رأيت جنودًا يتجوّلون بين المنازل. في مرحلة معيّنة طرقوا باب منزل شقيقتي أمّ نضال. فتح الباب ابنها نضال (19 عامًا) وأخي يونس (22 عامًا). أمرهما الجنود أن يخلعا قميصيهما ويستديرا ثمّ طلبا منهما أن يقوما بنقل جريح من المنزل المجاور اسمه عزّت أبو محسن. رأيت يونس ونضال يحملان عزّت ويسيران به مسافة نحو مئة متر في اتّجاه الجنود. في اللّحظة نفسها رأيت الجنود يكبّلون يدي يونس خلف ظهره ويأمرونه بالجلوس على بُعد مئتي متر منهم. بعد ذلك أخذوا يتحدّثون مع نضال.
بعد مضيّ نحو ربع السّاعة طرق نضال باب منزلي بشدّة لدرجة أنّ طفلتي وعمرها سنة واحدة ذُعرت وأجهشت بالبكاء. فتحت الباب وسألته لماذا يطرق بهذه الطريقة فقال لي "طلب الجنود منّي أن أطرق بشدّة وإلّا فسوف يطلقون النّار عليّ".
خرجت من المنزل مع زوجتي وطفلتي وأخي إبراهيم (32 عامًا). كبّل أحد الجنود يديّ إلى الخلف بحبل أبيض ثمّ فتّش أخي إبراهيم وكبّل يديه إلى الخلف وأمرنا بالجلوس حيث يجلس بقيّة الناس. سمعت الجنود يأمرون نضال أن يذهب معهم في اتّجاه مدرسة السّواقة لصاحبها فايق أبو محسن والتي تبعد مسافة نحو مئة متر عن المنازل ونحو مئتي متر عن المكان الذي أجلسونا فيه.
لاحقًا علمت أنّ الجيش يفتّش عن "مطلوبين" موجودين في منزل محمد أبو محسن القريب من منزل نضال. لم يكن الرّجل في منزله فأخذ الجنود زوجته سناء وحققوا معها طيلة نصف ساعة تقريبًا ثمّ أمروها بالجلوس قربنا. قالت لنا إنّ الجنود ألبسوا نضال ملابس عسكريّة وأعطوه كلبًا أسود وأضافت أنّ نضال ذهب في اتّجاه المنازل التي تبعد نحو مئة متر عن هناك وأنّها لم تره بعد ذلك. كان معنا فتًى يدعى محمد (14 عامًا) وهو أيضًا قال إنّه رأى نضال يذهب في اتّجاه المنزل وهو يرتدي "شيئًا" عسكريًّا ويمسك بكلب أسود. بعد التفجيرات أطلق الجنود نيرانًا كثيفة نحو منزل محمد ثمّ اقتحموا منزل الجار إبراهيم سعود. رأيت الجنود يدخلون إلى المنزل ويطلقون النيران. بعد ذلك جاءت جرّافتان وأغلقت إحداهما الشارع وهدمت الثانية منزل محمد.
سمعت صوت طلقات ورأيت الجنود يطلقون النّار نحو أحد المنازل. بعد ذلك سمعت انفجارات قويّة داخل المنزل. أعتقد أنّ الجنود أطلقوا عليه صاروخًا. سمعت أربعة انفجارات ثمّ رأيت دخانًا كثيفًا يتصاعد من المنزل.
بعد عشرين دقيقة تقريبًا رأيت أربعة جنود يحملون شخصًا على نقّالة وعندما وصلوا إلى المدرسة ألقوه كما يلقون النفايات. لم نعرف مَن ذاك الشخص لأنّنا كنّا نبعد مائتي متر عن الجنود. كان يرتدي قميصًا رماديًّا وبنطالاً أسود. لم ننشغل كثيرًا بالأمر لأنّنا اعتقدنا أنّه أحد المطلوبين الذين كان الجيش يفتّش عنهم.
نحو السّاعة 17:30 حرّك الجنود مركباتهم وأخرجوا الجرّافات وجمعوا معدّاتهم. كان هناك أكثر من ستّين جنديًّا وأكثر من عشرة جيبات وجرّافتان. كذلك وقفت دبّابتان على بُعد كيلومترين من موقع الحادثة. مشينا في اتّجاه المنازل لكي نشاهد ما يحدث فرأينا أنّ المنازل التي كان الجنود فيها قد تضرّرت بشدّة. جميع الأبواب والنوافذ محطّمة والأثاث قد تلف بسبب إطلاق النيران.
رأينا رأس رجل وجزءًا من صدره يظهر من تحت الأنقاض. قال بعض النّاس إنّ هذه أجزاء من جثّة نصر جرّار من سكّان جنين الذي كان ضيفًا عند محمد. لم نجد هناك سلاحًا أو جثثًا أخرى. أخذ الناس يزيحون الرّكام ونحن ذهبنا لكي نبحث عن نضال. ظننّا أنّ الجنود احتجزوه داخل أحد كرفانات مدرسة السّواقة وعندما لم نجده هاتفتُ بتسيلم وحدّثت نمرود المسؤول عنّي بما جرى فقال لي إنّ نضال قُتل خلال الحادثة.
في مدينة طوباس، 14.8.02
إفادة علي دراغمة باحث بتسيلم الميدانيّ - شاهد عيان
سجّل الإفادة بنفسه في 15.8.02
يوم أمس عند السّاعة 13:00 ظهرًا كنت في منزلي في طوباس في الحيّ الشرقيّ. رأيت من منزلي حافلة صغيرة من نوع فولكسفاجن تدخل إلى الحيّ من جهة الشمال ثمّ ترجّل منها نحو عشرة جنود وفورًا أطلقوا النار في الهواء. دخلوا إلى منزل محمود أبو محسن. سمعت صراخ الجنود وصراخ أصحاب المنزل. عندما نظرت من النافذة الشمالية الشرقية رأيت عشرة جيبات عسكريّة اثنان منها تابعان لحرس الحدود.
خرج هو قبلنا ولم أرَه بعد ذلك. اقتادنا الجنود إلى منطقة قرب المقبرة وبقينا هناك طيلة أربع أو خمس ساعات وكنّا نسمع طوال الوقت أصوات الطلقات وصراخ الجنود وجلبة الجرّافات. كان الوضع صعبّا وكنّا خائفين جدًّا.
بعد أن غادر الجنود علمنا باستشهاد نصر جرّار - كان مختبئًا في أحد المنازل في الحيّ. بحثت عن ابني وأنا أبكي وسألت الرّجال إن كانوا قد رأوه فقالوا إنّ الجنود أخذوه معهم. أخذ الجميع يهدّئون من روعي ويقولون إنّه سيعود بعد قليل. هدأت قليلًا. كان أطفالي خائفين جدًّا وجائعين فكنت مجبرة على تهدئة نفسي والعودة إلى المنزل والاعتناء بهم.
كانت حالة المنزل مريعة بعد أن عاث فيه الجنود خرابًا. حتى الملابس داخل الخزائن كانت ممزّقة. مزّق الجنود أيضًا الزيّ المدرسيّ الذي كنت قد أعددته لبناتي. ولكنّي أقول ليتهم هدموا المنزل مرّات ومرّات وبقي نضال حيًّا.
في ظهيرة اليوم التالي أعادوا جثمان نضال. كان بلا حركة بلا حياة وبلا روح. وكان التراب يغطّي وجهه وشعره وملابسه. هم قتلوه وألقوه جانبًا وتابعوا أعمالهم وفقط بعد ذلك نقلوا جثته. لاحقًا حدّثني السكّان أنّ الجيش اختار نضال من بين الجميع لكي يستخدمه كدرع بشريّ بمعنى أن يتقدّم هو الجنود. عندما وصل إلى أحد المنازل أطلقت عليه النيران من الدّاخل لأنّهم ظنّوه جنديًّا إسرائيليًّا وأصابوه في رأسه.
نحن في حزن وحسرة منذ ذلك الوقت. قُتل نضال قبل 16 عامًا ولا زلت أشعر كأنّ ذلك حدث أمس. هذه الحادثة مزّقتني وقضت عليّ. قبل ستّ سنوات أصبت بمرض القلب ربّما بسبب كلّ هذا الحزن والألم. خضعت لعملية جراحيّة تمّ خلالها تركيب أربع دعامات في القلب.
بتّ أكره الأعياد. في كلّ مرّة قبل العيد ببضعة أيّام ينقبض صدري لأنّني أتذكّر نضال وزيارات إخوتي وأعمامي لنضال في تلك الأيّام. أتخيّل كيف ستكون أمورنا لو أنّه بقي على قيد الحياة. بالتأكيد كان سيتزوّج وحين نجتمع كلّنا كعائلة سيكون هناك أحفاد يلعبون ويتراكضون حولنا. من عاداتنا أنّ الرّجال يزورون بنات العائلة في الأعياد ولكنّ زوجي يخرج وحده لزيارة بناتنا. لو كان نضال حيًّا لرافق والده وكان سندًا له. ليس لنا من نعتمد عليه في هذه الحياة.
والدة نضال - منى أبو محسن دراغمة البالغة من العمر 57 عامًا وهي أمّ لعشرة أبناء، تحدّثت في هذه السّنة إلى باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي مفصّلة عن الحادثة وعن حياتها منذ أن فقدت ابنها:
استُشهد ابني البكر نضال في 14.8.02 عندما كان في الـ19 من عمره. هذه الحادثة الصّادمة والمؤلمة أثّرت علينا جميعًا. اقتحم الجنود الحيّ الذي كنّا نسكنه وأمروا الجميع بالخروج من منازلهم. كنّا آمنين في منزلنا حتّى جاء الجنود وأخرجونا منه. خرجت مع أولادي الذين كان معظمهم صغارًا. نضال البكر كان في الـ19 ولكن محمد البالغ من العمر اليوم 21 كان طفلًا لم يتجاوز الخامسة من عمره. أنا أذكر آخر ما قاله ابني البكر: "أمّي اخرجي مع أخواتي".
1. تبيّن من تقصّي الموضوع أنّه خلال عمليّات قامت بها قوّات الجيش الإسرائيلي من أجل القبض على مخرّب في تاريخ 14.8.02 في قرية طوباس، استعانت القوّات بنضال أبو محسن. طُلب من السيّد أبو محسن المقيم في جوار المنزل الذي اختبأ فيه المخرّب أن يمرّ بين المنازل في محيط المكان الذي مكث فيه المخرّب وأن يطلب من السكّان الخروج وذلك لتجنّب المسّ بالأبرياء قدر الإمكان.
2. أظهر التقصّي أنّ قادة القوّات في المكان لم يقدّروا أنّ استعانتهم بالسيّد أبو محسن سوف تعرّض حياته للخطر.
3. لمزيد الأسف أطلقت خلال الحادثة عدّة رصاصات نحو السيّد أبو محسن يبدو أنّ من أطلقها هو المخرّب وقُتل جرّاءها. ..
4. حادثة موت نضال أبو محسن مأساويّة ومؤسفة. مع ذلك وبالنظر إلى مجمل ملابسات الحادثة تقرّر أنّه لا داعٍ لاتّخاذ إجراءات أخرى فيما يتعلّق بالشكوى.
أعلاه رسالة مؤرّخة في 9.7.03 أرسلتها إلى بتسيلم العقيد عينات رون رئيسة النيابة العسكريّة.