تزوّجت من بلال في عام 2010 ورُزقنا بطفلين: محمد (3 سنوات) وروعة (سنة واحدة). كان زوجي يعمل سائق تاكسي وكنّا نسكن في بيت والده في الطابق الثاني منه. أثناء الحرب انتقلنا للسّكن في الطابق الأوّل. كنّا نسمع طوال الوقت طلقات النار وهدير الطائرات والدبّابات. لقد قصفوا أماكن كثيرة داخل المخيّم وفي محيطه. في 3.8.14 جاءت إيمان شقيقة زوجي لزيارتنا مع أولادها وعادت إلى منزلها في آخر النهار. في ساعات ما بعد الظهر جاءت عائلة وائل قاسم إلى منزل جارنا محمد المصري وهو أحد أقرباء زوجي. جاءوا لأنّ الجيش أنذر بأنّه سوف يقصف مسجد التوبة المجاور لمنزلهم.
كنّا آنذاك في شهر رمضان. عند السّاعة 19:30 تقريبًا أطلق الجيش الإسرائيليّ قنابل إنارة وأنار المنطقة كلّها. تناولنا وجبة الإفطار وغسلنا الأواني وبعد الصّلاة جلسنا قليلًا ثمّ هيّأت أولادي للنوم بينما كان زوجي جالسًا مع والدته وأخيه محمد. أمّا حماي فقد أخذ كأسًا من الشاي لوالده الحاجّ عبد الكريم الذي كان في منزله في الطابق الثاني.
في ذلك الوقت كانت الكهرباء مقطوعة عن المنزل. فجأة رأيت البيت يتهاوى فوقنا وسمعت جلبة سقوطه علينا. أخذت أصرخ وأنادي زوجي. أضأت مصباحًا وسمعت صوت صراخ طفلتي روعة وكان عمرها سنة واحدة. بحثت عنها فوجدتها تحت الأغطية. أخذت روعة وابني محمد وخرجنا من الغرفة بسرعة. أثناء خروجنا رأيت أحمد شقيق زوجي ممدّدًا على الأرض عند مدخل الغرفة وقد فارق الحياة. رأيت أنقاض المنزل والحجارة حيث أنّ المنزل قد تهدّم تمامًا. سمعت أنينًا وفتّشت بواسطة المصباح ولكنّني لم أرً سوى أنقاض ولم أعرف من أين يأتي الصّوت.
أمسكت المصباح وأنا أحمل أولادي ومشيت فوق الرّكام لكي نخرج من المنزل. خرجت عبر منزل مجاور كان مهدّمًا هو أيضًا. جاء الجيران وأخذوني إلى أحد المنازل. جلست هناك فيما انهمك الجيران وقوّات الدفاع المدنيّ في نقل الجرحى والقتلى.
بعد أن مضت ساعتان تقريبًا جاءت إيمان وحنان شقيقتا زوجي وقالتا إنّ والد زوجي وزوجي وأخويه محمد وأحمد وجدّهم في عداد القتلى. كذلك في منزل جارنا الذي تهدّم منزل محمد المصري قُتلت زوجته سهى وطفلتهما رغد التي كانت تبلغ الثالثة من عمرها. قيل لي إنّ شيماء ابنة وائل قاسم قُتلت أيضًا. كان عمرها 14 عامًا. كذلك قالت لي إيمان وحنان إنّ والدتهما أصيبت بجراح بليغة.
أردت أن أرى زوجي وإخوته لكي ألقي عليهم نظرة أخيرة ولكنّني لم أستطع ذلك لأنّ جثثهم كانت في حالة مروّعة حيث جاءت الإصابات في رؤوسهم. رأيت فقط والد زوجي. في صباح اليوم التالي جرى دفنهم. كنت في حالة صعبة جدًّا ولم أصدّق أنّهم قُتلوا. لقد تهدّم البيت فوق رؤوسنا دون أيّ إنذار مسبق. هكذا فجأة سمعت صوت الرّكام يتساقط علينا. لاحقًا قيل لي إنّه كان في المنزل شخصان يزعم الجيش أنّهما مطلوبان وقد قُتلا أيَضًا داخل المنزل.
في مخيّم جباليا للّاجئين في قطاع غزّة، 3.8.14
إفادة مريم أبو نجم (22 عامًا) أرملة وأمّ لولدين
سجّل الإفادة محمد صباح في 17.12.14
أسكن حاليًّا في منزل والدي في حيّ تل السلطان في رفح بعد أن قُتل بلال زوجي ووالده وجدّه واثنين من إخوته حين قُصف منزلنا في مخيّم جباليا في 3.8.14.
أنا نفسي أصبت بجراح بليغة كسور في جميع أنحاء جسمي وصدع في الجمجمة وحروق في كافة أنحاء جسمي كما تقطّعت أصابع يدي اليسرى. نحمد الله أنّ أولاد ابني الشهيد ووالدتهم خرجوا سالمين من ذلك القصف. لم يحصل لهم شيء. تمّ علاجي في مستشفى في غزّة طيلة 15 يومًا ولكن بسبب حالتي الحرجة نقلوني للعلاج في ألمانيا حيث رقدت في المستشفى طيلة أربعة أشهر.
أخذوني من المنزل ولكن قبل ذلك تمكّنت من رؤية جثامين أبنائي التي كانت مصابة بشكل مروّع. عندما غادرت المنزل الذي كان مجرّد كومة ركام. لم أتخيّل أن يقصفوا منزلنا ونحن فيه لأنّنا نسكن في مخيّم البريج المكتظّ بالسكّان.
عندما كنت في ألمانيا حافظت على اتّصال دائم مع بناتي. كنت متضايقة جدًّا لأنّني لم أودّع أبنائي وزوجي ولم ألق عليهم نظرة وداع أخيرة قبل دفنهم. كنت أودّ معانقتهم وتوديعهم ولكن شاء القدر أن أكون بعيدة عنهم. ما زلت أفكّر في هذا الأمر حتى الآن.
بعد انتهاء الحرب عدت إلى غزّة على كرسيّ متنقل. لم أكن قادرة على المشي بسبب كسور في الساقين وقَطْع في العصب. عندما عدت كان صعبًا عليّ كثيرًا رؤية منزلنا وقد أصبح كومة خرائب. لم يبق منه شيء. أصبحت مشرّدة وسكنت طيلة سنتين بالإيجار إلى أن أعيد إعمار منزلي. عدت للسّكن فيه قبل سنتين.
أنا الآن وحيدة. البيت فارغ وأنا أعيش فيه وحدي مع أحفادي الصّغار. كنّتي تركتني وتزوّجت ثانية. لم يبق معي أحد سوى أولادها هي وابني الشهيد بلال محمد وروعة. أنا من يهتمّ بهم ويرعاهم رغم إصابتي. لولاهم ما كانت لتليق بهذا المكان كلمة بيت. لم أتقبّل زواج كنّتي. كان الأمر صعبًا عليّ وقد بكيتها كثيرًا. بناتي يأتين إليّ كلّ يوم تقريبًا يساعدنني ويعتنين بي لأنّني بحاجة إلى مساعدة بسبب الإصابات التي ألمّت بي في الحرب. حتى اليوم لم أشف تمامًا ولا زلت أعاني من تشنّجات في رجلي. لديّ بلاتين في فخذي الأيسر ولا زلت أتلقّى العلاجات.
لقد مرّت خمس سنوات تقريبًا منذ أن انتهت الحرب قضينا كلّ يوم منها في حزن وبكاء. هم لا يغيبون عن خاطري فأنا أتذكّرهم طوال الوقت أتخيّلهم متواجدين في المنزل وأسمع ضحكاتهم. أتذكّر زوجي وأولادي على نحوٍ خاصّ في المناسبات لا سيما في رمضان والأعياد.
تلقّيت دعمًا نفسيًّا في غزّة وخارج غزّة أيضًا بسبب الصّدمة التي ألمّت بي عقب مقتل أسرتي. رغم ذلك ما زلت أحسّ دائمًا بحزن عميق وأبكي كثيرًا. إنّني مرهقة نفسيًّا. قدّمت منظّمات حقوق الإنسان دعوى باسمنا ولكنّنا لم نتلقّ أبدًا دعوة للإدلاء بشهاداتنا على هذه الجريمة. قصفت إسرائيل منزل أسرتي ونحن في داخل المنزل رغم أنّنا لم نشكّل أيّ خطر. قالت إسرائيل إنّها استهدفت في ذلك القصف مطلوبين كانوا في المخيّم ولكنّني لا أعرف من هم. حتى الآن لم تحاسَب إسرائيل على الجرائم التي ارتكبتها ضدّنا في قطاع غزة.
كذلك لم تحاسَب إسرائيل على جرائم ارتكبتها خلال حرب 2008. لقد قصفت آنذاك منزل والديّ في منطقة الفاخورة في مخيّم جباليا للّاجئين وقتلت 11 شخصًا من عائلتي عائلة ذيب: أخي وزوجته وأولادهم الخمسة وزوجة أبي وثلاثة من أولاد أخي الثاني. لقد تمّ رفع دعاوى ضدّ إسرائيل ولكنّ شيئًا لم يحدث. حتى هذا اليوم ما زال دول العالم تقف إلى جانب إسرائيل عندما تقصف المدنيّين في قطاع غزة. حتّى أنّه لم يعبّر أحد في إسرائيل عن أسفه أو ندمه على هذه الجرائم. أتمنّى أن يحاكم المتورّطون وأن تعاقَب إسرائيل على الجرائم البشعة التي ارتكبها جيشها ضدّ المدنيّين في قطاع غزة. وخاصّة ضدّ أسرتي. أدعو الله أن يتغمّد زوجي وأولادي بواسع رحمته ويتقبّلهم بين الشهداء وأن يلهمني الصّبر لكي أتحمّل فقدانهم.
حماة مريم - فوزيّة أبو نجم البالغة من العمر 55 عامًا وهي أرملة وأمّ لثمانية أبناء كانت قد فقدت جرّاء القصف زوجها وثلاثة من أبنائها وأربعة أقارب آخرين. في هذه السّنة تحدّثت فوزيّة إلى باحثة بتسيلم الميدانيّة ألف الكرد عن حياتها منذ أن حلّت بها تلك الكارثة:
خلال حرب 2014 في 3.8.14 كنّا نجلس مساءً في المنزل. أطلقت طائرة صاروخًا على منزلنا دون سابق إنذار ونحن في داخله. نتيجة للقصف استُشهد ثلاثة من أبنائي: بلال الذي كان آنذاك في الـ26 من عمره ومحمد وكان في الـ20 وأحمد الذي كان في الـ17 من عمره. كذلك اسُتشهد زوجي ووالده المسنّ. تهدّم المنزل كلّه علينا وعلى منزل سلفي المجاور لمنزلنا فاستُشهدت نتيجة لذلك سهى سلفتي وابنتها رغد وكانت طفلة في الثالثة من عمرها وابنة شقيقتها شيماء قاسم وكانت فتاة في الـ14 من عمرها.
]...[ الاستنتاجات من الوقائع التي جمعها الجهاز وقُدّمت لوكيل عامّ النيابة العسكريّة أنّ الهجوم استهدف دانيال منصور قائد رفيع جدًّا في التنظيم الإرهابي الجهاد الإسلامي الفلسطيني برتبة توازي رتبة عقيد، وقد كان مسؤولًا عن نشاط التنظيم في قطاع غزّة ومسؤولًا عن كامل ملفّ الاستخبارات في التنظيم والذي مكث خلال الهجوم في منزل محمد نجم. في إطار عمليّة تخطيط الهجوم كانت هناك تقديرات بأنّ مدنيّين يتواجدون في المبنى غير أنّ حجم الأذى الذي قد يلحقهم ليس كبيرًا نسبة إلى الفائدة العسكريّة الهامّة المتوقّع كسبها نتيجة للهجوم. ينبغي التنويه في هذا السّياق أنّ قُدّر وجود منزل سكنيّ واحد في المبنى هو المنزل الذي تواجد فيه منصور. تمّ تخطيط الهجوم على المبنى بحيث يتمّ بواسطة ذخيرة موجّهة بدقّة وعلى نحوٍ يتيح تحقيق الهدف ضمن تقليص الضرر اللّاحق بالمباني المجاورة. كذلك أجريت فحوصات مختلفة لأجل تقدير عدد المصابين المتوقّع في المباني المجاورة.
لقد تبيّن بأثر رجعيّ أنّه قُتل نتيجة للهجوم الشخص المستهدَف دانيال منصور إضافة إلى عبد الناصر العجوري ناشط عسكري كبير في تنظيم الجهاد الإسلامي الفلسطيني. وقد جُرح عماد المصري نائب دانيال منصور وإرهابيّان آخران (محمد المصري من تنظيم الجهاد الإسلامي الفلسطيني والقسام من حماس). إضافة إلى ذلك واعتمادًا على التقارير المذكورة تبيّن أنّه قُتل نتيجة للهجوم ثمانية مدنيّين آخرين - خمسة منهم في منزل أبو نجم الذي استهدفه الهجوم وثلاثة في منزل مجاور.
بعد النظر في الوقائع والموادّ التي جُمعت على يد جهاز التقصّي في قيادة الأركان العامّة ارتأى وكيل عامّ النيابة العسكريّة أنّ إجراءات شنّ الغارة تنسجم وأحكام القانون الإسرائيلي وقواعد القانون الدوليّ. الهجوم اتّخذ بقرار من أطراف مؤهّلة لذلك واستهدف هدفًا مقبولًا في القانون - ضابط رفيع جدًّا في الجهاد الإسلامي الفلسطيني. تمّ الهجوم ضمن المحافظة على مبدأ التناسبيّة حيث أنّه لدى اتّخاذ قرار الهجوم كانت التقديرات أنّ حجم الضرر المتوقّع لن يكون مبالغًا فيه نسبة إلى الفائدة العسكريّة المتوقّع كسبُها منه. كذلك تمّ تنفيذ الهجوم مع اتّخاذ تدابير الحيطة بهدف تقليص المسّ بالمدنيّين ضمن التركيز في ذلك على سكّان المنازل المجاورة من بينها اختيار نوع الذخيرة وتنفيذ مراقبة آنيّة. من الاستنتاجات ايضًا أنّ توجيه إنذار عينيّ قبيل الهجوم لسكّان البناية التي تواجد فيها المستهدف وسكّان المباني المجاورة لا يوجبه القانون وكان من شأنه أن يُحبط غاية الهجوم ذاتها.
بناءً على ما ذُكر لم يجد وكيل عامّ النيابة العسكريّة أنّ في نشاط قوّات الجيش الإسرائيلي ما يثير أيّة شبهة معقولة لمخالفة جنائيّة. ومن هنا فقد أوعز وكيل عامّ النيابة بإنهاء معالجة هذه الحادثة دون فتح تحقيق جنائيّ ودون اتّخاذ إجراءات أخرى في حقّ الضّالعين فيها.
أعلاه قرارات وكيل عامّ النيابة العسكريّة في شأن أحداث استثنائيّة في إدارة "الجرف الصّامد" تحديث رقم 3، 22.3.15