصّصات عجز كان يتلقّاها من جمعيّة حكوميّة لدعم الجرحى إضافة إلى ما كان يكسبه من عمله في غسيل السيّارات.
عندما انطلقت موجة التظاهرات في أعقاب "إعلان القدس" الذي صرّح به الرئيس ترامب في 6.12.2017 انضمّ أبو ثريّا إلى المتظاهرين ورشق الحجارة على جنود كانوا يقفون في الجانب الآخر من الجدار. خلال التظاهرات كان ينزل عن كرسيّه المتحرك ويزحف متقدّمًا نحو الجدار ثمّ يعود ويعتلي كرسيّه مجدّدً وهكذا تحول إلى شخص مألوف بالنسبة للجنود.
فيديو: Al Mayadeen News
في يوم الجمعة الموافق 15.12.2017 نحو الساعة 9:00 تجمّع ما يقارب مئة شابّ في منطقة الشريط الحدوديّ عند حاجز "ناحَل عوز" شرقيّ غزة. بعد ساعتين أخذ الشبّان يشعلون إطارات السيّارات ويرشقون الحجارة نحو سيّارات الجيب العسكرية والجنود - وكان هؤلاء منتشرين قرب برجين يقعان على بُعد نحو 15 مترًا من الجدار ويطلقون النيران وقنابل الغاز المسيل للدموع نحو الشبّان. عندما وصل أبو ثريّا إلى التظاهرة ساعده بعض الشبّان في التقدّم نحو الجدار وهو على الكرسيّ المتحرك. عند الساعة 16:30 تقريبًا حين كان أبو ثريّا يجلس على الأرض وتفصل بينه وبين الشريط الحدوديّ عشرة أمتار إلى عشرين مترًا أطلق جنديّ الرصاص على رأسه وأرداه قتيلاً. قبل ذلك بنصف ساعة في التظاهرة نفسها أطلق الجنود النيران على رأس متظاهر آخر (ياسر سكّر البالغ من العمر 23 عامًا من سكّان غزّة) وقتلوه أيضًا.
الصورة
إبراهيم أبو ثريّا ومتظاهرون آخرون، خلال مظاهرة جرت قرب الجدار الحدوديّ في أعقاب تصريح ترامب، 15.12.2017. تصوير محمد سالم، رويترز
في إفادة أدلى بها أ.س. البالغ من العمر 22 عامًا من سكان غزة يوم 19.12.2017 أمام الباحث الميداني لبتسيلم محمد صباح، حدّث بمّا جرى في ذلك اليوم:
قبل مقتله بيوم واحد تعارفنا أنا وإبراهيم أبو ثريّا ونشأت بيننا صداقة. كان يطلب منّي دفعه في اتّجاه الحدود وهو يرفع علم فلسطين ودون اكتراث لإطلاق النيران كنت أدفعه على كرسيّه إلى أقرب نقطة ممكنة من الجدار أي أنّنا كنّا نصل إلى مسافة نحو مئة متر من الحدود. لقد اعتقد ابراهيم أنّ الجنود لن يطلقوا النار عليه وكان يتابع التقدّم نحو الحدود دون الكرسيّ المتحرك - يصرخ على الجنود ثمّ يبتعد إلى الوراء. أحيانًا كان يصل إلى الحدود ويرفع علم فلسطين وعلم الجبهة الشعبية وأحيانًا أخرى كان يرشق الحجارة. يوم الأربعاء حضر جيب عسكريّ وأخذ الجنود الذين بداخله ينادونه عبر الميكروفون. قال له أحد الجنود باللّغة العربية: "إبراهيم، اذهب". توقّف الجيب لوقت قصير ثمّ غادر.
في يوم الجمعة 15.12.2017 قرابة التاسعة صباحًا مشيت متوجّهًا إلى منطقة "ناحَل عوز". كان هناك نحو مئة شابّ وفتًى يقفون على مسافة مئتي متر تقريبًا من الجدار وكان عدد من الجنود في البرجين العسكريّين. لم يرشق أحد الحجارة لأنّنا كنّا بانتظار وصول سيّارة الإسعاف وتجمّع عدد أكبر من الشباب. بعد نحو السّاعتين وصلت مجموعة أخرى من الشبان وكذلك وصل إبراهيم أبو ثريّا. كان يتنقّل من مكان إلى آخر حينًا يقترب من الحدود وحينًا يبتعد. أحيانًا كان يرفع قميصه ليرى الجنود أنّه غير مسلّح ولا يشكّل خطرًا على أحد. فجأة أخذ الجنود يطلقون الغاز المسيل للدموع وامتلأ الجوّ بالغاز لدرجة أنّنا لم نعد قادرين على رؤية شيء أمامنا. بعد ذلك أخذوا يطلقون الرّصاص الحيّ ثمّ قنابل الغاز مجدّدًا. انتبهت أنّ إبراهيم قد أصيب ورأيت الشباب يحملونه ويأخذونه إلى حيث سيّارة الإسعاف.
متظاهر آخر، ج.ح. البالغ من العمر 26 عامًا من سكّان بيت لاهيا وصف في إفادة أدلى بها يوم 27.12.2017 أمام الباحث الميداني لبتسيلم محمد صباح، إطلاق النّار على أبو ثريّا:
في ذلك اليوم استمرّت المواجهات حتى ساعات ما بعد الظهر وأخذت تشتدّ لأنّه قد جاء عدد كبير من الشبان. أطلق الجيش نحونا النيران وقنابل الغاز المسيل للدموع وكلّ بضعة دقائق كان يصاب أحدنا، إمّا من إصابة بالرّصاص أو بقنبلة غاز أو جرّاء استنشاق الغاز.
عند الساعة 16:30 تقريبًا تقدّم إبراهيم باتّجاه الحدود. كان أحد الشبان يدفعه وهو على الكرسيّ المتحرك. بعد ذلك نزل عن الكرسي وأخذ يزحف مقتربًا منّا. كنّا نقف على بُعد بضعة أمتار من الشريط الحدوديّ والجنود يشتموننا ونحن نشتمهم بدورنا ونرشقهم بالحجارة. عندما اقترب إبراهيم أبو ثريّا منّا سمعت فجأة صوت إطلاق نار وكان الصوت عاليًا جدًّا. رأيت إبراهيم يقع إلى الخلف على ظهره. عندما وقع أخذنا نهتف "ألله أكبر" وفورًا حملناه وأخذناه إلى سيارة الإسعاف.
حُمل إبراهيم أبو ثريّا إلى سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر وكانت تقف على بُعد نحو 250 مترًا من الجدار - ومن ثمّ نُقل إلى مستشفى الشفاء في غزة حيث أعلنت وفاته.
في إفادة أدلت بها أمام الباحثة الميدانية لبتسيلم ألفت الكرد، يوم 24.12.2017، حدّثت والدة إبراهيم, اعتدال أبو ثريّا البالغة من العمر 56 عامًا من سكّان دير البلح، متزوّجة وأمّ لسبعة, بما يلي:
الصورة
اعتدال أبو ثريّا. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم, 24.12.17.
كان إبراهيم يتلقّى مخصّصات ماليّة من مؤسّسة حكوميّة تدعم الجرحى ومن هذه المخصّصات كنّا ندفع أجرة المنزل ونشتري ما نحتاجه. زوجي مسنّ ولا يقدر على العمل وأخو إبراهيم الأصغر وأخواته الخمس جميعهم عاطلون عن العمل. ولأنّ المخصّصات لم تكن تكفينا كان إبراهيم يعمل في غسيل السيارات في شوارع غزة. رغم معاناته نتيجة بتر رجليه كان متفائلاً ومرحًا وابتسامة دائمة تنير وجهه. كان قلبه طيّبًا وكان شفوقًا عليّ وعلى والده وحاول دائمًا تلبية احتياجاتي.
عندما سمع إبراهيم إعلان ترامب أنّ القدس عاصمة إسرائيل غضب جدًّا وعندما علم أنّ المواجهات دائرة بين الشبان والجيش قرّر المشاركة في المظاهرات التي جرت شرقيّ غزّة. لم أستطع منعه من ذلك ولم يوقفه شيء عن مُراده. رغم أنّهم أصابوه قبل ذلك عدّة مرّات إلا أنه لم ييأس ولم يتعب. في يوم الجمعة الموافق 15.12.2017 استيقظ في التاسعة صباحًا وتناول فطوره وقال لي ولإخوته إنّه ذاهب إلى المظاهرات الجارية في "ناحل عوز". أوصاني إبراهيم أن أعتني بالعائلة لأنّه اليوم سوف يستشهد ثمّ ودّعني وودّع أخاه وأخواته. لم أصدّقه لأنّه كان عادةً كثير المزاح.
خرج إبراهيم من المنزل منذ العاشرة صباحًا لأنّنا نسكن في منطقة دير البلح والمظاهرة التي أراد المشاركة فيها جرت في منطقة الشجاعيّة قرب "ناحل عوز" وهي منطقة بعيدة جدًا ويصعب الوصول إليها لكنّه اعتاد الذهاب إلى هناك منذ كنّا نسكن في غزة - إلى ما قبل بضعة أشهر. عندما كان إبراهيم يشارك في المظاهرات كنت أخاف عليه وينتابني القلق ولكنّي توقّعت دائمًا أنّه سيرجع إلينا إذ اعتقدت أنّ الجيش الإسرائيلي لن يطلق عليه الرصاص لأنّه مقعد ولا يشكّل خطرًا على أحد. هو لم يكن يستطيع المشي كان يزحف قرب الجدار.
عند الساعة 17:00 تقريبًا اتّصل بي هاتفيًّا ابن عمّه وقال لي إنّ ابراهيم قد أصيب في رأسه واستشهد. لم أصدّقه لأنّني كنت واثقة من عودة إبراهيم إلى البيت. أبلغت والده فذهب وحده إلى مستشفى الشفاء ورأى الجثّة في غرفة الموتى ليتأكّد من أنّ الذي استُشهد هو إبراهيم. اتّصل زوجي وأخبرني أنّ إبراهيم قد توفّي وأنّه أصيب في منطقة الرأس. انتابتني الهستيريا وأخذت بالصراخ والبكاء وانهارت أخواته تمامًا عندما علمن بذلك. ما ذنبه هو! في اليوم التالي أقيمت جنازته وودّعته. ألله يصبّرنا على فراقه. لقد ترك فراغًا كبيرًا في المنزل. أحيانًا يخيّل إليّ أنّي أسمع صوته وضحكته في أنحاء البيت. إنّني أدعو له كلّ يوم وأصلّي لأجله.
إضافة إلى إبراهيم أبو ثريّا قتل الجنود المتمركزون على الجهة الأخرى من الجدار سبعة متظاهرين آخرين بالرّصاص الحيّ خلال موجة الاحتجاجات قرب الشريط الحدودي في شهر كانون الأوّل والتي انطلقت في أعقاب إعلان ترامب رئيس الولايات المتحدة بشأن القدس. وكما في حالة أبو ثريّا لم يشكّل أيّ من هؤلاء المتظاهرين خطرًا على حياة الجنود. وفقًا لمعطيات وزارة الصحّة الفلسطينية فإنه قد جُرح بين 7 كانون الأوّل 2017 و-31 منه 322 فلسطينيًّا جرّاء إطلاق الرّصاص الحيّ من قبل الجنود وجُرح 58 جرّاء إطلاق الرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط.
نشرت وسائل الإعلام العبريّة أنّ قسم التحقيقات في الشرطة العسكرية باشر التحقيق في حادثة إطلاق الرّصاص على أبو ثريّا لكنّنا شبه متأكّدين - بناءً على التجربة - أنّ التحقيق لن يسفر عن محاكمة أيّ من المسؤولين عن القتل المخالف للتعليمات وبالتأكيد لن يحاكَم أحد من ذوي المناصب الرّفيعة. هذه التجربة - التي تشهد أنّ التحقيقات ينتهي جميعها تقريبًا إلى طمس الحقائق - هي التي حذت بمنظمة بتسيلم التوقّف عن التوجّه إلى النيابة العسكرية مطالِبة بالشروع في التحقيق. ومع ذلك فنحن نؤكّد أنّ إجراء التحقيق ومحاسبة المسؤولين يظلّان من واجبات الجهاز العسكريّ. غير أنّه طالما النيابة العسكرية تواصل سياسة الطمس الممنهج لملابسات مقتل وجرح الفلسطينيين على يد قوّات الأمن وطالما لا يدفع أحد ثمن المسّ بالفلسطينيين فسوف يتواصل القتل المخالف للتعليمات.
خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة والرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر عندما هاجمتْ إسرائيل بمبادرتها الكاملة ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: - في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل ثلاثة من جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوق شقته: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). - في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ جارتاهم الشقيقتان ـ دانيا (19 عامًا) وإيمان عدس (17 عامًا). - في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). قصف المنازل ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من سياسة مديدة السنوات تمارسها إسرائيل في قطاع غزّة. لقد قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. لكن في الماضي عندما كان المدنيّون يُقتلون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما أو معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتّى هذه الادّعاءات لم تُطرح. بدلًا من ذلك ادّعتْ جهات رسميّة بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة لأنّ القتلى هم ليسوا أكثر من "ضرر عرَضيّ" وأساسًا فإنّ الذنْب هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين. تستند هذه التبريرات ووجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها إلى تفسير خاطئ للقانون الإنسانيّ الدوليّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه، ويجب رفض كليهما: - الادعاء بأنّ العمليّة كانت تناسبيّة وأنّ القتلى هم "ضرر عرَضيّ" يخفي الضرر اللاحق بالمدنيّين ويفرغ المبادئ الأساسيّة للقانون الإنسانيّ الدوليّ من أيّ مضمون. بالإضافة إلى ذلك فإنّ السؤال بشأن ما إذا كانت العمليّة تناسبيّة لا يمكن طرحه بتاتًا في هذه الحالة، لإنّ الهجوم استهدف منازل المدنيّين وهي ليست أهدافًا عسكريّة مشروعة، وبالتالي فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي سبَّبه. - الادّعاء بأنّ المسؤوليّة عن القتل تقع على عاتق ناشطي الجهاد الإسلاميّ يبرّر مسبقًا أيّ عمليّة تقوم بها إسرائيل في القطاع مهما كانت نتائجها مروّعة، ويحرّر إسرائيل من واجبها تقليص المساس بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان. إنّ إسرائيل هي التي اختارت أن تطلق في منتصف الليل الصواريخ التي قتلت ودمّرت ولذا فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن النتائج. أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت والأهداف والوسائل لهذه العمليّة. هم مَن اختاروا عن وعي وإدراك إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن كثيرين – ومن ضمنهم أطفال صغار – سيُقتلون. ومثل أيّ جريمة هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها – بمَن في ذلك رئيس الحكومة ووزير الأمن ورئيس الأركان وقائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ.
خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة، الرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر في ليلة القصف الأولى، عندما هاجمتْ إسرائيل، بمبادرتها الكاملة، ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوقهم: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ شقيقتان كانتا تسكنان في الجوار ـ دانيا عدس (19 عامًا) وإيمان (17 عامًا). في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). تمّ تدمير الشقق الثلاث بالكامل. كما تمّ تدمير شقّتَين أخريين بشكل كامل وتضرّرت شقّتان أخريان بشكل جزئيّ. لم يكن ذلك خطَأً. أفاد المراسلون الذين حضروا في التوجيهات السرّيّة التي أجراها ممثّلو الجيش مع وسائل الإعلام بعد الهجوم بأنّه تم إبلاغهم بأنّ المسؤولين الذين أمروا بالقصف كانوا يعلمون بوجود أشخاص آخرين في البيوت التي تمّ قصفها وبأنّهم افترضوا أنّ ثمّة احتمالًا كبيرًا لأن يُقتل هؤلاء أيضًا. فعلى سبيل المثال، نُشِر أنّه "في الجيش الإسرائيليّ قالوا إنّهم كانوا يعلمون بوجود أشخاص غير ضالعين على مقربة من قادة الجهاد الثلاثة، وكذلك باحتمال تعرّضهم للأذى، لكنّ هذه التقديرات أُخِذت بالحسبان في قرار تنفيذ عمليّات القتل الموضعي". بالنظر إلى أنّ إطلاق النار تمّ في منتصف الليل على بيوت سكنيّة يعيش فيها أفراد عائلات ناشطي الجهاد الإسلامي، فهذا هو الافتراض المحتّم. في الماضي، عندما قُتل مدنيّون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما، معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة، وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتى هذه الادّعاءات لم يتم طرحها. بدلًا من ذلك، حاولتْ إسرائيل الادّعاء بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة. محاولات إسرائيل العبثية لتبرير القتل التبرير الإسرائيليّ الأول: إنّه مجرد "ضرر عرَضيّ" قانونيّ أحد الادّعاءات التي طُرحت مفاده أنّ الهجوم كان قانونيًّا وَفقًا للقانون الدوليّ الإنسانيّ لأنّه كان "تناسبيًّا" وأنّ القتلى العشرة، وفقًا لهذا الادّعاء، هم "ضرر عرَضيّ" فحسْب. هكذا على سبيل المثال، ادّعى المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ بأنه "نفّذنا هنا عمليّة موضعية للغاية ذات رسالة واضحة للغاية، بمستوى نوعيّ لضرر عرَضيّ محدّد للغاية". عاموس يادلين، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكريّة، أوضح أنّ "الجيش الإسرائيليّ وجهاز الشاباك، وبمجرّد تنفيذ عملية التصفية، أثبتا قدرة مذهلة على الهجوم الدقيق في عدّة مواقع بالتزامن، مع حدّ أدنى من الضرر العرَضيّ (إصابة غير الضالعين مؤسفة ولكنّها تناسبيّة) واستنادًا إلى معلومات استخباريّة دقيقة للغاية". غير أنّ هذا الرأي لا أساس له، إطلاقاً. فوفقًا لمبدأ التناسبيّة، يُعتبَر الهجوم غير قانونيّ إذا كان من المتوقّع أن يتسبّب في "ضرر عرَضيّ" للمدنيّين وممتلكاتهم يكون مفرطًا مقارنة مع الأفضلية العسكريّة "المباشرة والملموسة" المتوقّعة للجانب المهاجم نتيجةً له. إنّ تطبيق هذا المبدأ هو زئبقيّ وملتَبس، إذ لا يوجد تعريف لما يمكن اعتباره إصابة "مفرطَة" وما يمكن اعتباره "أفضليّة عسكريّة" وكيف بالإمكان الموازنة أصلاً بين معيارين اثنين مختلفين إلى هذا الحدّ. بالنظر إلى ذلك، عندما نأتي لفحص تطبيق مبدأ التناسبيّة بخصوص حالة عينيّة، يكون التحليل القانونيّ الجاف غير ممكن، البتّة تقريباً، ومن الواضح أنّ التفسير لا بد أن يتأثّر أيضًا بوجهة نظر المُفسِّر. مع ذلك، وكما هو الحال بخصوص أيّ قاعدة قانونيّة، أخرى ليس كلّ تفسير يُعتَبر شرعيًّا وهنالك بالتأكيد حالات يكون فيها الحسم بشأن ما إذا كان الهجوم "تناسبيًّا" قاطعاً ولا لُبس فيه. فالتفسير المنفصل تمامًا عن أهداف وروح القانون الدوليّ الإنسانيّ ـ مثل التفسير الذي يقول إن الهجوم الذي نفّذه الجيش في منتصف الليل على منازل العائلات كان تناسبيًّا ـ هو تفسير سخيف لا أساس له من الصحّة. إذا قبلنا بهذا التفسير، فمن الصعب أن نرى أيّة قيمة ومعنى يُبقي للقانون الدوليّ الإنسانيّ إجمالًا، لأنّه يُلغي حماية المدنيّين. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ السؤال بشأن ما إذا كان الإجراء تناسبيًّا لا يُطرَح إلّا في الحالات التي كان فيها الهجوم نفسه قانونيًّا ـ أي كالهجوم الذي يستهدف أهدافًا عسكريّة مشروعة. إذا لم يكن الهجوم على هذا النحو، فسيكون غير قانونيّ بغضّ النظر عن مسألة إلحاق الضرر بالمدنيّين وبممتلكاتهم. يُعرَّف "الهدف العسكريّ المشروع" بأنّه الهدف الذي يساهم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" وبأنّه الهدف الذي من شأن إلحاق الضرر به أن يمنح الطرف المهاجِم "أفضليّة عسكريّة بارزة". الهجوم في تلك الليلة استهدف شقق ثلاثة ناشطين من الجهاد الإسلاميّ. بيوتهم، وكذلك بيتان إضافيّان للجيران، دُمّرت تدميرًا كاملًا. هل يمكن اعتبار بيوت الناشطين أهدافًا عسكريّة مشروعة وفقًا للتعريف أعلاه؟ الجواب هو بالنفي طبعًا وإسرائيل لم تحاول ادّعاء ذلك أصلاً: لم يدّعِ أيّ مسؤول رسميّ بأنّه تمّ في تلك الشقق تنفيذ أيّ نشاط قدّم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" أو أنّ إلحاق الضرر بها سيمنح إسرائيل "أفضليّة عسكريّة بارزة". تمّ إلحاق الضرر بالبيوت عرَضيًّا وليس كهدف في حدّ ذاته. بالنظر إلى هذا، فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ، حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي تسبّب به. التبرير الإسرائيليّ الثاني: الذنْب أصلًا هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين التبرير الآخر الذي ذكره المسؤولون الرسميّون هو أنّ ناشطي الجهاد، الذين يختارون الاختباء خلف المدنيّين، هم المسؤولون عن النتائج. فعلى سبيل المثال، قال رئيس أركان الجيش، هرتسي هليفي، إنّه "لو كان بالإمكان تنفيذ اغتيال قادة الجهاد دون إيذاء الأبرياء لكان الجيش الإسرائيليّ قد فعل ذلك، لكن 'يجب تذكُّر أنّ الإرهاب ينشط من بين السكّان المدنيّين، كجزء من نهج، وبذلك يُعرّض سكّان قطاع غزّة للخطر' ". هذا الادّعاء مستهجَن بالنظر إلى أنّ ناشطي الجهاد كانوا نائمين في بيوتهم مع أفراد عائلاتهم ولم يشاركوا في نشاط عسكريّ "من بين السكّان المدنيّين". لكن عدا ذلك، فهذا الادّعاء يقود إلى نتائج غير قانونيّة. صحيح أن تنظيمات مسلّحة في قطاع غزّة تنتهك أحكام القانون الدوليّ الإنسانيّ ولا تميّز بين الأهداف المدنيّة والأهداف العسكريّة. وهذا الخلط يقوّض أبسط قواعد القانون الإنسانيّ التي تهدف إلى تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين قدر الإمكان وإبعادهم عن مناطق القتال. وفقًا لإسرائيل، فإنّ هذا السلوك يمنحها حرّيّة تصرّف غير محدودة: إنّه يحرّرها من واجب الامتثال للقانون ويبرّر الأضرار الجسيمة التي تُلحِقها بالسكّان المدنيّين. لكنّ هذا التفسير يبرّر مسبقًا أيّ عمل تسعى إسرائيل إلى تنفيذه في القطاع، مهما كانت نتائجه مروّعة. إنّه يحرّر إسرائيل من واجبها في تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان ويفرغ من أيّ مضمون القاعدة التي تنصّ على أنّ حقيقة كون أحد الطرفين قد انتهك الأحكام لا تعفي الطرف الآخر من وجوب تطبيقها. إسرائيل هي التي اختارت إطلاق الصواريخ التي قتلت ودمّرت، وبالتالي فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن إلحاق الضرر بالمدنيّين الفلسطينيّين وبممتلكاتهم. يجب رفض أيّ تفسير آخر يحمّل الفلسطينيّين المسؤوليّة عن هذا التصرّف ونتائجه، جملةً وتفصيلًا. حتّى الجولة القادمة خلال جولات القتال التي اندلعت في قطاع غزّة في السنوات الأخيرة هاجمتْ إسرائيل مناطق سكنيّة مكتظّة بالسكّان من البرّ والجوّ والبحر. قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة، دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. على الرغم من عدم قانونيّة هذه السياسة، إلّا أنّها تحظى بدعم كامل من جميع المستويات العليا في إسرائيل: المستوى السياسيّ والمستوى القضائيّ والمستوى العسكريّ. قصف المنازل في قطاع غزّة ليلة 9.5.23 ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من هذه السياسة. وكما هي الحال في العديد من الحالات الأخرى، لم يتمّ القيام به كعمليّة دفاع عن النفس مقابل خطر واضح وفوري لم يكن بالإمكان منعه بطريقة أخرى. بل على العكس تمامًا: أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت، الأهداف والوسائل. هم مَن اختاروا، عن وعي وإدراك، إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن يُقتَل كثيرو آخرون، بمَن في ذلك أطفال صغار. تستند وجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها، والتي شرعنت العمليّة، إلى تفسير خاطئ للقانون الدوليّ الإنسانيّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه ويجب رفض كليهما. مثل أيّ جريمة، هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها –ـ بمَن في ذلك رئيس الحكومة، وزير الأمن، رئيس الأركان، قائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ. دعكم من "العلم الأسود"، دعكم من "لا قانونيّة تُعمِل في العين وخزًا وفي القلب طعنًا". لم يعد متّخذو القرار في إسرائيل يكلّفون أنفسهم حتّى عناء إخفاء تصوّرهم بأنّ قتل أشخاص لم يفعلوا شيئًا، حتّى الأطفال الصغار، هو أمر مشروع. ليس بسبب انعدام أي خيار آخر، ليس لمواجهة خطر فوريّ وحتميّ على الحياة، وإنّما كطريق ملوكيّ رئيسيّ معتمد، كخاتمة لسيرورة مدروسة في اتّخاذ القرار، بصورة اختيارية وبمحض الإرادة.