المحاكم العسكريّة

من يعترف مُدان حتى لو ثبتت براءته

19 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

الصورة
מועתז ג'עפר חמד לאחר שחרורו. צילום: איאד חדאד, בצלם, 27.10.20

معتزّ جعفر حمد شابّ في الـ25 من عمره من سكّان مخيّم قلنديا للّاجئين. اعتُقل في 5.5.19 في حاجز قلنديا وفي حوزته حقيبة في داخلها زجاجتين حارقتين كان يعتزم قذفهما نحو عناصر قوّات الأمن لكنّه تراجع في اللّحظة الأخيرة وسلّم نفسه. بعد اعتقاله اقتيد للتحقيق واعترف أثناءه بأنّه قذف في الماضي زجاجات حارقة نحو قوّات أمن دخلت المخيّم ورشقهم بالحجارة. عقب ذلك قدّمت النيابة العسكريّة لائحة اتّهام جرّاء مخالفات ارتكبها "قبل اعتقاله بنحو السّنة أو في وقت يقارب ذلك". في كانون الثاني 2020 وبعد مضيّ 8 أشهر على اعتقاله أدانته المحكمة بناءً على صفقة ادّعاء بتهمة قذف زجاجة حارقة وحكمت عليه بالسّجن لمدّة 20 شهراً (14 منها عقاباً على تلك المخالفة وستة أخرى تنفيذاً لعقوبة سجن سابقة) وسجن مع وقف التنفيذ وغرامة قدرها 2,000 شيكل.

إلى هنا - روتين معهود فالمحاكم العسكريّة "تنظر" في آلاف الحالات المشابهة كلّ سنة. لكنّ تطوّراً مفاجئاً جعل هذه الحكاية فريدة من نوعها: عندما وصل ملفّ معتزّ حمد إلى "لجنة الثلث" في سلطة السّجون لاحظت محاميته أسمهان عبد الهادي غرابة في تاريخ المخالفة التي أدين بها في المحكمة وسُجن جرّاءها - أي شهر أيّار 2018 إذ كان معتزّ في ذلك الوقت سجيناً أصلاً! كان يقضي عقوبة جرّاء إدانة سابقة.

قدّمت المحامية طلب إعادة محاكمة لكنّ النيابة في ردّها الذي قدّمته للمحكمة أصرّت على أنّ هذه المعلومات لا تؤدّي بالضرورة إلى إلغاء إدانة معتزّ حمد وأنّ عليه أن يمضي في عقوبة السّجن التي حدّدتها المحكمة. في 15.10.20 عقدت المحكمة جلسة للنظر في طلب إعادة المحاكمة قبلت خلالها النيابة - عقب اقتراح من القاضي - تقصير مدّة عقوبة معتزّ بحيث يُخلى سبيله في اليوم نفسه، ومع قبولها أوضحت النيابة أنّها تقبل بذلك لا موافقة على طلب الدّفاع وإنّما بسبب تبيُّن "إخفاقات عدّة" في الإجراءات.

يشكّل هذا التطوّر غير العاديّ في قضيّة معتزّ حمد فرصة لفحص طرق عمل النيابة والاعتبارات التي توجهها، لكنّه يؤكّد أساساً أنّ النيابة أو القضاة لا يعنيهم بتاتاً السّؤال هل ارتكب أم لم يرتكب متّهم فلسطينيّ المخالفة المنسوبة إليه في لائحة الاتهام - هو في نظرهم مُدان حتى لو ثبت العكس.

من الاعتقال إلى الإدانة

جرى التحقيق مع معتزّ حمد مرّتين بعد اعتقاله. جرى التحقيق الأوّل في 6.5.19 حيث شرح كيف حصل على الزجاجات الحارقة وكيف تراجع وقرّر ألّا يقذفهما. أثناء التحقيق سأله المحقّق "كم مرّة سبق أن قمت بإعداد زجاجات حارقة؟" فأجابه حمد أنّ هذا الأمر "حدث مرّة واحدة في المخيّم، كانت مواجهات، وهذا كلّ شيء". وعلى سؤال المحقّق متى وقعت الحادثة أجاب: "قبل سنة، لا أذكر في أيّ تاريخ" وردّاً على السّؤال نحو من قذف الزجاجات أجاب: "كانت مواجهات وكان الجيش في داخل [المخيّم]". قال إنّه لا يذكر كم زجاجة قذف ربّما واحدة وربّما اثنتين وأنّهما أصابتا الأرض.

بعد مضيّ يومين خضع معتزّ حمد لتحقيق آخر وقد تمحور التحقيق في هذه المرّة حول قذف الزجاجات الحارقة التي تحدّث عنها في التحقيق السّابق. قال معتزّ للمحقّق إنّ هذا الأمر كما يذكر قد حدث عندما جاء الجيش إلى المخيّم لكي يعتقل فلاناً - (يذكر الاسم) فقام هو وأشخاص آخرون من سكّان المخيّم برشق الحجارة نحو الجنود. فحص المحقّق في النظام المحوسب اسم الشخص الذي ذكره معتزّ وفي نهاية التحقيق ذكر في الملفّ أنّ هذا الشخص اعتُقل في 30.10.17 - أي قبل إجراء هذا التحقيق بسنة ونصف السّنة.

على أساس هذه المعلومات قدّمت النيابة العسكريّة في 20.5.19 لائحة اتّهام ضدّ معتزّ حمد تضمّنت تُهمتين هُما "قذف غرض حارق" و-"قذف أشياء نحو شخص أو ممتلكات" ارتكبهما "قبل اعتقاله بنحو السّنة أو في وقت يقارب ذلك". بعد تقديم لائحة الاتّهام جرى تمديد اعتقاله حتى انتهاء الإجراءات - كالمعتاد في المحاكم العسكريّة.

في 8.1.20 وبعد أن أمضى معتزّ حمد في السّجن ثمانية أشهر طُرحت أمام المحكمة صّفقة الادعاء والتي اتفق عليها الطرفان ووفقاً لها شُطبت من لائحة الاتّهام تهمة رشق الحجارة. وكالمتّبع دائماً استعرض ممثّل النيابة تفاصيل الصّفقة أمام المحكمة ثمّ أوضحت القاضية الرّائد ميراف هركوفيتش - يتسحاقي، للطرفين أنّها غير ملزَمة بالتسوية التي توصّلا إليها. قرأت القاضية على الأسماع لائحة الاتّهام المعدّلة وأوضح محامي الدّفاع أنّ معتزّ حمد يفهم ما قيل ويعترف بالتّهمة ثمّ أعلنت القاضية أنّها تدينه بناءً على اعترافه.

في قرار الحُكم كتبت القاضية أنّه "حوالي أيّار 2018" قذف معتزّ حمد زجاجة حارقة نحو عناصر قوّات الأمن وتبعاً للتفاهُم المسبق بين الطرفين حكمت على المتّهم بالسّجن الفعليّ لمدّة 14 شهراً جرّاء هذه التهمة. إضافة إلى ذلك قامت بتفعيل حُكم سابق بالسّجن مع وقف التنفيذ لمدّة سنة وقرّرت أنّ المتّهم سيمضي ستّة أشهر منها تراكميّاً (أي أنّها تُضاف إلى عقوبة السّجن الجديدة) وستّة أخرى تطابُقيّة (تُدمج في عقوبة السّجن الجديدة)، وبالمُجمل حُكم على معتزّ حمد بالسّجن الفعليّ لمدّة عشرين شهراً. إضافة إلى ذلك حُكم عليه بالسّجن 12 شهراً مع وقف التنفيذ لمدّة خمس سنوات وبدفع غرامة ماليّة بقيمة 2,000 شيكل أو استبدالها بالسّجن لمدّة شهر. بذلك انتهت الإجراءات.

 

طلب إعادة المحاكمة وردّ النيابة

لاحقاً تبيّن أنّه في أيّار 2018 الشهر الذي يُفترض أنّ المخالفة التي أدين معتزّ جرّاءها قد وقعت فيه كان معتزّ يقضي عقوبة سجن جرّاء مخالفة أخرى. بالنظر إلى قائمة الإدانات والعقوبات بحقّه - والتي تظهر في ملفّ التحقيق وكانت بيّنة أمام النيابة والقاضية - كان معتزّ سجيناً منذ 17.12.17 إلى 10.8.18 ثمّ مجدّداً من 27.9.18 إلى 12.11.18.

قدّمت المحامية أسمهان عبد الهادي إلى المحكمة العسكريّة طلب إعادة محاكمة بموجب البند 157 لأمر تعليمات الأمن حيث ظهرت أدلّة مهمّة من شأنها أن "تغيّر نتيجة المحاكمة لصالح المحكوم عليه" وحيث يُخشى أنّه قد "حصل إخفاق قضائيّ" حيث الأدلّة الموجودة في الملف لا تكفي لإسناد وإثبات إدانة. رغم هذا الاكتشاف المُحرج ارتأت النيابة أن لا تتراجع عن لائحة الاتّهام وعوضاً عن ذلك قدّمت للمحكمة ردّاً مطوّلاً ومفصّلاً تصرّ فيه على أنّ طلب إعادة المحاكمة باطل ويجب رفضه قطعاً لأسباب إجرائيّة أساساً، إذ ترى النيابة أنّه كان ينبغي تقديم استئناف لا طلب إعادة محاكمة وأنّه قد حدث "تباطُؤ" في تقديم الطلب.

ورغم اعتقاد النيابة أنّ هذه الأسباب الإجرائيّة كافية لرفض طلب إعادة المحاكمة إلّا أنّها تطرّقت إلى صُلب الموضوع أيضاً. ومن هذه الناحية ترى النيابة أنّه كان يكفي لإدانة معتزّ حمد اعترافُه بارتكاب المخالفة المنسوبة إليه في لائحة الاتّهام. أمّا حقيقة أنّه كان يمضي عقوبة سجن في التاريخ المشار إليه في قرار الحُكم على أنّه وقت ارتكاب المخالفة فليس لها - في هذه المرحلة -أيّ معنى. ترى النيابة أنّ "الإدانة نتاج اعترافه أمام المحكمة بما يُنسَب إليه. هذا الاعتراف قام به المتقدّم [بطلب إعادة المحاكمة] بإرادته الحرّة حين كان ممثّلاً في الإجراء [القضائيّ]". وتتابع النيابة في ردّها: نعم قد تكون هناك حالات - استثنائيّة جدّاً - يتراجع فيها شخص عن اعترافه لكنّ هذه الحالة ليست واحدة منها إذ "لم يعرض [مقدّم الطلب] أيّ دليل على خلل شاب اعترافه" كأن يثبت أنّه انتُزع منه رغم إرادته أو أنّه أدلى به في ظرف مخالف للقانون أو أنّ تمثيله شابه خلل". وتؤكّد النيابة: على أيّ حال اتّضاح وجود معتزّ حمد في السّجن في أيّار 2018 لا يعني تبرئته فليس ثمّة أدلّة جديدة (لأنّ مكوثه في السّجن في أيّار 2018 كان معلوماً له طوال الوقت) والأهمّ من ذلك أنّ هذا ليس دليلاً ذا "كتلة حَرجة" وبالتالي فليس ثمّة "أدلّة أو حقائق من شأنها أن ترجّح كفّة الميزان" كأن تكون ذات "وزن نوعيّ من شأنه أن يغيّر نتائج المحاكمة لصالح المحكوم عليه" - وهي الشروط المحدّدة قضائيّاً (في قرارات المحاكم) لقبول طلب إعادة محاكمة.

سبب استخفاف النيابة الرئيسي بهذه الحقيقة هو أنّها أساساً لا تصرّ على أنّ معتزّ حمد قد ارتكب المخالفة المنسوبة إليه في الموعد المشار إليه في لائحة الاتّهام والذي يؤكّد عليه قرار الحُكم. تقول النيابة في ردّها: "رغم أنّ شهر أيّار 2018 هو الوقت المحتمَل لكنّه ليس الوقت الوحيد" ومن الواضح أنّه "لا يمكن قبول نظريّة تقول إنّ وقت ارتكاب المخالفة كان ممكناً تحديدًا خلال شهر أيّار 2018 وفقط خلاله". وتدّعي النيابة: "هناك أوقات كثيرة خلال هذه السّنة لم يكن خلالها في السّجن بحيث أمكنه أن يرتكب أثناءها المخالفة".

يكاد المرء يحسب النيابة في ردّها تتذمّر من أنّ معتزّ حمد لم يذكر معلومات دقيقة عن وقت ارتكابه المخالفة التي نُسبت إليه، إذ نراها تشير إلى خضوعه مرّتين للتحقيق ورغم ذلك "لم يُدلِ في التحقيقين برواية يمكن أن يُستخلص منها متى بالضّبط ارتكب المخالفة" وإنّما أدلى "بإطار زمنيّ على وجه التقدير فقط"؛ كما تشير النيابة إلى أنّه قال في التحقيق الأوّل إنّ الحادثة كانت "قبل سنة، لا أذكر في أيّ تاريخ"، وقال في التحقيق الثاني إنّها وقعت أثناء عمليّة اعتقال شخص من سكّان المخيّم بينما أظهر الفحص أنّ هذا الشخص اعتُقل قبل نحو سنة ونصف السّنة من اعتقال معتزّ حمد. وعليه تؤكّد النيابة أنّ هذه المعلومات المتناقضة تدلّ بالضّبط على "أنّ لدى مقدّم الطلب إرباك يخصّ فقط وقت حدوث الشغب لا حدوثه وقذف الزجاجة الحارقة".

عقدت محكمة الاستئناف العسكريّة جلسة في 15.10.20 بحضور رئيس المحكمة القاضي العقيد نتانئيل بنيشو توصّل الطرفان خلالها إلى تفاهُم يتمّ بموجبه الإفراج عن معتزّ حمد - ولكن دون تبرئته، وكلّ هذا في إطار مسرحيّة يتّفق الطرفان فيها أنّه قد تمّ تقديم طلب لتمديد مُهلة الاستئناف وأن تتمّ الموافقة على الطلب وأن تقبل المحكمة في جلسة النظر في الاستئناف تخفيف العقوبة بحيث تنتهي مدّة سجن معتزّ حمد بالضّبط في يوم الجلسة. وقد أكّد ممثّل النيابة أنّ "اتّفاقنا لا ينجم عن قبول حجج الدّفاع بخصوص إعادة المحاكمة وإنّما عن عدّة إخفاقات حدثت خلال إجراءات التحقيق والمحاكمة".

تبعاً لهذا التّفاهُم قرّر القاضي العقيد بنشو ما يلي:

بعد أن استمعتُ إلى الحجج التي قدّمها الطرفان وعلى ضوء انطباع لديّ بأنّ التّفاهُم والموافقة عليه يخدمان على النحو الأمثل تحقيق العدالة ومصلحة مقدّم الاستئناف، وبالنظر إلى الإخفاقات التي حدثت خلال التحقيق والمحاكمة فإنّني أوافق على طلب تمديد مُهلة الاستئناف. وكذلك أقبل تفاهُم الطرفين بخصوص الاستئناف أي بدلاً من مجمل مدّة السّجن التي حُكم بها على المستأنف أن يمضي في السّجن مدّة تساوي الفترة التي أمضاها منذ يوم اعتقاله، أي سنة وخمسة أشهر وأحد عشرة يوماً… إضافة إلى ذلك على المستأنف أن يدفع غرامة قدرها 1,000 شيكل.

إنّه الرّوتين المعتاد

قضيّة معتزّ حمد فريدة من نوعها فقط لناحية أنّه يتبدّى من خلالها على نحوٍ صارخ الأداء الرّوتينيّ لجهاز المحاكم العسكريّة: ضحالة الموادّ التي تستند إليها النيابة والدّور شبه الهامشيّ الذي يقوم به القضاة والأهمّ: تنحية الحقيقة جانباً خلال سير إجراءات المحاكمة واستغناء النيابة والقضاة عن أيّة أدلّة لدى إدانة المتّهم.

في قضيّة معتزّ حمد لم يكن للنيابة أيّة معلومة مستقلّة عن ارتكاب مخالفة أصلاً. كلّ ما كان لديها بضعة جُمل متفرّقة - ومتناقضة - أدلى بها خلال جلستي تحقيق منفصلتين. لم تبذل النيابة أيّ جهد للحصول على معلومات إضافيّة - من قَبيل توثيق للحادثة على يد قوّات الأمن أو حتى تقاطُع أوقات سجنه مع أوقات ترى من المحتمل أن تكون المخالفة ارتُكبت خلالها. تحدث الأمور على هذا النحو لأنّ النيابة لا ترى أنّ هناك حاجة للحصول على أدلّة تثبت تورّط المتّهم بارتكاب المخالفة فهذا في نظرها مُثبت بدليل اعترافه. بعد الاعتراف تصبح المسألة مجرّد إجراءات: تقديم لائحة اتّهام وتقديم طلب اعتقال إلى حين انتهاء الإجراءات وصياغة تفاصيل صفقة الادّعاء.

أيضاً في المحاكم داخل إسرائيل يقيم القضاة وزناً كبيراً للاعتراف بالتهمة ومن بين أسباب ذلك الفرضيّة القائلة بأنّ الإنسان لا يحمّل نفسه وزر جناية لم يرتكبها. غير أنّ هذه الفرضيّة نالت انتقادات ثاقبة في قرارات المحاكم وفي الأدبيّات القانونيّة. على سبيل المثال في كانون الأوّل 1994 نُشرت توصيات لجنة جولدبرغ بخصوص إدانة شخص فقط على أساس اعترافه؛ ومن بين ما قرّرته اللّجنة أنّ "اعتبار اعتراف المتّهم في التحقيق معه ‘سيّد الأدلّة’ ينبغي قبوله بتحفّظ معيّن، والفرضيّة القائلة أنّه لا أحد يجرّم نفسه بمعنى أنّه لا أحد يحمّل نفسه وزر ذنب لم يرتكبه، لا يمكن قبولها كفرضيّة قانونيّة". بالنظر إلى ذلك تقرّر، قولاً على الأقلّ، أنّ وزن الاعتراف كوزن أيّ دليل آخر - أيضاً حين يُدلى به ضمن ملابسات قانونيّة - ولا يمكن إدانة متّهم على أساسه إلّا بوجود "شيء ما إضافيّ".

الاستناد إلى اعتراف معتزّ حمد في الحالة التي أمامنا يذهب حتى أبعد من المعتاد نظراً إلى أنّه قد عُرضت أمام النيابة حقائق تثبت أنّه ما كان يمكنه ارتكاب المخالفة في الوقت المشار إليه في لائحة الاتّهام وفي قرار الحُكم. لكنّها لم تسمح للحقائق أن تُربكها وواصلت التذرّع باعتراف معتزّ حمد، وفي خضمّ ذلك لم تتورّع حتى عن الادّعاء أنّ القاضية أخطأت في التاريخ الذي أشارت إليه في قرار الحُكم - ولم تكلّف النيابة نفسها عناء الاعتراض على ذلك. بل لقد ذهبت النيابة إلى حدّ الاعتراف - الخافت - بأنّه ربّما كان عليها أن تصيغ لائحة الاتّهام بشكل آخر وربّما حتى أن تقوم بإجراء تحقيقات إضافيّة؛ وأكّدت أنّ عدم قيامها بهذه الأمور لا يعني الإضعاف من اعتراف معتزّ حمد. بل إنّ النيابة لكي تبرّر الصّيغة التي رست عليها في لائحة الاتّهام تمادت إلى درجة الادّعاء أنّ دلالات كلمة "يقارب" واسعة بحيث يمكن القول إنّها تشمل شهوراً قبل أو بعد موعد معيّن وهذا يعني عمليّاً نطاقاً زمنيّاً غير محدّد يُفرغ الكلمة من أيّ معنى أو مضمون.

السّؤال متى ارتكب معتزّ حمد المخالفة وهل ارتكبها أصلاً - رغم أنّ الإجابة عليه من أهمّ ركائز الاتّهام - لا يُزعج بال النيابة فهي تعتبره تفصيلاً هامشيّاً. من ناحية النيابة اعتراف معتزّ حمد مهما كان باطلاً هو الدليل الوحيد المطلوب لأجل إثبات التّهمة - وهي عمليّاً لا ترى كيف يمكن أصلاً التصدّي له بل ولا يرمش لها جفن حتى أمام دليل قاطع على استحالة قيامه بما تزعمه لائحة الاتّهام.

أحداث هذه القضيّة لا تعني أنّنا أمام حالة شاذّة أو فريدة من نوعها بل على العكس: إنّها تؤكّد ما يحدث في آلاف الملفّات الأخرى كلّ سنة. هذه القضيّة تُظهر كيف يمكن الحُكم على شخص بالسّجن حتى في غياب أيّ دليل يُثبت تُهمته: في معظم الحالات يقرّر القضاة تبعاً لطلب النيابة تمديد الاعتقال حتى انتهاء الإجراءات وتقريباً دون النظر في الأدلّة المتوفّرة. في أعقاب ذلك يضطرّ المتّهمون الفلسطينيّون إلى إدارة إجراءات محاكمتهم من وراء القضبان ممّا يدفع بمعظمهم إلى التوقيع على صفقة مع النيابة. من هنا يندر أن تجري في جهاز القضاء العسكريّ جلسات تقديم إثباتات. ثمّ إنّ المتّهمين يعلمون تمام العلم أنّهم إذا اختاروا أن يُحاكَموا ضمن جلسات إثبات (أدلّة) - حتى لو تمّت في نهايتها تبرئتهم، وهو أمر نادراً ما يحدث في هذا الجهاز، فسوف يقبعون وراء القضبان طوال فترة إجراءات المحاكمة وربّما تفوق هذه الفترة المدّة التي قد يتّفق عليها الدّفاع مع النيابة في إطار صفقة ادّعاء.

ما هو احتمال أن يحظى معتزّ حمد بمحاكمة عادلة في جهاز كهذا؟ قد يبدو للناظر من بعيد أنّ المُحاكمات فيه تجري كما في أيّة محكمة أخرى لكنّ المحاكم العسكريّة في الواقع من أشدّ أذرع الاحتلال ضراوة وتلعب دوراً كبيراً في تمكينه من السيطرة على الفلسطينيّين. إدانة معتزّ حمد زوراً وبُهتاناً وأداء النيابة العسكريّة والقضاة في جهاز المحاكم العسكريّة - كلّها تكشف إلى أيّ حدّ تفقد الحقائق معناها في هذا الجهاز وكم التعسّف الذي قد يتضمّنه قرار سجن أيّ فلسطينيّ على يد سلطات الاحتلال: الاتّهام والإدانة والسّجن أمور لا علاقة لها بتاتاً بالسّؤال هل ارتكب هذا الفلسطينيّ مخالفة/جناية وهل ثبتت أمام المحكمة أنّه ارتكبها. هي أمور تتعلّق فقط بالسّؤال هل قرّرت إسرائيل أن تسجن هذا الفلسطينيّ.

مواد مقترحة

חיילים במהלך פשיטה על מחנה הפליטים אל-ערוב במחוז חברון. צילום: אן פק, אקטיבסטילס, 24.5.13

روتين العُنف

روتين الاحتلال: جنود يهاجمون فتى في السادسة عشرة من عمره في مخيم العروب للاجئين ويكسرون فكه ويعتقلونه لمدة 26 يوما

قرابة الثامنة من صباح الأحد الموافق 29.11.20 اقتحم جيبان عسكريان مخيم العروب للاجئين. رشق فتيان وشبان الجنود بالحجارة الذين ألقوا نحوهم قنابل الصوت والغاز. كانت مستوطنتان قد أصيبتا قبلئذ إصابات طفيفة جراء رشق حجارة عندما كانتا تسافران في سيارة في شارع قريب من المخيم. كان أحد الجيبين يلاحق الشبان فأصاب محمد مقبل (16 عاما) فوقع ثم نهض واستمر في الركض حتى أمسكه الجنود فضربه أحدهم على فكه فوقع ثانية. ركله جندي آخر على جميع أنحاء جسده عندما كان ملقى على الأرض فقيد الجنود يديه ووضعوه في الجيب وقد استمر أحد الجنود في ضربه في الطريق. أُخذ محمد مقبل وفتيان آخرون ممن اعتقلوا في المخيم في اليوم نفسه إلى مركز شرطة "عتسيون" وقد انتظروا هناك ساعات طويلة وكانوا يحققون معهم على نحو متقطع. تم التحقيق مع مقبل في إطار انتهاك حقوقه الأساسية وفي نهايته جعلوه يوقع على وثيقة باللغة العبرية وهي لغة لا يفهمها. في نهاية التحقيق نقل الجنود الفتية إلى المطبخ وقال لهم أحدهم إن بإمكانهم المبيت على الأرض ولم يعطوا طعاما وشرابا طيلة هذه الساعات. في الثالثة فجرا أخذ الجنود محمد مقبل إلى مستشفى "هداسا عين كارم" في القدس وهناك قيدوه بالسرير ووقف جنود في باب الغرفة ومنعوا والده في البداية من الدخول إليها. بعد يومين أجريت له عملية جراحية في الفك وفي مساء اليوم التالي الموافق 4.12.20 نُقل إلى سجن "مجيدو". قدم الادعاء العسكري ضده لائحة اتهام في 6.12.20 تحوي بندين إذ تطرق الأول إلى إلقاء زجاجة حارقة في آذار 2020 والثاني لإلقاء حجارة في يوم اعتقاله. طالب الادعاء اعتقال مقبل حتى انتهاء الإجراءات ولكن القاضي رفض ذلك. رُفض كذلك استئناف الادعاء وأُطلق سراحه في 25.12.20 بعد إيداعه كفالة قدرها 3,000 شيكل. في 8.3.21 أدين محمد مقبل في إطار صفقة ادعاء وحُكم عليه بالسجن مدة 26 يوما وذلك بعدما شُطب البند الأول من لائحة الاتهام وهي المدة التي قضاها في السجن كما حُوّل مبلغ الكفالة إلى غرامة. ليست حالة محمد مقبل استثنائية وهي تعكس روتين الحياة العنيف الذي يفرضه الاحتلال على الفتية في الضفة الغربية. تعتقل إسرائيل سنويا مئات القاصرين الفلسطينيين وتنتهك حقوقهم بشكل ممنهج ومنظم بدءا باعتقالهم مرورا بالتحقيق معهم وفي النهاية الإجراءات القضائية في المحاكم العسكرية للشبيبة. صحيح بأن إسرائيل تتفاخر بالقوانين والإجراءات التي أُعدت نظريا للحفاظ على حقوق القاصرين إلّا أن هذا أمر شكلي هدفه الحقيقي إضفاء الشرعية على الأضرار الجسيمة التي تلحقها بالقاصرين. تحدّث محمد مقبل عن اعتقاله والفترة التي قضاها في السجن وقوامها 26 يوما في إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش: كنت أركض بسرعة فصدم أحد الجيبات العسكرية كتفي ثم وقعت ونهضت وأكملت الركض. دخلت إلى منزل كان بابه مفتوحا وكانت ثلاثة جنود يلاحقونني فأمسكني أحدهم وضربني على فكي من اليسار. تألمت كثيرا إلى درجة أنني سقطت أرضا. هاجمني جندي آخر وشرع يركلني في كافة أنحاء جسدي. كان فمي ينزف. نهضت فأخذوني إلى الشارع وقيدوا يديّ من الخلف وأجلسوني أمام دكان مغلق. بعد عدة دقائق وضعوني في الجيب وعصبوا عينيّ. جلست على أرضية الجيب الذي كان فيه أربعة جنود وضربني أحدهم وركلني وبصق عليّ عدة مرات. سار الجيب قرابة 500 مترا وتوقف في مدخل المخيم بالقرب من البوابة فأنزلني الجنود هناك بجوار البوابة الكهربائية ورأيت من تحت عصبة العينين أربعة معتقلين آخرين ممكن اعتقلهم الجنود سابقا كانوا يقفون في المدخل. دنا مني شخص بلباس عسكري وقال لي إنه الكابتن "كرم". كنت قد سمعت عنه وأعلم أنه ضابط الشاباك المسؤول عن مخيمنا. ضربني على وجهي بمؤخرة بندقيته. لقد أزال عصبة عيني وصورني وكذلك بقية المعتقلين ثم بعد خمس دقائق تقريبا أخذونا جميعا في مركبة عسكرية كبيرة إلى مستوطنة "كرمي تسور". تركونا هناك في الساحة نحو عشرين دقيقة. كان فكي ينزف ويؤلمني بشدة. عندها وضعونا في مركبة عسكرية أخرى ونقلونا إلى مركز شرطة "عتسيون". وصلنا إلى هناك في ساعات الظهر وأنزلنا الجنود إلى الساحة ثم في ساعات ما بعد الظهر بدأوا بالتحقيق معنا واحدا تلو الآخر وقد كنت أنا الثالث. قبل التحقيق كلمني محام وقال إن لي الحق بالتزام الصمت وقال لي لا تخف. حقق معي محقق يدعى يوسف وقد اتهمني بإلقاء زجاجة حارقة على حافة إسرائيلية قبل عدة شهور وكذلك برشق مركبات عسكرية بالحجارة. أنكرت التهمتين وبعد 10 دقائق أخرجني المحقق إلى الساحة فتركوني هناك حتى المساء. أعادوني بعدئذ إلى غرفة التحقيق وحقق معي محقق واحد. لقد صرخ بي وقال إنني أكذب وصار يسألني "هل الجنود وأهالي المخيم الذين رأوك تفعل هذا يكذبون وأنت وحدك الصادق؟". استمريت بالإنكار وسجل المحقق ما قلته وأمرني بالتوقيع على إفادتي وقد قال إنني أوقع على ما قلتُه فوقعت وأخذوا بصماتي وصوروني. قرابة الساعة 21:00 وبعد أن انتهوا من التحقيق مع المعتقلين الأربعة الآخرين أخذنا الجنود إلى مكان مقابل الساحة يبدو كمطبخ فقال أحدهم إن بإمكاننا المبيت على الأرض. جاء في ذلك الوقت طبيب عسكري وأجرى لنا فحص الكورونا وسألنا إن كنا نعاني من أمراض. جلسنا على أرضية المطبخ قرابة ست ساعات ولم يوفروا لنا الأكل والشراب كما لم نتمكن من النوم. كان فكي يؤلمني بشدة. كنا مقيدين ومعصوبي الأعين طيلة هذا الوقت وكان الوقت يمر ببطء شديد. نحو الثالثة فجرا أخرجني الجنود من المطبخ حيث كانوا قد أخرجوا الآخرين قبلئذ. أخذوني بسيارة صغيرة يرافقني أربعة جنود وجلست في المقعد الخلفي بين اثنين منهم وسافرت السيارة إلى مستشفى "هداسا عين كارم" وقد عرفت ذلك من اللافتة في المدخل. وصلت إلى هناك قرابة الرابعة وأجروا لي هناك فحص الكورونا ثانية ثم أعطوني مسكنات للآلام. رافقني جنديان وكان أحدهما من هاجمني عند الاعتقال. أدخلوني إلى غرفة وقيد أحد الجنديين يدي اليسرى بالسرير. لم أستطع النوم من شدة الألم. في المساء أخذوني لإجراء صور أشعة ثم أعادوني إلى الغرفة التي كان فيها مريض من القدس فقال لي إنه سمع الأطباء يقولون بأنهم سيجرون لي عملية جراحية. جاء والدي بعد الغروب وحاول الدخول إلى الغرفة. لقد نادى عليّ وسألني عن حالي فطرده الجنديان. حاول والدي مرات عدة أن يصل إلى باب الغرفة ليطمئن علي ويقول لي ألّا أقلق. بعد ظهر اليوم التالي الموافق الثلاثاء نقلوني إلى غرفة أخرى وبدلوا الجنديين. سمح الجنود الجدد لوالدي بالدخول إلى الغرفة لبضع دقائق والتحدث إليّ حيث أخبرني بأنه وقع على تصريح بإجراء عملية جراحية لي وقال إنها ستجرى يوم الأربعاء. أخذوني يوم الأربعاء إلى غرفة العمليات وقد بدأت العملية قرابة الساعة 12:00 واستمرت نحو 4 ساعات أعادوني بعدها إلى الغرفة. علمت بأن الأطباء قد ثبتوا فكي من الجهة اليسرى مما منعني من مضغ الطعام وتحريك فكي. قرابة الثامنة مساء يوم الخميس أخذوني بمركبة لنقل المعتقلين إلى سجن "مجيدو" وقد كانت يداي ورجلاي مقيدة. في السجن أدخلوني إلى غرفة مكثت فيها لوحدي أربعة أيام ثم نقلوني إلى غرفة أخرى فيها خمسة معتقلين قاصرين. بقيت في سجن "مجيدو" 18 يوما. كنت أحصل على الحساء ومسكنات الآلام وقد حضرت في هذه المدة ثلاث جلسات للمحكمة عبر الفيديو وقد كان المحامي يمثلني. نقلوني لاحقا إلى سجن "عوفر" وهناك أجريت الجلسة الأخيرة في 24.12.20 والتي حضرتها عبر الفيديو أيضا. استمرت الجلسة مدة فاقت نصف الساعة وسألني القاضي عما أنوي فعله عندما أعود إلى المنزل فأجبته بأنني أود العودة إلى المدرسة. لم أفهم كثيرا مما قاله المترجم بسبب مشاكل تقنية في الإرسال ولم أفهم ماذا قرر القاضي. أعادوني إلى غرفة في "عوفر" وبقيت هناك في الليل. في صباح يوم الجمعة أخبروني بأنهم سيطلقون سراحي وعندما فعلوا علمت بأنني خرجت مقابل كفالة قدرها 3,000 شيكل. في نفس اليوم الموافق 25.12.20 قبيل الظهر أخذني جيب عسكري إلى حاجز الجيب وكان والدي ينتظرني هناك بسيارة صديقه وذهبنا إلى المنزل. لا أستطيع حتى الآن الأكل بشكل اعتيادي وأتناول السوائل فقط وقال لي طبيب في مستشفى في الخليل إنني أحتاج أسبوعين على الأقل لنزع المثبت المعدني من فكّي. منير مقبل والد محمد (47 عاما) وهو والد لستة أبناء أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش في 6.12.20 عندما كان محمد ما يزال معتقلا: في ساعات الظهر من اليوم التالي للاعتقال اتصلوا بي من مستشفى "هداسا" وطلبوا مني الذهاب إلى هناك للتوقيع على تصريح لإجراء عملية جراحية لابني محمد. لقد أرسلوا لي دعوة أرسلتها إلى مكتب التنسيق والإرتباط وفي الخامسة تلقيت تصريح دخول. ذهبت رأسا إلى مستشفى "هداسا" وصعدت إلى الطابق السابع ورأيت محمد في إحدى الغرف وحاولت الدخول إليه لكن الجنديين الذين كانا في الغرفة منعاني. وقفت في مدخل الغرفة وسألت محمد عن حاله فقال إنه بخير. حاولت مرارا دخول الغرفة لكن الجنديين لم يسمحا لي بذلك. تمكنت من تصوير محمد والذي كان مقيدا بالسرير. بقيت طيلة الليلة في الرِواق وحاولت أن أغفو على أحد الكراسي هناك لكني لم أستطع. في يوم الثلاثاء نقلوه إلى غرفة أخرى وقد استبدل الجنديين الذين كانا هناك جنديان آخران. سمح لي أحد الجنديين الجديدين بالدخول إلى الغرفة والتحدث معه لبضع دقائق كما تمكنت كذلك من تصويره. كانت يده اليسرى مقيدة بالسرير وقد علمت من أحد المرضى في الغرفة بأن العملية الجراحية ستُجرى في يوم الأربعاء. قرابة الساعة 12:00 من يوم الأربعاء أخذوه إلى غرفة العمليات وقد استمرت العملية 4 ساعات أعادوه بعدها إلى الغرفة وتمكنت من التحدث معه لمدة ربع الساعة تقريبا. شرح لي الأطباء بأنهم وضعوا له مثبتا معدنيا على الفك ولذلك سيكون من الصعب عليه تناول الطعام لمدة طويلة. توقعت أن يظل محمد في المستشفى لاستكمال العلاج لكنني تفاجأت في اليوم التالي أي يوم الخميس في ساعات المساء أن الجنود نقلوه إلى سجن "مجيدو". عدت إلى البيت وقد بقت على اطلاع بالمجريات بواسطة محامي الهيئة الدولية للدفاع عن الطفل. أنا وأمه قلقان جدا لأنهم أعادوه إلى السجن بعد العملية الجراحية مباشرة.

21 آذار/مارس 2021

עהד תמימי בבית המשפט. צילום: אורן זיו, אקטיבסטילס, 17.1.18

المحاكم العسكريّة

صفقة الادّعاء التي اضطرّت عهد التميمي للتوقيع عليها تجسّد دور المحكمة العسكرية للشبيبة: حماية الاحتلال لا حماية القاصرين الفلسطينيين

نسبة الإدانة في المحاكم العسكرية تقارب الـ100% - ليس بسبب نجاعة عمل النيابة العسكرية بل لأنّ المتّهمين الفلسطينيين لا خيار أمامهم سوى التوقيع اضطراريًا على صفقة ادّعاء يعترفون ضمنَها بالتهم المنسوبة إليهم. يُظهر تقرير جديد أصدرته منظمة بتسيلم أمس أنّ الخطوات التي سوّقتها إسرائيل خلال العقد الفائت كتحسينات أُدخلت على طرق التعامل مع القاصرين الفلسطينيين الماثلين أمام المحاكم العسكرية عملت كآلية في جهاز العلاقات العامّة الذي تديره إسرائيل وليس كآليّة لتحصين حقوق القاصرين: وظيفة المحكمة العسكرية للشبيبة تتلخّص في المصادقة على صفقات ادّعاء كالتي جرى التوقيع عليها اليوم. صادقت المحكمة العسكرية في "عوفر" بعد ظهر اليوم على صفقتي ادّعاء في قضيّتي عهد تميمي وناريمان تميمي تضمّنت حُكمًا بالسجن مدّة ثمانية أشهر وغرامة ماليّة. التقرير الجديد الذي أصدرته أمس منظمة بتسيلم بعنوان شبيبة في خطر: وجود المحاكم العسكرية يضفي الشرعيّة على ممارسات تمسّ بحقوق القاصرين يحلّل التغييرات التي أعلنتها إسرائيل في العقد الأخير بخصوص التعامل مع القاصرين الفلسطينيين في المحاكم العسكرية. يكشف التقرير أنّ هذه التجديدات التي تستخدمها إسرائيل كوسيلة فعّالة للدّعاية لم تحصّن بأيّ شكل حقوق الإنسان السّارية على هؤلاء القاصرين. يجدر التنويه أنّ وظيفة المحكمة العسكرية للشبيبة والتي أنشئت في العام 2009 - وتعتبرها إسرائيل أبرز الخطوات الرّامية إلى الحفاظ على حقوق القاصرين في الجهاز القضائي العسكري - تتلخّص في المصادقة على صفقات ادّعاء توصّل إليها الأطراف خارج جدران المحكمة. جميع القاصرين تقريبًا لا يجدون خيارًا سوى التوقيع مُجبَرين على مثل هذه الصفقات ومن أسباب ذلك سياسة الاعتقالات في المحاكم العسكرية: معظم القاصرين يظلّون رهن الحبس من لحظة الاعتقال مرورًا بتمديده إلى حين انتهاء الإجراءات وصولاً إلى الإفراج عنهم بعد انقضاء محكوميّتهم. في هذه الحالة يضطرّ المتّهمون إلى خوض المحاكمة وهم داخل السجن بكلّ الصعوبات التي ينطوي عليها ذلك. إضافة لذلك فإنّه في غياب الحلول البديلة يعلم المتّهمون أنّهم إذا أدينوا فسوف يكون عقابهم السجن وإذا تمّت تبرئتهم في نهاية المطاف (واحتمال ذلك معدوم) فإنّ الفترة التي قضوها رهن الاعتقال حتّى تبرئتهم قد تكون مماثلة لفترة السجن بمقتضى صفقة الادّعاء وربّما أطول. حالة عهد تميمي استثنائية من حيث الاهتمام الإعلاميّ الذي حظيت به لكنّ حيثيّاتها عاديّة وروتينيّة تمامًا إذ إنّها تتكرّر مئات المرّات كلّ سنة. تفيد معطيات حوّلتها سلطة السجون إلى بتسيلم أنّها في يوم 28.2.2018 كانت تتحفّظ على 257 قاصرًا فلسطينيًّا بينهم 95 يقضون حُكمًا بالسجن وفق قرار محكمة، و-257 يواجهون لائحة اتّهام أو أنّها لم تقدّم بعد و-4 يقبعون رهن الاعتقال الإداريّ. تزعم إسرائيل الحرص على حقوق القاصرين الذين تعتقلهم وتحاكمهم لكنّ عكس ذلك هو الصحيح: حقوق هؤلاء القاصرين تُنتهك منذ لحظة اعتقالهم بشكل منهجيّ وبتواطُؤ جهات عديدة تعمل في منظومة متكاملة.

21 آذار/مارس 2018

المحاكم العسكريّة

تقرير جديد صدر عن بتسيلم: شبيبة في خطر - وجود المحاكم العسكرية يضفي الشرعيّة على ممارسات تمسّ بحقوق القاصرين الفلسطينيين

تنشر بتسيلم اليوم تقريرًا جديدًا بعنوان شبيبة في خطر - وجود المحاكم العسكرية يضفي الشرعيّة على ممارسات تمسّ بحقوق القاصرين الفلسطينيين يحلّل التغييرات التي أدخلتها إسرائيل في العقد الأخير على تعليمات التعامل مع القاصرين الفلسطينيين في المحاكم العسكرية. روّجت إسرائيل لهذه التغييرات كوسيلة للدّعاية لكنّ التقرير يكشف أنّ هذه التجديدات لم تغيّر شيئًا في تحصين حقوق الإنسان لهؤلاء القاصرين إذ لا تزال إسرائيل تواصل تجاهل مبادئ أساسيّة ينبغي أن تسترشد بها أجهزة القضاء الخاصّة بالشبيبة في العالم وفي إسرائيل، وخاصّة مبدأ "مصلحة الطفل" وهو المبدأ الذي يقتضي أن يكون اعتقال القاصرين الوسيلة الأخيرة التي تلجأ إليها السلطات. التغييرات التي أدخلتها إسرائيل لم تتناول إطلاقًا المراحل الأوّلية للإجراء القضائي - وتشمل الاعتقال والتحقيق - علمًا أنّها هي ما يحدّد مصير القاصرين. في هذه المراحل يجري عزل القاصرين عن محيطهم بدون الأهل وبدون محامٍ يرافقهم في حين يحيط بهم بالغون يمثلون دولة الاحتلال. هكذا يجري التحقيق معهم ويبدأ في أحيان كثيرة بعد اعتقالهم بساعات طويلة وقد تملّكهم التّعب والجوع. بعد التحقيق - الذي تعرّضوا خلاله للتهديد والصراخ وحتّى للعنف الجسديّ - تُنتزع من فمهم اعترافات تجرّمهم أو تجرّم غيرهم. في العام 2009 أنشأت إسرائيل المحاكم العسكرية للشبيبة معتبرة ذلك أبرز الخطوات الرّامية إلى الحفاظ على حقوق القاصرين في جهاز القضاء العسكري. غير أنّ إنشاء هذه المحكمة لم يحصّن فعليًّا حقوق القاصرين الماثلين للمحاكمة. أوّلاً لا تناقش المحاكم العسكرية تمديد اعتقال القاصرين ومثل هذا الإجراء تتمّ مناقشته فقط في المحاكم العاديّة. ثانيًا يقتصر دور المحاكم العسكرية للشبيبة على المصادقة على صفقات الادّعاء التي تُعرض عليها بعد عقدها بين الطرفين خارج جدران المحكمة، وهذا يعفي النيابة من تقديم بيّنات تثبت ما تدّعيه في لائحة الاتّهام. كثير من المتّهمين يوقّعون على مثل هذه الصفقات لأنّ سياسة الاعتقالات المتّبعة في المحاكم العسكرية لا تُبقي لهم خيارًا آخر فمعظم القاصرين يقبعون رهن الحبس من لحظة اعتقالهم إلى حين الإفراج عنهم بعد انقضاء مدّة محكوميّتهم. إجراء جلسة إثبات وهم في داخل السجن ينطوي على صعوبات كثيرة، والمعتقلون يعلمون أنّه في حال إدانتهم سوف يُحكم عليهم بالسجن في جميع الأحوال نظرًا لغياب البدائل. وحتّى إذا انتهى الإجراء القضائيّ بتبرئتهم -واحتمال ذلك صِفر- فسوف تكون المدّة التي قضوها رهن الاعتقال مساوية لمدّة السجن المقترحة في صفقة الادّعاء وربّما أطول حتّى. تزعم الدولة أيضًا أنّها قصّرت فترات اعتقال القاصرين لأجل تعزيز الرقابة القضائيّة على مُجريات اعتقالهم لكنّ هذا التقصير نجم عنه زيادة وتيرة جلب القاصرين إلى المحكمة لمناقشة طلب النيابة بتمديد اعتقالهم والتي يوافق عليها القضاة في كلّ الحالات تقريبًا. لا معنى للرّقابة القضائية في جهاز لا يُجري رقابة قضائيّة جوهريّة على كلّ قرار اعتقال ولا ينظر إلى اعتقال القاصرين كوسيلة استثنائية ينبغي اللّجوء إليها فقط في غياب أيّ بديل آخر. على عكس ذلك تنظر المحاكم العسكرية إلى اعتقال القاصرين على أنّه جزء روتينيّ من عملها وفترات التحفّظ على المتّهمين القاصرين التي يقرّرها القضاة تؤدّي إلى إبقائهم رهن الاعتقال لمدّة طويلة. مئات القاصرين الفلسطينيين معرّضون على نحوٍ روتينيّ لحُكم يصدره جهاز المحاكم العسكرية سنة وراء سنة. تفيد المعطيات التي حوّلتها مصلحة السجون إلى بتسيلم أنّ 356 قاصرًا فلسطينيًّا كانوا رهن الحبس لدى مصلحة السجون في 28.2.2018 - منهم 95 يقضون حُكمًا بالسجن وفقًا لقرار المحكمة و257 معتقلون قدّمت في حقّهم لوائح اتّهام أو لم تقدّم بعد و-4 رهن الاعتقال الإداري. هناك هدف سياسيّ من وراء خلق مظهر زائف يوحي بوجود جهاز قضائيّ منصف يبدو وكأنّه يهتمّ بحماية حقوق القاصرين الماثلين للمحاكمة: إضفاء الشرعية على نظام الاحتلال وإسكات النقد الموجّه ضدّه. والحال أنّه أيضًا في جهاز القضاء العسكري للشبيبة تُكتب التعليمات والأوامر العسكرية على يد إسرائيليين فقط ودائمًا في تجاوز وتجاهل للفلسطينيين ومن يطبّقونها هم أيضًا جنود وقضاة ومدّعون بزيّ عسكريّ يمثّلون مصالح دولة الاحتلال. إنّه جهاز لا يكون فيه الفلسطينيّ إلّا مشتبهًا فيه أو متّهمًا أو مدانًا. المحاكم العسكرية - التي تقارب نسبة الإدانة فيها 100% ليست حياديّة ولا يمكنها أن تكون كذلك. على العكس تمامًا: إنّها إحدى الآليات المركزية في يد نظام الاحتلال يستخدمها لأجل اضطهاد السكّان الفلسطينيين وقمع أيّة بادرة لمقاومة السيطرة الإسرائيلية عليهم. من خلف ستار الزّيف يُدار منذ خمسين سنة نظام مسؤول عن المسّ العنيف بملايين الأشخاص كلّ يوم دون رقيب أو حسيب. لا قانون ولا أمر عسكري أو مرسوم أو قرار محكمة يمكنه تمويه ذلك.

20 آذار/مارس 2018