قطاع غزة

Army must allow evacuation of wounded and trapped civilians

In the last few hours, B'Tselem learned of civilians who are trapped in the following places in the Gaza Strip, all under the army's control:

  • Al-Siafa, northern Gaza Strip (near the ruins of the Dugit settlement). Members of the Abu-Halima family living there told B'Tselem that they left several dead bodies in the area. Additionally, they said two disabled residents unable to walk are alone in two houses in the neighborhood.
  • A-Zeitun, in the southeast section of Gaza City, there are at least two compounds in which civilians are trapped, and bodies of the dead have not been removed.

-a-Samuni family compound: yesterday, the Red Cross evacuated fifteen injured persons belonging to the family. An unknown number of bodies remain in the compound. B'Tselem took the telephone testimony of Meysa a-Samuni, 19, who described the chronology of events, in which many members of her family were killed. To read her testimony click here.

-al-Mughrabi family compound: according to a member of the family who was in telephone contact with B'Tselem, some eighty members of the family are trapped in the compound, without food and water. One member of the family has been killed, and his body remains in the compound.

  • B'Tselem also received reports of civilians trapped in ‘Abd Rabbo, east of Jabalya.

B'Tselem demands that the army immediately allow ambulances to evacuate the dead and wounded and to enable civilians to be freed from areas under its control.

مواد مقترحة

בילאל אל-משהראווי במיטתו. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 14.3.23

قطاع غزة

إسرائيل تمنع طفلًا (8 أعوام) من مغادرة قطاع غزة لتلقي العلاج

بلال المشهراوي (8 أعوام)، من سكّان حيّ الزيتون في غزّة، يعاني من مرض في مجاري التنفّس ومن التهاب رئويّ مزمن ويحتاج إلى علاج غير متوفّر في القطاع. جميع الطلبات التي قُدِّمتْ لحصول مرافقيه على تصريح دخول إلى شرقي القدس تم رفضها. قدمت مؤسسة حقوق الانسان "چيشاه-مسلك" التماسًا خلال شهر شباط للمحمة المركزية في بئر السبع، وطالبت بالسماح بخروج والدة بلال من القطاع كمرافقة له، وذلك بعد أن رفضت الجهات الإسرائيلية طلبها بادعاء "منع أمني". أيضًا طلب والد بلال رُفض من قبل إسرائيل بنفس الادعاءات. خلال جلسة الاستماع في المحكمة التي عُقدت في نفس الساعات التي كان فيها الطاقم الطبي في القدس بانتظار وصول بلال، أدعى ممثل الدولة أنه أهم للأم أن تخرج مع ابنها كمرافقة من اهتمامها بصحته، وأن جهاز الأمن الإسرائيلي لن يسمح بخروج الوالدين مع ابنهم وأن هنالك 20 شخصًا على الأقل من عائلته تستطيع الجهات الإسرائيلية الموافقة عليهم كمرافقين. في الإفادة التي أدلت بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 14.3.23، قالت والدته آية (28 عامًا وأمّ لأربعة): منذ ولادته، يعاني ابني بلال من التهابات مزمنة في الرئتين تسبّبت في توسُّع الشُّعَب الهوائيّة وتراكم البلغم وتقلُّص الرئة اليمنى. منذ ولادته ونحن نتوجّه للعلاج والمتابعة في مستشفيات في غزّة وهو يتلقّى هناك علاجًا استنشاقيًّا وحقنة لتهدئة الرئتين فقط، وأحيانًا يُبقونه في المستشفى بضعة أيّام. يتلقّى علاجًا كلّ شهر أو كلّ شهر ونصف الشهر. بسبب السعال الشديد ظهرت نقاط حمراء على وجه بلال ودم في العينين وبسبب شدّة الالتهابات حدث ثقب صغير في قلبه. في كانون الأوّل 2022، وصلنا إلى مستشفى الرنتيسي في غزّة وخضع هناك للعديد من الفحوصات وأخبرنا الطبيب بأنّ بلال يعاني من ضعف شديد في جهاز المناعة ومن مشاكل في الرئة وبأنّه لا يستطيع تشخيص حالته بدقّة بسبب نقص الأجهزة في غزّة. وقد أحالنا لتلقّي العلاج في مستشفى المقاصد في القدس. تلقّيتُ من الطبيب نفسه الاستمارة رقم 1 في ذلك الشهر [إحالة] وتعهُّدًا بالتغطية الماليّة من السلطة الفلسطينيّة وعُيِّن لنا دور في المستشفى يوم 8.1.23. قدّمنا ​​طلبًا للحصول على تصريح خروج منذ كانون الأوّل. في البداية سجّلنا زوجي محمّد (30 عامًا) كمرافق وبعد أن تلقّينا ردًّا بأنّ الطلب قيد الفحص، قدَّمنا الطلب ​​مرّة أخرى وقمنا بتسجيلي أنا كمرافقة. لكن، قبل يوم واحد من تاريخ التصريح تلقّيتُ رسالة نصّيّة إلى هاتفي مفادها أنّني قيد الفحص وأنني مرفوضة لأسباب أمنيّة ​​وأنّ بلال قيد الفحص هو أيضًا من قبَل السلطات الإسرائيليّة. توجّهتُ على الفور إلى مكتب التنسيق في غزّة وسجّلت والدتي سناء صبحي المشهراوي (52 عامًا) كمرافقة لبلال. بعد يومين، وصلتْ رسالة نصّيّة إلى هاتف والدتي مفادها أنّ طلبها مرفوض. في أثناء انتظارنا التصريح كان بلال يخضع للمتابعة وللعلاج في المستشفى وقد تلقّى علاجًا استنشاقيًّا ورذاذًا ومضادّات حيويّة وتقوية لجهاز المناعة. وكلّما كانت تتفاقم آلامه وترتفع درجة حرارته كنتُ آخذه على الفور إلى مستشفى الرنتيسي لتلقّي علاج استنشاقيّ وللمتابعة. في 15.2.23 قرابة الساعة 14:00، ذهبتُ إلى اجتماع مع "الشاباك" الإسرائيليّ في حاجز "إيرز". كان ذلك اليوم طويلًا جدًّا. خضعتُ لتفتيش على الحاجز ثمّ أدخلوني إلى غرفة وسألني المحقّق عن أشخاص أعرفهم. أوضحتُ له أنّ ابني مريض وهو بحاجة ملحّة إلى علاج. سألني عن أطفالي الآخرين وأوضاعهم الصحّيّة فأوضحتُ له أنّ ابني معاذ (11 عامًا) يعاني هو أيضًا من مشكلة في الحوض منذ ولادته وأنّ أسيل (6 أعوام) تعاني من مشاكل في البصر. استمرّ التحقيق وقتًا طويلًا وفي نهايته أخذوا بطاقة هويّتي مما جعلني أتوتّر لأنّني خفتُ أن يعتقلوني. بعد نحو نصف ساعة أعادوا لي البطاقة وعدتُ إلى البيت. كانت الساعة 18:00 تقريبًا. فاتنا الموعد الأوّل وعيّنّا دورًا جديدًا له ليوم 19.2.23. ومرّة ​​أخرى، في البداية سجّلنا زوجي ثمّ أنا كمرافقَين، ومرة أخرى تلقّينا رسالة نصّيّة إلى هاتفي وهاتف زوجي بأنّ طلبي مرفوض لسبب أمنيّ وكذلك طلب زوجي مرفوض لسبب أمنيّ. ذهبنا إلى مكتب التنسيق في غزّة لفحص ما يمكننا القيام به بعد، فقالوا لنا إنّهم فعلوا كلّ شيء ممكن ولم يعد لديهم ما يمكنهم القيام به بعد. في أثناء وجودي في مكتبهم طلبتُ من الموظّف أن يفحص أفراد عائلة آخرين وأعطيتُه أرقام هويّة أجداد وجدّات بلال وعمّاته وخالاته. فحصنا نحو عشرين اسمًا وأخبرني بأنّهم مرفوضون جميعًا. تمّ تسريح بلال من مستشفى الرنتيسي في 19.3.23 بعد رقوده فيه خمسة أيّام وذلك بسبب الحرارة المرتفعة المصحوبة بسعال حادّ ولا يزال ينتظر تعيين دور له في المقاصد. تمّت إحالتهم إلى مستشفى المقاصد مرّة أخرى، لكن لم يتمّ تعيين دور لهم بعد.

28 آذار/مارس 2023

משפחת אבו סאע בימים יפים יותר. התמונה באדיבות המשפחה

قطاع غزة

في عزلة قاسية: نساء قطاع غزة المتزوجات من سكان الضفة يُجبَرن على تربية أولادهنّ بمفردهنّ

يمنع نظام الأبارتهايد الإسرائيلي آلاف العائلات الفلسطينية التي يكون أحد الزوجين فيها من سكان قطاع غزة والآخر من سكان الضفة الغربية من العيش معاً كعائلة في الضفة الغربية ويجبرها على اختيار أحد خيارين لا يمكن احتمالهما: إما العيش معاً في قطاع غزة - في انقطاع عن الأسرة التي بقيت في الضفة الغربية ومواجهة الظروف المعيشية القاسية في قطاع غزة وصعوبة كسب العيش ـ وإمّا العيش بشكل منفصل بحيث يضطر أحد الزوجين لتربية الأطفال لوحده. هذه السياسة هي جزء من سياسة عزل قطاع غزة التي يطبقها النظام منذ التسعينات. وقد تم تشديد هذه التقييدات مع بدء الانتفاضة الثانية في أيلول 2000 ثم بلغت ذروتها في العام 2007 عندما فرضت إسرائيل الحصار على قطاع غزة وسجنت سكانه في داخله. فقط في حالات نادرة واستثنائية، تعرّفها إسرائيل بأنها "حالات إنسانية"، تسمح إسرائيل للسكان بالخروج من القطاع، فيما يُعتبر أي تصريح كهذا وكأنه مِنّة وليس حقاً مشروعاً لهم. وقد ادعت إسرائيل ـ وتبنت المحكمة العليا الإسرائيلية هذا الادعاء وأسبغت عليه الشرعية القانونية ـ بأنّ الزواج بشكل عام ليس مبرراً لمنح تصريح بالعبور ما بين القطاع والضفة. يؤكد هذا الواقع أن لا أساس من الصحة مطلقاً للادعاء الإسرائيلي القائل بأنه منذ خطة فك الارتباط بالقطاع في العام 2005 لم تعد تتحمل أية مسؤولية عن سكانه. فمن خلال سيطرتها المطلقة تقريباً على جميع المعابر -في الضفة والقطاع – وعلى سجل السكان الفلسطيني، تملي إسرائيل على الرعايا الفلسطينيين كيف تكون حياتهم اليومية وتتدخل في علاقاتهم الأساسية جداً: العلاقات ما بين الزوجة وزوجها وما بين الوالدين وأولادهما وما بين أفراد العائلة الموسعة. المتضررات الأساسيات من هذه السياسة الإسرائيلية هن النساء من سكان قطاع غزة اللواتي تزوجن من رجال من سكان الضفة الغربية. فقد بقين هناك يربين أولادهن لوحدهن في الظروف المعيشية القاسية في القطاع ودون أية بارقة أمل بينما الغموض يلف مستقبلهن. وقد جمعت بتسيلم شهادات عدد من النساء اللواتي فُرض عليهن هذ الواقع. ياسمين عبد الباسط (35 عاماً) من سكان مدينة غزة تسكن مع أولادها الأربعة في القطاع بينما يعيش زوجها في الضفة الغربية. في 6.9.22 روت لباحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة عن الرفض المتكرر لطلباتها من أجل الحصول على تصريح بالانتقال إلى الضفة كي يتمكنوا من العيش سوية كعائلة: أتيت مع عائلتي من السعودية إلى قطاع غزة عام 1994. في العام 2009 تزوجت من زوجي محمد علي عبد الباسط (37 عاماً) وهو من عزون عتمة في الأصل، م في منطقة قلقيلية ويحمل بطاقة هوية الضفة الغربية. عشية عقد قراننا دخل إلى قطاع غزة عبر معبر رفح لوحده ودون أن يرافقه أحد من أبناء عائلته في الضفة الغربية. أقمنا في قطاع غزة حتى العام 2016 وخلال تلك الفترة رُزقنا بثلاثة أبناء: عبد الكريم (12 عاماً) وعلي (10 سنوات)وعمرو (8 سنوات). كان زوجي يعمل آنذاك في متاجر لبيع الكتب وفي مشاغل للزجاج. في آذار 2016 أصيب والده بمرض وتردت حالته الصحية فقدم طلبات للحصول على تصاريح لي ولأبنائنا الثلاثة للانتقال إلى الضفة. تمت الموافقة على هذه الطلبات، لكن حين وصلنا مع أبنائنا إلى معبر "إيرز" في الشهر ذاته، انتظرنا أربع ساعات ثم أبلغونا بأن طلبي مرفوض ولن أستطيع العبور، دون أن يقدموا لنا أية تعليلات أو تسويغات. في نهاية الأمر، عبر زوجي الحاجز سوية مع ابنينا عبد الكريم وعلي. لم أوافق على أن يأخذ معه عمرو أيضاً، لأنه كان لا يزال يرضع منّي ولذلك بقي معي. كان فظيعاً أن أفارق ابنيّ الاثنين. أصابني انهيار. خفتُ ألا أراهما بعد ذاك. تمنيت أن أخرج من القطاع مع زوجي وأبنائي، لكن ذلك لم يحصل ولم أر إلا السواد. عدنا أنا وعمرو إلى منزل عائلتي. لم أتوقف عن البكاء ولم أستطع تناول الطعام طوال بضعة أيام. شعرت بأننا عبء على العائلة فقد كان الاكتظاظ شديداً في المنزل. بعد مغادرة زوجي بثلاثة أسابيع مرض علي. أصيب بتلوث في الحلق ورقد في المستشفى في قلقيلية طوال عشرة أيام. طلبت من زوجي أن يرسلوا إليّ التقارير الطبية عن حالته وقدمت طلباً للحصول على تصريح بالعبور إلى الضفة لكي أكون بجانب علي، لكنني لم أتلق أي رد على طلبي. قدم زوجي عدة طلبات من أجلي كي أتمكن من الوصل إلى الضفة لكن إسرائيل رفضتها كلها. وبعد نحو شهرين في أيار 2016 عاد زوجي إلى القطاع سوية مع عبد الكريم وعلي عبر معبر "إيرز". أقمنا جميعاً معاً في شقة مستأجرة. اشترينا الأثاث والأدوات الكهربائية أيضاً وعاد زوجي إلى العمل في معمل للزجاج. في 20.2.21 وُلد ابننا عز الدين. في تشرين الأول 2021 تدهورت حالة والد زوجي الصحية وأصبح يعاني من شلل تامّ في جسمه كله فقدم زوجي طلباً جديداً للحصول على تصريح له هو فقط كي يتمكن من زيارة والده. حصل على التصريح وسافر إلى الضفة. بعد نحو شهر في تشرين الثاني 2021 جدد بطاقة هويته وقدم طلباً لتغيير عنوان الإقامة، لي ولأبنائنا أيضاً، لكننا لم نحصل على موافقة حتى الآن. زوجي موجود الآن في الضفة ويتولى رعاية والده هو وشقيقه بينما أعيش أنا في القطاع مع أبنائنا الأربعة. أعاني جداً من تمزق عائلتنا. ابني عبد الكريم في سن المراهقة ومن الصعب جداً عليّ تدبر أموره وحدي. يشعر بأنه أصبح إنساناً بالغاً ولا ينصت إليّ ويشكو من غياب والده. إنه يعاني من مشكلة في طبلة الأذن اليسرى ويحتاج إلى متابعة طبية دائمة ولذا، فأنا أصطحبه إلى الفحص مرة كل شهر. لاحظتُ أن لديه حركات لا إرادية في الوجه وحين أسأله عن ذلك يقول إن السبب هو الإرهاق والاشتياق لوالده. عندما يتحدث عمرو مع والده هاتفياً يكون غاضباً وأحياناً يقول له إنه يكرهه لأنه ابتعد وهجرنا، لكنه يواصل السؤال متى سيأخذنا معه إلى الضفة. عندما عاد زوجي في حينه إلى الضفة، كان ابننا عز الدين في سن ثمانية أشهر فقط لذا فهو لا يعرف والده. في الأسبوع القادم من المفترض أن آخذه لإجراء عملية في الخصيتين في مستشفى الشفاء. من الصعب عليّ تحمل مسؤولية كل شيء لوحدي، بينما من المفترض أن يكون والدهم إلى جانبي وأن يساعدني على حمل العبء وتربية أبنائنا. أنا أفعل كل ما أستطيع لتوفير احتياجات أبنائي رغم أن مطالبهم تزداد يوماً بعد يوم. وضعنا الاقتصادي صعب. أعمل موظفة مكتبة وزوجي يرسل إلينا أيضاً مبلغاً من المال كل شهر من الضفة، لكن هذا لا يكفي. والدي الذي يعتاش من مساعدات وزارة الرفاه لا يستطيع مساعدتنا. سجلت الأولاد في نادٍ لكرة القدم في الصيف لكن لم يكن بإمكانهم الاستمرار هناك لعدم قدرتي على توفير المال اللازم. في تموز 2022 سمعت أنّ إسرائيل وافقت على طلبات لتصاريح من أجل زيارات الأقارب في الضفة فتقدمت بطلب لدى دائرة الشؤون المدنية في غزة، لكنني لم أتلق أي رد حتى الآن. أتابع الأخبار كل الوقت لمعرفة ما إذا كان بإمكاني تقديم طلب لتغيير عنوان إقامتنا. ما زلت آمل أن ذلك ممكن. منى الأسطل (36 عاماً)، من سكان خانيونس وهي أم لأربعة، روت لباحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة يوم 6.6.22 عن مشقة تربية أولادها لوحدها بينما زوجها في الضفة الغربية وإسرائيل ترفض السماح لأبناء العائلة بالانضمام إليه. أنا وزوجي رياض (47 عاماً) تزوجنا سنة 2004 في غزة. رياض يحمل بطاقة هوية الضفة الغربية وبعد زواجنا بقليل عاد إلى الضفة وبدأ العمل في إسرائيل بينما بقيت أنا في القطاع. استطاع أن يزورنا هنا في القطاع مرات قليلة، عبر معبر "إيرز" أحياناً وعبر معبر رفح أحياناً أخرى. خلال سنتين متواصلتين لم يزرنا إطلاقاً والمرة الأخيرة التي رأيته فيها كانت قبل سنة. قبل 12 سنة تقريباً قدم زوجي طلبات لي ولأولادنا الأربعة الذين ولدوا جميعاً في غزة لتغيير عنوان إقامتنا وجعله في قلقيلية. قبل عشرة أشهر في تشرين الأول 2020 حصلنا على ردود إيجابية. بكيت كثيراً من الفرحة وصليت وشكرت ربي. أرسلت إلى زوجي بطاقة هويتي القديمة كي يذهب إلى وزارة الداخلية في قلقيلية ويقوم بتغيير عنوان الإقامة، لكنهم هناك غيروا العنوان لاثنين فقط من أولادنا الأربعة ـ لعبد الجواد (15 عاماً) ولديما (12 عاماً). أما محمد (الذي كان في سن ثلاث سنوات) ومرام (التي تجاوزت سن الـ 16 عاماً ببضعة أشهر) فلم يغيروا عنوان إقامتهما. تلاشت فرحتي كلها في لحظة واحدة. بعد حوالي ثمانية أشهر سجلوا محمد في بطاقة هويتي أنا، لكنهم لم يضيفوا مرام إليها حتى الآن، بالرغم من أنني ووالدها وجميع إخوتها مسجلون في قلقيلية. قبل سبعة أشهر تقريباً، كنت ملزمة باستصدار بطاقة هوية جديدة لمرام، وفيها عنوان الإقامة هو غزة. بعد ذلك مباشرة قدم والدها طلباً إضافياً لتغيير عنوانها إلى قلقيلية. طالما لم تحصل على موافقة على تغيير العنوان، سنبقى أنا والأولاد في القطاع مفصولين عن زوجي لأنني لا أستطيع ترك مرام في غزة وحدها. ابننا الأصغر محمد أصبح في الرابعة من العمر ولا يعرف والده، بل ينادي عمه، شقيق زوجي، بـ "بابا". أما مرام فقد أصبحت شديدة الحساسية وتبكي كلما رأت أصدقاءها برفقة والديهم. ابنتها مرام (16 عاماً) روت في إفادتها عن الشرخ الذي تعيشه عائلتها: فقط والدتي وإخوتي حصلوا على موافقة لتغيير عنوان إقامتهم إلى قلقيلية حيث يقيم أبي منذ فترة طويلة. فقد رفض الاحتلال الإسرائيلي أن أنتقل معهم وأنا الوحيدة التي بقي عنوان إقامتها في غزة. والدي يقيم على بعد عدة كيلومترات عن غزة وفقط بسبب حاجز، لا أستطيع الوصول إليه. أنا لست مخرّبة، كل ما أريده هو العيش مع عائلتي معاً. هذا حقي ـالانتقال بين كل المدن الفلسطينية دون أية عوائق والوصول إليه. لم أعد أذكر متى كانت المرة الأخيرة التي استيقظت فيها من نومي واحتضنت والدي مثل الأولاد الآخرين. ولا أذكر أيضاً شهر رمضان الأخير الذي جلس فيه والدي معنا على مائدة الإفطار. لا أراه سوى عبر شاشة الهاتف فقط وهذا صعب علي بصورة فظيعة، لأن هذا ليس هو الواقع. ليتني أنجح في الحصول على الموافقة ونتمكن كلنا من الانتقال للعيش سوية. حنان أبو صاع (34 عاماً)، من سكان غزة، عاشت مع زوجها أولادهما الثلاثة في دولة الإمارات العربية المتحدة سبع سنوات. خلال جائحة كورونا فُصل زوجها من عمله فاضطروا إلى العودة إلى المناطق المحتلة - هو إلى طولكرم وهي إلى غزة مع أولادها. في 5.6.22 روت لباحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة عن الصعوبة في تربية الأولاد بدون والدهم وعن رفض إسرائيل الموافقة على طلباتهم للم شمل العائلة: تعرفت على زوجي أيمن (34 عاماً) في دولة الإمارات العربية المتحدة وتزوجنا هناك. أقمنا هناك حتى سنة 2019 مع أولادنا الثلاثة الذين وُلدوا هناك: جود (9 سنوات) وأحمد (7 سنوات) وورد (5 سنوات). عندما بدأت جائحة كورونا بدأت المشاكل في مكان عمل زوجي الذي كان يعمل مهندساً كهربائياً ثم في نهاية الأمر فُصل من عمله. عدنا أنا والأولاد للسكن في القطاع بينما عاد زوجي للسكن في طولكرم، حيث وُلد وحيث تقيم عائلته. هكذا بدأ الشرخ في عائلتنا. عثر زوجي على عمل هناك وبات يسكن بالإيجار مع شركاء لتوفير المصروفات. وهو يرسل إلينا نصف راتبه الشهري تقريباً. المرة الأخيرة التي التقينا فيها كانت في تشرين الأول 2019 حين سافرت مع الأولاد للالتقاء به في تركيا. ورد التي كانت آنذاك في سن سنتين فقط صرخت من الفرحة عندما رأت والدها في المطار. قضينا هناك معاً ثلاثة أشهر عدت بعدها مع الأولاد إلى غزة بينما عاد زوجي إلى طولكرم. كان السفر مع الأولاد صعباً جداً، وخصوصاً في معبر رفح. أحمد يستعيد ذكريات الفترة التي قضاها مع والده طيلة الوقت ويقول إنه لا يريد أي شيء سوى والده. أذكر ليلة سقطت فيها ورد وأصيبت في رأسها وكنت مضطرة إلى نقلها إلى المستشفى فأبقيت جود وأحمد اللذين كانا صغيرين جداً في المنزل لوحدهما. من الصعب عليّ جداً تربية أولادي والاعتناء بهم لوحدي بدون زوجي، وخاصة في هذه الأيام التي يعاني فيها جود من تلوث في الغدة الدرقية، تحتاج إلى عملية جراحية لاستئصال ورم على رقبتها. أخاف كثيراً من المسؤولية والموافقة على إجراء هذه العملية الجراحية وحدي بدون زوجي، لأنها عملية من الممكن أن تشكل خطراً على حياتها حسبما يقول الأطباء. عائلتنا مفككة. الأولاد يعانون بسبب غياب والدهم وأحاول أنا الاتصال به حين تتوفر الإمكانية من حيث الإرسال. أحياناً يصل زوجي إلى مسافة تبعد بعض الكيلومترات عن قطاع غزة ويتصل ليقول إنه قريب وهو ما يجعلني أبكي، بسبب معرفة أنه قريب جداً لكننا لا نستطيع رؤيته. أعرف أن عائلته في طولكرم تسبب له المشاكل أيضاً بسبب الشرخ بيننا وأخشى أن نضطر في نهاية المطاف إلى الطلاق دون أن نجد حلاً. لأنني أعيش لوحدي، فدائماً ما يصر الناس على مراقبتي وتفحص سلوكي كل الوقت. بسبب العقلية السائدة في القطاع، من الصعب أن أكون مستقلة وأحياناً أضطر حتى إلى العودة إلى المنزل قبل حلول الظلام، حتى لو لم أتمكن من إنجاز كل ما أريد إنجازه من أعمال وترتيبات. مرت سنتان تقريباً منذ المرة الأخيرة التي قدم فيها زوجي طلباً لتغيير عنوان الإقامة لي وللأولاد، لكننا لم نتلق أي رد حتى الآن. تحديث: حنان أبو صاع سافرت مع أولادها إلى مصر على أمل الوصول إلى الأردن ومن هناك إلى الضفة الغربية لكن بعد طريق شاقة ـ كما قالت ـ ومصاعب عديدة، رفضت السلطات الأردنية السماح لها ولأولادها بالدخول إلى المملكة مما اضرهم إلى العودة من حيث أتوا. مروة أبو حمادة (37 عاماً) أم لثلاثة أبناء. في العام 2019 تزوجت للمرة الثانية في القاهرة من شخص من سكان بيت لحم وعاشت معه في الضفة لمدة سنتين، دون أن تكون لديها مكانة قانونية وفي حالة من الخوف الدائم من طردها هي وابنتها الطفلة التي كانت قد وُلدت هناك. عندما مرض والدها عادت إلى غزة لكن إسرائيل رفضت جميع طلباتها للعودة إلى الضفة وخلال أكثر من سنة كانت هي وطفلتها مفصولتين عن زوجها. روت أبو حمادة لباحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد يوم 26.7.22، قبل الموافقة على طلبها بالعودة إلى الضفة، عن الصعوبات التي واجهتها وعن الغموض الذي اكتنف حياتها: أنا وزوجي محمد الشاعر (52 عاماً) من سكان بيت لحم تعرفنا على بعضنا في جامعة القاهرة سنة 2017 حيث أنهينا الدراسة لشهادة الدكتوراة في السنة نفسها. بعد سنتين تزوجنا في مصر. كنا نريد العودة إلى الضفة لكن الحصول على تصريح بالدخول كان معقداً لأنني مسجلة من سكان غزة. في النهاية نجحنا في الحصول على التصريح ودخلنا عبر جسر اللنبي في 28.8.2019. وصلنا إلى بيت لحم وفي 9.10.19 قدمنا طلباً لتغيير عنوان إقامتي من غزة إلى بيت لحم لكنهم لم يوافقوا على هذا الطلب حتى يومنا هذا. أقمنا في بيت لحم لمدة سنتين. كنت أعمل أستاذة في جامعة فلسطين الأهلية. وفي 15.12.20 ولدت ابنتنا مِسك في بيت لحم. لأن عنوان إقامتي المسجل في بطاقة الهوية هو غزة، فقد كنا نواجه ما يشبه الجحيم في كل مرة نسافر فيها إلى الجامعة. كنا نسافر في طرق التفافية لتجنب الحواجز وكان الخوف يلازمنا طيلة الوقت من أن يوقفنا الجنود فيعتقلوني أو يطردوني إلى غزة بدون طفلتي. كنا نخاف من أن يقتحم الجيش منزلنا، كما يفعلون أحياناً في الحي الذي نسكن فيه. في أيار 2021 أصيب والدي خليل أبو حمادة (74 عاماً) بالمرض وخشيت أن يفارق الحياة دون أن أتمكن من وداعه. قررتُ السفر إلى غزة لزيارة والدي وأخذت معي طفلتي مِسك. دخلنا إلى القطاع بدون تنسيق وكان الأمر سهلاً لأنني مسجلة كمواطنة في غزة. فيما بعد فقط اكتشفت أن عنوان مسك أيضاً مسجل في جباليا وليس في بيت لحم. في غزة يسكن أولادي من زواجي الأول، محمد (16 عاماً) ومجد (13 عاماً). مرت تسع سنوات منذ غادرت القطاع للدراسة في القاهرة، منذ تركتهما مع والدهما زوجي السابق. خلال إقامتي في بيت لحم، حاولت كل يوم تقريباً الاتصال بهما لكنه لم يكن يسمح لي بالتحدث إليهما وفقط في أحيان متباعدة كنت أتمكن من الاتصال بهما عن طريق شقيقتي نجوى. منذ عودتي إلى القطاع أراهما مرتين كل أسبوع. حصل تدهور في المشكلة التي كان يعاني منها مجد في أذنه اليسرى حين كان صغيراً. فقد حصل تآكل في عظيمات السمع وتراجعت قدرته عل السمع بالأذن اليمنى حتى أصبح بحاجة إلى عملية جراحية لاستئصال جزء من العظيمات. قبل سنة تقريباً في 31.8.21 سمعت في نشرة الأخبار أن إسرائيل تنوي الموافقة على تغيير العنوان. توجهتُ إلى وزارة الشؤون المدنية في غزة وتقدم زوجي في الوقت نفسه بطلب إلى مكتب الارتباط والتنسيق في بيت لحم. قدمتُ طلباً للعودة إلى العمل في الجامعة في بيت لحم بعد أن توجهت الإدارة إلى مكتب الارتباط والتنسيق في 10.9.21 ولكن في 7.10.21 تلقيت رداً سلبياً من مكتب الارتباط والتنسيق بسبب عدم استيفاء المعايير. تقدمت بطلب آخر في 10.10.21 وعليه أيضاً تلقيتُ رفضاً لدواع أمنية في 24.10.21. كما أن اسمي لم يظهر في قائمة الطلبات التي بلغ عددها 4,000 طلب قدمها سكان من القطاع لتغيير عنوان الإقامة ووافقت إسرائيل عليها. الطلب الأخير الذي قدمته كان في 28.10.21 ولم أتلق رداً عليه حتى الآن؛ لكن في تلك الأثناء قدمت يوم 21.6.22 طلباً لتغيير عنوان إقامة محمد من غزة إلى بيت لحم لكي يتمكن من الانتقال للعيش معي حين يوافقون على عودتي إلى هناك. أما مجد فلا يحمل بطاقة هوية حتى الآن ولا حاجة إلى تقديم طلب خاص به. فقدتُ وظيفتي في الجامعة ولا أستطيع العثور على عمل بديل في غزة. زوجي يرسل لنا مبلغاً من المال كي أتمكن من إعالة مسك، لكن علاقتنا تضررت وأشعر بأن كل شيء يتفكك وبأن حياتي ممزقة بين غزة والضفة. أعيش في حالة من الضغط الدائم طيلة الوقت ولا أعرف كم سيستمر هذا الوضع وإلى متى. الناس في غزة ينظرون إلي نظرة سلبية لأنني بعيدة عن زوجي وكلهم يسألونني طيلة الوقت ما الذي يدفعني إلى عيش مثل هذه الحياة. مر أكثر من سنة منذ عدنا أنا ومسك إلى غزة. كانت آنذاك ابنة خمسة أشهر ومنذ ذلك الحين لم تر والدها، سوى عبر شاشة الهاتف النقال. أحياناُ تأخذ مني الهاتف وتناديه: "بابا!، بابا!". أكثر ما يهمني اليوم هو السماح لمجد بتلقي العلاج الأفضل والعودة مع مسك إلى والدها وإلى عملي في بيت لحم. أتوجه إلى جميع الجهات المعنية بأن تمارس الضغط على إسرائيل لمساعدة جميع النساء العالقات في غزة، إذ أنني أعرف مئات الحالات الأخرى المماثلة. في أية دولة تعيش امرأة مع أولادها في مكان ما بينما يعيش زوجها في مكان آخر؟ تتحديث: نجحت مروة أبو حمادة في تعيين دور لعلاج ابنها مجد في بيت لحم في 17.8.22 وفي الحصول على تصاريح دخول له ولها ولمِسك.

13 تشرين الثاني/نوفمبر 2022

מוחמד אבו סכראן, בן 17, כשנה לאחר פציעתו. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 1.8.22

قطاع غزة

الزمن لا يُداوي الجراح: جرحى من قطاع غزة يتحدثون عن حياتهم منذ جولة القتال في أيّار 2021

بعد نحو سنة ورُبع السنة من انتهاء جولة القتال في أيار 2021 ("حارس الأسوار") عادت إسرائيل إلى قصف قطاع غزة وشنت "جولة" أخرى من القتال ("طلوع الفجر") استمرت هذه المرة ثلاثة أيام في آب 2022 وأسفرت عن مقتل 49 فلسطينياً. خلال الأشهر الأخيرة تحدثت "بتسيلم" مع عدد من جرحى الجولة السابقة والذين لا يزالون يخوضون صراعاً من أجل إعادة تأهيل أنفسهم والعودة إلى مسار حياة طبيعي. خلال تلك الجولة، قُتل في قطاع غزة 233 فلسطينياً من بينهم 38 امرأة و- 54 طفلاً. ووفقًا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بقي عشرات الآلاف بدون مأوى وتضررت عشرات المنشآت الصحية والبنى التحتية الملازمة لها؛ ركام المباني وأعمدة الكهرباء التي انهارت سدّت الشوارع والطرقات وجعلت من الصعب جداً مرور سيارات الإسعاف والمركبات الأخرى من أجل إخلاء المصابين. كما أدى تضرُّر البنى التحتية وشبكتيّ الكهرباء والماء إلى عرقلة عمل المستشفيات. في إفاداتهم، التي استمع إليها باحثو بتسيلم الميدانيون، يتحدث الجرحى عن صراعهم وصراع أُسَرِهم مع تحديات إعادة التأهيل، من منظور شخصي. وإلى جانب ذلك، تسلط الإفادات الضوء على الواقع الأوسع الذي يعيشه جرحى هذه الجولة والجولات السابقة في قطاع غزة، والذين يحاولون إعادة تأهيل أنفسهم بشقّ الأنفس. من الواضح بالطبع، وفي كل الأحوال، أن إعادة التأهيل بعد إصابة بالغة هي عملية مضنية وحاسمة تشمل العديد من الجوانب الطبية والنفسية المركّبة. إلا أن إعادة التأهيل في قطاع غزة هو أكثر تعقيداً، أضعافاً مضاعفة، سواء بسبب عدد الجرحى الآخذ في الازدياد باستمرار من "جولة" إلى "جولة" أخرى، أو بسبب البنى التحتية التي تزاد أوضاعها تردياً وسوءاً باستمرار جرّاء استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع. وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، اثنان من مستشفيات قطاع غزة، التي يبلغ عددها ثلاثين مستشفى، اضطرا إلى التوقف عن العمل تماماً خلال "جولة" القتال الأخيرة جرّاء الأضرار التي لحقت بهما، بينما واصلت المستشفيات الأخرى العمل بصورة جزئية ومحدودة فقط. إضافة إلى ذلك، أغلقت 57 عيادة من بين العيادات العامة الـ 93 في قطاع غزة بينما بقيت العيادات الأخرى تعمل بصورة جزئيّة فقط. ورغم أنّ جهاز الصحّة في القطاع يعاني من نقص خطير في الأدوية والتجهيزات، وكذلك في الأطباء بشكل عام وفي الأطباء ذوي التأهيلات المواكبة للتطورات والتحديثات بشكل خاص، إلا أن إسرائيل تواصل ـ في إطار الحصار الذي تفرضه على القطاع ـ منع إدخال الأدوية والأجهزة الطبيّة المتقدّمة إلى مناطق القطاع، كما تمنع خروج الأطبّاء إلى الاستكمالات. وبذلك، تسبب إسرائيل ضرراً إضافياً آخر للجرحى إذ تحرمهم من إمكانيات العلاج االتأهيلي. لا بل إن إسرائيل تمنع جرحى كثيرين ممّن لا تتوفّر العلاجات والخدمات الصحيّة اللّازمة لهم داخل القطاع من الوصول إلى مؤسّسات طبيّة في الضفة الغربية، رغم أنها لا تبعد سوى عشرات الكيلومترات، من أجل الحصول على العلاج الطبي اللازم والمناسب لهم. وفقاً لمنظمة Handicap International، يعمل في قطاع غزّة نحو خمسين مركزاً للعلاج التأهيليّ تشغّلها منظمات غير حكوميّة وتعتمد على توفّر التمويل من الصّناديق الأجنبية المانحة. تعاني هذه المراكز من نقص في القوى العاملة وصعوبات في التأهيل المهنيّ للعاملين فيها، ولهذا فإنّ خدمات إعادة التأهيل التي يمكن لهذه المراكز تقديمها تقتصر على العلاج الطبيعيّ والدعم النفسيّ - الاجتماعيّ، بينما تكاد إمكانيّات إعادة التأهيل التشغيلي بواسطة أجهزة مساعدة تكون معدومة تماماً. ثمة مركزان اثنان فقط للعلاج التأهيلي للعظام يعملان في مجال تركيب الأطراف الاصطناعيّة، أحدهما تابع للصّليب الأحمر والثاني أقيم في آذار 2022 ويعمل بتمويل من دولة قطر. تتنصّل إسرائيل من أيّة مسؤوليّة وقد سنّت لنفسها قانوناً يعفيها من دفع تعويضات في جميع الحالات تقريباً، بادّعاء أنّها وقعت خلال "عمليّات قتالية". وبذلك أصبح احتمال حصول فلسطينيّين قدّموا دعاوى تعويض عن الأضرار التي ألحقتها بهم إسرائيل شبه معدوم تماماً تقريباً. يعاني ضحايا الحرب في قطاع غزّة من ضائقة اقتصاديّة شديدة ومن انعدام الدّعم الذي يتيح إعادة تأهيلهم. في هذا الروتين اليومي من الخوف والرعب من جولات قتالية متكررة، وفي ظل الشعور بأنهم قد يتحولون في أية لحظة إلى أهداف للقصف الإسرائيلي، يتحدث طلاب، شبان وآباء وأمهات لأطفال أصيبوا بجراح بالغة، وبعضهم فقد في الحرب بعضاً من أبناء عائلاتهم؛ عن الصراعات اليوميّة التي يخوضونها مع الإصابات البالغة، الجسديّة والنفسيّة. بعضهم بقي يعاني من إعاقة مستديمة. فيما يلي الإفادات التي سجلها باحثو بتسيلم الميدانيّون: محمد أبو سكران (17 عاماً، من سكّان حيّ الشجاعيّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ أصاب مدخل منزله وتسبّب أيضاً بمقتل جدّه وابن عمّ والده. لا يزال يعاني حتى اليوم من إعاقة حركيّة في رجليه ويديه ومن شظية بقيت داخل رأسه وتشكل خطراً على حياته. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 1.8.22، فقال: أصبت بجروح بالغة خلال حرب العام الماضي. كان ذلك في اليوم الأخير من شهر رمضان ـ 12.5.2021 نحو السّاعة 20:30، حين كنت في المنزل مع جدّي وابن عمّ والدي. فجأة أطلقوا صاروخاً على منزلنا. رقدتُ لمدّة أسبوع في قسم العناية المكثّفة في مستشفى الشفاء وخلال السّنة الأخيرة تلقّيت العلاج في مستشفى الوفاء التأهيلي في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". أجرِيَت لي عمليّة جراحيّة في الرّجل اليسرى وخضعت للعلاج الطبيعيّ ولعلاجات وظيفيّة أخرى، إضافة إلى الدّعم النفسيّ. قبل الإصابة كانت حياتي عاديّة. أذهب إلى المدرسة المهنيّة كلّ يوم من السّابعة صباحاً حتى الثانية بعد الظهر. كنت أحبّ دروس النجارة والرياضة وكنت أقضي وقتاً كثيراً مع زملائي وأصدقائي. بعد انتهاء الدّوام كنت أتناول وجبة الغداء في المنزل ثمّ أعمل قليلاً في تصليح الدرّاجات الهوائيّة - كانت هذه هوايتي ـ وكنت أساعد جدّي في حراثة الأرض والاعتناء بمزروعاته. منذ أن أصبت توقّفت عن الذهاب إلى المدرسة وأصبحتُ أقضي معظم وقتي في المنزل. أعاني من صُداع شديد لا يُحتمل ولا أقدر على استخدام يدي اليُمنى بسبب مشكلة في الأعصاب. عندما أخرج من المنزل أحتاج إلى عكّازين. أنا أكرههما وأكره منظر جسمي الذي تشوّه بسبب الشظايا. أعصابي تثور لأتفه الأسباب وأتصرّف بعُدوانيّة تجاه إخوتي، ممّا يدمّرني نفسيّاً. وضعي الصحّي لا يتحسّن. ببساطة، أنا لا أستطيع القيام بأيّ شيء لوحدي - لا التمارين الرياضيّة ولا ركوب الدرّاجة الهوائيّة. كلّما نظرت إلى باب المنزل تذكّرت الصّاروخ الذي أصاب المنزل وقتل جدّي وابن عمّ والدي. عندئذٍ أنطوي على نفسي وأجهش بالبكاء. معظم الوقت أشاهد مسلسلات وأفلاماً عبر الهاتف النقال، لكن لا شيء يبعث الفرح في نفسي الآن. أتذكّر كلّ الوقت فترة علاجي في المستشفى بعد إصابتي، أتذكّر جدّي وكيف كان يأخذني لأعمل معه. أصبحت حياتي شريطاً من الذكريات والألم. هشام أبو سكران (44 عاماً)، والد محمد، قال في إفادته: في ذلك المساء كان محمد في المنزل مع جدّه، أحمد إبراهيم أبو سكران (64 عاماً) وابن عمّي محمد ناهد أبو سكران (25 عاماً). فجأة، قصفوا المنزل بصاروخ فقُتل كلاهما بينما أصيب ابني محمد الذي كان قريباً منهما بجروح بالغة. في لحظة القصف كنت في الطابق الثاني. هبطت الدرج مسرعاً فوجدت والدي قد فارق الحياة. رأيت ابني محمد ممدّداً قرب محمد ناهد ودماء كثيرة. كان المكان مليئاً بالدّخان والرّكام. حملت الاثنين وأخرجتهما من المنزل ثمّ نقلتنا سيّارة إلى مستشفى الشفاء، بينما قام شخص آخر بنقل والدي إلى مستشفى آخر وأبلغني الأطبّاء هناك بأنّه استُشهد. لاحقاً استُشهد في المستشفى أيضاً ابن عمّي محمد ناهد متأثراً بجراحه. قيل لي إنّ ابني قد استُشهد لكنّ أحدهم قال إنّه في قسم العناية الفائقة وبحاجة إلى وجبات دم. نحو السّاعة 1:00 بعد منتصف اللّيل طلب منّي الأطبّاء وجبات دم لمحمد. انتظرت حتى السّاعة 3:00 فجراً وأنا لا أعرف عن وضعه شيئاً ثم قالوا لي إنّ حالته لا تزال خطيرة جدّاً وطلبوا أن نصلي وندعو الله من أجله. عندما دخلت إلى الغرفة لكي أراه كان ملقىً في السّرير دون حراك وكلّ جسمه موصولاً بأنابيب. لم أستوعب ما رأته عيناي. خرجت من المستشفى وعدت إلى البيت لإلقاء نظرة وداع أخيرة على والدي ثمّ تشييعه إلى مثواه الأخير. ظلّ محمد راقداً في قسم العناية الفائقة طوال أسبوع نقلوه بعده إلى قسم في المستشفى وبقي فيه لمدّة شهرين. طيلة هذه المدّة كان إلى جانبه في المستشفى ابني تامر (38 عاماً). كان محمد يجد صعوبة في الكلام ولا يستطيع تناوُل الطعام أو الشرب. فقط بعد مضيّ أسبوعين على نقله إلى القسم صار بإمكانه تناول أطعمة خفيفة. بعد ذلك نقلوه إلى مستشفى "الوفاء" التأهيلي، في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". بقي هناك لمدة شهرين تلقّى خلالها العلاج الطبيعيّ والعلاج بالتشغيل. خلال تلك الفترة لم يكن يستطيع التحرّك، إطلاقاً تقريباً ـ كان يجد صعوبة في تحريك يده اليمنى بسبب إصابة في العصب وكانت رجله اليسرى مكسورة وفي رجله اليمنى شظايا. في المركز نفسه تمّ تقطيب جروح كثيرة في جسده وزرع بلاتين في رجليه. طوال تلك الفترة كان يعاني من الأوجاع وقد لازمتُه أنا هناك معظم الوقت لمساعدته قدر المستطاع. بعد شهرين من العلاج في مستشفى الوفاء نُقل إلى مستشفى الشفاء لإصلاح شرائح البلاتين ومن هناك أخذته إلى المنزل وكانت حالته النفسيّة في تراجُع دائم. مرّة أخرى لم يعد يأكل أو يشرب، إطلاقاً تقريباً، ومعظم الوقت ينتابه الغضب والصّراخ. توجّهنا مرّة أخرى إلى "أطبّاء بلا حدود" فقدّموا له الدّعم النفسيّ، كما استأنف تلقّي العلاج الطبيعيّ هناك. وفي أيّار 2022 أزالوا البلاتين الخارجيّ من رجله اليسرى وعالجوا العظم. وهو يستعين اليوم بعكّازين. جسم محمد مليء بالشظايا ولا يزال واهناً جدّاً. يقول الأطبّاء إنّه معرّض للخطر بسبب شظية بقيت في رأسه، قريباً من الدّماغ. لقد نبّهونا كي نحترس لئلّا يتلقّى أية ضربة في رأسه لأنّ هذا قد يحرّك الشظية فتحلق ضرراً بدماغه. حتى العطاس قد يسبّب ذلك. قبل إصابته كان محمد يتعلّم النجارة في المدرسة المهنيّة في غزّة، لكن منذ إصابته لم يُداوم وهو يقضي معظم الوقت الآن في المنزل. إنّه خائف جدّاً. عبد الله اسْليم (23 عاماً، من سكّان مدينة غزّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ استهدفت به إسرائيل سيّارة كان يقف بالقرب منها. في هذا الهجوم قُتل 6 أشخاص، بينهم صديقه وأحد أقرباء الصّديق وأربعة آخرون. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 10:30 كنت ذاهباً مع عبد الغزالي (28 عاماً) في اتّجاه المطعم الذي كنّا نعمل فيه في شارع الوحدة لكي نفتحه، رغم القصف. عندما وصلنا إلى شارع المُغربي التقينا ابن عمّ عبد ويُدعى نادر الغزالي (46 عاماً) خارج المخيطة التي يعمل فيها وتحدّثنا معاً لبعض الوقت. في تلك اللحظات توقّفت سيّارة على بُعد بضعة أمتار منّا. رأيت في داخلها ثلاثة أشخاص وفجأة حدث انفجار قويّ. طار عبد في الهواء وارتطم بباب معدني في إحدى الحوانيت القريبة منّا. بقيت أنا في مكاني وحولي دم يغطّي كلّ شيء. شعرت بدُوار قويّ وبعد أن ابتعدت بضعة أمتار استوعبت أنّ شظايا قد أصابتني في كلّ الجانب الأيمن من جسمي. حين وقعت على الأرض رُحت أتلو الشهادتين. بعد ثلاث دقائق حدث قصف مرّة أخرى وأحسست بأنّني أصبت في بطني. نهضت عن الأرض ومشيت بضعة أمتار في اتّجاه صيدليّة قريبة. طلبت من الصيدليّ أن يساعدني في فحص وضع عبد. كان الدّم ينزف من عيني اليمنى وملابسي كلّها مخضّبة بالدّماء فهاله منظري وصرخ يطلب نجدة. أتى عدد من الشباب وأخذوني في سيّارتهم إلى مستشفى الشفاء. بعد ثلاثة أيّام على مبيتي في المستشفى أخبروني بأنّ عبد ونادر ابن عمّه قد استُشهدا. بقيت في المستشفى 15 يوماً وفي تمّوز 2021 أجريت لي عمليّة جراحيّة في البطن لكنّ الأطبّاء لم يتمكّنوا من إخراج جميع الشظايا وما زلت أعاني من أوجاع. خضعت أيضاً لجراحة في الصدر حيث استأصلوا جزءاً من العظم ومنذ ذلك الحين أعاني من ضيق تنفّس وأوجاع في الصّدر، كما أتصعّب في النوم ليلاً. تضرّر عندي السّمع في الأذن اليمنى وتضرّرت شبكيّة عيني اليمنى. قلّما أخرج من المنزل. لم أتمكّن من العودة إلى عملي في المطعم وبقيت بدون أيّ مدخول بعد أن كنت المعيل الوحيد لأسرتنا. الأسرة كلّها تعاني الآن. قبل ذلك، لم يكن ينقصنا شيء - كانت مائدتنا عامرة وكنت أوفّر للجميع احتياجاتهم. كذلك موّلت التعليم الجامعيّ لأختي هنادي (24 عاماً) وأخي شادي (19 عاماً) لكنّهما لم يُتمّا سوى فصل واحد فقد عجزت عن دفع أقساطهما الدراسيّة بسبب الإصابة. قبل الإصابة كنت قد تمكّنت من توفير 2,000 دولار تقريباً لشراء سيّارة سفريات تضمن لنا مدخولاً إضافيّاً لكنّني صرفت كلّ ما ادّخرته تقريباً لتغطية مصاريف علاجي. منذ أصبحت عاطلاً عن العمل يزداد وضعنا سوءاً ولا أعرف كيف سنستطيع الاستمرار على هذا الحال. معاوية الوحيدي (43 عاماً وأب لاثنين، يُقيم في حيّ الزيتون في مدينة غزّة) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل قرب مكان عمله. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 11:00، حين كنت في صالون الحلاقة خاصتي سمعت انفجاراً قويّاً في الخارج. بعد ذلك مباشرة دخل إلى الصالون نادر الغزالي (46 عاماً) مضطرباً مذهولاً وقال لي: "أنقذوا معاوية! إنّه لا يستطيع التنفّس!". كانت حالته مروّعة. أخذته إلى الخارج وابتعدنا عن صالون الحلاقة نحو 30 متراً. كان الدّم ينزف من فمه ثمّ وقع أرضاً. حاولت أن أسعفه. نظرت حولي فرأيت في الشارع ما لا يقلّ عن أربعة شهداء ممدّدين قرب السيّارة التي انفجرت. عرفت من بينهم سعيد الحتو وزوجته ميسون الحتو. بعد ثلاث دقائق سقط صاروخ آخر بجانبنا تماماً فقُتل نادر على الفور. قُطعت رجلي اليسرى ونزف دمي منها طيلة عشرين دقيقة دون توقّف. جميع من حولي كان في حالة هلع. خفنا جميعاً من قصف جوّيّ آخر. الناس الذين تجمّعوا حولي استدعوا سيّارة إسعاف وعندما وصلت أخلتني من هناك فيما بقي جميع الشهداء على الأرض. أخذوني إلى مستشفى الشفاء ويبدو أنّني فقدت الوعي في الطريق إلى هناك. في المستشفى أدخلوني إلى غرفة العمليّات وقطعوا رجلي اليمنى. بعد ذلك علمت أنّهم كانوا يريدون قطع رجلي اليسرى لأنّها كانت في حالة صعبة، لكنّهم قرّروا معالجتها لاحقاً. بعد أن أمضيت أسبوعاً في المستشفى نقلوني للعلاج لدى منظمة "أطبّاء بلا حدود" التي تعتني بالجرحى وتعمل أيضاً في مستشفى العودة في شمال القطاع. أذكر أنّني في أثناء نقلي إلى هناك كنت أسمع قصف الجيش الإسرائيليّ. بقيت هناك أربعين يوماً تقريباً، رجلي مقطوعة وأعاني مشاكل كثيرة في رجلي الأخرى. بعد ذلك ابتدأت رحلة عذابي الحقيقيّة وهي مستمرّة منذ أكثر من سنة. ما زلت أعاني حتى الآن أوجاعاً في كلّ أنحاء جسمي. أتلقّى العلاج في المنزل مرّتين في الأسبوع على يد طاقم تابع للسّلطة الوطنيّة للعلاجات الطبيعية. رجلي اليسرى غير موجودة تقريباً وأنا بحاجة إلى رِجل اصطناعيّة هيدرولية لتخفيف وزن جسمي على الرّجل والتسهيل عليّ عند المشي. لكنّهم في مستشفى حمد في غزّة قالوا لي إنّهم لا يستطيعون مساعدتي في الحصول عليها لأنّ إسرائيل منعت إدخال قطع الأرجل الاصطناعيّة إلى قطاع غزّة. هنالك أيضاً كرسيّ عجلات خاصَ يمكنه أن يسهّل عليّ العمل لكنّه يكلّف ما يقارب 1,500 دولار ولا أستطيع اقتناءه حاليّاً. قدّمت لي إحدى الجمعيّات كرسيّ عجلات كهربائيّاً يمكنني بواسطته التجوّل في الخارج وأحياناً أتلقّى بعض المساعدات من أفراد. شقّتنا في الطابق الرّابع وبدون مصعد كهربائي مما يصعّب عليّ الخروج فأقضي معظم وقتي في المنزل. أشعر بأنّني عبء على عائلتي. زوجتي بدأت تعاني من انزلاق غضروفيّ في العمود الفقريّ لأنّها تبذل جهداً أكثر من اللّازم وأنا لا أستطيع أن أساعد في شيء في المنزل. شعوري بالعجز يؤثّر على جميع مَن في المنزل. ولداي سديم (8 سنوات) وسراج (11 سنة) كانا تلميذين متفوّقين لكنّ تحصيلهما الدراسيّ هبط منذ إصابتي. هما يشاهدان نوبات العصبيّة التي تنتابني طوال الوقت إلى درجة أنّني أحطّم أشياء في المنزل. لقد مرّت سنة منذ أن أصبت وما زلت أتصعّب في التخلّص من هذه الحالة النفسيّة. أصبحتُ ضحيةً للجيش الإسرائيليّ بينما كنت في عملي ولم أشكّل أيّ خطر على إسرائيل. أحياناً، عندما آتي إلى صالون الحلاقة أرى في مخيّلتي السيّارة وهي تحترق والشهداء والجرحى ممدّين على الأرض. أتذكّر نفسي حاملاً الشهيد نادر الغزالي وفارّاً من الصّاروخ الثاني. كلّما حدث لي ذلك أبكي وأشعر بالاختناق. أنا أحاول المجيء إلى صالون الحلاقة من حين لآخر وممارسة عملي ولكن عندما يدخل زبون ويطلب أن يقصّ شعره لا أقدر على ذلك أحياناً. كلّ ما أريده هو أن أرمّم صالون الحلاقة وأعود لمزاولة مهنتي مجدّداً. لقد عملت حلّاقاً طيلة 25 عاماً وكنت المعيل الوحيد في المنزل. الآن، رغم إعاقتي، أنا لا أتلقّى أيّة مخصّصات من أيّة جهة. أشعر بأنّني تحوّلت من صاحب مصلحة إلى شحّاذ متسوّل. إسحاق فيّاض (51 عاماً وأب لستّة، من سكان بيت حانون) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أصاب منزله إصابة مباشرة. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 19.5.22 فقال: ليلة 14.5.21 استضفنا نحو ستّين شخصاً من أقاربنا، نصفهم أطفال، في منزلنا في شارع البعلي وسط بيت حانون، لأنّ منزلنا يقع في منطقة تعتبر أكثر أمناً. قبيل منتصف اللّيل سمعنا أصوات انفجارات أخذت تقترب منّا أكثر فأكثر. عندما اشتدّ صوت الانفجارات راح الجميع يصرخون من شدّة الخوف. حاولت أن أهدّئهم وقلت لهُم إنّهم في أمان. صعدت إلى الطابق العلويّ وعندما وصلت إلى أعلى وكنت لا أزال في بيت الدّرج، في جزئه غير المسقوف، حدث انفجار هائل طيّرني مسافة ثلاثة أمتار على الأقلّ. بعد ثوانٍ معدودة انفجر صاروخ آخر أصاب منزل جيراننا. جميع حجارة الجدران والسّقف في بنايتنا كانت متناثرة في كلّ مكان ولم يبق منتصباً سوى العُمدان. رجلي اليمنى قُطعت تقريباً. كانت موصولة فقط بقليل من الجلد وشريان وقد حاولت أن أسحبها قريباً منّي. شظايا الصّاروخ أصابت رجلي اليسرى ودمي كان ينزف دون توقّف. أخذت أهبط الدّرج زحفاً حتى وصلت إلى الطابق الأرضيّ ومن ثمّ إلى الشارع. وهناك شاهدت أناساً كثيرين يركضون بهلع ويبحثون عن أبناء عائلاتهم. شعرتُ بدُوار. قام ابني إبراهيم (22 عاماً) وزوجته غزل (22 عاماً) بجرّي إلى منزل الجيران، عائلة الزعانين، وهناك ربطا رجلي لكي يوقفا النزيف. بعد عدّة دقائق أخذوني إلى خارج المنزل لكي تنقلني سيّارة الإسعاف إلى المستشفى. بعد نحو رُبع ساعة وصلت سيّارة إسعاف نقلتني إلى مستشفىً في بيت حانون. في المستشفى لفّوني بضمادات ثمّ نقلوني إلى المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا. رافقني إلى هناك ابني جاسر (23 عاماً). في الطريق أغمي عليّ ولم أستفق سوى بعد ظهر اليوم التالي لأجد نفسي في المستشفى. بعد أربعة أيّام نقلوني إلى مستشفى ناصر في القاهرة وهناك أجريت لي عشر عمليّات جراحيّة في الرّجلين وتمّ تركيب مثبّت في رجلي اليمنى. خلال تلك الفترة عانيت من أوجاع فظيعة وفقدت الكثير من وزني. كنت أبدو مثل هيكل عظميّ وبالكاد يمكن التعرّف عليّ. حالتي النفسيّة كانت سيّئة جدّاً ولكن من حسن حظّي أنّ وردة زوجتي آزرتني وكانت معي هناك طول الوقت. أمضيت في المستشفى في القاهرة تسعة أشهر ثمّ في 13.3.22 عدت إلى غزة واستأنفت العلاجات لدى منظّمة "أطبّاء بلا حدود" في مستشفى العودة. قال لي الطبيب هناك إنّه يجب قطع رجلي اليمنى فصُدمت من أنّ الأمور قد وصلت إلى هذه الدرجة. وبالفعل بعد ثلاثة أسابيع تقريباً قطعوا رجلي. ثمّ أجريت لي عمليّتان جراحيّتان إضافيتان في الرّجل وما زلت أتلقّى العلاج الطبيعيّ حتى اليوم. إضافة إلى ذلك، أصبت بمرض السكّري وارتفاع ضغط الدّم لكن الأدوية التي أحتاج إليها لا تتوفّر في الصيدليّات الحكوميّة في القطاع مما يضطرني إلى شرائها على حسابي الخاصّ. على سبيل المثال، الحبة الواحدة من دواء فلوكورال، المضاد لالتهاب الرّجلين، تكلّفني 13 شيكل. منذ أن قطعوا رجلي أكاد لا أخرج من المنزل لأنّ شقّتنا في الطابق الثاني والبناية بدون مصعد كهربائي وعندما خرجت ذات مرّة وقعت على الدّرج. قبل إصابتي كنت في حركة دائمة بحُكم عملي في تجارة المواشي. لستُ معتاداً على العطالة وملازمة المنزل. على الأقلّ يأتي الأصدقاء المقرّبون لزيارتي أحياناً، كي لا أبقى وحيداً. مجد العجلة (21 عاماً، طالب حقوق، من سكان حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة) أصيب جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وهو يقف قرب منزله ويعاني منذ إصابته من إعاقة حركيّة ومشاكل في النطق. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 26.5.22 فقال: في يوم الأحد الموافق 15.5.21 خرجت من منزلي في حيّ الشجاعيّة، وعند السّاعة 13:00 تقريباً حينما كنت لا أزال قرب المنزل أطلق صاروخ من طائرة فسقط قريباً منّي. قُتل جرّاء هذا القصف ثلاثة من أقاربي هم: يحيى العجلة (24 عاماً) وسيف الدين أبو العطا (18 عاماً) - وكان قد فرّ من منزله في شرق الشجاعيّة ولقي حتفه قرب منزل عمّه - ومحمد بهار (17 عاماً) وقد قُتل عند مدخل منزل أخيه. أنا وأخي محمد أصبنا بجروح بالغة. كنت غائباً عن الوعي طيلة 25 يوماً وعندما استفقت وجدت نفسي في مستشفى الشفاء. خلال تلك الفترة خضعت لعمليّات جراحيّة في الرأس بسبب كسر في الجمجمة وفي البطن بسبب شظايا تسبّبت بنزيف وأضرار في الامعاء. في 11.6.21 حصلت على تصريح وسافرت إلى المستشفى الأهليّ في الخليل وهناك أجريت لي عمليّات جراحيّة في اليد والرّجل اليمنى. بقيت هناك لمدّة نصف سنة ثمّ في 5.12.21 عدت إلى غزّة وكنت عاجزاً عن المشي والنطق لأنّ الإصابة في رأسي سبّبت لي شللاً في الجزء الأيمن من جسمي لم أستطع جرّاءه تحريك يدي اليمنى ورجلي اليمنى ولا تزال كلاهما ملفوفتين بالجبس. حاليّاً أنا في حاجة إلى زراعة عظم في الجزء الأيسر من الجمجمة. خضعت للعلاج الطبيعيّ والعلاج بالنطق في مستشفى الهلال الأحمر في غزّة، لكنّني ما زلت أتصعّب في النطق والمشي. أستعين بعكّازين إلى حين تركيب رجل اصطناعيّة في مستشفى حمد. حياتي كلّها تغيّرت منذ إصابتي - يدي ورجلي مشلولتان؛ الناس يتعاملون معي كعاجز وينظرون إليّ كمُعاق وهذا صعب جدّاً عليّ؛ معظم الوقت أحتاج إلى مساعدة الآخرين بسبب الشلل؛ وقد أدركت أنّ حياتي لن تعود كما كانت. أتلقّى العلاج النفسيّ بسبب مصاعبي النفسيّة في مجابهة وضعي. قبل إصابتي كان كلّ شيء عاديّاً - كنت طالب حقوق في السنة الثالثة في جامعة الأزهر في غزّة لكنّني لم أستأنف دراستي بسبب وضعي. كان حلمي أن أعمل في مجال المحاماة لأساعد الناس على تحصيل حقوقهم. وأمّي أيضاً كانت ترغب في أن يكون ابنها البكر متعلّماً وناجحاً. أنا مُنهك من طلب المساعدة من والدتي وإخوتي كل الوقت. هُم يساعدونني على ارتداء ملابسي، على تناول طعامي وشرابي وعلى دخول المرحاض. وهُم يرافقونني أيضاً إلى جميع العلاجات. لا أستطيع التنقّل كما أشاء أو مجرّد أن الخروج إلى الشارع وقضاء الوقت مع أصدقائي. لقد فقدت قسماً من أصدقائي المقرّبين لأنّهم شعروا بأنّني أصبحت عبئاً عليهم. حياتي أمضيها في المستشفيات من علاج إلى علاج. أرجو ألا يستمرّ هذا العذاب وقتاً طويلاً. الطفلة سارة المتربيعي (5 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل فاخترق سقف منزل عائلتها الكائن في حيّ الصّبرة في مدينة غزّة. والدتها لينا المتربيعي (27 عاماً، أمّ لثلاثة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 22.5.22 فقالت: في 14.5.21 نحو السّاعة 20:30، كان زوجي زاهر (43 عاماً) يجلس في غرفة الصّالون وكنت قد أطعمت ابنتي سارة (5 سنوات). فجأة ودون سابق إنذار اخترق صاروخ سقف منزلنا وسقط في الغرفة التي كنّا جالسين فيها. قصفوا الشقّة التي من فوقنا. الرّكام غطّانا أنا وسارة. خفت أن يكون زوجي قد استُشهد وخشيت أن يكون الجيش الإسرائيلي استهدف منزلنا. سارة كانت تحت الحجارة تبكي دون توقّف وقد تمكّنت من سحبها قريباً منّي. بعد ذلك جاء زوجي وأخذها. كنت حاملاً في الشهر الخامس وشظايا الصّاروخ دخلت في بطني وظهري وذراعي اليمنى. ارتديت ملابس الصّلاة ثمّ أخذنا سارة إلى خارج المنزل لكي نعثر على سيّارة إسعاف أو سيّارة مدنيّة تُخليها إلى المستشفى. بعد بضع دقائق أغمي على سارة ثمّ وصلت سيّارة الإسعاف وأخذتها إلى مستشفى الشفاء حيث أدخلوها إلى قسم العناية الفائقة. كانت لديها إصابة في الجمجمة سبّبت لديها التهاباً في غشاء الدّماغ وكسر مفتوح في العمود الفقريّ وشظايا في العمود الفقريّ سبّبت شللاً في كلتي رجليها. قال لنا الأطبّاء إنّ حالتها حرجة للغاية وطلبوا أن نصلّي وندعو الله من أجلها. استعادت سارة وعيها بعد ثلاثة أيّام لكنهم لم يسمحوا لي بزيارتها سوى بعد ستّة أيّام. بعد ذلك نقلوها إلى قسم جراحة الأطفال في مستشفى الشفاء حيث مكثت أربعة أيّام. كانت حالتها خطيرة جدّاً - لم تكن قادرة على الإبصار أو النطق. بعد مضيّ عشرة أيّام، في 24.5.21، حصلنا على تصريح سفر إلى الأردن لمعالجة سارة في مستشفى الحسين. سافرنا عبر حاجز "إيرز". في المستشفى، هناك، خضعت سارة لأكثر من عشرين عمليّة جراحيّة في الظهر، لإصلاح وإعادة تأهيل عمودها الفقريّ وتثبيته بواسطة بَراغٍ. كما أجريت لها عمليّة زرع جلد في رجليها. كانت حالة سارة النفسيّة صعبة جدّاً، حتى أنّها بالكاد كانت تأكل. كانت طوال الوقت تجهش بالبكاء وتصرخ وفي اللّيل كانت تنتابها كوابيس. تلقّت هناك علاجاً نفسيّاً أيضاً. بعد نحو أربعة أشهر، في 23.9.21، أنجبت ابني عبد الله في مستشفىً في الأردن، في جراحة قيصريّة. فترة التعافي من العمليّة القيصريّة وعلاجات تأهيل سارة كانت من أصعب فترات حياتي. عدنا إلى غزّة في 17.11.21، بعد أن نصف سنة تقريباً من إصابة سارة وكانت حالتها لا تزال صعبة. لم تكن قادرة على المشي وبالتالي ملازمة لكرسيّ عجلات. لم يتحسّن وضعها حتى يومنا هذا وقد حوّلها الأطبّاء في مستشفى حمد للعلاج الطبيعيّ وآخذها للجلسات مرّة كلّ أسبوع أو أسبوعين. تعاني سارة أيضاً من عدم التحكّم بالبول ولذلك أفرغ بولها بواسطة أنبوب وأغيّر حفاضاتها بانتظام. وحيث أنّ زوجي عاطل عن العمل فنحن لا نستطيع أن نوفّر لسارة جميع احتياجاتها. أحياناً نحصل على حفاضات كتبرّع من جمعيّات ومنظمات إغاثة. لكي تتمكّن سارة من التنقّل استأجرنا شقّة في الطابق الأوّل من بناية فيها مصعد كهربائي، مقابل 500 شيكل شهريّاً. حالة سارة ما زالت غير مستقرّة وهي تظلّ متعبة معظم الوقت ولكن رغم ذلك آخذها إلى الروضة في الفترات التي تتلقّى فيها العلاج. الحمد لله أنّها تحبّ أصدقاءها وهُم يساعدونها ولا يُبقونها وحدها أبداً. هي لا تفهم وضعها كثيراً. أحياناً تسأل لماذا قصفها الجيش ولماذا هي لا تزال مريضة فأقول لها إنّها قويّة. عليّ أن امسك بها أثناء استحمامها وأن ألبسها ملابسها وهذا صعب ومُتعب جدّاً. ولكن رغم أنّ الأمر مُنهك فأنا أريدها أن تبقى فعّالة ونشيطة قدر الإمكان، إذ ربّما يُلهيها ذلك قليلاً عن إعاقتها. عندما تكون في المنزل تزحف على الأرض أو تجلس على الكنبة أو على كرسيّ العجلات. هي لا تزال خائفة طوال الوقت من احتمال حدوث مكروه وتطلب منّا ألا نتحدّث عن إصابتها أو عن الحرب. عندما تنظر إلى نفسها في المرآة تطلب منّي أحياناً أن أغطّي رجليها لأنّ رؤيتهما تزعجها لكنّني أصرّ أحياناً أن تسمح لنفسها بالنظر إلى موضع إصابتها فربّما يساعدها ذلك على تقبّل وضعها. هي تصاب بذُعر شديد من أيّة ضجّة قويّة وتخاف أن تبقى وحدها في المنزل، لذلك فأنا كثيراً ما أصحبها في نزهات إلى شاطئ البحر لكي تروّح عن نفسها وتهدأ. أيّ ذنب ارتكبته سارة؟ هي كانت جالسة في المنزل فقط تتناول وجبة العشاء. لقد قصفونا دون سابق إنذار وسلبوا ابنتي كلّ شيء جميل في حياتها. قلبي يتقطّع ولكن قرب سارة أحاول أن أبقى قويّة وأخفي عنها حسرة قلبي. هي بحاجة الآن إلى إعادة تقييم لوضعها في مستشفىً خارج القطاع لأنّه لا تتوفر هنا الموارد التي يمكن أن تساعدها. تستطيع تلقّي علاج جيّد خارج القطاع فقط، في مستشفيات الدول العربيّة أو في إسرائيل أو في أوروبا. فرح البحطيطي (6 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وسقط خارج منزل عائلتها الكائن في حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة. والدتها هبة البحطيطي (32 عاماً وأمّ لستّة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 19.5.22 فقالت: في 12.5.21، اليوم الأخير من شهر رمضان، نحو السّاعة 14:00، أرسلتُ ابنتي الصّغيرة فرح لشراء بعض الحاجيّات من دكّان قرب بيتنا. كانت سهام (30 عاماً)، شقيقة زوجي، تنظّف الدّرج فرأت فرح ذاهبة ونادتها لترجع إلى البيت لأنّها خشيت أن يصيبها سوء. فجأة سمعنا انفجاراً مدوّياً في الخارج - تحطّم زجاج جميع النوافذ وتناثرت حجارة البناية في الهواء. عندما سمعت سهام تصرخ "لقد استُشهدت فرح!" ركضتُ إلى الخارج فرأيت سيّارة تحترق وفي داخلها شهيد لم أميّزه. بجانب السيارة كان ثمة جرحى كثيرون. كانت فرح ملقاة على الأرض مغمىً عليها، قريباً من المنزل. وكان دمها ينزف من كلّ أنحاء جسمها. صُدمت وهالني حالُها وكنت على وشك الانهيار لظنّي أنّها ربّما استُشهدت. صرخت عمّتها وفاء (23 عاماً) تقول إنّ فرح على قيد الحياة ثمّ شرعت تبحث عن سيّارة تُخليها من هناك. أخذوا فرح إلى قسم العناية الفائقة في مستشفى الشفاء وهناك شخّصوا حالتها بأنّها خطيرة جدّاً. بعد نصف ساعة على إخلاء فرح جاءت سيّارة إسعاف أخرى وأخلت سهام، إذ كانت قد أصابتها شظايا في رجلها اليسرى. ظلّت فرح غائبة عن الوعي طيلة 12 يوماً. فترة طويلة جدّاً، حتى أنّني خشيت ألا تستردّ وعيها. سمحوا لشخص واحد فقط بالدّخول إلى غرفة العناية الفائقة فكان رفعت زوجي (39 عاماً) هو الذي يزورها. قال إنّ وضعها صعب جدّاً ورجلها اليسرى ويدها اليسرى قد تهشّمتا تماماً. لم يكن باستطاعتي فعل أي شيء من أجلها سوى الصّلاة والدّعاء. خضعت فرح لعدّة عمليّات جراحيّة، بضمنها استئصال الأمعاء وتركيب بلاتين في يدها ورجلها. عندما خرجت من العناية الفائقة لم تكن تتكلّم أو تسمع جيّداً ولم تتعرّف على أيّ منّا. طيلة أسبوعين ظننت أنّها خرست أو فقدت القدرة على النطق. صرت أزورها ومعي إخوتها وأبناء عمومتها وأصدقاؤها وحينئذٍ بدأت تستجيب قليلاً. قدّمنا عدّة طلبات للحصول على تصريح لمعالجتها في مستشفىً في الأردن وأخيراً حصلنا في 3.6.21 على تصريح للسّفر عبر حاجز "إيرز". سافرت مع فرح عبر حاجز "إيرز" إلى المستشفى التأهيليّ في الأردن. كانت لديها إصابات أيضاً في مؤخّرة رأسها وشظايا في الرّئتين والبطن والعُنق وفي يدها اليسرى وكفّي قدميها كما في عينها اليسرى وأذنها اليمنى. الشظايا التي في يدها اليسرى سبّبت ضرراً في عصب الرّسغ والشظايا التي دخلت إلى كفّي قدميها سبّبت ضرراً للأوتار. كذلك فقدت فرح الكثير من أنسجة الجلد وخضعت لعمليّات زرع جلد في البطن والرّجل اليسرى كما خضعت أيضاً لفحوصات وصور كثيرة في المستشفى. أمضينا في الأردن ثلاثة أشهر ثمّ عدنا إلى غزّة في 5.9.21 واستأنفت فرح علاجها التأهيليّ في المستشفى الأردني في غزّة. عندما تحسّن وضعها صارت تمشي. حاليّاً هي تتلقّى العلاج الطبيعيّ في المنزل على يد مُعالج من "الجمعيّة الوطنيّة للتأهيل". اليوم تستطيع أن تُمسك بأشياء خفيفة الوزن بيدها اليمنى لكنّها لا لا تستطيع التحكّم بيدها اليسرى بعد. ينبغي أن تضع فرح ضمادات ضغط تكون مشدودة مباشرة على الجلد لمنع تورّمه لكنّها تُزيلها أحياناً لأنّها تضغط عليها كثيراً ولا تتحمّلها. تحتاج فرح إلى زرع جلد وإعادة بناء الأوتار المتضرّرة وسوف نذهب في نهاية الشهر لفحص لدى مختصّ في الأطراف. كلما نظرت فرح إلى جسمها في المرآة تبكي وتسأل "لماذا فعل الإسرائيليّون هذا بي؟". ما زالت تخاف هدير الطائرات وكلّما سمعته تظنّ أنّها جاءت لتستهدفها. أحاول أن أهدّئها وأطمئنها، أقول لها إنّ الحرب قد انتهت ونحن جميعاً هنا معك. دائماً تنتابها كوابيس في اللّيل وهي تخاف من أمور بسيطة - حتى من الماء أثناء الاستحمام ومن الأطبّاء والحقن. منذ إصابتها تعاني فرح من التبوّل اللّاإراديّ وأنا أضع لها حفاضات بشكل دائم. كنت أنام بجانبها في اللّيل وفقط مؤخّراً صارت تقبل أن تنام لوحدها. الآن هي تنام بجانب أختها رغم أنّها ما زالت خائفة وقلقة. فرح تذهب إلى صفّ البستان في الأيّام التي ليست فيها علاجات أو فحوصات ولكن ليس من السّهل عليها التعامُل مع أسئلة الأطفال عن وضعها. أخشى طوال الوقت أن يؤذيها طفلٌ في البستان، ولو بشكل غير متعمّد. تلقّينا دعماً من سيّدة فاضلة تبنّت فرح وتكفّلت بمصاريف سفرنا إلى الأردن وإقامتنا هناك. لكنّ وضعنا الاقتصاديّ الآن سيّء للغاية - نحن نسكن في شقّة واحدة في اكتظاظ شديد مع 28 شخصاً من العائلة. مصدر معيشتنا الوحيد مدخول زوجي من بسطة الفواكه خاصّته وهو لا يكفي لسدّ احتياجات أطفالنا الستّة: التوأم بولا وفؤاد (15 عاماً) ومحمد (13 عاماً) وأحمد (11 عاماً) ويوسف (8 سنوات) وفرح (6 سنوات).

30 آب/أغسطس 2022