شرقيّ القدس

شرقيّ القدس

11 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، حُدّث في 27 كانون الثاني/يناير 2019

الصورة

ضمّت إسرائيل شرقيّ القدس إلى حدودها في خطوة مخالفة للقانون. منذ الضمّ تتعامل إسرائيل مع السكّان الفلسطينيين هناك كمهاجرين غير مرغوب فيهم - رغم أنّها هي الدخيلة عليهم - وتطبّق سياسة منهجيّة غايتها ترحيلهم عن منازلهم ومدينتهم.

في حزيران 1967 مباشرة بعد احتلال الضفة الغربية ضمّت إسرائيل نحو 70 ألف دونم من أراضي الضفة إلى مسطح نفوذ بلدية القدس وطبّقت فيها القانون الإسرائيلي مخالفة بذلك القانون الدولي. تجاوزت الأراضي التي ضمّتها إسرائيل بكثير مساحة شرقيّ القدس (التي امتدّت على نحو 6,000 دونم فقط) إذ اشتملت على ما يقارب 64,000 دونم إضافية معظمها أراضٍ تتبع لـ28 قرية فلسطينية تقع في الضفة الغربية، وبعضها يتبع مسطّح نفوذ بلديّتي بيت لحم وبيت جالا. يعيش اليوم في المناطق المضمومة 350 ألف فلسطيني على الأقلّ وقرابة 209 آلاف مستوطن يهودي.

تتعامل إسرائيل مع آلاف الفلسطينيين المقيمين في القدس وكأنهم مهاجرين غير مرغوب فيهم كما تطبّق سياسات تهدف إلى إبعادهم عن منازلهم وعن مدينتهم.

جرى ترسيم الحدود الجديدة للمدينة وفق اعتبارات ديمغرافية أساسًا وعلى رأسها الامتناع عن ضمّ مناطق فلسطينية مأهولة بكثافة لضمان أغلبية يهوديّة حاسمة في المدينة. لذلك ضمّت إسرائيل بشكل انتقائيّ جزءًا من أراضي القرى المجاورة للقدس مُبقيةً أصحابها من الجهة الأخرى من الحدود. هكذا فعلت على سبيل المثال في بيت إكسا والبيرة الواقعتين شمالاً وفي المناطق المأهولة بنسبة قليلة الواقعة ضمن مسطّح نفوذ بلديّتي بيت لحم وبيت ساحور جنوبًا. بذلك نزعت إسرائيل أجزاء من قرىً وأحياء فلسطينية وضمّتها إلى حدودها.

في حزيران 1967 أجرت إسرائيل إحصاءً لسكّان المناطق التي ضمّتها. ووفقًا لنهج إسرائيل كلّ من كان يسكن في تلك المناطق ولكن لم يكن حاضرًا فيها - لأيّ سبب كان - عند إجراء الإحصاء حُرم أبدًا من حقّ العودة إلى بيته. من كان حاضرًا مُنح مكانة "مقيم دائم" في إسرائيل وهي مكانة تمنح للمواطنين الأجانب الذين يقيمون في إسرائيل. لكن خلافًا للمهاجرين الذين اختاروا بمحض إرادتهم السكن في إسرائيل ولديهم دولة أخرى يعودون إليها، لا يوجد لسكّان شرقيّ القدس بيت آخر ووطن آخر أو مكانة أخرى في أيّ مكان في العالم وهم لم يختاروا أبدًا السكن في إسرائيل؛ إسرائيل هي التي احتلّت المنطقة التي يسكنونها وضمّتهم إلى حدودها.

مكانة "المقيم الدائم" أدنى من مكانة المواطن وحاملها يستحقّ في الأساس حقّ السكن والعمل في إسرائيل وحقّ الضمان الاجتماعي وفقًا لقانون التأمين الوطني وحقّ التأمين الصحّي. غير أنّ المقيمين الدائمين لا يحقّ لهم المشاركة في الانتخابات العامّة في الدولة - لا كناخبين ولا كمرشّحين كما لا يحقّ لهم أن يُنتخبوا لرئاسة مجلس محلّي، وإن كان يحقّ لهم المشاركة كناخبين في انتخابات المجالس المحلّية والترشّح لعضويّة المجلس المحلّي.

على المقيمين الدائمين التقدّم بطلب لمّ شمل ليجتمعوا مع أزواجهم إذا كان هؤلاء ليسوا مقيمين. منذ العام 1967 طبّقت إسرائيل سياسة صارمة في كلّ ما يتعلّق بمثل هذه الطلبات التي قدّمها سكّان شرقيّ القدس الذين تزوّجوا أشخاصًا من بقيّة مناطق الضفة الغربية وقطاع غزّة أو من دول أخرى. في تمّوز 2003 سنّت الكنيست قانونًا يمنع منعًا قاطعًا منح مكانة لسكّان الأراضي المحتلة الذين تزوّجوا مواطنين ومقيمين دائمين خاضعًا لاستثناءات قليلة جدًّا؛ وبذلك منعت إسرائيل هؤلاء الأزواج من السكن معًا في القدس. يمنع هذا التشريع منح مكانة مقيم لأبناء هؤلاء الأزواج رغم حقيقة أنّ أحد الوالدين مقيم دائم.

تهدف سياسة إسرائيل في شرقيّ القدس إلى تصعيب حياة السكّان الفلسطينيين لدفعهم إلى الرحيل عن المدينة وخلق واقع ديمغرافي وجغرافي يُحبط أيّة محاولة مستقبليّة لزعزعة سيادة إسرائيل في شرقيّ القدس. الفلسطينيون الذين يغادرون المدينة بسبب هذه السياسة أو لأيّ سبب آخر يخاطرون بفقدان مكانة الإقامة وفقدان حقوق الضمان الاجتماعي المرتبطة بها. بهذه الطريقة سلبت إسرائيل منذ 1967 مكانة "المقيم الدائم" من نحو 14,500 فلسطيني من سكّان شرقيّ القدس.

مساعي إسرائيل لتغيير الواقع الديمغرافي في المدينة تجري على مستويات عدّة:

مصادرة الأراضي وتقييد البناء

مقابل البناء واسع النطاق وتوظيف الأموال الطائلة في الأحياء المخصّصة لليهود فقط وفي كتل الاستيطان التي تشكّل "القدس الكبرى" تبذل إسرائيل جهودًا كبيرة لمنع التطوير والبناء المخصّص للسكّان الفلسطينيين. في إطار هذه السياسة صادرت إسرائيل منذ العام 1967 ثُلث الأراضي التي ضمّتها إلى القدس - 24,500 دونم، معظمها أراضٍ بملكيّة فلسطينية خاصّة. بنت إسرائيل على هذه الأراضي 11 حيًّا مخصّصة للسكّان اليهود فقط - وهذه الأحياء لا تختلف مكانتها عن مكانة المستوطنات في بقيّة مناطق الضفة الغربية.

فور الضمّ ألغت إسرائيل جميع الخرائط الهيكليّة الأردنيّة التي كانت سارية في المناطق المضمومة وأنشأت فراغًا تخطيطيًّا امتلأ فقط تدريجيًّا - لم تتّخذ إسرائيل مثل هذه الخطوة في بقيّة مناطق الضفة. فقط في بداية الثمانينات أعدّت بلدية القدس خرائط هيكلية لجميع الأحياء الفلسطينية في شرقيّ المدينة وكانت ميزتها الأبرز المساحات الشاسعة التي جرى تخصيصها كـ"أراض ذات إطلالة" يُمنع فيها البناء. تفيد معطيات العام 2014 بأنّه بعد إجراء بعض التعديلات على الخرائط الهيكلية بلغت نسبة هذه المساحات في الأحياء الفلسطينية نحو 30%. وتخصَّص هذه الخرائط للسكن فقط نسبة 15% من مساحة شرقيّ القدس (وتشكّل نحو 8.5% من إجمالي المسطّح البلدي) علمًا أنّ نسبة السكان الفلسطينيين إلى مجمل سكّان المدينة تبلغ نحو 40%.

وسيلة أخرى تستخدمها إسرائيل لتقليص مساحات الأراضي المخصّصة للسكّان الفلسطينيين هي إعلان "حدائق وطنيّة في شرق المدينة" بهدف كبح البناء والتطوير بشكل شبه مطلق إذ لا يمكن البناء في هذه الحدائق. توجد اليوم في شرقيّ القدس أربع حدائق وطنية صودق عليها داخل المسطّح البلدي للمدينة وتشمل أراضٍ بملكية فلسطينية خاصّة ومناطق عمرانيّة تابعة لأحياء أو لقرىً فلسطينية، أو أنّها تتاخم مناطقها العمرانيّة. وتخطّط بلدية القدس إقامة حدائق وطنية أخرى في شرق المدينة.
تخصيص أراضٍ للحدائق الوطنيّة بهذه النسبة غير العاديّة في شرقيّ القدس وحقيقة أنّ بعضها أقيم في مناطق لا تحوي كنوزًا أثريّة أو كنوزًا طبيعية ذات أهمّية تدلّ على أنّ الغاية من هذا الأمر ليست بالضرورة السعي إلى الحفاظ على الكنوز الطبيعية أو التاريخية أو المنظر، كما في حدائق وطنيّة أخرى أعلنتها سلطة حماية الطبيعة والحدائق؛ بل إنّ الغاية الأساسيّة من إقامة هذه الحدائق تحقيق أهداف سياسية وإنشاء تواصل جغرافي بين مساحات خالية من السكّان الفلسطينيين - بدءًا من البلدة القديمة وصولاً إلى المستوطنات المخطّط إقامتها في منطقة E1، وفي موازاة ذلك زيادة الوجود اليهودي في شرق المدينة.


أصلاً تمتنع بلدية القدس عن إعداد خرائط بناء مدينة تفصيلية للأحياء الفلسطينية علمًا أنّه فقط بوجود مثل هذه الخرائط يمكن إصدار تراخيص البناء. هذا الوضع يُنشئ نقصًا حادًّا في المباني السكنيّة والمباني العامّة (كالمدارس والعيادات الصحّية) ومرافق البنى التحتية (بما في ذلك الشوارع والأرصفة وشبكات المياه والمجارير، إلخ) وفي المراكز التجارية والترفيهية.


في غياب احتياطي الأراضي يضطرّ السكّان الفلسطينيون - الذين تزايدوا بنسبة كبيرة منذ 1967 - إلى العيش بكثافة خانقة في الأحياء القائمة. تفيد معطيات معهد القدس لبحث السياسات أنّ الكثافة السكنيّة في عام 2015 في الأحياء الفلسطينية في شرقيّ القدس قاربت ضعف الكثافة في الأحياء اليهودية في المدينة على جانبي الخطّ الأخضر: بمعدّل 1.9 فردًا للغرفة الواحدة مقارنة بمعدّل فرد واحد للغرفة - على التوالي.

هذا الواقع لا يُبقي للسكّان الفلسطينيين خيارًا سوى البناء دون ترخيص. تفيد تقديرات بلديّة القدس أنّه حتى عام 2004 بُني في الأحياء الفلسطينية في شرقيّ القدس من 15,000 إلى 20,000 منزلاً دون ترخيص. وفي السنوات التي مرّت منذ ذلك الحين بُنيت منازل إضافية - لا يُعرف كم عددها - وبضمنها مبانٍ متعدّدة الطبقات مكتظّة الكثافة في الأحياء التي أُبقيت وراء الجدار. تتجاهل السلطات الإسرائيلية مسؤوليتها عن الواقع الذي لا يُطاق والذي تفرضه سياساتها المتواصلة تجاه سكّان المدينة الفلسطينيين وتصدر أوامر هدم في حقّ تلك المنازل. آلاف الفلسطينيين في المدينة يعيشون تحت التهديد المستمرّ بهدم منازلهم أو محالّهم التجاريّة وفي أحيان كثيرة تنفّذ السلطات تهديدها أو تفرض على أصحاب المنازل هدمها بأنفسهم. منذ عام 2004 وحتّى نهاية شهر كانون اول 2018 هدمت السلطات الإسرائيلية 803 منزلاً في شرقيّ القدس.

في موازاة ذلك تشجّع مختلف السلطات مئات المستوطنين اليهود على الاستيطان في قلب الأحياء الفلسطينية وتخلي الفلسطينيين من منازلهم. الجيوب الاستيطانية في شرقيّ القدس تحيط بحوض البلدة القديمة من الجنوب (في سلوان وراس العامود) ومن الشرق (في الطور وأبو ديس) ومن الشمال (في الشيخ جرّاح)؛ وبعضها على امتداد طرق رئيسية تؤدّي إلى البلدة القديمة. كذلك أقيمت جيوب استيطانية في قلب الحيّ الإسلامي وحيّ النصارى في البلدة القديمة. تفيد تقديرات جمعية "عير عَميم" أنّ العدد الإجماليّ للمستوطنين في قلب الأحياء الفلسطينية بلغ 2,800 مستوطنًا.

غيّرت النقاط الاستيطانية وجه الأحياء الفلسطينية التي أقيمت في قلبها وجعلت حياة سكّانها جحيمًا لا يُطاق: يعاني السكّان إجراءات قضائية لأجل إخلائهم من منازلهم وانتهاكًا لخصوصيّتهم وضغوطًا اقتصاديّة وتنكيل المستوطنين اليوميّ بهم. كلّ ذلك يقود إلى مواجهات عنيفة بين الشبّان الفلسطينيين والمستوطنين. إضافة إلى ذلك يترافق وجود المستوطنين بحضور مكثّف لقوّات الشرطة وحرس الحدود وحرَس خاصّ تموّله الدولة وهؤلاء جميعًا يتعاملون بعنف مع السكّان الفلسطينيين ويهدّدونهم ويعتقلون الفتيان ويزيدون من تشوّش الحياة في الحيّ.

عزل القدس وفصلها عن بقيّة مناطق الضفة

قبل الاحتلال كانت القدس الأردنية مركزًا اقتصاديًّا وطبيًّا وثقافيًّا ودينيًّا بالنسبة لكثيرين من سكّان الضفة الذين واصلوا أيضًا بعد الضمّ العمل والدراسة في المدينة واقتناء حاجيّاتهم منها. ولكن في بداية تسعينات القرن الماضي نصبت إسرائيل حواجز في عُمق الضفة الغربية ومنذ ذلك الحين تمنع الفلسطينيين سكّان الضفة من دخول المدينة إلاّ بتصريح خاصّ يصدر عنها. علاوة على ذلك نصبت الشرطة حواجز عند مداخل بعض الأحياء الفلسطينية في المدينة ما صعّب تنقّل السكّان. هذه القيود أضرّت بمكانة شرقيّ القدس كمركز إقليميّ.

في 2002 بدأت إسرائيل في إقامة جدار الفصل داخل مسطّح المدينة - على شكل جدار شاهق يلامس منازل السكّان في بعض أجزائه - وأتمّت بناءه في 2016. خلافًا للحواجز التي نصبها الجيش قبل ذلك بعشر سنوات في أنحاء الضفة أنشأ الجدار سدًّا محكمًا بين المدينة وبقيّة مناطق الضفة وبذلك سارعت في فصل شرقيّ القدس عن أراضي الضفة التي لم تُضمّ إلى المدينة. ذلك أنّ المبدأ المهيمن الذي وجّه ترسيم مسار الجدار كان متاخمة الحدود البلدية للمدينة بهدف ضمانة سيطرة إسرائيل على الأراضي التي ضمّتها. حتى ذلك الحين كانت تلك الحدود نظريّة في الأساس ولم يكن لها أثر تقريبًا على واقع حياة السكّان في القدس وفي الأحياء الملاصقة لها.

لم تتأثر العلاقات التجارية والثقافية والطبّية والتعليمية بين الفلسطينيين الذين يسكنون على جانبي الحدود - ومنهم عشرات آلاف المقدسيين من المقيمين الدائمين في إسرائيل وانتقلوا للسكن في ضواحي المدينة. لكنّ إقامة الجدار عرقلت حياتهم دفعة واحدة ومنذ بنائه يضطرّ السكّان يوميًّا لعبور الحواجز كلّما أرادوا دخول المدينة. نظرًا لذلك عاد حملة مكانة مقيم دائم للسكن داخل حدود المدينة ممّا أدّى إلى ارتفاع أسعار البيوت ومفاقمة الاكتظاظ السكّاني. هكذا فُصلت شرقيّ القدس فصلاً شبه تامّ عن بقيّة مناطق الضفة وفقدت بالتالي مكانتها كمركز مدينيّ للجوار الإقليميّ.

مخطّطو مسار الجدار أبعدوه عن الحدود البلديّة في خمسة مواضع تبعًا للاعتبارات نفسها التي وجّهت إسرائيل حين رسمت حدود المدينة في العام 1967: طموح إلى ضمّ أقلّ ما يمكن من السكّان الفلسطينيين وأقصى ما يمكن من الاراضي. لأجل ذلك رُسم مسار ملتوٍ للجدار يصل طوله في منطقة القدس إلى 202 كم.

منطقتان جرى فصلهما عن المدينة رغم كونهما داخل مسطّح النفوذ البلدي المضموم إلى القدس: منطقة كفر عقب في الشمال ومخيّم شعفاط للّاجئين الواقع شمال شرق المدينة إذ يبلغ عدد سكّانهما اليوم نحو 140 ألف فلسطيني من ضمنهم مواطنون من الضفة الغربية وعددهم غير معلوم. يدفع هؤلاء ضريبة "الأرنونة" وضرائب أخرى لكنّ بلدية القدس ومختلف الوزارات الحكومية تمتنع عن الدخول إلى هذين الحيين وتتجاهل سكّانها تجاهلاً مطلقًا. جرّاء ذلك تحوّلت هذه الأحياء إلى مناطق مشاع: السلطات لا توفّر لها الخدمات البلديّة الأساسية مثل إخلاء القمامة وشقّ الطرق والتعليم؛ وهي تعاني نقصًا حادًّا في الصفوف الدراسية وصفوف البساتين. مرافق المياه والمجاري غير قادرة على استيعاب احتياجات السكّان والسلطات لا تفعل شيئًا لترميمها. إضافة إلى ذلك يعاني سكّان تلك الأحياء قيودًا مشدّدة على تحرّكهم بسبب الحواجز التي نصبتها إسرائيل بينها وبين بقيّة أجزاء المدينة.

مسار الجدار - بأجزائه التي قد بُنيت والتي قيد البناء وتلك التي قيد التخطيط - وسّع مسطّح المدينة فعليًّا ودون الإعلان عن تعديلات في الحدود البلدية؛ بحيث يضمّ المسار الجديد إلى المدينة مساحات مفتوحة ومستوطنات وأراضٍ أخرى تحيطها. حدث ذلك في ثلاثة مناطق تشمل عشرات آلاف الدونمات: نحو 65 ألف دونم في منطقة مستوطنات "غوش عتسيون"، جنوبًا؛ نحو 60 ألف دونم في منطقة "معليه أدوميم" والمستوطنات المحاذية لها شرقًا؛ ونحو 25 ألف دونم في منطقة "جفعات زئيف" والمستوطنات المحاذية لها شمالاً. بناء المقطع الشمالي قد أُنجز بينما في منقطة "غوش عتسيون" أنجز حتّى الآن بناء فقط 21% من مسار الجدار (نحو 11كم) وهناك ما يقارب 14% منه (نحو 7كم) قيد البناء. أمّا في منطقة "معليه أدوميم" فهنالك 28% من المسار (نحو 14كم) قيد مراحل بناء مختلفة.

التمييز في الميزانيات وتقديم الخدمات البلدية

يُطالَب سكّان شرقيّ القدس بدفع الضرائب مثلهم كمثل بقيّة سكّان المدينة ولكنّهم لا يحصلون على الخدمات نفسها. بلدية القدس تمتنع بشكل ممنهج ومقصود عن توظيف الأموال بشكل جدّي في مرافق البنى التحتية والخدمات في أحياء القدس التي يسكنها الفلسطينيون - هذا القصور يشمل الشوارع والأرصفة ومرافق المياه والمجاري ومؤسّسات التعليم والثقافة. آثار هذه السياسة تكاد تطال جميع مناحي حياة الفلسطينيين في شرقيّ القدس.

هكذا على سبيل المثال، تفيد تقديرات منظمة "عير عَميم" لعام 2017 أنّ الأحياء الفلسطينية ينقصها  2,557 صفوف دراسيّة وأنّ ثلث الطلّاب لا يتمّون 12 سنة تعليميّة. فقط ما يقارب 52% من سكّان المدينة موصولون بشبكة المياه بشكل منتظم وقانونيّ.  

إضافة إلى ذلك لا توفّر بلدية القدس لخدمة الأحياء الفلسطينية في شرقيّ القدس سوى ستّ عيادات لرعاية الأمّ والطفل رغم أنّهم يشكّلون نحو 40% من مجمل سكّان المدينة وذلك مقارنة بـ27 عيادة كهذه تعمل في الأحياء اليهودية في المدينة؛ كذلك لا توفّر البلدية سوى أربع مكاتب رفاه في الأحياء الفلسطينية مقابل 19 في الأحياء اليهودية، رغم أنّ 76% من سكّان الأحياء الفلسطينية و-83.4% من الأولاد في تلك الأحياء يعيشون تحت خطّ الفقر.

مواد مقترحة

حيّ بطن الهوى. تصوير: عمري عيران فاردي، أكتيفستيلز، 4.1.25

شرقيّ القدس

التطهير العرقي في شرقي القدس يجري الآن – قوات إسرائيلية كبيرة دخلت هذا الصباح إلى حي سلوان وتقوم، في هذه اللحظات، بإخلاء 11 عائلة فلسطينية من منازلها

تحت غطاء الهجوم الإسرائيلي- الأمريكي على إيران، تقوم إسرائيل بتوسيع ممارسات التطهير العرقي في شرقي القدس وتلقي بالعائلات الفلسطينية إلى الشارع.وتفيد تقارير أولية من الميدان بأنّ: قوات الشرطة قامت بإغلاق الحي بالكامل وتمنع الناس، وكذلك الصحفيون، من الدخول إليه. وثمة تقارير أولية عن اعتقالات عنيفة لعدد من أبناء العائلات. وفي هذه اللحظات تحديدًا، يقوم مستوطنون، جُلبوا خصيصًا لتنفيذ الإخلاء، بإلقاء ممتلكات العائلات من النوافذ.عملية إخلاء 11 عائلة، التي تجري الآن، تشكل بداية موجة من التهجير الجماعي: قرابة 2,200 شخص في سلوان يواجهون خطرًا فوريًا بالتهجير القسريّ ـ 150 عائلة (1,500 نسمة) في البستان و90 عائلة أخرى (700 نسمة) في بطن الهوى.يأتي التهجير القسري عقب قرار المحكمة العليا رفض الاستئناف الذي تقدمت به 20 عائلة فلسطينية من بطن الهوى، وهو القرار الذي يُبقي 136 شخصًا تحت خطر فوري لفقدان منازلهم.هذا هو واقع العنف المؤسساتيّ والمنهجي، وهو تجسد واضح لسياسة إسرائيلية ترمي إلى هندسة الميزان الديمغرافي و"تهويد" الحي عبر استخدام قوانين تمييزية. وتهدف هذه الخطوات إلى توسيع الحضور والسيطرة الإسرائيليين في إحدى أكثر المناطق حساسية من الناحيتين السياسية والدينية في المكان، كما تشكل مُركِّبًا مركزيًا في التطهير العرقي الواسع الذي يجري حاليًا في مختلف أنحاء الضفة الغربية.

25 آذار/مارس 2026

שכונת בטן אל-הווא. צילום: עמרי ערן-ורדי, אקטיבסטילס, 4.1.25

شرقيّ القدس

تطهير عرقي متواصل: هدم بيوت، تهجير ونهب في سلوان

منطقة سلوان، الواقعة جنوبَ البلدة القديمة في القدس والتي جرى ضمّها إلى مسطّح المدينة البلدي، تُشكل موطناً لنحو 20 ألفًا من السكّان الفلسطينيّين. خُصوصيّة موقعها المُجاور للبلدة القديمة ـ إلى المسجد الأقصى بالنسبة للفلسطينيّين وإلى "جبل الهيكل" بالنسبة لليهود ـ تضعها فيمقدّمة المواقع التي يسعى النظام الإسرائيلي إلى تهجير الفلسطينيين منها ونهب ممتلكاتهم فيها، في مدينة القدس. وتُشكّل هذه المساعي جزءاً من خطّة واسعة ترمي إلى "تطهير" المنطقة من سكّانها الفلسطينيين وتهويد الأحياءالمحيطة بالبلدةالقديمة. وثمة مجموعة من الآليات العنصرية الداعمة لخطّة التهجير، من ضمنها تشريع قوانين تمييزيّة تشمل، من بين ما تشمل، قانونأملاك الغائبين، قوانين بلدية مساعِدة، الغيابالمتعمّد لإعدادخرائط هيكليّةللبناء في الأحياءالفلسطينيّة، والإعلان عن مناطق كحدائقوطنيّة، أو مشاريع وطنيّة أخرى لتبرير الاستيلاء. في سلوان، تتركّز مساعي التهويد التي تقوم بها جمعيّات المستوطنين وأجهزة الدولة حول ثلاثةمشاريع يجري تنفيذها في آنٍ واحد معاً: حفريّات "شارع هيرودوس" ("درب الحجّاج")، هدم حيّ البستان وإخلاء سكّان حيّ بطن الهوى.في ظل هذه المساعي، يعيش سكان سلوان في ظل خطر جدي لتهجيرهم من منازلهم ونهب أراضيهم. خلال العامين الماضيين، أدّت أعمال الإخلاء في حيّ بطن الهوى وحي وادي حلوة - الذي تقع "مدينة داوود" في نطاقه - وهدم منازل في حيّ البستان، إلى تشريد مئات السكّان وإبقائهم دون مأوىً.في حيّ بطن الهوى، تم بين تشرين الأول 2015 حتى نيسان 2026 تهجير 33 عائلة، تعدّ 77 نفرًا بينهم 37 طفلًا، من منازلها، 15 عائلة منها تم تهجيرها في آذار 2026. ولا يزال خطر التهجير يتهدد 53 عائلة إضافية أخرى، تعدّ معًا 237 نفرًا، بينهم 130 طفلًا.تقدّمت العديد من العائلات الفلسطينية بالتماسات ضد أوامر الإخلاء، لكنّ المحاكم ردّتهذه الالتماسات في سلسلة من قرارات الحُكم التي صدرت في أواخر العام 2025 وأمرت 157 من سكّان الحيّ بمغادرة منازلهم. بل تم، في عدد من الحالات، إجبار العائلات المهجّرة على تعويض المستوطنين بعشراتآلاف الشواقل. وتفيد المعطيات بأنّ خطر التهجير الفوريّ يتهدّد 28 عائلة بعد أن ردّت المحكمة طلبها لتقديم استئناف وقرّرت أنّ الإجراءات القضائيّة في هذه المسألة قد استُنفدت. ولا يزال عددمنالدّعاوىالأخرى بشأن 25 عائلة من الحيّ قيد المداولات أمام محكمة الصّلح أو تنتظر قرار المحكمة العليا بشأن الاستئنافات التي قُدِّمت إليها.في موازاة ذلك، هُدم في حيّ البُستان المُجاور، 48 منزلاً ما بين تشرين الأول 2023 ونيسان 2026، في أعقاب أوامر هدم أصدرتها بلديّة القدس. وقد تم هدم 14 من تلك المنازل خلال شهريّ آذار ونيسان 2926 وهُجِّر منها 56 شخصًا من السكان، بينهم 20 طفلًا. ولا يزال خطر التهجير يتهدد العائلات المتبقية في حي البستان، والتي يبلغ عددها 123 عائلة تعدّ، معًا، 1,450 نفرًا بينهم 900 طفل. وكانت بلدية القدس قد أصدرت أوامر هدم بحق 17 من تلك المنازل.في العام 2010 طرحت بلديّة القدس، التي ترأسها نير بركات آنذاك، مشروع إقامة المتنزه السياحي الذي أطلق عليه اسم "حديقة الملك" على أرض حيّ البُستان، كامتداد مباشر للحديقة الوطنيّة التي تحيط بأسوار مدينة القدس وللموقع الأثريّ "عير دافيد" ("مدينة داود"). يُدار هذا الموقع منذ نهاية التسعينيّات بواسطة جمعيّة "إلعاد" التي تسعىعلناً إلى تهويد سلوان. في بداية شباط 2026 داهمت حيّ البستان 4 جرّافات أرسلتها بلديّة القدس وقامت بهدم ممتلكات لأهالي الحيّ شملت أسواراً، أسيجة، مخازن، بوابات ومحلات تجاريّة، وذلك دون سابق إنذار. ولتبرير الهدم، تمّ تطويع قانون بلديّ غايته "إزالة مُعيقات من الشارع"، على الرغم من أنّ المباني التي هُدمت كانت قائمة منذ سنوات في أراضٍ لم تعرّف بأنّها شارع أصلاً. ورغم أنّ المحكمة المركزيّة أمرت بوقف أعمال الهدم،واصلت الجرّافات هدم المباني في الحيّ.لمنع هدم المنازل وتهجير العائلات من الأحياء، مطلوبٌ تدخل عاجل وفاعل من قِبل المجتمع الدولي للمطالبة بوقف سياسة التهجير الإجرامية التي يطبقها النظام الإسرائيلي.الهدف: تهويد سلوان بالكاملفي العام 1967، بعد احتلال شرقي القدس مباشرةً، ضمّت إسرائيل نحو 70,000 دونم من الضفة الغربيّة إلى مناطقها،خلافًا لأحكامالقانون الدوليّ. وقد تم إلحاق جزء من هذه الأراضي بمنطقة نفوذ مدينة القدس البلدية. وخلال السّنوات التي مرّت منذ ذلك الحين أُعيد ترسيم حدود المدينة من جديد. وتم تخصيص قرابةالثلث من الأراضي التي جرى ضمّها لبناء مستوطناتٍ من قبَل الدولة، منها: "أرمون هنَتسيف"، "جيلو"، "تَلبيوت مزراح"، "رَموت"، "نِفيه يعقوب"، "بيسجات زئيف"، "رَمات شلومو"، "رَمات شلومو"، "هجيفعا هتْسَرْفتيت"، "هار حوما" و"جيفعات همَطُوس"، والتي كان الهدف المُعلن من إقامتها ضمان أغلبيّة يهودية في مدينة القدس وخلق تواصُل جغرافيّ ـ ديمغرافي يهوديّ. من الوسائل الأخرى التي تستخدمها السلطات لتعزيز تهويد المدينة ـ إنشاء أحياز يهوديّة في قلب الأحياء الفلسطينيّة، مثل "شمعون هتصَديق" على أراضي الشيخ جرّاح، أو "الحيّ اليهودي المُتجدّد" في الحيّ الإسلاميّ في البلدة القديمة؛ وهكذا أيضاً في بطن الهوى ووادي حلوة في سلوان.تقع منطقة سلوان ضمن مخطط "الحوض المقدّس" الذي يشمل أيضاً الحيّ الإسلاميّ والحيّ المسيحيّ في البلدة القديمة، حيّ الشيخ جرّاح، الطور (جبل الزيتون)، وادي الجوز، راس العامود وجبل المكبّر. بسبب موقعها الجغرافيّ، تزخر منطقة سلوان بالمواقع الأثريّة والتاريخيّة التي تستغلها إسرائيل لتبرير سياسة تخطيط وإدارة للأراضي تقيّد إمكانيات التطور الفلسطينيّ وتعزّز السيطرة الإسرائيلية على المنطقة. ويشكل إعلان مناطق كـ "حدائق وطنيّة" أو "مواقع أثريّة" أو "محميّات طبيعيّة"، في الواقع، أداة لتجريد السكّان الفلسطينيّين من أراضيهم. وفي إطار ذلك، يتمّ تأهيل هذه الأماكن كمواقع تراثية، وذلك بالتعاون الوثيق مع أطر مدنيّة تابعة لتيّار اليمين المتطرّف، مثل جمعيات "عطيرت كوهَنيم" و"إلعاد". هذه الجهود المشتركة ترمي إلى تحقيق هدف سياسيّ واضح: خلق تواصُل جغرافيّ للاستيطان اليهودي، من خلال عزل الأحياء الفلسطينيّة في شرقي القدس عن بعضها البعض وعزلها كلّها عن الضفة الغربيّة.آليّة الاستيلاء والتهجير: حيّ بطن الهوىتهجيرسكّان بطنالهوى هو التهجير الأول لجماعة بأكملها من شرقي القدس منذ العام 1967، وهو يتم استناداً إلى "قانون أملاك الغائبين" (1950)، الذي يسري على أملاك الفلسطينيّين الذين جرى تهجيرهم من بيوتهم في نكبة العام 1948، وإلى قانون "تسويات قضائيّة وإداريّة" (1970) الذي يسمح عمليّاً لليهود فقط بتقديم دعاوى تثبيت المُلكيّة على ممتلكات كانت لهُم قبل العام 1948. وثمة وسيلة أخرى للاستيلاء على الممتلكات تتم بمساعدة الوصيّ العامّ، وهو هيئة سلطوية أُنشئت مع قيام الدولةتعمل بموجب صلاحية إدارة "أوقاف" يهوديّة في شرقي القدس - وهي ممتلكات كانت بملكية يهودية قبل العام 1948 وأوقفت لأغراض عامّة وتُدار حاليًا من خلال وصيّ. إن استخدام الوقف للمطالبة بتثبيت الملكية على أملاك من شأنه أن يجيز ويشرعن تهجير السكان الفلسطينيين من منازلهم، وفقًا للقانون الإسرائيلي. في العام 2001 أقرّت المحكمة المركزيّة في القدس قرار الوصيّ العامّ نقل إدارة "وقف بنبنيشتي" إلى جمعيّة "عطيرت كوهنيم". في العام 2002 نقل الوصيّ العامّ إلى هذا الوقف أراضي كانت تقوم عليها مبانٍ تسكنها معظم العائلات الفلسطينيّة التي يتهدّدها خطر التهجير، وفي العام 2005 باع الوصيّ للجمعيّة قطعة أرض أخرى مساحتها 3 دونمات، كانت تسكن عليها نحو عشر عائلات فلسطينيّة أخرى.استنادًا إلى "قانون أملاك الغائبين" و"قانون تسويات قضائيّة وإداريّة" وسماح الوصيّ العامّ بالاستيلاء اليهوديّ على منازل كانت بملكية يهودية في الماضي، يتمّ نزع مُلكيّة السكّان الفلسطينيّين الذين تملّكوا هذه المنازل قانونيّاً ليبقوا دون أيّة حماية.مدعومين من قبَل حرّاسأمن خاصّين تموّلهم وزارة الإسكان الإسرائيلية بمبالغ تصل إلى مئاتملايين الشواقل سنويّاً، يغزو المستوطنون الحيّ ويبدؤون بالتنكيل بسكّان الحيّ الفلسطينيّين وافتعالمواجهاتعنيفةمعهم، والتسبّب باعتقالهم من قبَل الشرطة بشتّى الذرائع في كثير من الحالات. وقد أدّى دخول المستوطنين إلى الحيّ إلى ارتفاع حادّ في تواجُد قوّات الشرطة وحرس الحدود التي يُعامِل أفرادها السكّان الفلسطينيّين بالعُنف والتهديد ولا يتورّعون عن اعتقال القاصرين وتشويش مجرى الحياة اليوميّة في الحيّ. وهكذا، حتى قبل تهجيرهم عن منازلهم، يتعرّض سكّان بطن الهوى إلى تنكيل مستمرّ يجعل حياتهم جحيماً لا يُطاق بهدف دفعهم إلى الرّحيل كأنّما "بمحض إرادتهم"، وذلك بدعم تامّ من مؤسّسات السّلطة والقوّات الإسرائيليّة. إلى جانب ذلك، يُعاني السكّان الفلسطينيّون أيضًا من إهمالإجراميّ ودائم في كلّ ما يتعلّق بالبُنى التحتيّة والخدمات التي ينبغي على بلديّة القدس أن تقدّمها لهُم: شوارع كثيرة غير معبّدة، النفاياتمُتراكمة في الشوارع والإضاءة في الشوارع محدودة.سياسة الأبارتهايد الإسرائيليّة تميّز بشكل فظّ بين اليهود والفلسطينيّين، ليس فقط بواسطة تشريع القوانين التمييزيّة، وإنّما أيضاً في التخطيط وتخصيص الميزانيّات وتقديم الخدمات. فبينما يعاني سكّان سلوان الفلسطينيّون من إهمال متعمّد ومدعّم بعُنف مُمنهج في خدمة الدولة، يتمتّع سكّان المستوطنات اليهوديّة في الحيّ - مثل "كفار هتيمَنيم" أو "كفار هشيلوح" في حيّ بطن الهوى، أو "عير دَفيد" في وادي حلوة - بحراسة مشدّدة وخدمات وبُنى تحتيّة حديثة، بما في ذلك الطرق المعبّدة والشوارع الواسعة والأكثر إنارة، بتمويل من السلطات ضمن مصادر تمويل أخرى.بدعم كامل من "محكمة العدل العليا" الإسرائيلية، التي قبلت حقًا ادّعاء العائلات الفلسطينيّة من حيّ بطن الهوى بأنها تملّكتمنازلها بشكل قانونيّ، لكنّها قرّرت أنّ حق المستوطنين في المُلكيّة على هذه الأملاك يعلو على حقّ مُلكيّة الفلسطينيّين، يجري تهجير العائلات الفلسطينيّة بشكل مُخالف للقانون الدوليّ.في سلوان، كما في أحياء القدس الفلسطينيّة الأخرى وقرى الضفة الغربيّة، يستخدم النظام الإسرائيليّ جميع الآليّات المُتاحة له لتجريد الفلسطينيّين من أراضيهم. وهو يفعل ذلك بشكل علنيّ تماماً - بواسطة تشريعات تعكس السمات الأساسيةلنظام الأبارتهايد الإسرائيلي، بوساطةالجهازالقضائيّ، وبالتعاونمعجمعيّاتالمستوطنين - بهدف تهجير السكّان من منازلهم، ومن خلال خطوات تكميليّة لتحويل حياة السكّان إلى جحيم لا يُطاق عبر الإهمالالمنهجي واستخدام العُنف ضدّهم من قبَل جهات رسميّة وغير رسميّة.إنّه واقعٌ من العُنف المنهجي والمُمَأسَس يعيشه سكّان القدس الفلسطينيّون يوميّاً تحت نظام الأبارتهايد الإسرائيليّ، حيث يتم في إطاره حرمانهم من أبسط حقوقهم وأكثرها أساسيّة. مُواجهة هذا الواقع تتطلّب تدخّلاً عاجلاً، بل فوريّاً، من قبَل المجتمع الدوليّ.

22 آذار/مارس 2026

أبارتهايد

الآن يمكننا تسميته أبارتهايد: يسعى النظام الإسرائيليّ لتحقيق وإدامة تفوّق يهوديّ في المساحة الممتدّة من النهر إلى البحر

تنشر بتسيلم صباحَ هذا اليوم ورقة موقف ترفض النظرة السّائدة إلى إسرائيل كدولة ديمقراطيّة تدير في الوقت نفسه نظام احتلال مؤقت. ترى الورقة أنّ كلّ المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل - داخل الخطّ الأخضر وفي الضفة الغربيّة وشرقيّ القدس وقطاع غزّة - يقوم نظام واحد يعمل وفق مبدأ ناظم واحد: تحقيق وإدامة تفوّق جماعة من البشر (اليهود) على جماعة أخرى (الفلسطينيّين). إنه نظام فصل عنصري - أبارتهايد. في الحالة الإسرائيليّة لم ينشأ هذا النظام بين ليلة وضُحاها وإنّما تمأسس واتّضحت معالمه بمرور الزمن. تراكُم هذه الخطوات بمرور السّنين وانعكاسها على نطاق واسع في القوانين والممارسة والدّعم الجماهيريّ والقضائيّ الذي حظيت به - كلّها تؤسّس للاستنتاج المؤلم أنّ هذا النظام قد تجاوز السّقف الذي يقتضي تعريفه كنظام أبارتهايد. وتوضح ورقة الموقف أنّ الوسيلة الأساسيّة التي تسخّرها إسرائيل لتحقيق مبدأ التفوّق اليهوديّ هي هندسة الحيّز جغرافيّاً وديمغرافيّاً وسياسيّاً: يدير اليهود حياتهم في حيّز واحد متواصل يتمتّعون فيه بالحقوق الكاملة وتقرير المصير. وعلى عكس ذلك، يعيش الفلسطينيّون في حيّز مشظّى إلى معازل مختلفة وإسرائيل تقرّر أيّ الحقوق تمنح للفلسطينيّين في كلّ من هذه المعازل وأيّها تسلب - وفي جميعها هي حقوق منقوصة مقارنة بالحقوق التي يتمتّع بها اليهود. يسعى النظام الإسرائيليّ إلى تحقيق هذا المبدأ الناظم في أربعة مجالات مركزيّة: الأرض – تطبّق إسرائيل سياسة تهويد المكان التي تقوم على تصوّر يعتبر الأرض مورداً مخصّصاً لخدمة احتياجات الجمهور اليهوديّ بشكل شبه حصريّ. منذ العام 1948 وضعت الدولة يدها على نحو 90% من الأراضي الواقعة داخل "الخطّ الأخضر" والتي بُنيت فيها مئات البلدات للسكّان اليهود. ومنذ العام 1967 تطبّق إسرائيل السياسة نفسها في الضفة الغربيّة حيث بُنيت على أراضي الفلسطينيّين أكثر من 280 مستوطنة يسكنها اليوم 600,000 من اليهود الإسرائيليّين. في كافّة المنطقة الممتدّة من النهر إلى البحر لم تُقم الدّولة ولو بلدة واحدة للسكّان الفلسطينيّين (سوى عدّة قرىً وبلدات أقامتها إسرائيل لتركيز السكّان البدو بعد تجريدهم من معظم حقوق الملكيّة التي كانوا يحوزونها) بل هي تعمل أساساً على منع تطوير البلدات الفلسطينيّة القائمة وهدم المنازل التي بُنيت فيها. التجنيس والهجرة – جميع يهود العالم وأولادهم وأحفادهم - وكذلك أزواجهم وزوجاتهم يحقّ لهم الحصول على الجنسية الإسرائيليّة، بينما لا يمكن لأيّ فلسطينيّ الهجرة إلى المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل حتّى إذا كان هو نفسه أو جدّه أو جدّته قد وُلدوا في هذه الأراضي أو أقاموا فيها. كذلك تصعّب إسرائيل على الفلسطينيّين سكّان المعازل/المناطق الواقعة تحت سيطرتها الحصول على مكانة دائمة في منطقة أخرى بل إنّها سنّت قانوناً يحظر بصريح العبارة منح مكانة دائمة ضمن أراضيها السياديّة للفلسطينيّين المتزوّجين من إسرائيليّين. حرّية الحركة والتنقّل – يتمتّع المواطنون الإسرائيليّون بحرّية الحركة والتنقّل بين مختلف المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل (باستثناء قطاع غزّة) ويمكنهم متى شاءوا مغادرة الدّولة والعودة إليها. أمّا الرّعايا الفلسطينيّين فينبغي أن يحصلوا على تصريح إسرائيليّ خاصّ لكي يتنقّلوا بين معازلهم (وأحياناً في داخل المعزل نفسه) وسفرهُم إلى خارج البلاد مشروط بموافقة إسرائيليّة. المشاركة السّياسيّة – يحقّ للفلسطينيّين مواطني إسرائيل المشاركة في انتخابات الكنيست تصويتاً وترشيحاً ولكن هناك مساعٍ يقودها مسؤولون سياسيّون لنزع الشرعيّة عن منتخبي الجمهور الفلسطينيّين. وفي المناطق المحتلّة هناك نحو خمسة ملايين من الرّعايا الفلسطينيّين - بضمنهم سكّان شرقيّ القدس - لا يشاركون في المنظومة السياسيّة التي تتحكّم بحياتهم وتقرّر مستقبلهم. إضافة إلى ذلك هُم محرومون من حقوق سياسيّة أخرى كحرّية التعبير والحق في التنظيم. إسرائيل هي من يملك كامل صلاحيّات البتّ في جميع نواحي الحياة هذه، وهي الجهة الوحيدة التي تقرّر وتدير في كلّ مكان بين النهر والبحر سِجِلّ السكّان ونظام الأراضي وقدرة الأشخاص على التنقّل والحركة والدّخول أو المغادرة وكذلك سِجِلّ الناخبين. تُظهر إسرائيل في السّنوات الأخيرة استعداداً للتصريح علناً بالتفوّق اليهوديّ كمبدأ يسترشد به النظام. هناك أمران يعكسان سيرورة إزالة الأقنعة هذه بغاية الوضوح: (1) سنّ "قانون أساس: إسرائيل - الدولة القوميّة للشعب اليهوديّ" الذي يصرّح علناً أنّ بين اليهود وغير اليهود فارق أساسيّ وشرعيّ في الدولة ويتيح التمييز الممأسَس في مجالات بناء البلدات والإسكان والأراضي والمواطنة واللّغة والثقافة؛ (2) التصريحات بخصوص ضمّ الضفة الغربيّة رسميّاً، أو أجزاء منها، وهي تدلّ على ما تضمره إسرائيل من نوايا بعيدة المدى وتقوّض مزاعم "الاحتلال المؤقت". تودّ منظمة بتسيلم التأكيد على أنّ الاحتلال نفسه لم ينته: الفلسطينيّون سكّان المناطق المحتلة لا يزالون تحت نظام عسكريّ في الضفة الغربيّة وتحت الحصار وسيطرة إسرائيل الفعّالة من الخارج في قطاع غزّة. إلّا أنّ مواصلة وصف إسرائيل بأنّها دولة ديمقراطيّة تحتلّ مؤقتاً ملايين الأشخاص في الطرف الآخر هو وصف لا يمتّ للواقع بصِلة إذ يتجاهل حقائق كثيرة: ينسى أنّ هذا الواقع مستمرّ منذ أكثر من خمسين عاماً؛ لا يأخذ بالحسبان مئات آلاف المستوطنين اليهود المقيمين شرقيّ "الخطّ الأخضر"؛ ويغضّ الطرْف عن الضمّ الرسميّ لشرقيّ القدس والضمّ الفعليّ لبقيّة أراضي الضفة الغربيّة. هذه الحقائق تؤدّي إلى الاستنتاج أنّه يوجد في الواقع نظام واحد يدير منطقة ما بين النهر والبحر، لا نظامان متوازيان؛ نظام واحد يسيطر على جميع الأشخاص المقيمين في المنطقة ويعمل وفق المبدأ الناظم نفسه. يقول حجاي إلعاد مدير عامّ منظّمة بتسيلم: "المبادئ الأساسيّة للنظام الإسرائيليّ يجري تطبيقها منذ سنين طويلة ولكنّها تتكشّف في السّنوات الأخيرة على نحوٍ أوضح بكثير. هكذا الأمر في خطاب الضمّ الرسميّ بعد عقود من الضمّ الفعليّ وهكذا بخصوص قانون القوميّة الذي يجعل التمييز القائم والرّاسخ ضدّ الفلسطينيين مبدءاً دستوريّاً. لا توجد في إسرائيل ديمقراطيّة + احتلال وإنّما نظام واحد من النهر إلى البحر، وهذا يحتّم علينا أن ننظر إلى الصّورة كاملةً وأن نسمّيها بدقّة: أبارتهايد. هذه النظرة اليقِظة إلى الواقع لا ينبغي أن تؤدّي بنا إلى اليأس بل على العكس هذا نداء للتّغيير - لأنّ من أقاموا هذا النظام بشر ويمكن للبشر تغييره إذن".

12 كانون الثاني/يناير 2021