في اليوم التالي حين كان المخيّم لا يزال تحت حظر التجوّل تجمّع شبّان خارج منزل أسرة قراقع. جاء جنود إلى المكان وأخذوا يشتمون الشبّان ويأمرونهم بالدّخول إلى المنزل. كانت مجموعة من الشبّان تقف عند مفترق وأخذت ترشق الحجارة نحو الجنود الذين كانوا يقفون عند آخر منحدر الشارع. أخذ الجنود يطلقون نحو الشبّان الرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط. ركض عدد من الفتية ومعهم الفتى ناصر القصّاص (16 عامًا) نحو شارع مجاور وفوجئوا بثلاثة جنود يخرجون من أحد الأزقّة. ذُعر الفتيان ولاذوا بالفرار وحين كانوا بالكاد قد قطعوا بضع خطوات سمعوا طلقتين أصابت إحداهما ناصر القصّاص في ظهره. توفّي ناصر لاحقًا في اليوم نفسه متأثرًا بجراحه.
في اليوم التالي الموافق 17.4.89 كان مخيّم الدّهيشة لا يزال تحت حظر التجوّل ولذلك دُفن القصّاص في قرية إرطاس المجاورة وشارك في تشييعه كثير من سكّان مخيّم الدّهيشة الذين خرجوا من المخيّم عبر التلال. في طريق عودتهم حين أصبحوا قرب المخيّم التقوا بجنود وأخذ بعض الأولاد يرشقون الجنود بالحجارة والجنود يطلقون بدورهم النيران نحوهم. في مكان قريب كانت تقف الطفلة رفيدة أبو لبن (13 عامًا) دون أن تشارك في رشق الحجارة وكانت قد شاركت في تشييع القصّاص. أصيبت رفيدة برصاصة اخترقت رأسها من الخلف وخرجت من بين عينيها. نُقلت إلى مستشفًى قريب وتوفّيت بعد مضيّ دقائق معدودة متأثرة بجراحها.
حضر إلى منزل الأسرة ضابط ليستفسر حول ملابسات مقتل رفيدة واقترح على العائلة تسليم جثمانها للجيش لأجل تقصّي الموضوع. ردّ عليه والدها قائلًا إنّه لم يكن معهم سلاح وعليه فهناك تفسير واحد فقط لمقتل ابنته. عبّر الضّابط عن اعتقاده بأنّها توفّيت جرّاء حجر أصابها ودعا الأب إلى مكاتب الإدارة المدنيّة للتحدّث معه هناك لكنّ الأب رفض.
من سكّان مخيّم الدّهيشة للّاجئين في محافظة بيت لحم, 17.4.89
التحقيق في الحادثة (خلال سنتها الأولى كان عمل بتسيلم يجري على شكل تحقيقات من هذا النوع):
في صباح يوم السّبت الموافق 15.4.89 فرض الجيش حظر تجوّل على مخيّم الدّهيشة للّاجئين وأعلن عبر مكبّرات الصّوت أنّ كلّ من يخرق حظر التجوّل سوف يُقتَل. نحو السّاعة 14:00 ذهب عماد قراقع البالغ من العمر 23 عامًا ليُطعم مواشيه في حظيرة توجد فوق عريشة ملاصقة لمنزل الأسرة. بعد وقت قصير سمع الأهل صرخة وركض صديق عماد إليه فوجده جريحًا. توفّي قراقع بعد ذلك بوقت قصير.
في ذلك الصّباح نحو السّاعة 9:30 كنت أنشر الغسيل على سطح المنزل ثمّ نزلت إلى غرفة ابنتي البكر رفيدة وكانت حينذاك تبلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا ونصف. أردت إيقاظها لكي تحمّم أخويها الصّغيرين البالغين من العمر سنتين وثلاث سنوات ولكي تساعدني في أعمال المنزل قبل خروجي إلى العمل في مطبخ مستشفى الكاريتاس في بيت لحم. ظننتها نائمة ولكنّها لم تكن في فراشها. لم أعرف إلى أين ذهبت.
قبل أن أفهم ما الذي يجري جاء إلى منزلنا شابّان وأخبرانا أنّ رفيدة قُتلت ولكنّي لم أصدّقهما. ذهبنا أنا ووالدها إلى المكان الذي وجّهنا إليه الشابّان وهكذا علمت أنّها قُتلت.
لا زلت أذكر كلّ شيء بالتّفصيل. ذهبنا من هناك إلى المستشفى حيث رأيتها ممدّدة في السرير. علمت أنّها أصيبت برصاصة في الجزء الخلفيّ من رأسها. كان المشهد مروّعًا. طوال ذلك اليوم لم أتوقّف عن الصّراخ ولطم رأسي. لم أصدّق أنّني فقدت ابنتي البكر. لقد كانت ساعدي الأيمن.
كانت رفيدة تلميذة مجتهدة وذات شخصيّة قويّة. كانت تساعدني في أعمال المنزل والاعتناء بأخويها الصّغيرين بعد إتمام واجباتها المدرسيّة وفي العطل كانت تخرج مع والدها وتساعده في بيع الخضار.
لقد كسرني موتها وترك حسرة في قلبي. ترك غيابها فراغًا كبيرًا في الأسرة وحزنًا عميقًا. عشنا في حزن دائم طيلة سنين وبالأحرى حتى هذه اللّحظة. أنا أذكرها بوضوح حتى يومنا هذا. صورتها معلّقة على حائط غرفة الصّالون وأنا أنظر إليها طوال الوقت. لقد مرّت السّنون وكبر إخوتها في هذه الأثناء. بعد مقتلها رُزقت بستّة أبناء وتركت مكان عملي لأنّني لا أقوى على العمل في الخارج والقيام بأعباء المنزل وحدي.
في حينه قدّمت إحدى منظّمات حقوق الإنسان شكوى بخصوص مقتل رفيدة لكنّني لا أعلم ماذا كانت النتيجة. كلّ ما أعرفه أنّ الجنديّ أطلق عليها الرّصاص لأنّه ظنّها صبيًّا - ربّما لأنّ شعرها كان قصيرًا. ولكن هل يُعقل أن يفعل جنديّ ذلك أن يطلق عليها الرّصاص من الخلف ويصيبها في رأسها!؟ كلّ ما فعلته أنّها شاركت في جنازة ووقفت جانبًا قرب المظاهرة. ولكن كما يقول المثل "حاكمك ظالمك تشكي أمرك لمين؟". هذا ما أقوله.
أنا أعيش هنا في مخيّم اللّاجئين منذ أن وُلدت. قُتل هنا الكثير من الفتيان والشّباب وكلّما ارتقى شهيد تذكّرت رفيدة. كانت من أصغر اللّواتي قُتلن في المخيّم. الناس لا يزالون يذكرونها فنحن كثيرًا ما نتبادل الحديث عنها مع أصدقائنا وعن اليوم الذي قُتلت فيه.
أولادي المتزوّجون أطلقوا اسمها على بناتهم بحيث أصبح لدينا اليوم حفيدتان تحملان الاسم رفيدة - ابنة هشام وابنة أحمد. كلاهما في الواحدة والعشرين من عمرهما اليوم. كذلك أطلق صديق لنا اسم رفيدة على ابنته وهكذا فعل أيضًا أحد الجيران لكي يخلّدوا ذكراها. كلّما التقيت إحدى هاتين الفتاتين أتذكّر رفيدة وأتخيّل أنّها ما زالت بيننا حيّة ترزق.
والدة رفيدة - عائشة أبو لبن (70 عامًا) وهي أمّ لسبعة أبناء، حدّثت في هذه السّنة باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش عن حياتها منذ أن فقدت ابنتها:
أسكن مع زوجي جليل في مخيّم الدّهيشة للّاجئين في بيت لحم وحولنا يسكن أولادنا المتزوّجون وأحفادنا. كلانا في السّبعين من عمره اليوم وزوجي مريض. حياتنا اليوم هادئة لكنّنا لن ننسى ذلك اليوم الذي قتلوا فيه رفيدة.
لم تتببيّن أيّة علاقة بين وفاة الطفلة ونشاط جيش إسرائيل في المنطقة… ضابط الدّورية برتبة رقيب خالف تعليمات إطلاق النّار. بسبب مرور أكثر من ثلاثة أشهر على تسريح الجنديّ لا يمكن جلبه لمحاكمة تأديبيّة وإنّما توبيخه فقط. إطلاق الرّصاص على يد ذلك الرّقيب - الأمر الذي تحقّقنا منه خلال مجريات التحقيق - كان مخالفًا للتعليمات ولكن لا علاقة بينه وبين وفاة الطفلة.
أعلاه رسالة مؤرّخة في 3.5.1990 أرسلها إلى بتسيلم الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي.