يوجد في الطّابق الثاني أربع غرف. غرفتان تطلّان جنوبًا وغرفتان تطلّان شمالًا. الجهة الجنوبيّة من منزلنا معرّضة للخطر إذ يقع على بُعد أقلّ من 250 مترًا منها برج مراقبة للجيش الإسرائيلي يسمّونه "برج زُعرب". كثيرًا ما أصاب الرّصاص منزلنا وعلامات ضرب الرّصاص تجدها عندنا على الأبواب والنوافذ والجدران والشرفات. في الماضي كانت غرفة نومنا في هذه الجهة ولكنّنا بسبب الخطورة انتقلنا إلى غرفة في الجهة الشماليّة من المنزل. الغرفة الجنوبيّة الغربيّة بقيت مهجورة لأنّها الأكثر تعرّضًا للخطر وفي الغرفة الشماليّة الغربيّة توجد عيادة صغيرة.
في يوم الأحد الموافق 28.11.04 وصل سمير إلى المنزل نحو السّاعة 15:00 أبكر قليلًا من وقته العاديّ. كان في المستشفى من السّاعة 8:00 صباحًا وحتى السّاعة 14:00 ولم يتأخّر هناك أكثر كما كان يحدث معه في أحيان كثيرة. تناول وجبة الغداء وجلس يساعد الأولاد في وظائفهم المدرسيّة وعندها جاء مريض إلى العيادة. بعد نصف ساعة أنهى فحص المريض وعاد إلى الأولاد. في هذه الأثناء أنهى الأولاد دروسهم وجلسوا يلعبون فلعب معهم. كان أبًا متفانيًا يكرّس للأولاد كثيرًا من وقته وكان الأولاد يحبّونه كثيرًا. لعب معهم سمير حتّى السّاعة السّابعة والرّبع وعندها أحضرت للأولاد وجبة العشاء. لم يكن سمير جائعًا لأنّه تناول طعامه في الثالثة لكنّه جلس إلى المائدة مع الأولاد لأنّهم كانوا يحبّون تناول الطّعام برفقته. قالوا له "إن لم تأكل فلن نأكل نحن أيضًا" فجلس وتظاهر بأنّه يأكل. بعد العشاء قرأ لهم قصّة ثم خلدوا إلى النوم في السّاعة 19:30 تقريبًا.
بعد أن نام الأولاد تفرّغ سمير لعمله مستخدمًا الحاسوب الموجود في غرفتهم وجلست أنا في غرفة الصّالون أستعدّ للامتحان فأنا طالبة في كلّية الشريعة في الجامعة الإسلاميّة فرع خانيونس. نحو السّاعة 20:00 سمعت في جهة الشّرق إطلاق نيران كثيفة وقذائف إسرائيليّة. كانت دبّابات متجمّعة قرب "برج زُعرب" وعلى امتداد الحدود مع مصر على بُعد كيلومتر أو 1.5 كم جنوب شرق منزلنا. لم أكترث للأمر لأنّنا اعتدنا مثل هذه الأحداث وخاصّة في ساعات المساء. هكذا هو الحال منذ اندلعت انتفاضة الأقصى.
بعد السّاعة 20:00 بقليل جاءت مكالمة لسمير من المستشفى لأنّهم يحتاجونه لأمر عاجل. استعدّ سمير ودخل إلى غرفة الأولاد لكي يراهم قبل أن يخرج. فتح سمير باب الغرفة وأطلّ من الشرفة ثمّ عاد إلى الغرفة أغلق باب الشرفة ونظر إلى الأولاد. في اللّحظة نفسها أصيب في الجهة اليمنى من بطنه. لم يقل سوى "آه آه". ركضت إلى الغرفة ورأيته يضع يده على بطنه. قال لي إنّه أصيب وما أن أنهى كلامه حتى وقع أرضًا. أخذ أولادي يصرخون وكانوا قد استيقظوا بسبب صوت إطلاق النار. لم يقل سمير أيّة كلمة بعد ذلك لأنّه فقد وعيه.
استدعيت سيّارة إسعاف وقلت لهم أن يأتوا بسرعة لأنّ د. سمير حجازي أصيب. أنهيت المكالمة وعدت إلى سمير. لم أعرف ماذا أفعل. قلت له "ماذا يمكنني أن أفعل لكي أساعدك؟". كنت في حالة هلع شديد أصرخ وأبكي. حدث ذلك في السّاعة 20:30 تقريبًا. بعد ربع ساعة سمعت صوت سيّارة الإسعاف في الخارج لكنّهم لم يعرفوا أين يقع منزلنا بالضّبط فخرجت إلى الشرفة وصحت لهم. بعد ذلك نقلوا سمير إلى المستشفى. قلت لهم أن يسعفوه بسرعة.
بعد ذلك ذهبت إلى منزل والد زوجي فتركت الأولاد عندهم واتّجهت نحو المستشفى. انتظرت هناك قرابة ربع السّاعة ثمّ جاء الأطبّاء وأخبروني أنّه يعاني نزيفًا داخليًّا ويحتاج وجبات دم. في السّاعة 22:00 خرجوا ليقولوا أنّه لا حاجة لذلك لأنّ سمير فارق الحياة. لاحقًا سمعت في الإذاعة أنّ أشخاصًا كثيرين أصيبوا في هذه المنطقة في ذلك المساء وفي اليوم التالي.
عدت إلى منزل والد زوجي ومنذ ذلك الحين بقينا عندهم. أنا لا أتحمّل العودة إلى المنزل الذي قُتل فيه زوجي بعد أن كانت لدينا فيه ذكريات جميلة معه.
وهو أب لطفلين في مدينة رفح في قطاع غزّة - 28.11.04
إفادة أرملة سمير - نسرين حجازي (26 عامًا)
سجّل الإفادة زكي كحيل في 5.12.04
يقع بيتنا في الناحية الغربيّة من رفح وهو مؤلّف من طابقين. كنّا نسكن في الطابق الثاني - أنا وزوجي الشهيد سمير وولداي محمود (8 سنوات) وبنان (6 سنوات). لم يكن الطّابق الأوّل مأهولًا بعد وكان زوجي يستخدمه كعيادة خاصّة فقد كان طبيبًا مختصًّا بأمراض العظام في مستشفى ناصر في خانيونس. لم يُسعفه الوقت ليكمل إنشاء عيادته المستقلّة.عندما فقدت زوجي كان عمري 26 عامًا. أنا ترمّلت وأطفالي تيتّموا. منذ أن استشهد وفقدناه ابتدأت معاناتي وصعوبات تربية الأولاد وحدي.
عندما أطلقت النيران على زوجي كان في المنزل ولم يشكّل خطرًا على الجيش الإسرائيلي الذي قتله. شخص مدنيّ يقف في غرفة نوم أطفاله. علم الجيش بما حدث ولكنّهم لم يعبّروا حتى عن أسفهم ولم يعتذروا عمّا اقترفوه. لم يحاكَم أحد ولم يحاسَب أحد وكأنّ إسرائيل فوق القانون.
يكتنفني الحزن منذ أن فقدت زوجي. لقد فقدت من كان زوجي ومعيل أسرتي وأبًا لأولادي. كبر الأولاد دون أن يعيشوا مع والدهم أو يعرفوه. لقد حُرموا من حبّه وعنايته بهم واهتمامه باحتياجاتهم. فقدوا كلّ ما هو جميل في حياتهم. لقد حُرموا من قول كلمة "بابا!". كان زوجي يحبّ الأولاد كثيرًا وكان أبًا متفانيًا. كانوا بالنسبة إليه كلّ شيء وكان يعمل لأجلهم كلّ شيء. لكنّ رصاص الجيش الإسرائيلي سرقه منهم.
أنا أيضًا عانيت كثيرًا منذ أن فقدته. ربّيت الأولاد وحدي وعلّمتهم واعتنيت بهم عندما كانوا يمرضون. مرّت حياتي في عزلة. بصعوبة تمكّنت من إتمام دراستي. درست بهدف العثور على عمل لكي أعيل أسرتي. تقدّم لي أشخاص كثيرون لكنّني رفضت الزواج ثانية لئلّا أفقد أولادي لأنّ هذا يعني أن يبقى الأولاد عند والد زوجي.
أشتاق لزوجي في كلّ مناسبة وخاصّة في الأعياد وأعياد ميلاد الأولاد. أتذكّره طوال شهر رمضان. أفتقد ابتسامته وضحكته وحبّه الكبير لأولادنا. أفتقد الإحساس الأسريّ الذي كان يجمعنا. لا طعم للحياة بدونه.
اليوم ابني محمود قد أنهى دراسة الدبلوم وحصل على شهادة كهربائي سيّارات. ابنتي بيان طالبة سنة ثالثة طبّ أسنان في جامعة فلسطين في غزة. قبل ثلاث سنوات عندما تخرّجت بيان من الثانويّة وحصلت على معدّل 91.3 في الفرع العلمي شعرت بالشوق الكبير نحوه. كم تمنّيت أن يكون إلى جانبي لنفرح سويّة بنجاح ابنتنا. كذلك بيان افتقدته كثيرًا في تلك اللّحظة. هي قرّرت دخول كلّية الطبّ لأنّ هذا ما أراده لها والدها حين كان صغيرة.
في عام 2017 تزوّج محمود ولكنّني لم أشعر بالفرحة في يوم عرسه. عندما دخلنا إلى القاعة بدون والده اكتنفني الحزن وانتابني شعور سيء. قلت في نفسي ليته الآن معنا يشاركنا الفرحة ويرى محمود عريسًا.
نسرين حجازي وتبلغ من العمر اليوم 40 عامًا، تحدّثت في هذه السّنة إلى باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد عن ظروف حياتها منذ أن قُتل زوجها:
صُدمت عندما سمعت أنّ زوجي توفّي متأثّرًا بجراحه. لم أتوقّع أن يحدث ذلك لأنّه أصيب في بطنه ولم أظنّ أنّه سيموت جرّاء ذلك. طوال الوقت كنت أبكي وأردّد "إنّا لله وإنّا إليه راجعون". لم أستطع التعامل مع الأمر فقد كان مفاجئًا جدًّا. فقدته خلال دقائق. في اليوم التالي شيّع جثمانه. احتضنته وقبّلته وقلت له "مع السّلامة". الأولاد كانوا يبكون طوال الوقت.
[...]
2. تقصّينا المسألة مع الجهات الميدانيّة وتبيّن أنّه في الزّمان والمكان المذكورين في رسالتكم جرى إطلاق نار نحو أشخاص أثاروا الشبهات لأنّهم كانوا يزحفون ليلًا في منطقة مستهدفة بالعمليّات التخريبيّة المعادية وكان الوقت ليلًا.
3. نظرًا إلى ذلك وحيث لم تُرتكب مخالفة لتعليمات إطلاق النار لم يجد وكيل عامّ النيابة العسكريّة ما يستدعي الإيعاز للشرطة العسكريّة بفتح تحقيق.
أعلاه رسالة مؤرّخة في 16.7.07 أرسلها إلى بتسيلم العقيد ليرون ليبرمان رئيس النيابة العسكريّة.