اقترب الجنود منه وضربوه فقال لهم "كسّ أختك" - هكذا هو يقول للجميع وعندها انقضّ عليه الجنود وأبرحوه ضربًا ولكمًا في جميع أنحاء جسمه بقبضاتهم وأعقاب بنادقهم.
حاولوا أن يزجّوا به داخل السيّارة لكنّه قاومهم فعادوا إلى ضربه. ناديت الجنود وقلت لهم بالعبريّة: "هذا مجنون بلا عقل" فقال لي جنديّ "هاتوا لنا شخصًا عاقلًا ونحن نجعله أسوأ من هذا". في النهاية دفعوه أرضًا ثمّ كبّلوا يديه إلى الأمام ووضعوه داخل الجيب. أخذت النساء والجيران يصرخون ويشرحون طوال الوقت أنّ محمد مجنون ولكن بلا فائدة. أخذوه في الجيب وخرجوا من القرية.
في بيت ريما في محافظة رام الله, 29.6.91
إفادة حسن عفيفة من سكّان قرية بيت ريما
سجّل الإفادة يوفال غينبار في 8.7.91
نحو الثانية من بعد ظهر يوم السبت الموافق 29.6.91 كنت في المنزل وشاهدت الشباب يفرّون من الجنود. كان محمد يجلس أمام منزل جيراننا. جاء جنود يرافقهم جيب كبير - نحو عشرة جنود - لكنّ محمد لم يفرّ من أمامهم - لأنّ عقله ليس سليمًا هو مجنون نوعًا ما.
في 29.6.91 اقتحم جنود قريتنا واندلعت مواجهات بينهم وبين شبّان من القرية. لم يشارك محمد في المواجهات ولكنّ الجنود صادفوه في طريقهم وهم يطاردون الشبّان. كان آنذاك في الـ23 من عمره. قيل لي لاحقًا إنّ الجنود اعتدوا عليه ثمّ أخذوه معهم في الجيب. احتجزوه في مستوطنة "حلميش" من ساعات الظهر حتى ساعات اللّيل ثمّ أخلوا سبيله في أعقاب توجّه رئيس المجلس المحلّي إلى الحاكم العسكري. بدلًا من أن يعيدوه إلى القرية تركوه قرب مستوطنة "حلميش" حيث التقاه صدفة أحد سكّان القرية وأعاده إلى المنزل. كان جسمه مليئًا بكدمات زرقاء غامقة نتيجة للضّرب المبرح الذي تعرّض له على يد الجنود.
منذ الحادثة يعاني محمد من الخوف المرضيّ (فوبيا). يخاف كثيرًا من الجيش وإذا سمع عن وجود الجيش في القرية يفرّ إلى داخل المنزل ويغلق على نفسه الباب. ذات مرّة بعد مضيّ ثلاثة أو أربعة أشهر على اعتداء الجنود عليه فرض الجيش حظر تجوّل على القرية فلم نخرج من المنزل. فجأة ونحن جالسين في السّاحة مرّت قرب المنزل دوريّة جيش فقفز محمد مذعورًا وفرّ إلى داخل المنزل وأغلق الباب ورائه. عندما شاهد الجنود ذلك اشتبهوا فيه فقفزوا من السيّارة وركضوا خلفه. أخرجوه من المنزل وأخذوا يضربونه. هم يضربون ونحن نشرح لهم أنّه يعاني إعاقة عقليّة ونتوسّل إليهم أن يتوقّفوا عن ضربه ويتركوه. حتّى أنّنا أريناهم تقارير طبّية من المستشفى ولكن دون فائدة. مضت ساعة ونحن نحاول إقناعهم. اتّصلنا بهيئات رسميّة لكي تتدخّل وفي النهاية أخلوا سبيله.
هذا الأمر تكرّر عدّة مرّات أقصد خوفه من الجيش وفراره ثمّ اشتباه الجنود فيه وملاحقتهم له وضربه. لكي نحميه من ذلك صرنا نحرص على إبقائه في المنزل خاصّة في فترة ما قبل إنشاء السّلطة الفلسطينيّة حين كان الجيش لا يزال يقتحم القرية بشكل شبه يوميّ. لكنّ الجيش يقتحم القرية اليوم أيضًا وعليه فالمشكلة لا تزال قائمة. قبل الاعتداء كان محمد يعمل في الزّراعة ويخرج إلى المرعى مع المواشي. كان قادرًا على الاعتناء بنفسه ويساعد أيضًا في إعالة الأسرة ولكن منذ الاعتداء عليه تدهور وضعه ويبدو أنّه لا يمكن تلافي الضّرر الذي سبّبوه له. لقد ازداد وزن محمد كثيرًا لأنّه يجلس طوال الوقت في المنزل ولا يعمل شيئًا.
أحيانًا تنتابه في اللّيالي كوابيس ويصرخ قائلًا أشياء كثيرة مثال "يريدون إطلاق النّار عليّ! يريدون قتلي!" أو "لقد هجموا عليّ، أخ بطني. توقّفوا عن ضربي. كفى!". هذيان من هذا النوع وكلّه يدور حول الجيش. أحيانًا يمشي وهو نائم ويحلم بالجيش فتهبّ الأسرة كلّها من نومها بسبب الجلبة التي يُحدثها. في الآونة الأخيرة صار يهذي كثيرًا وأحيانًا يحدّث نفسه وأحيانًا يحدّثنا نحن لكنّه يقول جملًا غير مفهومة وغير مترابطة.
لقد حدث أن اعتدى جسديًّا على أفراد الأسرة. ذات مرّة هجم على والدي وشقيقتي وفي مرّة أخرى هاجمني ولكنّي أعرف كيف أتعامل معه وأضبطه. سلوكه يضرّ أيضًا بعلاقاتنا مع الجيران ويجعل من الصّعب علينا استقبال الغرباء لأنّهم لن يفهموا لماذا يتصرّف هكذا. المرحوم والدي كان أكثر من عانى من هذه المشكلة فبعد كلّ حادثة من هذا النوع كان يضطرّ للذهاب لمصالحة الناس والأخذ بخاطرهم ممّا كان يسبّب له حرجًا كبيرًا. حتى والدتي وهي المسنّة التي بلغت الثمانين من عمرها تعاني من أفعال محمد وتصرّفاته.
لقد أخذناه إلى الكثير من مراكز الصحّة النفسيّة والأخصّائيّين وهو يتناول أدوية مهدّئة لكنّها لا تفيده دائمًا. حتى إذا تحسّن وضعه لفترة معيّنة يعود ويتراجع مجدّدًا. هذه المأساة التي نعيشها سبّبها الجيش ولكن لم تتمّ محاسبة أحد على ذلك. في حينه جاء مندوب بتسيلم - لا أذكر اسمه - ووثّق الحادثة وقُدّمت شكوى في هذا الشأن. أنا أدليت بأقوالي في مكاتب الإدارة المدنيّة في مستوطنة "حلميش" وكذلك شهود آخرون من القرية قدّموا إفاداتهم. علمت في حينه أنّهم باشروا التحقيق في الحادثة ولكنّ الملف أغلق في نهاية الأمر دون التوصّل إلى نتيجة. أسرتنا وحدها من تتحمّل عواقب الأضرار الجسديّة والنفسيّة التي سبّبوها لأخي.
ساهر البرغوثي - شقيق محمد - البالغ من العمر 56 عامًا وهو أب لسبعة أبناء ويقيم في بيت ريما في محافظة رام الله كان قد تحدّث في هذه السّنة إلى باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد واصفًا أمامه تأثير الحادثة على حياة الأسرة كلّها:
عندما كان أخي محمد طفلًا صغيرًا أصيب أخي محمد بمرض التهاب السّحايا (الأغشية الدّماغيّة) ونتيجة لذلك تضرّر ذكاؤه وقدراته التعلّميّة فلم يعد قادرًا على الاعتناء بنفسه ولم يتعلّم في المدرسة. في حينه لم يكن هناك وعيٌ بهذه الأمور ولم يهتمّ أحد بإقامة مدارس لذوي الاحتياجات الخاصّة.1. في أعقاب الشكوى التي قدّمتموها في الموضوع أعلاه أجرينا تحقيقًا قامت به وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة. 2. تبيّن من الأدلّة أنّه خلال مطاردة راشقي حجارة في قرية بيت ريما قبض جنود على أحد الأهالي الذي شوهد يرشق الحجارة وعندما قاوم الاعتقال كلاميًّا وجسديًّا استخدم الجنود قوّة معقولة لأجل اعتقاله. 3. يُشار إلى أنّ الأدلّة تُظهر أنّ الجنود لم يدركوا على ما يبدو أنّ الشخص يعاني من إعاقة عقليّة. 4. على ضوء هذه الملابسات لم نجد أنّه ينبغي الإيعاز باتّخاذ إجراءات قضائيّة أيًّا كانت ضدّ الجنود وعليه فقد أغلق ملفّ التحقيق. 5. لاطلاعكم.
أعلاه رسالة مؤرّخة في 4.2.92 أرسلها إلى بتسيلم المقدّم شلومي تسيبوري رئيس شعبة الرقابة القضائيّة والإرشاد في النيابة العسكريّة.