في 22.5.23 فَكَّك آخر سكان تجمع عين سامية بيوتهم وحظائر أغنامهم وتركوا مكان سكناهم الذي عاشوا فيه منذ عشرات السنين بعد أن جعلت إسرائيل حياتهم لا تُطاق ولم تترك لهم أي خيار آخر. سكان التجمع، الذين يبلغ عددهم حوالي 200 إنسان، عانوا لسنوات طويلة من عنف القوات الإسرائيلية ومن قيود مشددة على البناء للسكن وعلى البنى التحتية، بما شمل هدم بيوتهم وهدم مبان زراعية. كما عانوا من عنف مستوطني البؤر الاستيطانية التي أُقيمت في المنطقة، بدعم كامل من الدولة. في أواخر العام 2018، بدأت عائلات بالرحيل عن التجمع على خلفية أعمال التنكيل هذه وبسببها.
منذ العام 2019، هدمت إسرائيل في التجمع 18 مبنى، 6 منها بيوت سكنية كان يسكن فيها 41 فردًا، بينهم 18 قاصرًا. عملية الهدم الأخيرة نُفذت في شهر كانون الثاني من هذا العام. وبالإضافة إلى ذلك، أصدرت الإدارة المدنية أيضًا أمر هدم للمدرسة القائمة في التجمع، ثم أقرت المحكمة هدمها.
فيما يلي تفاصيل تسلسل عمليات التنكيل الأخيرة التي أدت إلى رحيل السكان:
في يوم الاثنين الموافق 15.5.23، حوالي الساعة 21:00، وصل نحو ستة مستوطنين مسلحين في سيارة إلى تجمع عين سامية. دخل المستوطنون إلى حظائر الأغنام وبحثوا فيها عن رؤوس أغنام زعموا بأنها سُرقت منهم وسببوا خلال ذلك حالة من الذعر. بعد حوالي 15-20 دقيقة غادر المستوطنون المكان ولكن بعد حوالي نصف ساعة قاموا بتطيير مروحية رباعية فوق إحدى الحظائر لنحو عشر دقائق.
في اليوم التالي، يوم الثلاثاء الموافق 16.5.2023، نحو الساعة 15:00، وبينما كان عطا كعابنة (51 عاماً) يرعى قطيع أغنامه، الذي شمل 75 رأساً من الغنم، في مراعي قرية كفر مالك، حضر على المكان شرطي وادّعى بأن قسمًا من الأغنام يعود لمستوطنين. استدعى الشرطي 5-7 مستوطنين حضروا بسيارتين وادعوا ملكيتهم للأغنام.
بعد حوالي نصف ساعة، قاد المستوطنون 37 رأس غنم إلى سياراتهم بحماية الشرطي وحملوها على عربات مجرورة موصولة بسياراتهم وغادروا المكان. بعد مدة قصيرة، وصل إلى المكان شرطي آخر وشرطية أوقفا كعابنة واقتاداه إلى محطة شرطة "بنيامين" بشبهة سرقة مواشٍ من المستوطنين. تم التحقيق مع كعابنة وتصويره وأُخِذت منه بصمات أصابعه ثم تم إطلاق سراحه
بعد أن وقَّع على كفالة بمبلغ 1,500 شيكل. في اليوم التالي، في ساعات الصباح، عاد كعابنة إلى محطة الشرطة لتقديم شكوى عن سرقة قطيعه لكن قيل له هناك إنه لا يوجد في المحطة شخص يتحدث اللغة العربية وعليه أن يعود ثانية عند الساعة 14:30. وبالفعل، عاد كعابنة إلى المحطة في تلك الساعة لكنهم أخبروه هذه المرة بأن أقواله سُجِّلت في اليوم السابق ورفض أفراد الشرطة السماح له بتقديم شكواه أو تسلميه إقراراً بتقديمها.
في اليوم التالي، يوم الأربعاء الموافق 17.5.23، وصلت إلى التجمع مرة أخرى سيارة فيها مستوطنون، أحدهم ادعى بأنه ضابط أمن، قام بتصوير قطيع الماشية التابع لأحد السكان وتجول حوله بطريقة تهديدية لمدة بين 5-10 دقائق ثم غادر المستوطنون المكان.
في اليوم التالي، يوم الخميس الموافق 18.5.23، وصلت سيارة الجيب نفسها إلى التجمع عند منتصف الليل، خرج منه مستوطنون وقاموا بتصوير قطيع مواشٍ تابع لمواطنٍ آخر.
في اليوم التالي، يوم الجمعة الموافق 19.5.23، في ساعات الليل، جاء عدد من المستوطنين إلى التجمع وهاجموا البيوت بالحجارة مما أدى إلى استيقاظ السكان وأطفالهم مذعورين. استطاع سكان التجمع طرد المستوطنين لكنهم عادوا بعد نصف ساعة وقاموا بمعاودة الاعتداء على البيوت.
في اليوم التالي، يوم السبت الموافق 20.5.23، جاء مستوطنون مرة أخرى إلى التجمع وقاموا بالاعتداء على بعض بيوته.
في اليوم التالي، يوم الأحد الموافق 21.5.2023، أدخل مستوطنون قطيعا مكونًا من 200 رأس غنم إلى حقول الشعير التابعة للتجمع لكي ترعى فيها.
أعمال التنكيل هذه، المستمرة من قبل المستوطنين بحماية الدولة، أوضحت للسكان أن هناك خطرًا شديدًا يتهددهم هم وأولادهم وممتلكاتهم وأن لا أحد سيوفر لهم أية حماية وعليه، فقد كانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير.
عطا كعابنة روى في إفادته التي قدمها أمام باحث بتسيلم الميداني إياد حداد في 17.5.23:
في 16.5.23 نحو الساعة 15:00، بينما كنت أرعى قطيع أغنامي، وعددها 75 رأسًا من الغنم، على بعد ما يقارب الكيلومتر من منزلي، جاءت سيارة شرطة إسرائيلية وتوقفت بجانبي. خرج شرطي من السيارة واقترب مني وقال لي إن هناك مستوطنين يدَّعون بأنني سرقت أغنامًا لهم. وقال لي إنه سوف يستدعي المستوطنين لكي يتعرفوا على أغنامهم. قلت له إنني لم أسرق أي شيء.
أجرى الشرطي بعض المكالمات الهاتفية ثم وصلت سيارتان مع عربة مجرورة. خرج من السيارتين 5-7 مستوطنين وادعوا بأن أغنامهم موجودة بين قطيع أغنامي. حاولت أن أجادلهم لكن ذلك لم يجد نفعاً. قالوا إن هنالك قلائد معلقة على ثلاث أغنام مع رقم ترخيص من قبل الخدمات البيطرية في إسرائيل. قلت لهم إن هذه القلائد تعود لمشروع قام بتمويله المكتب الزراعي الفلسطيني قبل ثلاث سنوات، لكن الشرطي قال إن هذه القلائد والأرقام تدّل على أن ملكية هذه الأغنام تعود للمستوطنين.
بعد حوالي نصف ساعة، اقتاد المستوطنون 37 رأسًا من الأغنام إلى مركباتهم، بحماية الشرطي، واستدعوا سيارة شرطة أخرى كان فيها شرطي وشرطية. الشرطي الأول غادر مع المستوطنين بينما قام الشرطيان اللذان وصلا في السيارة بتوقيفي بشبهة سرقة الأغنام. اقتادوني إلى محطة شرطة "بنيامين" فأجروا معي تحقيقاً والتقطوا لي الصور وأخذوا بصمات أصابعي. في حوالي الساعة 20:30، بعد تدخل محامين من جمعية "سانت إيف"، أطلقوا سراحي بعد أن وقّعت على كفالة بقيمة 1,500 شيكل.
في اليوم التالي، عند الساعة 8:30، ذهبت مرة أخرى إلى شرطة "بنيامين" كي أقدم شكوى على أمل أن يعيدوا لي الأغنام. ولكن أفراد الشرطة لم يسمحوا لي بالدخول بذريعة أنه لا يوجد مترجم وطلبوا مني أن أعود في الساعة 14:30. عندما عدت إلى هناك، قال لي المحقق إنني قدمت شهادة في اليوم السّابق ولا حاجة إلى تقديم الشكوى. طلبت منه أن يعطيني ورقة تثبت أنني قدمت شكوى لكنه رفض.
سبعة من رؤوس الأغنام التي سرقوها لديها حُملان لا تستطيع البقاء على قيد الحياة بدون أمهاتها.
محمد كعابنة (86 عامًا) روى في إفادته عن أعمال التنكيل الأخيرة التي نفّذها المستوطنون:
بدأت الموجة الأخيرة من اعتداءات المستوطنين في يوم الإثنين الموافق 15.5.23، حوالي الساعة 21:00، عندما وصلت سيارة مدنية إلى التجمع كان فيها نحو ستة مستوطنين مسلحين. دخلوا إلى حرم سكن ابن أختي خضر (55 عامًا) وابني مصطفى (40 عامًا)، والذي أقيمت بجانبه البؤرة الاستيطانية. دخلوا إلى حظائر الأغنام بحجة أنهم يبحثون عن أغنام فُقِدت أو سُرِقت. تجولوا هناك حوالي 15-20 دقيقة فأثاروا الخوف والذعر لدى الجميع ثم غادروا.
بعد نصف ساعة تقريبًا، قاموا بتطيير مروحية رباعية فوق حظائر الأغنام التابعة لمصطفى لمدة 10 دقائق. بدأنا نشعر بالقلق من احتمال أن يسرقوا بعض الأغنام، لأن ذلك كان قد حدث سابقًا في تجمعات أخرى.
في اليوم التالي، يوم الثلاثاء الموافق 16.5.23، حوالي الساعة 15:00، كان ابني عطا يرعى قطيعه الذي يشمل 75 رأسًا من الماشية في حقول المراعي في القسم الغربي من عين سامية. حضرت إلى هناك سيارة شرطة وأوقفته بحجة أن لديه أغناماً مسروقة من المستوطنين. ثم قاموا باستدعاء مستوطنين أيضًا فحضر هؤلاء في تنادر وعربات مجرورة وسرقوا 37 رأسًا من الأغنام. بالإضافة إلى ذلك، اعتقل أفراد الشرطة عطا واقتادوه إلى محطة شرطة "بنيامين" بشبهة السرقة. وقد تم إطلاق سراحه بعد أن دفعنا كفالة بمبلغ 4,000 شيكل.
في اليوم التالي، يوم الأربعاء الموافق 17.5.23، في ساعات الظهيرة، حضر مستوطنون في سيارة جيب إلى التجمع وتوقفوا مقابل غرفة الضيافة حيث كنت أجلس. قال لي السائق إنه من أمن المستوطنة وقام بتصوير قطيع خضر الذي كان بجانب الخيمة. عندما سأله خضر لماذا يصور أجابه بأنه سائح ويُحب التصوير. بعد ذلك تجول بواسطة الجيب حول القطيع لمدة 5-10 دقائق، أصاب القطيع بالذعر وغادر.
في اليوم التالي، يوم الخميس الموافق 18.5.23، عند منتصف الليل عادت سيارة الجيب إلى التجمع مرة أخرى وقام المستوطنون بتصوير القطيع التابع لإهبيشان محمود (35 عامًا).
في اليوم التالي، يوم الجمعة الموافق19.5.23، حضر عدد من المستوطنين في سيارات إلى التجمع في ساعات الليل ورموا الحجارة على عدد من البيوت. استيقظ الجميع مذعورين. خرجنا إلى الخارج وطردنا المستوطنين. حاولنا العودة إلى النوم ولكن بعد نصف ساعة عاد المستوطنون مرة أخرى وهاجموا البيوت بالحجارة.
وقد تكرر هذا أيضا ليلة يوم السبت الموافق 20.5.23.
في صباح اليوم التالي، الأحد لموافق 21.5.23، كان بعض السكان قد قرروا ترك المنطقة وبدأوا بتفكيك خيامهم.
في اليوم نفسه، في ساعات متأخرة من بعد الظهيرة، أدخل مستوطنون قطيعًا من 200 رأس غنم إلى حقول الشعير التابعة لنا. استدعينا تعزيزات من قريتي كفر مالك والمغير وطردناهم.
بعد هذا الحدث أجرينا مشاورات وقررنا أنه علينا ترك المكان. رأينا أننا نخسر قطيعنا ومزروعاتنا. كل ذلك يحدث أمام أعيننا. نحن نموت بسبب القمع والقهر. لم يتبق لنا أي شيء سوى حماية أولادنا ونسائنا. نحن لا نهرب. إن ما يحصل في حالتنا هذه هو تهجير قسري وبحماية من دولة إسرائيل. ليست لدينا القدرة على مواجهة دولة لديها وسائل وقدرات تمكّنها من هزم قوى عظمى، وليس فقط مثل هذا التجمع البدوي الصغير.
في الليلة نفسها، عند الساعة 20:30، أشعل المستوطنون النار في مزروعاتنا التي كنا طردناهم منها خلال النهار. وصلنا بسرعة لكي نطفئ الحريق لكن النار كانت قد التهمت بعض الدونمات المزروعة ثمّ انطفأت لوحدها.
في صباح اليوم التالي، يوم الإثنين الموافق 22.5.23، بدأنا جميعنا بتفكيك بيوتنا وحظائرنا بسرعة. شعرنا بأننا في سباق مع الزمن وأن أيّ تأخير سوف يكلفنا حياة أفراد منا.