قطاع غزة

يجب على اسرائيل إنهاء الحظر على مراقبي حقوق الإنسان

الجيش الإسرائيلي يمنع منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة بتسيلم من دخول غزة

(القدس، 22 فبراير/شباط 2009) – قالت هيومن رايتس ووتش ومركز بتسيلم اليوم إن إسرائيل مستمرة في إعاقة التحقيقات المستقلة في افتراضات خرق قوانين الحرب من قبل الجيش الإسرائيل وقوات حماس العسكرية في غزة عبر منعها المراقبين المستقلين لحقوق الإنسان من دخول غزة. وبعد تقديم طلبات الحصول على إذن بالدخول عبر معبر إيريز في يناير/كانون الثاني 2009 واجهت المنظمتان تأخيرات متلاحقة من قبل وحدة الجيش الإسرائيلي المسؤولة عن مراجعة الطلبات. وفي فبراير/شباط قال الجيش الإسرائيلي لـ هيومن رايتس ووتش إنه رفض طلب الدخول. ومنع الجيش الإسرائيلي طلب بتسيلم الأول بدخول غزة ولم يرد على الطلب الثاني.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "رفض إسرائيل السماح لمنظمات حقوق الإنسان بدخول غزة يثير شكوكاً قوية حول وجود أشياء لا تريد إسرائيل لنا أو للعالم أن يعرف بها، بشأن العملية العسكرية الإسرائيلية في غزة". وتابعت قائلة: "وإذا لم يكن لدى إسرائيل ما تخفيه، فلماذا ترفض السماح لنا بالدخول؟"

وقد طلبت هيومن رايتس ووتش الإذن بدخول غزة في 5 يناير/كانون الثاني. وبعد أسابيع من التأخير، رفض الجيش الإسرائيلي الطلب في 9 فبراير/شباط، بحجة أن هيومن رايتس ووتش "ليست مُسجلة طرف وزارة الشؤون الاجتماعية [الإسرائيلية]". وفي كل المناسبات السابقة، ومنها عدة مرات في عام 2008، سمحت السلطات الإسرائيلية لـ هيومن رايتس ووتش بدخول غزة والخروج منها عبر معبر إيريز. ولم يسبق أن ذكر الجيش الإسرائيلي على الإطلاق مثل هذا المطلب من أجل دخول غزة، ولا تعرف هيومن رايتس ووتش بأي قانون أو نظام إسرائيلي يستلزم هذا. ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلبات هيومن رايتس ووتش بالتوضيح.

ولا تسمح إسرائيل لمواطني إسرائيل اليهود – باستثناء قوات الأمن – بدخول غزة، بحجة أن أمنهم الشخصي عرضة للخطر في غزة. وبتسيلم، مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، طلب في 20 يناير/كانون الثاني الإذن من الجيش الإسرائيلي بدخول مدير العمل الميداني في المركز (مواطن إسرائيلي من أصل فلسطيني) إلى غزة. ورفض الجيش الطلب بعد تسعة أيام. وقدمت بتسيلم طلباً إضافياً في 29 يناير/كانون الثاني بدخول ثلاثة من العاملين في المنظمة واستشاري دولي. ولم يرد الجيش الإسرائيلي على هذا الطلب.

وتمكنت هيومن رايتس ووتش وغيرها من المنظمات الدولية لحقوق الإنسان من دخول غزة عبر مصر في أواخر يناير/كانون الثاني لإجراء تحقيقات أولية. وغادر الباحثون الدوليون غزة قبل 5 فبراير/شباط، وهو اليوم الذي أعلنت مصر أنها ستغلق فيه معبر رفح. وقال الجيش الإسرائيلي لـ هيومن رايتس ووتش إنه بما أن الباحثين التابعين للمنظمة دخلوا غزة عبر رفح، فلن يسمح لهم بالخروج من إيريز.

ولم تفلح بتسيلم في استصدار إذن الدخول للعاملين فيها في إسرائيل أو الضفة الغربية، أو للاستشاريين الدوليين لدى المركز. ولم يتمكن من إجراء الأبحاث الميدانية سوى اثنين من الباحثين الميدانيين يقيمان في قطاع غزة ويعملان طرف بتسيلم.

وقالت جيسيكا مونتل، المديرة التنفيذية لـ بتسيلم: "إن إسرائيل تضع نفسها في زمرة بورما وكوريا الشمالية وسوريا بإبعادها مراقبين حقوق الإنسان المستقلين هكذا". وتابعت قائلة: "والناس في إسرائيل يستحقون معرفة الحقيقة عمّا فعلت قواتنا في غزة. كما أن في مصلحة إسرائيل الفضلى أن تبين الصورة الكاملة للأحداث".

وقد منع الجيش الإسرائيلي الصحفيين من دخول غزة طيلة العملية العسكرية التي استغرقت 22 يوماً باسم "عملية الرصاص المصبوب" حتى بعد حُكم من المحكمة الإسرائيلية العليا في 2 يناير/كانون الثاني يأمر الحكومة بالسماح بدخول أعضاء من اتحاد الصحفيين الأجانب.

ومنذ تصعيد القتال في غزة في 27 ديسمبر/كانون الأول 2008 قامت كل من هيومن رايتس ووتش وبتسيلم بتوثيق انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي ارتكبها كل من الجيش الإسرائيلي وحماس. وفي 10 يناير/كانون الثاني كشفت هيومن رايتس ووتش عن استخدام إسرائيل للفسفور الأبيض بصفة غير قانونية في مناطق السكان المدنيين، وهو الافتراض الذي أنكره الجيش الإسرائيلي في بادئ الأمر لكنه يزعم الآن بأنه يحقق فيه. وأبدت منظمة بتسيلم عميق قلقها إزاء انتهاكات مبادئ التناسب والتمييز، ومنها الاستهداف العمد للمنشآت المدنية، مثل الوزارات الحكومية والمجلس التشريعي الفلسطيني. وقامت المنظمتان طيلة أكثر من عشرين عاماً بتوثيق انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في كل من إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.

والمادة 6 من إعلان المدافعين عن حقوق الإنسان تكفل للجميع الحق سواء فرادى أو ضمن جماعات، في " ﻤﻌﺭﻓﺔ ﺍﻟﻤﻌﻠﻭﻤﺎﺕ ﺒﺸﺄﻥ ﺠﻤﻴﻊﺤﻘﻭﻕﺍﻹﻨﺴﺎﻥﻭﺍﻟﺤﺭﻴﺎﺕ ﺍﻷﺴﺎﺴـﻴﺔﻭﺍﻟﺘﻤﺎﺴـﻬﺎﻭﺍﻟﺤﺼﻭل ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻭﺘﻠﻘﻴﻬﺎﻭﺍﻻﺤﺘﻔﺎﻅﺒﻬﺎ".

فضلاً عن هذا فإن المنع الشامل لدخول منظمات حقوق الإنسان غزة ينتهك الحق في حرية التنقل. ورغم أن قانون حقوق الإنسان يسمح بفرض قيود على حرية التنقل لأسباب أمنية، فإن القيود ينبغي أن تكون ذات سند قانوني واضح، وأن تقتصر على حالات الضرورة وأن تكون متناسبة مع التهديد القائم.

مواد مقترحة

מבנים שהחריבה ישראל בצפון הרצועה, בסמוך לגדר שבין הרצועה לישראל. צילום: סוזאנה ורה, רויטרס, 18.2.24

قطاع غزة

إنشاء الحزام "الأمنيّ" في قطاع غزّة جريمة حرب

في بداية تشرين الثاني 2023، منذ الشهر الأوّل للحرب، بدأت إسرائيل العمل على إنشاء حزام "أمنيّ" داخل أراضي قطاع غزّة. وفقاً لما نشرته وسائل الإعلام، يُفترض أن يبلغ عرض هذا الحزام نحو كيلومتر واحد ويمتدّ على كامل الحدود مع إسرائيل والتي يبلغ طولها نحو ستّين كيلومتراً. وسوف يشمل الحزام نقاطاً عسكريّة وطرقاً معبّدة ووسائل مراقبة. لن يكون بمستطاع الفلسطينيّين الدّخول إلى نطاق الحزام - بمن فيهم أولئك الذين كانوا يُقيمون في هذه المنطقة قبل الحرب أو كانوا يفلحون فيها أراضيَ زراعيّة.لأجل تحقيق هذا الهدف تعكف إسرائيل على هدم كلّ ما يوجد في المنطقة المخصّصة للحزام "الأمنيّ" من مبانٍ سكنيّة ومبانٍ عامّة - بما في ذلك المدارس والعيادات والمساجد والحقول الزراعيّة والكروم والدفيئات. وصف أحد الجنود المنخرطين في هذه العمليّات كيف "جرى دك كلّ شيء". وفقاً لشهادات جنود احتياط، لا يجري الهدم بناءً على معلومات استخبارتيّة أو نتائج عُثر عليها في الموقع وإنّما بهدف إخلاء مساحة لغرض إنشاء الحزام "الأمنيّ". تنجو من الهدم فقط مباني وكالة الغوث أو منشآت تبرّع بها الاتحاد الأوروبيّ - مثل خزّانات المياه ومرافق معالجة مياه الصّرف الصحّي.صور الأقمار الصناعيّة التي نشرتها وسائلالإعلام تكشف الأضرار الجسيمة التي ألحقها الجيش. تحليل هذه الصور يُظهر كيف هدم الجيش في مناطق تبعُد مئات الأمتار عن الحدود أحياء سكنية بأكملها ومبانيَ عامّة. وفي مناطق أخرى دُمّرت مساحات زراعية شاسعة.بناءً على تحليل أجراه لصور الأقمار الصناعيّة ذكر عدي بن نون من قسم الجغرافيا في الجامعة العبرية أنّ إسرائيل هدمت 1072 مبنىً حتى تاريخ 17.1.24، من أصل 2824 مبنىً يبعُد عن الحدود كيلومتراً واحداً أو أقلّ - معظمها مبان سكنية. ويضيف بن نون أنّ المنطقة الأكثر اكتظاظاً بالمباني توجد قريباً من خان يونس، حيث جرى هدم 704 من أصل 1048 مبنىً يقع ضمن النطاق المذكور، أي نحو 70% من المباني. وذكر كلّ من كوري شير من جامعة مدينة نيويورك وجيمون فان دن هوك من جامعة أوريجون أنّ الأرقام أعلى من ذلك، وأنّ عدد المباني التي هُدمت في المنطقة المخصّصة للحزام "الأمنيّ" لا يقلّ عن 1329 مبنى.يجسّد الدّمار في بيت حانون هذه السياسة التي تتّبعها إسرائيل، إذ يُمكن أن نرى في صور الأقمار الصّناعيّة تدمير حيّ بأكمله كان يشتمل على أكثر من 150 مبنىً سكنيًّا ومدارس ومستشفيين، وكانت المنطقة محاطة بمساحات زراعيّة قد جرى تدميرها كلّها. مثال آخر على هذه السياسة هو هدم بلدة خُزاعة الواقعة مقابل "كيبوتس نير عوز" وكانت منازلها الأقرب إلى الحدود. لقد هدم الجيش جميع المباني التي كانت في خُزاعة بما فيها منازل ومسجد ودفيئات زراعيّة وكذلك الأراضي الزراعيّة التي كانت تحيط بها.رسميّاً، لا تعترف إسرائيل بأنّها تعتزم إنشاء حزام "أمنيّ" على امتداد الحدود، إذ يكرّر الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ وجهات رسميّة أخرى أنّ أعمال الهدم الموسّعة سببها تصرّفات حماس وأنّ جميع أعمال الهدم التي طالت المنازل والطرق والأراضي الزراعيّة تستهدف البُنية التحتيّة للإرهاب. على سبيل المثال، في ردّ على تقرير صحفيّ تناول إنشاء الحزام "الأمنيّ" ادّعى الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ إنّ حماس قد "غرست الأصول العسكرية في مناطق مكتظّة بالسكّان… وإنّ الجيش يحدّد مواقع منشآت الإرهاب ويدمّرها، بما في ذلك تلك المُدمجة داخل مبانٍ سكنيّة في هذه المناطق". وتابع الناطق في ردّه: "في بعض الحالات تتحوّل أحياء بأكملها في قطاع غزّة إلى مجمّعات قتاليّة تشتمل على كمائن ومراكز قيادة وتحكّم ومخازن أسلحة وأنفاق قتاليّة ونقاط مراقبة ومنصّات إطلاق نار ومنازل مفخّخة وشوارع مزروعة بالمتفجّرات".غير أنّ تصريحات رسميّة أخرى توضح أنّ إسرائيل تعتبر إنشاء الحزام "الأمنيّ" جزءاً من منظومة دفاعيّة لحماية بلدات الجنوب وأنّ هذه ضروريّة لتمكين سكّانها من العودة إلى منازلهم. من ذلك أنّ هرتسل هليفي قائد الأركان قال إنّ الغاية من هذه الأنشطة هي "خلق شروط أمنيّة تُتيح عودة آمنة لسكّان غلاف غزّة". كذلك أوضح الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ أنّ "هدم المباني غايته توفير الشروط الأمنيّة المطلوبة لإتاحة عودة سكّان الجنوب إلى منازلهم".لكنّ هذه الغاية لا تبرّر التدمير الشامل داخل قطاع غزّة وإنشاء حزام "أمنيّ". أعمال الهدم التي تنفّذها إسرائيل لتحقيق هذه الغاية محظورة وتشكّل جريمة حرب إذ تنفّذ كوسيلة وقائيّة غايتها مجابهة خطر مستقبليّ، والهدم لسبب كهذا ممنوع منعاً باتّاً.القانون الإنسانيّ الدوليّ، الذي يحدّد ما هو مسموح وأكثر من ذلك ما هو ممنوع، يسمح للأطراف المتحاربة أن تُلحق أضراراً بأهداف عسكريّة. و"الهدف العسكريّ" يعرّف بمحدّدين اثنين: أن يُسهم مساهمة فعالة في عمليّة عسكريّة وأن يحقّق المسّ به أفضليّة عسكرية واضحة للطرف المُهاجم. من هنا ينبغي أن يُفحص عينيّاً فيمَ كانت تُستخدم المباني والمناطق التي هُدمت، لا أن تُفحص احتمالات استخدامها مستقبلاً.هدم ممتلكات خاصّة مسموح فقط في حالات استثنائيّة جدّاً. أمّا هدمُها بهدف الرّدع أو الترهيب أو الانتقام من السكّان المدنيّين أو بهدف إحداث أضرار دائمة أو طويلة الأمد فهو محظور بنصّ صريح. إضافة إلى ذلك فإنّ الهدم على النطاق الموسّع الذي تنفّذه إسرائيل يخالف أحد المبادئ الأساسيّة للقانون الإنسانيّ الدوليّ، ونقصد مبدأ التناسبيّة الذي يحظر أيّة عمليّات تُلحق بأناس لم يشاركوا في القتال وبممتلكاتهم أضراراً مُفرطة أو مبالغاً فيها نسبة إلى الميزة العسكريّة المتوقّعة من هذه العمليّات.إنشاء الحزام "الأمنيّ" في غزّة ليس فكرة جديدة لدى إسرائيل. قبل الحرب أيضاً كان الجيش يفرض قيوداً على دخول الفلسطينيّين إلى الأراضي الممتدة حتى مسافة 300 متر من الشريط الحدوديّ إذ عرّفها "مناطق محظورة" يُمنع الدخول إليها. في الواقع لم يحدث أبداً أن أعلنت إسرائيل هذه السياسة بشكل رسميّ، كما أنّها لم تكلّف نفسها عناء التوضيح للفلسطينيّين أيّ الأراضي بالضبط هي التي يُحظر دخولهم إليها. لكنّ الجيش كان يطبّق هذا الحظر بواسطة تعليمات إطلاق النار التي تسمح بإطلاق النار على الفلسطينيّين المتواجدين داخل هذه الأراضي، حتى إذا لم يشكّلوا خطراً على أحد. والنتيجة أنّه منذ تنفيذ "خطّة الانفصال" في أيلول 2005 وحتى 6.10.23 (لا يشمل جولات القتال) قُتل في هذه الأراضي ما لا يقلّ عن 88 فلسطينيّاً، وكلّهم لم يشاركوا بأيّ قتال. كذلك طبّق الجيش هذا الحظر بواسطة رشّ المزروعات المجاورة للشريط الحدوديّ بالموادّ الكيماويّة.لقد غيّرت هذه السياسة الإسرائيليّة ملامح المنطقة: قبل فرض الحظر كان السكّان يزرعون في هذه الأراضي أشجار الفاكهة، وحتى أنّ بعض الأراضي كان يُستخدم كمراعٍ للأغنام والأبقار. ثمّ بسبب سياسة إسرائيل انتقل المزارعون إلى زراعة محاصيل تتطلّب عناية أقلّ ولا يحجب ارتفاعها مجال رؤية الجيش - إذ كانت هذه ذريعته دائماً. في الوقت الحاضر تنتشر في هذه الأراضي المزروعات البعليّة التي لا تحتاج الريّ، ومنها القمح والشعير والفاصولياء والخضروات.وجود الحزام "الأمنيّ" داخل أراضي قطاع غزّة سوف يغيّر إلى حدّ بعيد الواقع الذي أنشئ في المنطقة وسوف تترتّب عليه آثار بعيدة المدى. وجود الحزام "الأمنيّ" سوف يقلّص مساحة قطاع غزّة وهي أصلاً من المناطق الأكثر اكتظاظاً في العالم. آلاف السكّان لن يستطيعوا العودة إلى منازلهم، وسوف تدمّر تجمّعات بأكملها وتُباد حيوات بُنيت هناك على مدار سنين. إلحاق أضرار بمساحات زراعيّة واسعة سوف يمسّ بقدرة سكّان قطاع غزّة على إنتاج الغذاء لأنفسهم ويحرم المزارعين من كسب رزقهم ويقوّض المستقبل الغذائيّ لسكّان القطاع.قبل الحرب كان نزيه أبو ربيع (50 عاماً) وهو أب لسبعة أولاد، يُقيم على بُعد نحو كيلومتر واحد من الحدود. عندما اندلعت الحرب فرّ من منزله وحطّ به المقام في دير البلح. في نهاية كانون الثاني علم من أحد الأقارب أنّ الجيش هدم منزله وكرم الزيتون خاصّته، إضافة إلى نحو عشرين منزلاً في الجوار. أقواله في الإفادة التي أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة تجسّد تبعات وآثار السياسة الإسرائيليّة:"لم أفاجَأ بما قاله لي ابن أخي، ولكن شعرت بأسىً عميق لأنّني فقدت كلّ ممتلكاتي وخاصّة بعد الجهود التي بذلتها طوال السّنين وبعد أن وظّفت كلّ ما كسبته في بناء المنزل ثمّ يُهدم خلال لحظات قليلة. كانت خطّتي أن أبني في المستقبل طابقاً ثانياً لأحد أبنائي وأن أبني منزلاً آخر في أرضي. أنا قلق جدّاً. لا أعلم إن كنا سنستطيع العودة إلى أرضنا، هل سيُمكننا أن نبني فيها مرّة أخرى. لقد وُلدت على هذه الأرض ونشأت هناك، ومن قبلي كان هناك أبي وجدّي. لا مكان آخر لديّ".

21 شباط/فبراير 2024

נשים וילדות נמלטות מהפצצה ישראלית על העיר עזה. צילום: מוחמד זענון, אקטיבסטילס, 19.10.23

قطاع غزة

الجريمة لا تبرر الجريمة - ليتوقف المسّ بالمدنيين في قطاع غزة

تواصل إسرائيل، منذ 12 يوماً، قصف قطاع غزّة دون توقف تقريباً. حتى الآن، ألقت الطائرات الإسرائيليّة آلاف الأطنان من الموادّ المتفجّرة فوق سكّان القطاع. ليست هذه المرة الأولى التي تقصف فيها إسرائيل قطاع غزّة على هذا النحو. فقد طبّقت إسرائيل سياسات غير أخلاقية وغير قانونية في جولات قتالية سابقة قُتل خلالها الآلاف، بضمنهم عائلات بأكملها، وأصيب آلاف آخرون بجراح وبقي عشرات الآلاف دون مأوىً. لكنّ إسرائيل في هذه المرّة أوغلت في التطرّف أكثر فأكثر وأعلنت مُسبقاً أنّها تبتغي الانتقام من حركة "حماس". وقد وعد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بتحويل الأماكن التي تستعدّ وتختبئ فيها حركة "حماس" إلى خرائب ودعا سكّان قطاع غزّة: "اخرجوا من هناك الآن. نحن سنقوم بعمليّات في كلّ مكان وبكامل القوّة". من جهته، أوضح الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي "إنّ التركيز في هذه المرّة سيكون فعلاً على إلحاق الأضرار لا على الدقّة". النتيجة مُرعبة. لا توجد في قطاع غزّة أماكن يلجأ إليها السكّان ولا هُم يملكون وسيلة للدّفاع عن أنفسهم: لا توجد ملاجئ عموميّة، لا غرف آمنة أو أماكن آمنة في المباني، ولا صافرات إنذار تتيح لهم مُهلة للفرار. كلّ ما تبقّى لديهم هو الانتظار خائفين مرعوبين، على أمل ألا يصيبهم أذىً. لا يوجد في قطاع غزّة كلّه مكان آمن ومع ذلك، فرّ مئات الآلاف من منازلهم في محاولة يائسة لحماية أنفسهم وعائلاتهم. منهُم من قُتلوا أثناء فرارهم، منهم من قُتلوا في الأماكن التي نزحوا إليها إذ وجدوا فيها ملجأ، ظنّوه آمناً. تجاوز عدد القتلى حتى الآن الـ3,000 بضمنهم عشرات الأسَر قضت نحبها داخل منازلها ومُحي ذكرُها. أعداد القتلى تزداد يوميّاً ولا يزال كثيرون مدفونين تحت الأنقاض ولا قُدرة على انتشالهم، بسبب الأعداد الهائلة وانعدام المعدّات والآليّات اللّازمة والقصف الإسرائيليّ المتواصل. ثلّاجات الموتى في المشافي مكتظّة والناس لا يستطيعون دفن موتاهُم. بعض الجثامين نُقلت إلى شاحنات تبريد وبعضها الآخر دُفن في قبور جماعيّة. من بقوا على قيد الحياة مضطرّون إلى مواجهة واقع يفوق الخيال ولا يتصوّره عقل. فقد أصدرت إسرائيل تعليمات لأكثر من مليون إنسان تطالبهم بإخلاء منازلهم وسْط القصف المتواصل وفي خضمّ الحرب ومَن لا ينزح يعرّض حياته للخطر بالطبع. هذا المطلب وجّهته إسرائيل أيضاً إلى المستشفيات، ومنها مستشفيات ترعى جرحى الحرب ومرضى آخرين وتمكث فيها عائلات نازحة عن منازلها. لكن المستشفيات رفضت الانصياع لهذه التعليمات لأنّ تطبيقها أمرٌ مستحيل. مئات الآلاف انصاعوا مُجبَرين ونزحوا عن منازلهم. بعضهم بقي في الشوارع وبعضهم لجأ إلى منازل آخرين أو إلى المدارس. في الأماكن التي استقبلت النازحين اكتظاظ شديد وظروف يستحيل تحمّلها. لا توجد أغطية وملابس تكفي الجميع، ولا توجد أيّة إمكانيّة للحفاظ على النظافة الصحّية ممّا يرفع منسوب القلق من انتشار الأمراض. إغلاق معابر غزّة يهدّد بنفاد مخزون الموادّ الغذائيّة، وكذلك الوقود، البنزين والديزل، والأدوية والتجهيزات الطبيّة الأساسيّة. طوابير الغذاء تمتدّ وتطول والعائلات تحاول يائسة شراء القليل المتبقّي في المتاجر من موادّ غذائيّة. وقد أوقفت إسرائيل بيع الكهرباء لقطاع غزّة ومحطّة توليد الكهرباء المحليّة المتواضعة لا تعمل لأنّ إسرائيل أوقفت إمدادات الوقود أيضاً. مع انقطاع الكهرباء تعطّلت شبكات المياه والصّرف الصحّي ايضاً وبقي السكّان بلا ماء. في ظروف كهذه بالكاد تستطيع المستشفيات القيام بمهامّها، وهي أصلاً على وشك الانهيار تحت وطأة الأعداد الهائلة من الجرحى. نحو مليونيّ إنسان في قطاع غزة يعيشون الآن كابوساً مُرعباً: قصف لا يتوقّف ولا وسيلة للاحتماء منه، انهيار تامّ لجميع المرافق والبنى التحتيّة، أحياء بأكملها مُحيت عن وجه الأرض، مئات الآلاف اقتُلعوا من منازلهم ومن هؤلاء كثيرون لا منازل لهُم بعد يعودون إليها لاحقاً. بلا كهرباء، بلا ماء، بلا طعام ولا دواء. قطاع غزّة مغلق من كلّ جانب، أي أنّه لا مكان يمكن الهروب إليه. لا شيء من تفاصيل هذا الكابوس يحدث خطأ أو استثناء. الواقع المروّع في قطاع غزّة هو نتيجة مباشرة لسياسات إسرائيل المعلنة. تعمُّد إلحاق الأذى بالمدنيّين أمرٌ محظور، مهما كانت الظروف وأيّاً كانت الأهداف. لا هدف يمكن أن يبرّر ذلك: لا الجرائم المروّعة التي ارتكبتها حركة "حماس" في غلاف غزّة، ولا الحرب الشاملة على الإرهاب، ولا الرغبة في الإطاحة بحُكم حماس في القطاع. ولهذا، ليس ثمة أي سبيل لتبرير جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل منذ 12 يوماً في قطاع غزّة. تحاول إسرائيل الادّعاء بأنّها، خلافاً لحماس، لا تتعمّد المسّ بالمدنيّين. هذا ادّعاء كاذب كانت إسرائيل قد استخدمَته كذباً في جولات قتالية سابقة أيضاً، ناهيك عن أنّ إسرائيل صرّحت في هذه المرّة مسبقاً، وعلى لسان كبار مسؤوليها، بأنّها تعتزم قصف القطاع دون تمييز. في هذه المرحلة يجب أن تعلم إسرائيل ما يلي: سياسة القصف من الجو، على النحو الذي تطبّقه ضدّ منطقة هي من الأشدّ اكتظاظاً بالسكّان في العالم ويقلع في داخلها مليونا إنسان تحت الحصار، سوف ينجم عنها بالضرورة آلاف القتلى ودمار هائل. هكذا كان الحال في جولات قتال سابقة خاضتها إسرائيل في القطاع، وهكذا هو الحال في هذه المرّة أيضاً. أمام هذا الواقع، تسقط حجة "لم نكن نعلم".

19 تشرين الأول/أكتوبر 2023