شرقيّ القدس

قرية الوَلَجة: سلب وتهديد بهدم عشرات المنازل

17 شباط/فبراير 2022، حُدّث في 4 نيسان/أبريل 2022

الصورة
طرف حي عين الجويزة في الولجة وجدار الفصل على أراضي القرية وفي الخلفية حي "جيلو" في شرقيّ القدس. تصوير: متان جولان

تقع قرية الولجة اليوم على سفح يرتفع فوق "ناحل رفئيم" (متفرع من وادي الصرار) قرب بيت جالا ويبلغ عدد سكّانها نحو 3,000 نسمة. حتى العام 1949 كانت القرية تقع في الضفة الثانية من الوادي، في الموقع الذي أقيم قربه موشاف "أوره" وموشاف "عمينداف". آنذاك كانت مساحة أراضي القرية تُقارب 18,000 دونم. في إطار اتّفاقيّات الهُدنة التي وقّعتها إسرائيل مع المملكة الأردنيّة في نهاية حرب 1948 غادر أهالي الولجة قريتهم ونزح بعضهم شرقاً حيث أقاموا الولجة "الجديدة" على مساحة نحو 6,000 دونم من أراضي القرية التي بقيت على الجهة الأخرى من الخطّ الأخضر. بعد احتلال الضفّة الغربيّة ضمّت إسرائيل في العام 1967 نحو ثُلث مساحة القرية الجديدة إلى مسطّح مدينة القدس.

ما يُقارب نصف الـ 6,000 دونم التي بقيت لأهالي القرية استغلّتها إسرائيل في سبعينيّات القرن الماضي لاحتياجاتها حيث صادرت بعضها لأجل إقامة حيّ "جيلو" داخل مسطّح مدينة القدس، وبعضها الآخر وضعت عليه اليد بموجب أمرٍ عسكريّ لأجل إقامة مستوطنة "هار جيلو".

الصورة
الجدار الفاصل الذي يفصل قرية الولجة عن مستوطنة هار جيلو. تصوير: متان جولان
الجدار الفاصل الذي يفصل قرية الولجة عن مستوطنة هار جيلو. تصوير: متان جولان

منذ أن ضمّت إسرائيل جزءاً من القرية إلى مسطّح مدينة القدس لم تقدّم البلديّة لهذا الجزء أيّة خدمات بلديّة. ضمن ذلك رفضت أن توافق على خرائط هيكليّة فلم يبق للسّكان خيار سوى أن يبنوا منازلهم دون ترخيص وهذا ما فعلوه على مرّ السّنين. في حيّ عين الجويزة، الجزء الذي ضُمّ إلى مسطّح القدس، يُقيم حاليّاً نحو ألف شخص. هناك أوامر هدم ضدّ 38 من أصل 60 منزلاً في هذا الحيّ أصدرها قسم الإجراء الخاصّ بالأراضي في وزارة القضاء. المنازل الـ 22 المتبقّية بُنيت هي أيضاً دون ترخيص وعليه فإنّها قد تُلاقي مصيراً مشابهاً. في حال تنفيذ أوامر الهدم سوف يفقد 380 شخصاً منازلهم. تستند أوامر الهدم إلى "قانون كمينتس" الذي تُفرض بموجبه غرامات باهظة على من يبني دون ترخيص أو من لا يهدم منزله بنفسه. في العام 2018 تقدم سكان القرية بالتماس إلى المحكمة العليا مطالبين بمنع تنفيذ الهدم وبإعداد خارطة هيكلية لذلك القسم من القرية المشمول في منطقة نفوذ بلدية القدس. وقد أصدر قضاة المحكمة آنذاك أمراً مؤقتاً إلى حين البتّ في الالتماس. وفي ختام الجلسة التي عقدت في نهاية آذار 2022 قرر القضاة تمديد فترة سريان الأمر المؤقت بستة أشهر إضافية لإتاحة المجال أمام السلطات لفحص إمكانيات إعداد خارطة هيكيلة للمكان. 

خلال السّنوات الماضية بادر أهالي القرية بأنفسهم إلى إعداد خرائط هيكليّة وقد ساعدهُم في ذلك المعماريّ كلود روزنكوفيتش في البداية، وبعد ذلك جمعيّة "بيمكوم" وجمعيّة "عير عميم". تمّ تقديم جميع الخرائط إلى لجان التخطيط البلديّة واللّوائيّة لكنّها رُفضت جميعها. في كانون الثاني 2021 رفضت اللّجنة اللّوائيّة للتخطيط والبناء خريطة أخرى قدّمها أهالي القرية وكانت حجّة الرّفض أنّ أراضي القرية ذات "قيمة مناظر طبيعية وقيمة بيئيّة عالية لوُجودها ضمن تواصُل أراضي خلاء وتضمّنها قيم ثقافة زراعيّة أثريّة ومتفرّدة"، وعليه فالخريطة المقدّمة تمسّ بجميع هذه القيم.

الصورة
منازل مهددة بالهدم في حي عين جويزة في قرية الولجة على خلفية حي جيلو شرقي القدس. تصوير: متان جولان
منازل مهددة بالهدم في حي عين جويزة في قرية الولجة على خلفية حي جيلو شرقي القدس. تصوير: متان جولان

"قيمة المناظر الطبيعية والقيمة البيئيّة" يُقصد بها السّناسل الفريدة من نوعها التي يستخدمها أهالي القرية. ولكنّ هذه الحجّة هي فقط ذريعة تستخدمها السّلطات لمنع البناء وكبح التطوير والتنمية الفلسطينيّة. هذه القيم لا تؤخذ بعين الاعتبار بتاتاً لدى تطوير المشروع الاستيطاني. على سبيل المثال، شارع الولجة الالتفافيّ شقّته السّلطات منذ 25 عاماً في أراضي القرية - التي لم تُضمّ إلى مسطّح القدس - لكي يستخدمه مستوطنو "جوش عتصيون" في الوُصول إلى القدس وظلّ يخدمهم حتى شقّ شارع الأنفاق. وحيث أنّه جرى وضع اليد على الأرض بموجب أوامر عسكريّة ودون خريطة مصدّق عليها، قدّم مجلس محلّي "جوش عتصيون" مؤخّراً خريطة هيكليّة بهدف "تسوية" وضع الشارع – لأنّها مطلوبة كشرط مسبق لتوسيع مستوطنة "هار جيلو" وبناء 560 منزلاً إضافيّاً. هذه المنازل سوف تطوّق الولجة من الناحية الغربيّة.

الشارع الجديد الذي يدخل جزء منه ضمن نطاق مدينة القدس يوصف في الخريطة كشريان مُواصلات رئيسيّ لخدمة "الشريحيتين السكّانيّتين" في المستقبل. ولكنّ أهالي الولجة لن يستطيعوا الاستفادة منه عمليّاً لانّه يُحظر عليهم الوُصول إلى القدس عبر هذا الشارع. الخريطة المذكورة جرى تقديمها إلى مجلس التخطيط الأعلى في الإدارة المدنيّة دون إجراء مسح لدراسة التأثيرات على البيئة أو مسح جيولوجيّ أو مائيّ، وذلك رغم وجود مخاطر انهيار تُربة وصُخور في المنطقة ورغم وقوع انهيار في الشارع نفسه، وقد ذكرت جمعية "بيمكوم" ذلك في اعتراض على الخريطة قدّمته باسم مجلس قرية الولجة.

الصورة
أنقاض منزل إحدى العائلات الذي هدمته بلدية القدس في حي عين الجويزة في الولجة. تصوير: متان جولان
أنقاض منزل إحدى العائلات الذي هدمته بلدية القدس في حي عين الجويزة في الولجة. تصوير: متان جولان

كذلك لم تكترث السّلطات الإسرائيليّة لأمر المسّ بالسّناسل الأثريّة التي تميّز المنطقة عندما شرعت في بناء جدار الفصل في العام 2011 – مسارُه المارّ شمال غرب وجنوب حيّ عين الجويزة والأراضي المجاورة له. إزاء ذلك قدّمت سُلطة حماية الطبيعة – في خطوة نادرة فعلاً – توصية تعترض فيها على مسار الجدار نوّهت فيها أنّ السّناسل في هذه المنطقة يعود تاريخُها إلى مُنتصف الألفيّة الأولى للميلاد وعليه فهي إرث ثقافيّ يحفظ تقاليد المدرّجات الزراعيّة أي السّناسل. سُلطة حماية الطبيعة اقترحت الحفاظ على هذه المنطقة وإعلانها ضمن مواقع التراث العالميّ؛ كما اقترحت نقل مسار الجدار بحيث يُحاذي مسار شارع الولجة الالتفافيّ قُرب مسار سكّة القطار القديمة المؤدّية إلى القدس. في آب 2011 رفضت محكمة العدل العليا التماس أهالي الولجة ضدّ مسار الجدار.

جدار الفصل، ومعظمه جدران باطون يصل ارتفاعه حتى تسعة أمتار، أقيم على نحو 500 دونم من أراضي الولجة فلم يبق لأهالي القرية سوى مسلك واحد للدّخول والخروج من القرية. كذلك عزل الجدار القرية عن أراضيها الزراعيّة التي تنمو فيها كروم الزيتون واللّوز ولا يُسمح للأهالي اليوم دخولها سوى بتنسيق مسبق وفقط خلال موسم قطاف الزيتون، وذلك عبر بوّابة واحدة توجد في بيت جالا المجاورة. ومن آثار جدار الفصل أيضاً أنّه قضى على فرع تربية المواشي في القرية إذ تقلّصت جرّاءه أراضي المرعى ومُنع الوُصول إلى عُيون الماء الموجودة في أراضي القرية التي عزلها الجدار. إضافة إلى هذا كلّه سبّبت إقامة الجدار مشاكل في تصريف مياه الأمطار ملحقة المزيد من الأضرار بالسّناسل الأثريّة.

الصورة
  مباني زراعية قديمة في أراضي الولجة. تصوير: ايال هرئوفيني، بتسيلم، 5.11.10.
مباني زراعية قديمة في أراضي الولجة. تصوير: ايال هرئوفيني، بتسيلم، 5.11.10.

كذلك مكّن بناء الجدار سُلطة حماية الطبيعة وسُلطة تطوير القدس من المضيّ في تخطيط الحديقة الوطنيّة المسمّاة "عيمق رفائيم" شمال الولجة باعتبارها حديقة حضريّة (متروبوليّة) "لرفاهيّة سكّان القدس". في تمّوز 2013 صدّقت اللّجنة اللّوائيّة للتخطيط والبناء على المخطّط وجرى تدشين الحديقة في بداية 2018 على مساحة نحو 5,700 دونم بضمنها 1,000 دونم من أراضي الولجة. المعلم المركزيّ ونقطة الجذب في هذه الحديقة هي عين الحَنِيّة وكانت في الماضي مصدر الماء الرّئيسيّ للقرية وقد استخدمها الأهالي لريّ أراضيهم الزراعيّة ومتنزّهاً أيضاً. بقيت لقرية الولجة اليوم عينا ماء اثنتان ولكن الاستفادة منهما تتطلّب أعمال تصريف مُكلفة وتستغرق وقتاً بحيث لم يتمكّن الأهالي من مُواصلة تحمّل العبء وعليه فقد توقّفوا عن استخدامهما. حاليّاً تتزوّد القرية بالمياه من خزّان أقامته السّلطة الفلسطينيّة لفائدة أهالي بيت جالا والولجة والخضر ويقع قرب فندق إيفرست في بيت جالا.

مواد مقترحة

سياسة التخطيط في الضفّة الغربيّة

حملة الهدم في الضفة الغربيّة: خلال يوم واحد فقد 22 شخصاً منازلهم بضمنهم 15 قاصراً

البارحة الثلاثاء الموافق 23.11.21 شنت إسرائيل حملة هدم في أرجاء الضفة الغربية وخلالها دمّرت وصادرت مبانٍ سكنية وخيامًا وحظائر أغنام ومبانٍ قيد الإنشاء وشارعًا وحتى مدفنًا لم يستخدم بعد. فقد 22 شخصًا وبضمنهم 15 قاصرًا منازلهم في يوم واحد. بعض أعمال الهدم تمّ توثيقها بالفيديو: توثيق الفيديو: نصر النواجعة ، حمدان حمدان، عيد هذالين, عامر عاروري منطقة القدس: الإدارة المدنيّة تهدم ثلاثة مبانٍ سكنيّة وتُشرّد 6 أشخاص بضمنهم 3 قاصرين نحو السّادسة من صباح يوم الثلاثاء الموافق 23.11.21 وصل مندوبو بلديّة القدس وعناصر من شرطة حرس الحدود إلى حيّ وادي الحمص وهو الناحية الشرقيّة من صور باهر في شرقي القدس. رافقت القوّات جرّافة قامت بهدم مبنييْن: بناية من طابقين تقيم في الطابق الثاني منها أسرة مؤلّفة من 5 أشخاص بضمنهم 3 قاصرين وبناية من طابق واحد يقيم فيها شخص واحد. منطقة جنوب تلال الخليل: الإدارة المدنيّة تهدم منزلاً قيد الإنشاء ومدفنًا لم يُستخدم بعد نحو العاشرة من صباح يوم الثلاثاء الموافق 23.11.21 دهم مندوبو الإدارة المدنيّة وجنود وعناصر من شرطة حرس الحدود مزودين بجرافة، قرية معين في تلال جنوب الخليل. هدمت القوّات (بمقتضى الأمر العسكري 1797) منزلاً قيد الإنشاء كان يُعدّ لإيواء أسرة مؤلّفة من 8 أشخاص بضمنهم 6 قاصرين. نحو السّاعة 13:00 وصلت القوّات إلى قرية الديرات الواقعة شرقيّ يطّا وهدمت (أيضاً بمقتضى الأمر العسكري 1797) مدفنًا من الطوب يشمل سبعة قبور فارغة. منطقة رام الله: الإدارة المدنيّة تهدم خيمة سكنيّة وتصادر مبان زراعية لاحقاً في اليوم نفسه، دهم مندوبو الإدارة المدنيّة وقوّة عسكريّة تجمّع راس التين شرقيّ رام الله حيث قاموا بتفكيك ومصادرة ثلاث خيام هي عبارة عن حظائر مواشٍ. من هناك واصلت القوّات إلى عين سامية وقامت نحو السّاعة 14:30 بهدم خيمة سكنيّة تقيم فيها أسرة مؤلّفة من 8 أشخاص بضمنهم 6 قاصرين، كما فكّكوا وصادروا زريبتي مواشٍ. منطقة نابلس: الإدارة المدنيّة تجرف في عصيرة الشمالية مقطعاً من طريق زراعية قد تمّ البدء في تعبيدها مؤخراً نحو السّاعة 11:00 جاء مندوبو الإدارة المدنيّة ترافقهم قوّة عسكريّة مزودين بجرّافة قامت بتجريف مقطع بطول نحو 500 متر من طريق زراعيّة قائمة على طول نحو كيلومترين كانت وزارة الزراعة الفلسطينيّة وبلديّة عصيرة الشماليّة قد بدأتا في تعبيدها ورصفها بالأسفلت قبل شهرين. عبر هذه الطريق يصل سكّان البلدة إلى أراضيهم الزراعيّة كما أنّها تصل بين البلدة ومدينة نابلس. إضافة إلى التجريف قامت القوّات بسدّ الطريق عند بدايتها من جهة نابلس عبر وضع سبع سدّات ترابيّة. كان سكان عصيرة الشمالية يستخدمون الطريق للوصول إلى أراضيهم الزراعية كما تربط الطريق القرية بمدينة نابلس. موجة الهدم هذه هي تعبير إضافي عن تصور النظام الإسرائيلي والذي يعتبر الأراضي مقدرات هدفها خدمة اليهود فقط. توظف إسرائيل شتى الآليات والسياسات التخطيطية والبيروقراطية لتحقيق تصورها هذا. تتسلم حكومة جديدة مقاليد الحكم وتغادر حكومة ويستمر نظام الأبرتهايد على ما هو عليه.

24 تشرين الثاني/نوفمبر 2021

הגדר ליד בית בית סאחור. צילום: אייל הראובני, בצלם, 24.6.19. בתמונה הקטנה - עבאדללה ר'יית' (באדיבות המשפחה)

سياسة إطلاق النار

جريمة أخرى تحظى بالدّعم التامّ كالعادة: عناصر شرطة حرس الحدود قتلوا فتًى في الـ15 من عمره وأصابوا شابًّا آخر بجراح حين حاولا اجتياز الجدار

نحو السّاعة 7:30 من صباح الجمعة الأخيرة من شهر رمضان التي وافقت 31.5.19 اتّجه سبعة أشخاص من عائلة غيث في سيّارة من الخليل إلى القدس لأجل أداء الصّلاة في المسجد الأقصى. قاد السيّارة لؤي غيث البالغ من العمر 45 عامًا وهو متزوّج وأب لتسعة أولاد ويملك مصنعًا في الخليل؛ ورافقه ابنه عبدالله (15 عامًا) وبناته الثلاثة: شيماء (16عامًا) وترتيل (14 عامًا) ودانيا (12 عامًا) وابنة شقيقه سيرين (14 عامًا) وابن شقيقه "ع." (18 عامًا). نحو السّاعة 7:30 من صباح الجمعة الأخيرة من شهر رمضان التي وافقت 31.5.19 اتّجه سبعة أشخاص من عائلة غيث في سيّارة من الخليل إلى القدس لأجل أداء الصّلاة في المسجد الأقصى. قاد السيّارة لؤي غيث البالغ من العمر 45 عامًا وهو متزوّج وأب لتسعة أولاد ويملك مصنعًا في الخليل؛ ورافقه ابنه عبدالله (15 عامًا) وبناته الثلاثة: شيماء (16عامًا) وترتيل (14 عامًا) ودانيا (12 عامًا) وابنة شقيقه سيرين (14 عامًا) وابن شقيقه "ع." (18 عامًا). خلال شهر رمضان سمحت إسرائيل لأعداد كثيرة من الفلسطينيّين بالقدوم لأداء الصّلوات في القدس ولكنّ دخول الشبّان والرجال ما بين 16 - 30 عامًا ظلّ ممنوعًا، ولذلك لم يتمكّن "ع." - ابن شقيق لؤي غيث - من عبور الحاجز. إزاء ذلك لجأت العائلة إلى حلّ يتّبعه فلسطينيّون كثيرون: اتّجه لؤي نحو حاجز مزمورية/النعمان المنصوب شمال شرق بلدة بيت ساحور لكي يُنزل "ع." وعبدالله قرب جدار الفصل على بُعد نحو 700 متر من الحاجز وذلك لكي يتسلّق كلاهما الجدار ويلتقيا بقيّة أفراد العائلة في الجهة الثانية. تشتمل منشآت جدار الفصل في هذه المنطقة على سلك لولبيّ شائك منخفض وجدار من الشبك والأسلاك الشائكة ارتفاعه عدّة أمتار ويفصل بينهما طريق عرضه عدّة أمتار. التحقيق الذي أجرته بتسيلم يُظهر ما يلي: نحو السّاعة 8:00 أنزل لؤي غيث كلًّا من عبدالله و"ع." قرب الجدار في مكان كان ينتظر فيه نحو عشرة شبّان آخرين فرصة ليجتازوا الجدار هم أيضًا. لم يلاحظ عبدالله و"ع." وجود عناصر قوّات الأمن في المنطقة وقرّرا محاولة اجتياز الجدار. بعد أن اجتازا السّلك اللّولبي الشائك وأصبحا بينه وبين جدار الشبك الرّئيسيّ لاحظ "ع." شرطيًّا من حرس الحدود يقف في الجانب الآخر من الجدار. قفز "ع." من فوق السّلك اللّولبيّ راجعًا وصاح بعبدالله ابن عمّه أن يفرّ وينجو بنفسه. في هذه المرحلة أطلق عناصر الشرطة رصاصتي "توتو" على عبدالله أصابته إحداهما في صدره. تمكّن عبدالله من اجتياز السّلك اللّولبي ركضًا إلى المكان الذي أتى منه ووقع أرضًا بعد عدّة أمتار. كان لؤي غيث لا يزال ينتظر هناك فأقلّ في سيّارته كلًّا من "ع." وعبدالله إلى المستشفى في بيت جالا. توفّي عبدالله جرّاء الإصابة بعد أن باءت بالفشل محاولات الأطبّاء لإنقاذ حياته. في 1.6.19 أدلى الأب الثاكل بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش وعبّر عن مشاعره قائلًا: ما زلت لا أصدّق حتى الآن أنّ ولدي الذي ربّيته طيلة 15 عامًا استُشهد في لحظة عين. لم يفعل ابني شيئًا كلّ ما أراده أن يصل إلى المسجد الأقصى ليؤدّي فيه صلاة الجمعة الأخيرة من شهر رمضان. لقد كان جسورًا ويبدو لي أنّ شجاعته هي التي قتلته. لقد استعجل إلى الصّلاة في المسجد الأقصى ولم ينتظر مثل بقيّة الشبّان. لقد كان عبدالله ولداً طيّبًا بشوشًا ومحبوبًا لدى الجميع. كان بعد الدّوام المدرسيّ يساعدني في العمل وكان يحبّ عائلته ويمازح أخواته دائمًا. لا زلت أتذكّر كيف كان في ذلك الصّباح يمازح فتيات العائلة طوال الطريق. لقد كان سعيدًا جدًّا لأنّه ذاهب إلى المسجد الأقصى ليؤدّي فيه صلاة الجمعة الأخيرة من رمضان. ذاك الشرطيّ الإسرائيليّ الذي أطلق عليه رصاصه لا يعرف كلّ هذا. هو أيضًا لا يعرف هول الصّدمة والحزن الذي سبّبه لي ولوالدة عبدالله وأخواته وأنّه لا شيء يعزّينا في فقدانه. قبل مقتل عبدالله بنصف ساعة أصاب عناصر شرطة حرس الحدود برصاصهم الشابّ "م.ط" (20 عامًا) من سكّان حدب الفوّار الواقعة جنوبيّ الخليل ويعمل في حانوت قرطاسيّة. وصل "م.ط" إلى المكان نحو السّاعة 5:30 - أيضًا بهدف اجتياز الجدار والمتابعة إلى المسجد الأقصى وأداء الصّلاة فيه. في إفادته لبتسيلم قال أنّه انتظر حتى السّاعة 7:00 وعندها بدأ المحاولة: اجتاز بداية السّلك اللولبيّ وعندها سمع صليلًا يشبه إطلاق النّار مع استخدام كاتم صوت فقفز عائدًا إلى الوراء. لم يشعر أنّه أصيب في بطنه إلّا بعد أن رجع إلى الجهة الأخرى من الجدار وابتعد عنها. أخلي "م.ط" في سيّارة خاصّة إلى بيت ساحور ومن هناك نُقل في سيّارة إسعاف إلى مستشفى الحسين في بيت جالا حيث خضع لعمليّة جراحيّة في بطنة. رقد "م.ط" للعلاج في المستشفى أسبوعًا ثمّ غادر إلى المنزل. في الحالتين أعلاه أطلق عناصر شرطة حرس الحدود رصاصهم على الشابّين مصوّبين نحو الجزء الأعلى من الجسم فقتلوا عبدالله غيث (15 عامًا) وأصابوا "م.ط" بجراح في بطنه لا لسبب سوى أنّهما حاولا اجتياز جدار الفصل والوصول إلى شرقيّ القدس لأداء الصّلاة. لا يمكن إيجاد أيّ مبرّر لإطلاق النّار بطريقة معلوم سلفًا أنّها ستؤدّي إلى نتائج فتّاكة. إنّه سلوك يدلّ على عُمق الاستهتار بحياة الفلسطينيّين ليس فقط لدى عناصر الشرطة الذين أطلقوا الرّصاص وإنّما أيضًا لدى سلسلة من المسؤولين الذين يتيحون استمرار مثل هذا السّلوك. نشرت وسائل الإعلام على لسان مسؤولين في شرطة حرس الحدود أنّ الذّخيرة التي أطلقت على عبدالله غيث و"م.ط" هي تلك المستخدمة في تفريق المظاهرات. لكنّ رصاص "التوتو" ذخيرة حيّة تمامًا ولا يمكن اعتباره وسيلة تفريق مظاهرات؛ والجيش نفسه يعترف رسميًّا بذلك. لقد كتب وكيل عامّ النيابة العسكريّة إلى بتسيلم منذ عشر سنوات أنّ رصاص "التوتو" يُسمح بإطلاقه فقط في الحالات التي يُسمح فيها بإطلاق النيران أو الرّصاص الحيّ - أي، فقط إذا كان هنالك خطر داهم ومحقّق يهدّد حياة عناصر قوّات الأمن أو غيرهم. رغم ذلك، يستمرّ استخدام رصاص "التوتو" على نحوٍ فتّاك ويتواصل التعامل معه كذخيرة تفريق مظاهرات. نحن نعلم من التجارب السّابقة أنّه لن يخضع للمساءلة والمحاسبة أيّ من عناصر الشرطة الذين قتلوا برصاصهم الفتى عبدلله ابن الـ15 ربيعًا من عمره وأصابوا "م.ط" الشابّ ابن الـ20 من عمره وكذالك أيّ من سلسلة المسؤولين المتورّطين وبضمنهم المسؤولين عن صياغة التعليمات. علاوة على ذلك، لن يستطيع أحد مطالبة إسرائيل بدفع التعويضات عن الأضرار المترتّبة على تلك الجرائم بعد أن سدّت أمام الفلسطينيّين السّبيل إلى رفع دعاوى تعويض عبر قانون سنّته لتريح نفسها من ذلك. هل يمكن اعتبار إطلاق الرّصاص على الفتى عبدالله والشابّ "م.ط" عملًا إجراميًّا؟ تمامًا وبكلّ المعايير لأنّه في الحالتين لم يكن له أيّ مبرّر: لم يشكّل أيّ منهما خطرًا على أحد ولم يكونا في وضع يمكّنهما من ذلك: في وضح النّهار عالقان بين السّلك اللّولبيّ الشائك وجدار شبكيّ عالٍ وقبالة عناصر على أهبة الاستعداد من شرطة حرس الحدود المدجّجين بالسّلاح. في مثل هذه الملابسات لا يمكن إيجاد تبرير قانونيّ أو أخلاقيّ لاستخدام ذخيرة قد تسبّب إصابة بليغة أو الموت حتّى - وهو ما فعله عناصر الشرطة مرّات عديدة في الماضي وما فعلوه في هذه المرّة. إنّ الفجوة بين النتيجة الفتاكة والمتوَقعة سلفًا لهذا التصرف الإجرامي وبين اللّامبالاة لدى الجمهور تجاهها والدّعم التامّ الذي حظيت به من جميع الجهات الرسمية، خير شاهد على تدني قيمة حياة الفلسطينيين اليوم.

24 حزيران/يونيو 2019