إفادة سوزان الجاروشة (45 عامًا) أمّ لطفلتين في الخامسة والسّابعة من عمرهما، حول فُقدان منزل الأسرة بعد قصف بُرج الجلاء
15 كانون الأول/ديسمبر 2021
اشترينا الشقّة في البُرج قبل سبع سنوات مقابل 58,000 دولار وما زلنا ندفع أقساطها الشهريّة حتى اليوم. ظهرَ يوم السّبت المُوافق 15.5.21 كنت أعدّ طعام الغداء وكانت ابنتي ألما (7 سنوات) تلعب بألعابها وتالين الصّغيرة نائمة. زوجي كان خارج المنزل. سمعت طرقات على باب المنزل وصوتاً يقول "أخلوا الشقّة!. الجيش سيقصف البُرج!".
تركت إعداد الطعام. أخذت حقيبة اليد خاصّتي وجمعت بعض الملابس لابنتيّ ولي ثمّ أخذت ابنتيّ وخرجت من المنزل. كنت أرتدي العباءة ولم أغيّر ملابسي. ألما وتالين أخذتا معهما بعض الألعاب. قبل أن أخرج ألقيت نظرة أخيرة على منزلي، ودّعته على أمل أن نعود إليه.
أقفلت الباب وأخذت معي المفتاح ثمّ هبطنا الدّرج. كان جميع سكّان البُرج يصرُخون والنساء يسارعن في ارتداء ثوب الصّلاة فوق ملابسهنّ والأطفال يصيحون مذعورين. أنا تملّكتني وأذهلتني فكرة أنّ منزلي قد يختفي بعد قليل وطوال الوقت كنت أفكّر كيف لم نأخذ معنا شيئاً تقريباً.
عندما وصلت إلى الطابق الرّابع هاتفت زوجي وأخبرته أنّنا الآن نُخلي البُرج لأنّهم سوف يقصفونه بعد قليل. في الشارع كان جميع السكّان يبكون ويصرُخون. سمعت شخصاً يقول "أين ابنتي سلمى؟". الجميع كان في حالة هستيريا. كان ذلك مشهداً مرعباً.
فجأة أخذت ألما تبكي وتصرخ "لقد نسينا القطط! نسينا القطط!". أنا أيضاً أجهشت بالبكاء. لقد نسيناها في المنزل لأنّني في لحظة خروجنا كان أكثر ما يهمّني أن أنقذ ابنتيّ وأهدّئ من روعهما لكي لا تخافا. في تلك اللّحظة انهرت وأخذت أبكي إذ لا يمكن بعد الآن العودة إلى المنزل لجلب القطط. خفت لأنّ البناية مهدّدة بالقصف في أية لحظة.
التقينا زوجي في الخارج. كان في زيارة لوالديه اللّذين يقيمان على بُعد نحو 500 متر من بُرجنا، وقد جاء فوراً بعد اتّصالي به لكي يأخذنا إلى منزل والديه. عندما وصلنا إلى هناك سمعت دويّ تفجير بنايتنا. أحسست كأنّهم يقصفون قلبي وروحي. كانت هذه من أكثر تجارب حياتي إيلاماً. منزلي كان عزيزاً على قلبي، كان جزءاً منّي وكلّ شيء فيه مشبّع بروحي. أثناء سماعنا الانفجارات كان زوجي يبكي بحُرقة. للحظة هُيّئ لي أنّه على شفا انهيار عصبيّ.
بقينا في منزل والدي زوجي قرابة أسبوع بعد الحرب ثمّ انتقلنا إلى شقّة في حيّ الرّمال استأجرناها مقابل 250 دولار شهريّاً لأنّها تخلو من الأثاث. نحن هُنا منذ شهر ونصف الشّهر ولكن أفكاري وروحي بقيتا في منزلنا الذي هدموه. أفكّر فيه وأبكي طوال الوقت وقلبي تملؤه الحسرة - أبكي بيتي وذكرياتنا الجميلة هناك أنا وأسرتي.
بدأنا في تأثيث شقّتنا الجديدة وهذا يكلّف كثيراً. كلّ ما اقتنيناه حتى اليوم طوال حياتنا ذهب هباءً ودُفن تحت الأنقاض: الأثاث والملابس ومصاغي الذهبي وكلّ محتويات المنزل.
أنا وُلدت في السّعوديّة لعائلة أصلُها من طولكرم في الضفة الغربيّة. في العام 2010 تزوّجت في مصر ومن هناك دخلت مع زوجي إلى قطاع غزّة. جلبت معي أشياء ثمينة جدّاً. قيمة محتويات منزلنا كانت تساوي قيمة الشقّة نفسها. وكانت لي دُمية صغيرة - تذكار من طفولتي في السّعوديّة، هي أيضاً بقيت تحت الأنقاض. روحي دُفنت تحت أنقاض البُرج مع الأثاث وبقيّة أغراضي. أشعر بأن شيئا ما رابض على صدري طيلة الوقت.
عدا الشقّة التي كنّا نقيم فيها كان لزوجي في البُرج شقّتان عبارة عن مكاتب شركة السّياحة والسّفر التي كان يديرها. وكان للشركة فرع آخر قبالة بُرج الجوهرة وهو أيضاً تضرر جرّاء قصف ذلك البُرج. قصفته إسرائيل قبل أن تقصف بُرجنا. آنذاك نقل زوجي جميع الأجهزة والمستندات إلى فرع بُرج الجلاء وعندما قُصف البُرج ضاع كلّ شيء. دُفن تحت الأنقاض.
بعد أن نظّفوا رُكام البُرج وجدت جزءاً صغيراً من أغراضي: مصاغ ذهبيّ وبعض الصّور العائليّة وبضمنها صور بناتي وصور عُرسنا وحقيبة فيها مستنداتنا ووثائقنا الشخصيّة. وجدنا أثاث غرفة نومنا محطّماً تماماً - السّرير والخزانة. وجدنا أيضاً عُطوري وعلب مكياجي كلّها تحت الأنقاض. تقريباً لم أتمكّن من إنقاذ شيء سوى جزء من ألعاب بناتي وبعض الأشياء الأخرى. قططنا وجدناها ميتة في داخل خزانة.
الآن في هذه الشقّة المستأجرة أشعر طوال الوقت بأنّ مكوثي هنا مؤقّت. وكأنّ منزلي لا يزال هناك وسوف أعود إليه بعد قليل. ابنتاي أيضاً نفسيتهما متضعضعة. الرّعب الذي عاشته كلتاهُما وفقدان المنزل أذاهُما كثيراً. ترفضان اللّعب خارج المنزل كما أنّ لا أصدقاء لهما في حيّنا الجديد. جميع أصدقائهما صبياناً وبنات هُم من أبناء جيراننا في البُرج الذي هُدم. كانتا دائماً تأخذان ألعابهما وتهبطان للّعب معهم في لوبي البناية. فقدت ابنتاي كلّ شيء: أصدقاءهما وألعابهما وكلّ أغراضهما. اتّصالهما مع الأصدقاء يتمّ الآن فقط عبر الهاتف ومحادثات الفيديو. أنا حزينة جدّاً لأجلهما.
لقد أتيت إلى غزّة وحدي ولا يوجد لي أحد هنا. والدتي تُقيم في طولكرم وإخوتي في السّعوديّة. منذ سنوات لم أرَ أمّي. قدّمت عدّة طلبات لكي أحصل على تصريح وأذهب لأزورها عبر حاجز إيرز لكنّ الإسرائيليّين لم يوافقوا عليها. في كلّ مرّة كانت مديريّة التنسيق والارتباط ترفض طلبي. هذه المحاولات والخيبات أرهقتني نفسيّاً. كان سكّان بُرج الجلاء مثل عائلة بالنسبة إليّ. أشعر أنّني فقدت عائلتي التي عشت معها طوال سبع سنوات. كانت تربطني بهم صداقات جميلة وحقيقيّة والآن أحسّ كأنّني انتقلت مرّة أخرى إلى بلد غريب - لا أصدقاء ولا جيران. جميعنا تشتّتنا كلّ إلى جهة. يتملّكني اليأس والشعور بأنّني فقدت كلّ شيء.
الأمر الوحيد الذي يمنحني القوّة الآن هو أملي بأن تعود حياتنا كما كانت وأن أرجع ذات يوم لأعيش وسط جيراني وأصدقائي في البُرج. ابنتاي تسألانني طوال الوقت متى سنعود إلى منزلنا.
الجيش الإسرائيليّ أراد أن يوجعنا. لقد هاجموا منازلنا مع أنّنا مجرّد سكّان مدنيّين. لقد هدموا سنوات من الجُهد وسلبوا كلّ ذكرياتنا الجميلة، كلّ ما تبقّى لي من أمّي ومن المرحوم أبي. هذه الأمور لا تعوَّض.
سجلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 18.7.21.