أثناء ذلك سمعت صوتًا يأتي من جهاز اتّصال لاسلكي يحمله أحد الأشخاص الثلاثة وعندها قلت في نفسي يبدو أنّهم مستعربون. بعد مضيّ ثوانٍ معدودة رأيت أربعة عناصر شرطة مسلّحين يرتدون الزيّ الأسود قادمين نحونا. دفعوني وأوقعوني أرضًا فوقع أمير معي ولكنّي تمسّكت به وواصلت احتضانه. أمسك أحد المستعربين بأمير وشدّه بقوّة فأخذ أمير يصرخ "أمّي! أمّي!". أمسكته من قميصه وحين جرّ عناصر الشرطة أمير جرّوني معه وأنا على الأرض ورجلي اليسرى تحتكّ بالشارع وتؤلمني كثيرًا. شعرت بضغط واختناق فتركت أمير. استغلّ عناصر الشرطة ذلك وأخذوه.
في تلك اللّحظة جاءت سلفتي علياء وحاولت إبعاد عناصر الشرطة عنّي فضربها أحدهم ببندقيّته على صدرها. سمعت أمير يبكي ويصرخ مستنجدًا بي ولكن بعد ذلك بوقت قصير أخذه عناصر الشرطة وغادروا المكان فغاب عن ناظريّ.
توجّهت إلى البيت فورًا وأيقظت زوجي ثمّ ذهبنا معًا إلى محطّة الشرطة حيث دار جدال بين زوجي وأحد عناصر الشرطة الواقفين على المدخل. طردنا ذاك الشرطيّ فانتظرنا قرابة نصف السّاعة في الشارع إلى أن وصل المختار وهو من أقاربنا. دخلت معه إلى محطّة الشرطة وعندها رأيت ابني واقفًا بين عدد من عناصر شرطة حرس الحدود وقد بدا الخوف على وجهه وكان بنطاله مبلّلًا. فهمت أنّه قد بال في ملابسه من شدّة الخوف. حاولت التحدّث معه ودعمه لكنّ عناصر شرطة حرس الحدود الذين كانوا يقفون إلى جانبه منعوني من ذلك فلم يكن منّي سوى أن جلست هناك أنظر إلى ابني.
بعد مضيّ نصف السّاعة ناداني شخص عرفت لاحقًا أنّه المحقّق. دخلت إلى غرفة وكان أمير داخل الغرفة. قال لي المحقّق ألّا أتدخّل في التحقيق ثمّ طلب من أمير أن يخبره ماذا فعل خلال ذلك النّهار ولماذا جرى اعتقاله. قال له أمير إنّه كان يلعب مع ابن عمّه وعندها مرّ ولد استفزّهم وذهب. وقال إنّه رأى الولد يقف خلف سور المستشفى ومن هناك ألقى حجرًا نحوه. سأله المحقّق أسئلة أخرى وفي مرحلة معيّنة تدخّلتُ. في نهاية المطاف قال لي المحقّق أن آخذه وأذهب إلى المنزل. كان ذلك في السّاعة 16:30.
عندما وصلنا إلى المنزل اشتكى أمير من صُداع ودُوار ثمّ قال إنّه على وشك التقيّؤ. أخذته إلى العيادة فسأله الطبيب إن كان قد تعرّض للضرب. قال له أمير إنّ أحد المستعربين لكمه على رأسه قبل أن أصل أنا. قال لنا الطبيب إن علينا مراجعته إذا استمرّت هذه الأعراض في اليوم التالي لكي يجري له تصوير أشعّة. في اليوم التالي وكان يوم السّبت ذهب أمير إلى المدرسة. أحسست بانتفاخ في رجلي وارتفاع في الحرارة فتوجّهت إلى العيادة وأعطاني الطبيب مسكّنات للأوجاع ومضادًّا حيويًّا لمعالجة الالتهاب.
منذ تلك الحادثة تبدّلت عادات نوم أمير. أصبح قلقًا جدًّا وينتقل من سرير إلى آخر خلال اللّيل فتجده مرّة نائمًا على الكنبة في الصّالون ثمّ ينهض وينام في سريره وأحيانًا يأتي وينام عندنا.
في العيساويّة في شرقيّ القدس، 12.10.12
إفادة والدة أمير - جهاد درويش (42 عامًا) وهي أمّ لأربعة أبناء
سجّل الإفادة عامر عاروري في 14.10.12
نحو السّاعة 14:00 من يوم الجمعة الموافق 12.10.12 كنت في منزلي قبالة سور مستشفى هداسا وكان عثمان زوجي نائمًا. سمعت أصوات أناس يتحدّثون أمام المنزل فخرجت إلى السّاحة. رأيت ثلاثة أشخاص بلباس مدنيّ يتحدّثون مع ابني أمير وابن عمّه وكان أمير يجلس على كنبة في السّاحة. تحدّث أولئك الأشخاص بالعبريّة ولم أفهم ماذا كانوا يقولون. فجأة أمسك أحدهم بأمير من ذراعه وسحبه عن الكنبة واتّجه نحو الشارع الرئيسيّ. أخذ أمير يصرخ "أمّي! أمّي!". نزلت من المنزل واقتربت منه واحتضنته لكي أمنع ذلك الشخص من أن يأخذه.
اعتقاله في عام 2012 جعله متمرّدًا ووقحًا. أصبح لا يقبل أيّة سلطة. هو في حقيقته مهذّب جدًّا لكن إذا حدث شيء لا يعجبه ينزوي ويبتعد. لقد ذهب ليتعلّم كهربائي سيّارات ولكنّه ترك المدرسة بعد نصف سنة. لم يحبّ القواعد والقوانين المتّبعة هناك وهو دائمًا في حالة تحدّي أمام أصحاب المناصب والمسؤولين.
أنا قلقة عليه كأمّ وتساورني مخاوف كثيرة. العيساويّة ليست مكانًا آمنًا للسّكن فقوّات الاحتلال تستهدف القرية وأصبحت عينُها على أمير. هو بمثابة مشتبه فيه دائمًا وعليه أن يثبت براءته طوال الوقت. عندما يكون خارج المنزل أتّصل به طوال الوقت لكي أعرف أين هو ومتى سيعود وهو بدوره يقول إنّني أحرجه أمام أصدقائه وإنّه ليس ولدًا صغيرًا. أحيانًا يغلق هاتفه لكي لا أتمكّن من الاتّصال به. عندما سافرنا في عطلة إلى تركيّا لم أقبل أن يبقى هنا فأظلّ قلقة عليه طوال الوقت. بقي أخوه الأكبر فقط.
أمير لا يعرف ماذا يريد. إنّه في سنّ المراهقة. يقضي معظم وقته في المنزل أو في الحيّ - لا يتعلّم ولا يعمل. إذا خرج يعود متاخّرًا ويظلّ مستيقظًا حتى الرّابعة صباحًا تقريبًا ثمّ ينام طوال النّهار. لا يعجبني أبدًا حاله هذا. أتمنّى أن يعود إلى المدرسة قريبًا. أنا ووالده نتحدّث معه عن العودة إلى المدرسة عسى أن يقتنع في هذه المرّة.
حالة أمير مثالٌ يعكس كيف ينشأ الأولاد والمراهقون في العيساويّة دون أيّ مستقبل. السّلطات تنكّل بنا طوال الوقت وفي كلّ يوم يعاقبون جميع السكّان. كلّ الوقت يوجد هنا اعتقالات ومخالفات سير بلا سبب وعُنف تجاه السكّان وأيضًا قتلى. نتيجة لذلك يعيش أمير وأبناء جيله كلّهم بلا أمل وبلا مستقبل. دائمًا أقول لزوجي أإّنا يجب أن ننتقل من العيساويّة ونسكن في مكان أهدأ بعيدًا عن رائحة الغاز وقنابل الصوت والدّم.
جهاد درويش تبلغ من العمر اليوم 49 عامًا، تحدثت مجدّدًا في هذه السّنة إلى باحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري عن حياة أمير وحياتها منذ الحادثة:
عندما اعتدوا على أمير في عام 2012 كان لا يزال صغيرًا لكنّه بعد ذلك تعرّض للاعتقال والتنكيل عدّة مرّات أخرى. أصعب المرّات كانت في عام 2015 عندما اعتقلوه طيلة خمسة أيّام في المسكوبيّة وضربوه ضربًا شديدًا - ضربوه على عينه أيضًا. لقد عانى من ذلك حتى بعد إخلاء سبيله.
ارتأت العائلة ألّا تتقدّم بشكوى لدى قسم التحقيق مع عناصر الشرطة جرّاء الاعتداء على ابنها واعتقاله المخالف للقانون. حيث إنّ شكوى سابقة كانت قد رفعتهاالعائلة إلى القسم المذكور في شأن استخدام العنف لدى اعتقال ابن آخر من أبنائهم لم تلق المتابعة اللّائقة ولذلك لا يرون فائدة من تقديم شكوى إضافية في شأن هذه الحادثة.