قطاع غزة

إفادة سوزان الجاروشة (45 عامًا) أمّ لطفلتين في الخامسة والسّابعة من عمرهما، حول فُقدان منزل الأسرة بعد قصف بُرج الجلاء

الصورة
סוזאן אל-ג'ארושה. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 13.7.21

اشترينا الشقّة في البُرج قبل سبع سنوات مقابل 58,000 دولار وما زلنا ندفع أقساطها الشهريّة حتى اليوم. ظهرَ يوم السّبت المُوافق 15.5.21 كنت أعدّ طعام الغداء وكانت ابنتي ألما (7 سنوات) تلعب بألعابها وتالين الصّغيرة نائمة. زوجي كان خارج المنزل. سمعت طرقات على باب المنزل وصوتاً يقول "أخلوا الشقّة!. الجيش سيقصف البُرج!".

تركت إعداد الطعام. أخذت حقيبة اليد خاصّتي وجمعت بعض الملابس لابنتيّ ولي ثمّ أخذت ابنتيّ وخرجت من المنزل. كنت أرتدي العباءة ولم أغيّر ملابسي. ألما وتالين أخذتا معهما بعض الألعاب. قبل أن أخرج ألقيت نظرة أخيرة على منزلي، ودّعته على أمل أن نعود إليه.

أقفلت الباب وأخذت معي المفتاح ثمّ هبطنا الدّرج. كان جميع سكّان البُرج يصرُخون والنساء يسارعن في ارتداء ثوب الصّلاة فوق ملابسهنّ والأطفال يصيحون مذعورين. أنا تملّكتني وأذهلتني فكرة أنّ منزلي قد يختفي بعد قليل وطوال الوقت كنت أفكّر كيف لم نأخذ معنا شيئاً تقريباً.

عندما وصلت إلى الطابق الرّابع هاتفت زوجي وأخبرته أنّنا الآن نُخلي البُرج لأنّهم سوف يقصفونه بعد قليل. في الشارع كان جميع السكّان يبكون ويصرُخون. سمعت شخصاً يقول "أين ابنتي سلمى؟". الجميع كان في حالة هستيريا. كان ذلك مشهداً مرعباً.

فجأة أخذت ألما تبكي وتصرخ "لقد نسينا القطط! نسينا القطط!". أنا أيضاً أجهشت بالبكاء. لقد نسيناها في المنزل لأنّني في لحظة خروجنا كان أكثر ما يهمّني أن أنقذ ابنتيّ وأهدّئ من روعهما لكي لا تخافا. في تلك اللّحظة انهرت وأخذت أبكي إذ لا يمكن بعد الآن العودة إلى المنزل لجلب القطط. خفت لأنّ البناية مهدّدة بالقصف في أية لحظة.

التقينا زوجي في الخارج. كان في زيارة لوالديه اللّذين يقيمان على بُعد نحو 500 متر من بُرجنا، وقد جاء فوراً بعد اتّصالي به لكي يأخذنا إلى منزل والديه. عندما وصلنا إلى هناك سمعت دويّ تفجير بنايتنا. أحسست كأنّهم يقصفون قلبي وروحي. كانت هذه من أكثر تجارب حياتي إيلاماً. منزلي كان عزيزاً على قلبي، كان جزءاً منّي وكلّ شيء فيه مشبّع بروحي. أثناء سماعنا الانفجارات كان زوجي يبكي بحُرقة. للحظة هُيّئ لي أنّه على شفا انهيار عصبيّ.

بقينا في منزل والدي زوجي قرابة أسبوع بعد الحرب ثمّ انتقلنا إلى شقّة في حيّ الرّمال استأجرناها مقابل 250 دولار شهريّاً لأنّها تخلو من الأثاث. نحن هُنا منذ شهر ونصف الشّهر ولكن أفكاري وروحي بقيتا في منزلنا الذي هدموه. أفكّر فيه وأبكي طوال الوقت وقلبي تملؤه الحسرة - أبكي بيتي وذكرياتنا الجميلة هناك أنا وأسرتي.

بدأنا في تأثيث شقّتنا الجديدة وهذا يكلّف كثيراً. كلّ ما اقتنيناه حتى اليوم طوال حياتنا ذهب هباءً ودُفن تحت الأنقاض: الأثاث والملابس ومصاغي الذهبي وكلّ محتويات المنزل.

أنا وُلدت في السّعوديّة لعائلة أصلُها من طولكرم في الضفة الغربيّة. في العام 2010 تزوّجت في مصر ومن هناك دخلت مع زوجي إلى قطاع غزّة. جلبت معي أشياء ثمينة جدّاً. قيمة محتويات منزلنا كانت تساوي قيمة الشقّة نفسها. وكانت لي دُمية صغيرة - تذكار من طفولتي في السّعوديّة، هي أيضاً بقيت تحت الأنقاض. روحي دُفنت تحت أنقاض البُرج مع الأثاث وبقيّة أغراضي. أشعر بأن شيئا ما رابض على صدري طيلة الوقت.

عدا الشقّة التي كنّا نقيم فيها كان لزوجي في البُرج شقّتان عبارة عن مكاتب شركة السّياحة والسّفر التي كان يديرها. وكان للشركة فرع آخر قبالة بُرج الجوهرة وهو أيضاً تضرر جرّاء قصف ذلك البُرج. قصفته إسرائيل قبل أن تقصف بُرجنا. آنذاك نقل زوجي جميع الأجهزة والمستندات إلى فرع بُرج الجلاء وعندما قُصف البُرج ضاع كلّ شيء. دُفن تحت الأنقاض.

بعد أن نظّفوا رُكام البُرج وجدت جزءاً صغيراً من أغراضي: مصاغ ذهبيّ وبعض الصّور العائليّة وبضمنها صور بناتي وصور عُرسنا وحقيبة فيها مستنداتنا ووثائقنا الشخصيّة. وجدنا أثاث غرفة نومنا محطّماً تماماً - السّرير والخزانة. وجدنا أيضاً عُطوري وعلب مكياجي كلّها تحت الأنقاض. تقريباً لم أتمكّن من إنقاذ شيء سوى جزء من ألعاب بناتي وبعض الأشياء الأخرى. قططنا وجدناها ميتة في داخل خزانة.

الآن في هذه الشقّة المستأجرة أشعر طوال الوقت بأنّ مكوثي هنا مؤقّت. وكأنّ منزلي لا يزال هناك وسوف أعود إليه بعد قليل. ابنتاي أيضاً نفسيتهما متضعضعة. الرّعب الذي عاشته كلتاهُما وفقدان المنزل أذاهُما كثيراً. ترفضان اللّعب خارج المنزل كما أنّ لا أصدقاء لهما في حيّنا الجديد. جميع أصدقائهما صبياناً وبنات هُم من أبناء جيراننا في البُرج الذي هُدم. كانتا دائماً تأخذان ألعابهما وتهبطان للّعب معهم في لوبي البناية. فقدت ابنتاي كلّ شيء: أصدقاءهما وألعابهما وكلّ أغراضهما. اتّصالهما مع الأصدقاء يتمّ الآن فقط عبر الهاتف ومحادثات الفيديو. أنا حزينة جدّاً لأجلهما.

لقد أتيت إلى غزّة وحدي ولا يوجد لي أحد هنا. والدتي تُقيم في طولكرم وإخوتي في السّعوديّة. منذ سنوات لم أرَ أمّي. قدّمت عدّة طلبات لكي أحصل على تصريح وأذهب لأزورها عبر حاجز إيرز لكنّ الإسرائيليّين لم يوافقوا عليها. في كلّ مرّة كانت مديريّة التنسيق والارتباط ترفض طلبي. هذه المحاولات والخيبات أرهقتني نفسيّاً. كان سكّان بُرج الجلاء مثل عائلة بالنسبة إليّ. أشعر أنّني فقدت عائلتي التي عشت معها طوال سبع سنوات. كانت تربطني بهم صداقات جميلة وحقيقيّة والآن أحسّ كأنّني انتقلت مرّة أخرى إلى بلد غريب - لا أصدقاء ولا جيران. جميعنا تشتّتنا كلّ إلى جهة. يتملّكني اليأس والشعور بأنّني فقدت كلّ شيء.

الأمر الوحيد الذي يمنحني القوّة الآن هو أملي بأن تعود حياتنا كما كانت وأن أرجع ذات يوم لأعيش وسط جيراني وأصدقائي في البُرج. ابنتاي تسألانني طوال الوقت متى سنعود إلى منزلنا.

الجيش الإسرائيليّ أراد أن يوجعنا. لقد هاجموا منازلنا مع أنّنا مجرّد سكّان مدنيّين. لقد هدموا سنوات من الجُهد وسلبوا كلّ ذكرياتنا الجميلة، كلّ ما تبقّى لي من أمّي ومن المرحوم أبي. هذه الأمور لا تعوَّض.

سجلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 18.7.21.

مواد مقترحة

علي وميار عزّ الدين

قطاع غزة

مسؤولون كبار في إسرائيل يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة عن المساس المتوقع بالمدنيّين بمَن فيهم الأطفال في قطاع غزّة

خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة والرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر عندما هاجمتْ إسرائيل بمبادرتها الكاملة ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: - في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل ثلاثة من جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوق شقته: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). - في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ جارتاهم الشقيقتان ـ دانيا (19 عامًا) وإيمان عدس (17 عامًا). - في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). قصف المنازل ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من سياسة مديدة السنوات تمارسها إسرائيل في قطاع غزّة. لقد قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. لكن في الماضي عندما كان المدنيّون يُقتلون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما أو معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتّى هذه الادّعاءات لم تُطرح. بدلًا من ذلك ادّعتْ جهات رسميّة بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة لأنّ القتلى هم ليسوا أكثر من "ضرر عرَضيّ" وأساسًا فإنّ الذنْب هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين. تستند هذه التبريرات ووجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها إلى تفسير خاطئ للقانون الإنسانيّ الدوليّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه، ويجب رفض كليهما: - الادعاء بأنّ العمليّة كانت تناسبيّة وأنّ القتلى هم "ضرر عرَضيّ" يخفي الضرر اللاحق بالمدنيّين ويفرغ المبادئ الأساسيّة للقانون الإنسانيّ الدوليّ من أيّ مضمون. بالإضافة إلى ذلك فإنّ السؤال بشأن ما إذا كانت العمليّة تناسبيّة لا يمكن طرحه بتاتًا في هذه الحالة، لإنّ الهجوم استهدف منازل المدنيّين وهي ليست أهدافًا عسكريّة مشروعة، وبالتالي فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي سبَّبه. - الادّعاء بأنّ المسؤوليّة عن القتل تقع على عاتق ناشطي الجهاد الإسلاميّ يبرّر مسبقًا أيّ عمليّة تقوم بها إسرائيل في القطاع مهما كانت نتائجها مروّعة، ويحرّر إسرائيل من واجبها تقليص المساس بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان. إنّ إسرائيل هي التي اختارت أن تطلق في منتصف الليل الصواريخ التي قتلت ودمّرت ولذا فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن النتائج. أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت والأهداف والوسائل لهذه العمليّة. هم مَن اختاروا عن وعي وإدراك إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن كثيرين – ومن ضمنهم أطفال صغار – سيُقتلون. ومثل أيّ جريمة هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها – بمَن في ذلك رئيس الحكومة ووزير الأمن ورئيس الأركان وقائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ.

14 حزيران/يونيو 2023

علي وميار عزّ الدين

قطاع غزة

مسؤولون كبار في إسرائيل يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة عن المساس المتوقع بالمدنيّين بمَن فيهم الأطفال في قطاع غزّة

خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة، الرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر في ليلة القصف الأولى، عندما هاجمتْ إسرائيل، بمبادرتها الكاملة، ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوقهم: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ شقيقتان كانتا تسكنان في الجوار ـ دانيا عدس (19 عامًا) وإيمان (17 عامًا). في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). تمّ تدمير الشقق الثلاث بالكامل. كما تمّ تدمير شقّتَين أخريين بشكل كامل وتضرّرت شقّتان أخريان بشكل جزئيّ. لم يكن ذلك خطَأً. أفاد المراسلون الذين حضروا في التوجيهات السرّيّة التي أجراها ممثّلو الجيش مع وسائل الإعلام بعد الهجوم بأنّه تم إبلاغهم بأنّ المسؤولين الذين أمروا بالقصف كانوا يعلمون بوجود أشخاص آخرين في البيوت التي تمّ قصفها وبأنّهم افترضوا أنّ ثمّة احتمالًا كبيرًا لأن يُقتل هؤلاء أيضًا. فعلى سبيل المثال، نُشِر أنّه "في الجيش الإسرائيليّ قالوا إنّهم كانوا يعلمون بوجود أشخاص غير ضالعين على مقربة من قادة الجهاد الثلاثة، وكذلك باحتمال تعرّضهم للأذى، لكنّ هذه التقديرات أُخِذت بالحسبان في قرار تنفيذ عمليّات القتل الموضعي". بالنظر إلى أنّ إطلاق النار تمّ في منتصف الليل على بيوت سكنيّة يعيش فيها أفراد عائلات ناشطي الجهاد الإسلامي، فهذا هو الافتراض المحتّم. في الماضي، عندما قُتل مدنيّون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما، معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة، وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتى هذه الادّعاءات لم يتم طرحها. بدلًا من ذلك، حاولتْ إسرائيل الادّعاء بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة. محاولات إسرائيل العبثية لتبرير القتل التبرير الإسرائيليّ الأول: إنّه مجرد "ضرر عرَضيّ" قانونيّ أحد الادّعاءات التي طُرحت مفاده أنّ الهجوم كان قانونيًّا وَفقًا للقانون الدوليّ الإنسانيّ لأنّه كان "تناسبيًّا" وأنّ القتلى العشرة، وفقًا لهذا الادّعاء، هم "ضرر عرَضيّ" فحسْب. هكذا على سبيل المثال، ادّعى المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ بأنه "نفّذنا هنا عمليّة موضعية للغاية ذات رسالة واضحة للغاية، بمستوى نوعيّ لضرر عرَضيّ محدّد للغاية". عاموس يادلين، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكريّة، أوضح أنّ "الجيش الإسرائيليّ وجهاز الشاباك، وبمجرّد تنفيذ عملية التصفية، أثبتا قدرة مذهلة على الهجوم الدقيق في عدّة مواقع بالتزامن، مع حدّ أدنى من الضرر العرَضيّ (إصابة غير الضالعين مؤسفة ولكنّها تناسبيّة) واستنادًا إلى معلومات استخباريّة دقيقة للغاية". غير أنّ هذا الرأي لا أساس له، إطلاقاً. فوفقًا لمبدأ التناسبيّة، يُعتبَر الهجوم غير قانونيّ إذا كان من المتوقّع أن يتسبّب في "ضرر عرَضيّ" للمدنيّين وممتلكاتهم يكون مفرطًا مقارنة مع الأفضلية العسكريّة "المباشرة والملموسة" المتوقّعة للجانب المهاجم نتيجةً له. إنّ تطبيق هذا المبدأ هو زئبقيّ وملتَبس، إذ لا يوجد تعريف لما يمكن اعتباره إصابة "مفرطَة" وما يمكن اعتباره "أفضليّة عسكريّة" وكيف بالإمكان الموازنة أصلاً بين معيارين اثنين مختلفين إلى هذا الحدّ. بالنظر إلى ذلك، عندما نأتي لفحص تطبيق مبدأ التناسبيّة بخصوص حالة عينيّة، يكون التحليل القانونيّ الجاف غير ممكن، البتّة تقريباً، ومن الواضح أنّ التفسير لا بد أن يتأثّر أيضًا بوجهة نظر المُفسِّر. مع ذلك، وكما هو الحال بخصوص أيّ قاعدة قانونيّة، أخرى ليس كلّ تفسير يُعتَبر شرعيًّا وهنالك بالتأكيد حالات يكون فيها الحسم بشأن ما إذا كان الهجوم "تناسبيًّا" قاطعاً ولا لُبس فيه. فالتفسير المنفصل تمامًا عن أهداف وروح القانون الدوليّ الإنسانيّ ـ مثل التفسير الذي يقول إن الهجوم الذي نفّذه الجيش في منتصف الليل على منازل العائلات كان تناسبيًّا ـ هو تفسير سخيف لا أساس له من الصحّة. إذا قبلنا بهذا التفسير، فمن الصعب أن نرى أيّة قيمة ومعنى يُبقي للقانون الدوليّ الإنسانيّ إجمالًا، لأنّه يُلغي حماية المدنيّين. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ السؤال بشأن ما إذا كان الإجراء تناسبيًّا لا يُطرَح إلّا في الحالات التي كان فيها الهجوم نفسه قانونيًّا ـ أي كالهجوم الذي يستهدف أهدافًا عسكريّة مشروعة. إذا لم يكن الهجوم على هذا النحو، فسيكون غير قانونيّ بغضّ النظر عن مسألة إلحاق الضرر بالمدنيّين وبممتلكاتهم. يُعرَّف "الهدف العسكريّ المشروع" بأنّه الهدف الذي يساهم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" وبأنّه الهدف الذي من شأن إلحاق الضرر به أن يمنح الطرف المهاجِم "أفضليّة عسكريّة بارزة". الهجوم في تلك الليلة استهدف شقق ثلاثة ناشطين من الجهاد الإسلاميّ. بيوتهم، وكذلك بيتان إضافيّان للجيران، دُمّرت تدميرًا كاملًا. هل يمكن اعتبار بيوت الناشطين أهدافًا عسكريّة مشروعة وفقًا للتعريف أعلاه؟ الجواب هو بالنفي طبعًا وإسرائيل لم تحاول ادّعاء ذلك أصلاً: لم يدّعِ أيّ مسؤول رسميّ بأنّه تمّ في تلك الشقق تنفيذ أيّ نشاط قدّم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" أو أنّ إلحاق الضرر بها سيمنح إسرائيل "أفضليّة عسكريّة بارزة". تمّ إلحاق الضرر بالبيوت عرَضيًّا وليس كهدف في حدّ ذاته. بالنظر إلى هذا، فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ، حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي تسبّب به. التبرير الإسرائيليّ الثاني: الذنْب أصلًا هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين التبرير الآخر الذي ذكره المسؤولون الرسميّون هو أنّ ناشطي الجهاد، الذين يختارون الاختباء خلف المدنيّين، هم المسؤولون عن النتائج. فعلى سبيل المثال، قال رئيس أركان الجيش، هرتسي هليفي، إنّه "لو كان بالإمكان تنفيذ اغتيال قادة الجهاد دون إيذاء الأبرياء لكان الجيش الإسرائيليّ قد فعل ذلك، لكن 'يجب تذكُّر أنّ الإرهاب ينشط من بين السكّان المدنيّين، كجزء من نهج، وبذلك يُعرّض سكّان قطاع غزّة للخطر' ". هذا الادّعاء مستهجَن بالنظر إلى أنّ ناشطي الجهاد كانوا نائمين في بيوتهم مع أفراد عائلاتهم ولم يشاركوا في نشاط عسكريّ "من بين السكّان المدنيّين". لكن عدا ذلك، فهذا الادّعاء يقود إلى نتائج غير قانونيّة. صحيح أن تنظيمات مسلّحة في قطاع غزّة تنتهك أحكام القانون الدوليّ الإنسانيّ ولا تميّز بين الأهداف المدنيّة والأهداف العسكريّة. وهذا الخلط يقوّض أبسط قواعد القانون الإنسانيّ التي تهدف إلى تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين قدر الإمكان وإبعادهم عن مناطق القتال. وفقًا لإسرائيل، فإنّ هذا السلوك يمنحها حرّيّة تصرّف غير محدودة: إنّه يحرّرها من واجب الامتثال للقانون ويبرّر الأضرار الجسيمة التي تُلحِقها بالسكّان المدنيّين. لكنّ هذا التفسير يبرّر مسبقًا أيّ عمل تسعى إسرائيل إلى تنفيذه في القطاع، مهما كانت نتائجه مروّعة. إنّه يحرّر إسرائيل من واجبها في تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان ويفرغ من أيّ مضمون القاعدة التي تنصّ على أنّ حقيقة كون أحد الطرفين قد انتهك الأحكام لا تعفي الطرف الآخر من وجوب تطبيقها. إسرائيل هي التي اختارت إطلاق الصواريخ التي قتلت ودمّرت، وبالتالي فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن إلحاق الضرر بالمدنيّين الفلسطينيّين وبممتلكاتهم. يجب رفض أيّ تفسير آخر يحمّل الفلسطينيّين المسؤوليّة عن هذا التصرّف ونتائجه، جملةً وتفصيلًا. حتّى الجولة القادمة خلال جولات القتال التي اندلعت في قطاع غزّة في السنوات الأخيرة هاجمتْ إسرائيل مناطق سكنيّة مكتظّة بالسكّان من البرّ والجوّ والبحر. قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة، دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. على الرغم من عدم قانونيّة هذه السياسة، إلّا أنّها تحظى بدعم كامل من جميع المستويات العليا في إسرائيل: المستوى السياسيّ والمستوى القضائيّ والمستوى العسكريّ. قصف المنازل في قطاع غزّة ليلة 9.5.23 ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من هذه السياسة. وكما هي الحال في العديد من الحالات الأخرى، لم يتمّ القيام به كعمليّة دفاع عن النفس مقابل خطر واضح وفوري لم يكن بالإمكان منعه بطريقة أخرى. بل على العكس تمامًا: أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت، الأهداف والوسائل. هم مَن اختاروا، عن وعي وإدراك، إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن يُقتَل كثيرو آخرون، بمَن في ذلك أطفال صغار. تستند وجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها، والتي شرعنت العمليّة، إلى تفسير خاطئ للقانون الدوليّ الإنسانيّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه ويجب رفض كليهما. مثل أيّ جريمة، هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها –ـ بمَن في ذلك رئيس الحكومة، وزير الأمن، رئيس الأركان، قائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ. دعكم من "العلم الأسود"، دعكم من "لا قانونيّة تُعمِل في العين وخزًا وفي القلب طعنًا". لم يعد متّخذو القرار في إسرائيل يكلّفون أنفسهم حتّى عناء إخفاء تصوّرهم بأنّ قتل أشخاص لم يفعلوا شيئًا، حتّى الأطفال الصغار، هو أمر مشروع. ليس بسبب انعدام أي خيار آخر، ليس لمواجهة خطر فوريّ وحتميّ على الحياة، وإنّما كطريق ملوكيّ رئيسيّ معتمد، كخاتمة لسيرورة مدروسة في اتّخاذ القرار، بصورة اختيارية وبمحض الإرادة.

14 حزيران/يونيو 2023