غياب المساءلة والمحاسبة

أم باسم أبو رحمة تطلب من محكمة العدل العليا إنهاء المماطلة في التحقيق بمقتل ابنها

أحد سكان بلعين، الذي وردت قصته في فيلم "5 كاميرات مكسورة"، قُتل في نيسان 2009 إلا أنّ التحقيق في موته لم ينتهِ لليوم

باسم ابو رحمة في احدى المظاهرات في بلعين. تصوير: اورن زيف، 25/7/08.

التمست أم أحد سكان قرية بلعين الذي قُتل جراء إصابته بقنبلة غازية أطلقها عليه جنديّ اسرائيلي، إلى محكمة العدل العليا، مطالبة بإلزام المُدّعي العام بأخذ قرار في الملف وتقديم الجندي مُطلق النار وكلّ من يتحمّل مسؤولية قيادية عن مقتل ابنها، للمحاكمة. في الالتماس الذي قُدم بمعية مجلس قرية بلعين ومنظمات بتسيلم و"يش دين"، تطالب صبحية أبو رحمة، أم باسم أبو رحمة، بتعيين مداولة طارئة في الالتماس، وذلك في ظلّ مرور قرابة أربع سنوات على قتل ابنها، الذي وُثق في فيلم "5 كاميرات مكسورة" الذي كان مرشحًا للأوسكار.

قُتل باسم أبو رحمة (30 عامًا) في نيسان 2009 جراء إصابته بقنبلة غازية ذات مدى كبير في صدره، وذلك أثناء المظاهرة التي جرت ضدّ الجدار في قريته بلعين. وقد أثبتت ثلاثة أفلام فيديو صُوّرت في المظاهرة أنّ أبو رحمة كان يقف عند الجاني الشرقي من الجدار ولم تبدر عنه ممارسات عنيفة ولم يشكل خطرًا على الجنود بأيّ طريقة كانت. كما أرفق الملتمسون مذكرة موقف حضّرها مختصون من لندن ونيويورك قاموا فيها بتحليل الأفلام التي توثق الحادثة، حيث قضوا بأنّ إطلاق النار جرى بتصويب مباشر- وفي ظل هذا المعطى وحقيقة عدم تعرض الجنود الذين كانوا في الموقع لأيّ خطر كان، فإنّ إطلاق النار على المرحوم أبو رحمة كان أمرًا جنائيًا ويجب تقديم مطلق النار إلى المحاكمة، وربما المسؤولين عنه أيضًا حسب ما تفرزه نتائج التحقيق. وتشير الأفلام إلى أنّ جنودًا آخرين أطلقوا أثناء المظاهرة قنابل غازية بتصويب مباشر نحو المتظاهرين، بحضور ضباط رفيعين، وذلك خلافًا لأوامر إطلاق النار بشكل مطلق.

وبرغم ذلك، رفض النائب العسكريّ السابق، العميد أفيحاي مندلبليط، في البداية فتح تحقيق لدى الشرطة العسكرية المحققة، وغيّر رأيه في أعقاب التهديد بتقديم التماس لمحكمة العدل العليا ونشر مذكرة موقف المختصين الذين فحصوا الأدلة المُصوّرة وتوصّلوا إلى استنتاج قاطع بأنّ إطلاق النار جرى بتصويب مباشر. وقد فُتح تحقيق لدى الشرطة العسكرية المحققة في تموز 2010، ومن وقتها جرت عدة استكمالات، إلا أنه لم يُتخذ قرار بشأن المحاكمة أو إغلاق الملف.

في الالتماس الذي قدّمه المحاميان إميلي شيفر وميخائيل سفارد، يقول الملتمسون إنّ الحديث يدور عن الامتناع عن اتخاذ قرار، وهو امتناع غير معقول بدرجة كبيرة، ومن ضمن مسوّغات ذلك الواجب الوارد في القانون الدوليّ بأن يكون التحقيق في انتهاك حقوق الإنسان فعّالاً وأن يُجرى على الفور وأن يُستكمل تنفيذه بالسرعة اللائقة. الحديث يدور هنا عن إخفاق خطير لأنّ عدم اتخاذ قرار بالشأن يوضح أمام جنود الجيش الإسرائيلي وشرطي حرس الحدود الذين يعملون على تفريق مظاهرات الفلسطينيين، أنّهم حتى لو أطلقوا النار وقتلوا متظاهرين، فإنهم لن يتحملوا المسؤولية الجنائية. هذه الرسالة تحتوي على استهتار بحيوات المدنيين الفلسطينيين.

ويذكر الملتمسون أنّ المماطلة في إدارة التحقيق بمقتل باسم أبو رحمة ليست إلا مثالا واحدًا، حتى لو كان خطيرًا جدًا، على الوتيرة البطيئة لإجراء التحقيقات واتخاذ القرارات لدى النيابة العسكرية، ممّا يؤدّي إلى أن تستمرّ إدارة الملفات لسنوات عديدة. لا شكّ في أنّ هذه المشكلة تمسّ هذه التحقيقات مسًّا مباشرًا، وهي تؤدي كتحصيل حاصل إلى المسّ باحتمالات الكشف عن الحقيقة وإحقاق العدل.

تلخيصًا، يقول الملتمسون إنّ باسم أبو رحمة كان شابًا معروفًا ومحبوبًا في قريته. وقد كان رجل سلام وصديقًا حقيقيًا للكثير من الإسرائيليين والأجانب والفلسطينيين، وإنّ موته شكّل ضربة موجعة لكلّ أصدقائه وأقربائه. لكنّ مطلب اتخاذ قرار في ملف التحقيق لا يُطرح من أجل أقرباء أبو رحمة فقط؛ هذه خطوة مطلوبة من نظام يحترم قيمة الحياة البشرية وقيمة سلطة القانون.

مواد مقترحة

ירי גז בהפגנה ממזרח לעיר עזה. צילום: מוחמד סבאח, בצלם, 27.4.18

سياسة إطلاق النار

وسائل تفريق المظاهرات تتحوّل في أيدي عناصر قوّات الأمن إلى سلاح قاتل

منذ انطلقت "مظاهرات العودة" في 30.3.18 وحتى نهاية حزيران 2019 قتلت قوّات الأمن 216 فلسطينيًّا من بينهم 43 قاصرًا إضافة إلى جرح الآلاف معظمهم جرّاء إصابتهم بأعيرة ناريّة. ولكن حتى وسائل تفريق المظاهرات التي تستخدمها قوّات الأمن قد تحوّلت في أيدي عناصر قوّات الأمن إلى سلاح فتّاك ومنها قنابل الغاز المسيل للدموع التي لم تعدّ أبدًا لكي تصيب أجساد البشر. سبعة متظاهرين على الأقلّ قُتلوا عقب إصابتهم بقنابل غاز في رؤوسهم أو وجوههم ومن بينهم 4 قاصرين. وفقاً لقاعدة البيانات بإدارة "أوتشا" ( OCHA - مكتب تنسيق الشؤون الإنسانيّة في هيئة الأمم المتحدة) حتى يوم 28.6.19 أنّ عدد من وصلوا لتلقّي العلاج في مستشفيات قطاع غزة قد تجاوز 1,600 متظاهرا أصابتهم قنابل الغاز في أجسادهم وأكثر من ثلثهم أصيب في الأشهر الثلاثة الأولى لعام 2019. قنابل الغاز المسيل للدّموع هي وسائل لتفريق المظاهرات ويبلغ مداها ما بين مئة متر وبضعة مئات من المترات في حالة إبعاد المدى. لم تعدّ هذه القنابل لتكون سلاحًا فتّاكًا وتعليمات إطلاق النّار - على الأقل تلك المصرّح بها كما تعليمات الاستخدام تمنع إطلاقها بتصويب مباشر نحو البشر لأنّه من الواضح أنّ مثل هذه الإصابة ستكون بليغة. خلال الأشهر الماضية جمع باحثو بتسيلم الميدانيّون في قطاع غزة إفادات من متظاهرين أصيبوا بقنابل الغاز ومن شهود عيان على هذه الإصابات. يتبيّن من هذه الإفادات أنّ عناصر قوّات الأمن يطلقون - خلافًا لتعليمات إطلاق النار - قنابل الغاز بتصويب مباشر نحو المتظاهرين وأنّهم يفعلون ذلك بشكل روتينيّ. كما تبيّن الإفادات أنّ الإطلاق يتمّ من مواقع أعلى من الشريط الحدودي (من على سواتر ترابيّة أو أسقف الجيبات العسكريّة) أو عبر فتحات الشريط نفسه. لقد سبق لبتسيلم أن وثّقت إطلاق قنابل الغاز بتصويب مباشر في الضفة الغربيّة والذي أدّى إلى إصابات بليغة وقتل شخصين على الأقلّ. إطلاق قنابل الغاز بتصويب مباشر لا يحدث كاستثناء ولا هو مقطوع السّياق وإنّما هو جزء من سياسة إطلاق النار المخالفة للقانون والأخلاق التي تطبّقها إسرائيل منذ أكثر من سنة قرب الشريط الحدودي في قطاع غزة. هذه السياسة التي قُتل جرّاءها حتى اليوم أكثر من 200 متظاهر إضافة إلى آلاف الجرحى، هي سياسة مخالفة للقانون والأخلاق وتلوح من فوقها راية سوداء. رغم نتائجه الفتّاكة والمعلومة سلفًا يتواصل منذ أكثر من سنة استخدام الذّخيرة على هذا النحو الفتّاك - سواء كانت أعيرة ناريّة أو غيرها - نحو متظاهرين معظمهم عزّل ولا يشكّلون خطرًا على حياة عناصر قوّات الأمن المحصّنين والمتواجدين في الجهة الأخرى من الشريط. إنّه مثال آخر على استهتار السلطات الإسرائيليّة وعدم اكتراثها بحياة الفلسطينيّين وسلامة أجسادهم. إصابة محمد فسيفس (23 عامًا) في الرأس - 31.5.19: في يوم الجمعة الموافق 31.5.19 نحو الساعة 15:00 وصل محمد فسيفس البالغ من العمر23 عامًا وهو من سكّان عبسان الكبيرة وعاطل عن العمل، إلى مظاهرة جرت قرب الشريط الحدوديّ شمال بلدة خزاعة. عند السّاعة 15:30 تقريبًا تقدّم فسيفس مع مجموعة من الشبّان حتّى أصبحوا على بُعد بضعة عشرات من الأمتار من الشريط. بعضهم كان يرفع أعلام فلسطين ومن ضمنهم حنان أبو طيبة ( 30 عامًا) من سكّان بني سهيلا ومتزوّجة وأمّ لأربعة أولاد، التي أدلت بإفادتها في 19.6.19 أمام باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة قائلة: فلسطين ومن ضمنهم حنان أبو طيبة ( 30 عامًا) من سكّان بني سهيلا ومتزوّجة وأمّ لأربعة أولاد، التي أدلت بإفادتها في 19.6.19 أمام باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة قائلة: كان محمد فسيفس معنا. كنّا نهتف الشّعارات وعندها أطلق الجنود علينا قنابل غاز مسيل للدّموع من قاذفة مركّبة فوق أحد الجيبات العسكريّة. تساقطت قنابل الغاز قربنا فعدنا إلى الوراء. بعد ذلك تقدّمنا مجدّدًا ووقفنا حيث كنّا فأطلق الجنود نحونا الرّصاص الإسفنجيّ. أصيب محمد فسيفس في كتفه وصدره ورجله. جاء مسعفون ونقلوه من المكان وقدّموا له العلاج في الميدان. بعد مضيّ عشر دقائق عاد محمد ووقف معنا وكنّا نبعد عن الشريط بضعة عشرات من الأمتار. كان من حولنا عدد من الشبّان والشابّات. نحو السّاعة 16:30 رأيت مجنّدة تقف عند الشريط. أطلقت نحونا ثلاث أو أربع قنابل غاز مسيل للدموع عبر فتحات الشريط. كنت أقف أمام محمد وتفصلني عنه بضعة أمتار. نظرت إلى الخلف ورأيته يقع أرضًا بعد أن أصابته قنبلة غاز في رأسه. تقدّمت منه. كان ينزف بشدّة من رأسه وجمجمته مهشّمة. صرخت منادية المسعفين وأشرت لهم ملوّحة بالعلم الذي كنت أرفعه. جاء عدد من المسعفين والشبّان. تمّ تضميد رأس محمد وحمله إلى سيّارة الإسعاف على نقّالة. أدلى محمد فسيفس بإفادته في 19.6.19 أمام باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة قائلًا: أفقت بعد مضيّ ستّة أيّام فوجدت نفسي في قسم العناية المكثّفة في المستشفى الأوروبي. رأيت أبي إلى جانبي. سألني إن كنت أعرفه فأجبته بنعم. في اليوم التالي نقلوني من العناية المكثّفة إلى قسم جراحة الأعصاب. قال لي الأطبّاء إنّه من المحتمل أن أبقى مشلولًا في النصف الأيمن من جسمي. ذُهلت عندما سمعت ذلك وخفت كثيرًا غير أنّني تمكّنت في اليوم التالي من تحريك جسمي وأطرافي. غمرتني السّعادة رغم الأوجاع التي عانيتها جرّاء الإصابة. بعد بضعة أيّام خرجت من المستشفى. لا زلت أتناول الدّواء وأذهب للمراجعة في المستشفى. لديّ 13 غرزة في الجهة اليمنى من رأسي. أحيانًا أشعر وكأنّ رأسي سينفجر من شدّة الألم وعندها أتناول مسكّنات الأوجاع. وأحيانًا يصيبني دوار فأجلس فورًا حتّى ولو على الأرض. أخشى أن ترافقني هذه الأعراض لمدّة طويلة. إصابة المسعف المتطوّع محمد أبو جزر (21 عامًا) في الفك - 8.3.19: في يوم الجمعة الموافق 8.3.19 نحو السّاعة 15:30 وصل المسعف المتطوّع محمد أبو جزر البالغ من العمر21 عامًا وهو من سكّان خان يونس إلى مظاهرة جرت شمال بلدة خزاعة. عندما كان في طريقه لإسعاف مصاب على بعد بضعة عشرات من الأمتار من الشريط أصابته قنبلة غاز مسيل للدّموع في فكّه. في إفادة أدلى بها محمد يوم 10.3.19 أمام باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة، قال: في ذلك اليوم عندما وصلت كان في المكان عدد قليل من المشاركين. عادة يرتفع العدد بعد السّاعة 16:00. بضعة عشرات من المتظاهرين تقدّموا إلى مسافة 30 مترًا من السّلك اللولبيّ الشائك. كنت أقف مع مجموعة مسعفين من طواقم مختلفة على بُعد نحو 25 مترًا خلف المتظاهرين وجمعينا كنّا نرتدي زيّ المسعفين الرّسميّ. نحن نتعمّد الحفاظ على مسافة بيننا وبين المتظاهرين لئلّا يصيبنا الرّصاص والغاز الذي يطلقونه على المتظاهرين. نحو السّاعة 16:00 أصيب أحد المتظاهرين القريبين من السّلك اللولبيّ الشائك بعيار ناريّ في إحدى رجليه. المسعفون الذين كانوا في الموقع نادوني لأنّ معي نقّالة. في طريقنا إلى حيث سيّارات الإسعاف في شارع جكر رأيت شخصًا أصيب في رأسه من قنبلة غاز وكان على بُعد نحو 20 مترًا منّي. تركت المصاب الأوّل واتّجهت إليه مع النقّالة برفقة مسعفيْن آخريْن. عندما صرت على بُعد عدّة أمتار منه أطلق جنود قنابل الغاز نحونا. أحسست بقنبلة غاز ترتطم بفكّي. تركت النقّالة ووضعت يدي على فكّي. شعرت بآلام شديدة في الفكّ وأيضًا في الرأس وأصابني دوار. أمسكني المسعفان اللّذان كان خلفي لئلّا أقع أرضًا وساعداني على الابتعاد من هناك ركضًا بعيدًا عن الغاز. كنت على وشك الإغماء. بعد أن أخرجوني من هناك أغمي عليّ. صحوت في مستشفى ناصر في خان يونس. قال لي الأطبّاء إنّ لديّ كسور في الفكّ. عالجوني وقدّموا لي مسكّنات للأوجاع وفي السّاعة 19:30 خرجت من المستشفى. لا زال فكّي يؤلمني وخاصّة أثناء تناول الطّعام كما أعاني من أوجاع في الرأس ودُوار. من متابعة أجراها باحث بتسيلم الميداني تبيّن أنّ محمد أبو جزر وبعد مضيّ خمسة أشهر تقريبًا على إصابته لا يزال يعاني أوجاعًا في الرأس ويستعين بمسكّنات الأوجاع. عمر النجّار (26 عامًا) من سكّان بني سهيلا. متزوّج وأب لولدين وهو مسعف متطوّع كان مع محمد أبو جزر عندما أصيب وقد أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة في 4.4.19، قائلًا: قرب السّاعة 16:00 تقدّم بضعة عشرات من الأشخاص حتى صاروا على بُعد نحو 30 مترًا من السّلك اللولبيّ الشائك وكانوا يهتفون الشعارات. البعض منهم رشق الحجارة نحو الجنود الذين يعتلون سواتر ترابيّة مرتفعة في الجهة الأخرى من الشريط. وكان خلف الشريط عدد من الجيبات العسكريّة - اثنان منها كانا يطلقان قنابل الغاز المسيل للدّموع. أطلّ أحد الجنود من سقف أحد الجيبين وأخذ يطلق قنابل الغاز على النّاس. كنّا نقف خلف المتظاهرين على بُعد نحو 30 مترًا غربي موقع وقوفهم. أصيب أحد الشبّان القريبين من السّلك اللولبيّ الشائك بعيار ناريّ في رجله. تقدّمنا لمساعدته أنا ومحمد ومسعف ثالث. قدّمنا له العلاج الأوّلي وتمّ حمله على نقّالة. في طريقنا لجهة الغرب رأينا مصابًا كان بين الأشخاص الذي اقتربوا من الشريط. أصابته مباشرة - في عينه اليسرى على ما أعتقد - قنبلة غاز أطلقها الجنديّ الذي أطلّ من سقف الجيب. وقع الشابّ أرضًا. كنّا قريبين منه أنا ومحمد الذي كان يحمل نقّالة. عندما تقدّمنا نحو الشابّ أطلق الجنديّ الذي كان يقف فوق الجيب قنبلة غاز أخرى وأصاب محمد. وقع محمد وأمسكته. كان يضع يده على خدّه. أخذ الدّخان ينبعث من القنبلة فقط بعد أن أصابته ووقع على الأرض. أسعفت محمد وهو مستلقٍ على الأرض. كان يتألّم كثيرًا. بعد ذلك جاء مسعفون آخرون وحملوه على نقّالة إلى سيّارة الإسعاف المتوقّفة في شارع جكر. كان لا يزال في حالة وعي تامّ. بعد ذلك عدت أنا إلى الميدان وبقيت هناك حتى السّاعة 19:00 تقريبًا. معظم الإصابات التي شاهدتها في ذلك اليوم كانت إصابات مباشرة جرّاء إطلاق قنابل الغاز وكان آخرون قد أصيبوا جرّاء استنشاق الغاز. مقتل بسّام صافي (22 عامًا) وإصابة المصّور منيب أبو حطب (23 عامًا) في البطن - 22.2.19: في يوم الجمعة الموافق 22.2.19 أصيب شخصان بقنابل غاز مسيل للدموع أطلقها جنود نحو المتظاهرين خلال مظاهرة جرت شمال بلدة خزاعة. أحدهما بسّام صافي ابالغ من العمر 22 عامًا من سكّان مخيّم خان يونس للّاجئين. أصيب بسّام نحو السّاعة 17:00 بقنبلة غاز استقرّت في وجهه. في شريط فيديو نشرته مواقع التواصل الاجتماعي يظهر بسّام مستلقيًا أرضًا والدّخان ينبعث من رأسه في منطقة قريبة من شارع جكر على بُعد 150 - 200 متر من الشريط. تمّ نقله إلى المستشفى الأوروبيّ جنوب خانيونس حيث أجريت له عمليّة جراحيّة لإخراج القنبلة. ظلّ بسّام في غيبوبة طوال رقوده في المستشفى إلى أن توفّي متأثّرًا بجراحه في 11.3.19. في 1.3.19 استمع باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة إلى إفادة مهنّد النجّار (19 عامًا) من سكّان خان يونس وهو طالب جامعيّ يدرس علوم الحاسوب. حدّث مهنّد عمّا جرى في ذلك اليوم، قائلًا: في الجهة الأخرى من الشريط كانت 4 - 5 جيبات عسكريّة. اثنان منها يطلقان نحو المتظاهرين دفعات ثقيلة من قنابل الغاز المسيل للدّموع. وكان عدد من الجنود يطلقون قنابل الغاز من قاذفات محمولة. أنا أعرف من تجربتي في المظاهرات أنّ قنابل الغاز التي يطلقها الجنود بواسطة القاذفات المحمولة تصل إلى مسافات بعيدة جدًّا وأحيانًا تسقط في منطقة خيام العودة. القنابل التي تطلق من الجيبات مداها محدود واندفاعها أبطأ ولذلك يتمكّن المتظاهرون من تجنّبها. في ذلك اليوم أطلق الجنود ذخيرة حيّة أيضًا وأصابوا عددًا من الأشخاص. شاهدت أيضًا كثيرين أصيبوا جرّاء استنشاق الغاز المسيل للدّموع. بين السّاعات 17:00-16:30 كنت أقف في منطقة شارع جكر وأتناول المكسرات. كان خلفي على بُعد بضعة أمتار منّي شابّ عرفت لاحقًا أنّ اسمه بسّام صافي. كان واقفًا ولم يفعل أيّ شيء. أطلق الجنود الذين يعتلون السّواتر عددًا من قنابل الغاز المسيل للدّموع وأصابت إحداها بسّام في رأسه. عندما نظرت إلى الخلف رأيته ملقًى أرضًا على ظهره وغاز كثير ينبعث من رأسه. ركضت نحوه لكي أساعده لكنّ بدني قد اقشعرّ من المشهد الذي رأيته وأرعبني الغاز المنبعث من رأسه ولم أقو على الاقتراب. أخرجت هاتفي وأخذت أوثّق بالفيديو ما يجري. بعد أن خفّت كثافة الغاز اقترب من المصاب مواطنون ومسعفون أعتقد أنّهم من الهلال الأحمر. وضعوه على نقّالة وحملوه إلى سيّارة الإسعاف المتوقّفة في شارع جكر. منيب أبو حطب (23 عامًا) من سكّان خان يونس ويعمل مصوّرًا صحفيًّا. وصل منيب إلى منطقة المظاهرة نحو السّاعة 15:00. في إفادته التي أدلى بها في 27.2.19 أمام باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة، قال: في يوم الجمعة الموافق 22.2.19 قرابة السّاعة 17:00 شاهدت جنديًّا يطلق قنبلة غاز نحو المتظاهرين. بعد ذلك رأيت المتظاهرين يركضون نحو أحد المصابين. ركضت أنا أيضًا لأنّني كنت بعيدًا عنهم. عندما وصلت رأيت شابًّا ملقًى على الأرض على بُعد نحو 200 متر من الشريط ودخان كثيف ينبعث من رأسه. حاول الشبّان وقف الغاز وتقديم الإسعاف الأوّلي له. فيما بعد تبيّن لي أنّه بسّام صافي الذي حُمل إلى سيّارة الإسعاف. بعد مضيّ بضعة دقائق تقدّمت نحو الشريط لكي ألتقط صورًا للمظاهرة والمتظاهرين. وصلت إلى بُعد نحو 100 متر من السّلك اللّولبيّ الشائك وكان أكثر من مئة متظاهر على مسافة تراوحت بين 50 - 100 متر منه. كانت معي كاميرتان. ترجّل أحد الجنود من جيب عسكريّ وصوّب قاذفة قنابل الغاز نحوي ثمّ أطلق قنبلة أصابتني في بطني في الجهة اليمنى فوقعت على ظهري. كانت الكاميرا معلّقة من جهة ظهري ووقعت عليها فتألمت كثيرًا حتّى أنّني صرخت من الألم. أحسست كأنّ شيئًا يحترق داخل جسمي. تعرّقت كثيرًا وشعرت بدُوار. عندما وقعت وصرخت تقدّم لإسعافي عدّة مسعفين وشبّان. ضمّدوا جرحي وحملوني على نقّالة إلى سيّارة إسعاف متوقّفة في شارع جكر ومن هناك نُقلت في سيّارة الإسعاف إلى الخيمة الطبّية حيث فحصني عدّة أطبّاء ثمّ نقلت إلى المستشفى الأوروبيّ. وصلت إلى المستشفى أعاني حروقا وانتفاخا في مكان الإصابة. بعد عدّة أيّام خرجت من المستشفى. ضمن عملي كمصوّر صحفيّ في "مظاهرات العودة" لاحظت في الفترة الأخيرة أنّ جنود الاحتلال يصوّبون قاذفات الغاز في معظم الأحيان مباشرة نحو المتظاهرين بقصد إصابتهم وليس بقصد تفريقهم. إصابة جبريل الكفارنة (14 عامًا) في الرأس - 22.2.19: في يوم الجمعة الموافق 22.2.19 وصل الفتى جبريل الكفارنة (14 عامًا) - تلميذ في الصفّ التاسع من سكّان بيت حانون - للمشاركة في مظاهرة جرت شرق مخيّم جباليا للّاجئين. نحو السّاعة 16:00 أصابته قنبلة غاز مسيل للدّموع مباشرة في رأسه فأغمي عليه. نُقل جبريل إلى المستشفى الإندونيسي قرب المخيّم ومن هناك تمّ تحويله إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزّة. من بين المتواجدين في المكان أحمد الزعانين (27 عامًا) من سكّان بيت حانون وهو متزوّج وأب لولدين ويعمل فنّي كهرباء. أدلى الزعانين بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 5.3.19 محدّثًا عن إصابة جبريل الكفارنة: كنت أقف على بُعد نحو 200 متر من الشريط ولم أتقدّم أكثر بسبب كثافة قنابل الغاز المسيل للدّموع والأعيرة الناريّة التي أطلقها الجنود الإسرائيليّون نحو المتظاهرين. رأيت هناك جبريل الكفارنة وهو فتًى أعرفه من بيت حانون. بين السّاعة 15:30 والـ 16:00 رأيت ابن عمّي يُصاب برصاصتين في رجله اليسرى ويقع أرضًا وفي اللّحظة نفسها رأيت قنبلة غاز تصيب مباشرة رأس جبريل الكفارنة وترتدّ إلى الخلف. كان جبريل يبعد عنّي مترًا واحدًا أو مترًا ونصف المتر. هو أيضًا وقع. لم أعلم إلى من ينبغي عليّ الذهاب لمساعدته أوّلًا جبريل أم ابن عمّي. جميع المتظاهرين فرّوا من المكان بسبب قنابل الغاز. تقدّمت سريعًا من جبريل الذي كان ملقًى أرضًا مغمًى عليه والدّماء تغطّي رأسه ووجهه. حملته وأخذته إلى سيّارة إسعاف كانت تبعد عنه بضعة أمتار. عدت فورًا لكي أسعف ابن عمّي وحملته هو أيضًا إلى نفس سيّارة الإسعاف. صعدت إلى سيّارة الإسعاف لمرافقة جبريل. كان مغمًى عليه والمسعفون عاكفون على إسعافه داخل السيّارة. ضمّدوا رأسه وزوّدوه بالأوكسجين. وصلنا إلى الخيمة الطبّية ولكنّهم لم يستقبلوه بسبب خطورة إصابته. وضعوه في سيّارة إسعاف نقلته إلى المستشفى الإندونيسي شماليّ غزة ورافقته بنفسي. عندما وصلنا قرّروا تحويله إلى مستشفى الشفاء نظرًا لخطورة حالته فرافقته إلى هناك أيضًا. في مستشفى الشفاء أفاق جبريل لكنّه لم يكن في كامل وعيه. أجروا له صور مقطعية (CT)وأدخلوه إلى غرفة العمليّات وعندما جاء أفراد أسرته غادرت. أدلى المصاب جبريل الكفارنة بإفادته في 3.3.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، قائلًا: كنت على بُعد نحو 200 متر من الشريط جالسًا على الأرض وأنظر شرقًا إلى المتظاهرين. كان السّاعة تقريبًا الرّابعة بعد الظهر. فجأة أحسست بدوار وضربة قويّة من جسم ما ارتطم برأسي. فقدت الوعي وعندما صحوت وجدت نفسي في قسم الجراحة في مستشفى الشفاء وحولي أفراد أسرتي. قالوا لي إنّ قنبلة غاز مسيل للدّموع أصابت رأسي وإنّني خضعت لعمليّة جراحيّة استغرقت 3 ساعات. كان لديّ كسر في الجمجمة. أحدثت القنبلة ثغرة في رأسي عمقها عدّة سنتيمترات. كانت إصابتي خطيرة وقد رقدت للعلاج في مستشفى الشفاء طيلة أسبوع تقريبًا. كانت حالتي صعبة - تشنّجات وأوجاع ودُوار وضيق تنفّس كما فقدت السيطرة على خروجي وكنت أتقيّأ عدّة مرّات في اليوم. لم أكن قادرًا على الوقوف ولا على تناول الطّعام. كنت آكل اللّبن أو أشرب العصير. لكنّ الأطبّاء عالجوني وتحسّن وضعي. خرجت من المستشفى في يوم الخميس الموافق 28.2.19 ومنذ ذلك الحين ووضعي يستمرّ في التحسّن. ما زلت لا أستطيع المشي ولكنّني آكل أفضل من ذي قبل ونوبات الدّوار قلّت. أتناول مسكّنات الأوجاع بسبب آلام الصداع. لا أستطيع النوم بسبب الآلام. أقضي معظم اللّيل مستيقظًا. حياتي الآن مشلولة بسبب الإصابة. لا أستطيع الخروج من المنزل واللّقاء مع أصحابي. قبل الإصابة كنت أركب الدرّاجة يوميًا وأزور عمّي وأصدقائي أو أجلب أغراضًا للمنزل. الآن لا يمكنني أن أركب الدرّاجة بتاتًا ولا أن ألعب كرة القدم مع أصدقائي في الحي. أتحسّر أحيانًا عندما أسمع صوت أصحابي يلعبون في الخارج. أتمنّى أن يكتب الله لي الشفاء العاجل لأعود وألعب معهم. جدّة جبريل أميرة الكفارنة (61 عامًا) هي التي ربّته واعتنت به بعد طلاق والديه. أدلت أميرة بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 3.4.19 محدّثة عن اليوم الذي أصيب فيه حفيدها وعن فترة رقوده للعلاج في المستشفى: عندما وصلت إلى المستشفى كان جبريل في غرفة العمليّات وكان والده وأعمامه قد وصلوا قبلي. أخذوا يهدّئون من روعي ويصبّرونني وكانوا يسندونني لئلّا أتهاوى حيث أعاني من مرض السكّري وارتفاع ضغط الدّم كما أنّ لديّ مشاكل في الغدّة الدرقيّة وفي القلب. قال لي الأطبّاء إنّ وضع جبريل صعب ولذلك عندما خرج من غرفة العمليّات اطمأنّ قلبي قليلًا. بكيت كثيرًا وعانقته وقبّلته. لقد احترق قلبي عليه. كان جبريل لا يزال تحت تأثير المخدّر ولم يتكلّم أبدًا. بقيت إلى جانبه حتى منتصف اللّيل ولم أشأ العودة إلى المنزل وتركه هناك ولكنّ أولادي أخذوني إلى المنزل. خرجت من المستشفى وأنا أبكي. رقد جبريل في المستشفى طيلة أسبوع وكنت أذهب إليه كلّ يوم منذ السّاعة 6:00 صباحًا لكي أطمئنّ أنّ كلّ شيء على ما يرام. عندما أفاق من الغيبوبة بعد يومين تقريبًا كنت إلى جانبه. تعانقنا وبكينا. قال لي "لا تبكي يا أمّي ها أنا قربك وبخير كما ترين". قضيت ذاك الأسبوع أبكي عليه. كنت إذا نظرت إلى ملابسه أبكي وإذا رأيت درّاجته أبكي. بكيت طوال الوقت ورَجَوْتُ الله أن يشفيه ويعيده إلى بيته سليمًا معافى. عندما خرج جبريل من المستشفى وعاد إلى المنزل لم أصدّق أنّني أراه بصحّة جيّدة وفي البيت أمام عينيّ. من شدّة فرحي أخذت أغنّي وأصفق. كانت سعادتي لا حدود لها. من بعد الإصابة اعتنيت به أكثر من ذي قبل ودلّلته طوال الوقت. في اللّيالي كنت أنام إلى جانبه. لم أتركه حتى للحظة واحدة لأنّني خفت أن يصيبه شيء لا سمح الله. الحمد لله الذي أرجع لي جبريل ليملأ البيت سعادة وفرحًا. من متابعة أجرتها باحثة بتسيلم الميدانيّة تبيّن أنّ جبريل الكفارنة وبعد مضيّ خمسة أشهر على إصابته لا يزال يعاني آلامًا شديدة وكثيرة وأنّه منذ إصابته أصبح قلقًا ويميل إلى ردود الفعل العصبيّة. إصابة صهيب عماد (12 عامًا) في الساق - 1.2.19: في يوم الجمعة الموافق 1.2.19 نحو السّاعة 13:30 حضر الفتى صهيب عماد (12 عامًا) وهو تلميذ في الصفّ السّابع من مخيّم جباليا للّاجئين ليشارك في مظاهرة جرت شرقيّ المخيّم. خلال المظاهرة رشق الحجارة بواسطة مقلاع نحو عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجانب الآخر من الشريط. في إفادته التي أدلى بها يوم 7.3.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح حدّث صهيب عماد كيف أصيب: قرب السّاعة الواحدة والنصف توجّهت إلى ساحة مسجد الخلفاء في المخيّم وصعدت إلى حافلة تقلّ المتظاهرين إلى موقع المظاهرة في أرض أبو صفيّة شرق المخيّم. كان عددنا تقريبًا 40 متظاهرًا. وبعد نصف ساعة أخذ يصل مزيد من المتظاهرين. تقدّمت في اتّجاه الشريط مع بعض المتظاهرين وأخذنا نرشق الحجارة. أنا أستخدم مقلاعًا وكنت أصوّب نحو جيب للجيش الإسرائيلي كان يقف وراء الشريط. لاحقًا ذهبت مع عدد من المتظاهرين إلى الجزء الجنوبيّ من أرض أبو صفيّة. وقفنا أمام بوّابة الشريط وأخذنا نرشق الحجارة نحو جيب إسرائيليّ وساتر يقف خلفه جنود في الجهة الأخرى من الشريط. عند السّاعة 16:30 تقريبًا عندما أردنا العودة إلى الوراء والذهاب إلى البيت اقترب جيب إطلاق الغاز المسيل للدّموع وترجّل منه جنديّ صوّب نحونا سلاحه وأطلق علينا قنبلة غاز. استلقيت على الأرض على بُعد بضعة أمتار من الشريط ومعي تقريبًا سبعة متظاهرين آخرين. أحسست بقنبلة غاز تصيبني في ساقي اليمنى. حملني الشباب فورًا وكان الغاز ينبعث من رجلي لكنّهم وضعوني بعد لحظة لأنّهم استنشقوا الغاز المسيل للدموع. أخذوا يسحبونني من طاقيّة بلوزتي لكي يُبعدوني عن الشريط ويقدّموا لي الإسعاف. بعد أن أبعدوني عدّة أمتار جاء مسعفون وحملوني على نقّالة. أحسست بحرق في رجلي. أخذني المسعفون إلى الخيمة الطبّية حيث تلقّيت الإسعاف الأوّلي ثمّ نُقلت إلى مستشفى العودة في المخيّم. هناك أجريت لي عمليّة جراحيّة لإخراج القنبلة التي كانت منغرزة في رجلي اليمنى. كان في رجلي حفرة فوق الرّكبة في الموقع الذي أصابته القنبلة وكنت أعاني أوجاعًا شديدة. ما زلت أرقد في المنزل وأعاني جرّاء الإصابة بقنبلة الغاز. حياة عماد والدة الطفل صهيب عماد وهي ربّة منزل في تبلغ من العمر 29 عامًا وأمّ لثلاثة أولاد، أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 9.4.19، قائلة: عندما وصلت إلى المستشفى كان صهيب يرقد في سرير ويعاني أوجاعًا شديدة. أدخلوه إلى غرفة العمليّات وعندما خرج قال لنا الأطبّاء إنّ حالته خطيرة جدًّا وإنّهم قطعوا العضلات الأماميّة في رجله. ذُهلت عندما سمعت أنّ قنبلة الغاز كانت مغروزة في فخذه. بعد مضيّ يومين نقلوه إلى عيادة "أطبّاء بلا حدود" في المستشفى بسبب وضعه الحرج. بقي هناك مدّة أسبوعين تقريبًا وخضع خلالهما لعدّة عمليّات جراحيّة. بقي والده معه هناك طوال الوقت وكنت أنا آتي في السّادسة صباحًا وأبقى حتى منتصف اللّيل. كنت منهكة وحزينة وأدعو له بالشّفاء. لم أتمكّن من الاعتناء بإخوته الأصغر منه أو بالمنزل. كنت مشغولة فقط به. في كلّ يوم كان أولادي يسألونني هل سأكون في البيت لدى عودتهم من المدرسة فأقول لهم إنّني سأكون عند صهيب في المستشفى. منذ إصابته لا يستطيع صهيب المشي بدون عكّازين أو التنقّل سوى في كرسي عجلات. كما أنّه لا يذهب إلى المدرسة ويقضي معظم وقته في السّرير وإذا خرج ليستنشق الهواء يعود بعد قليل ويقول إنّه انزعج لأنّ الجميع ينظرون إليه بسبب العكازين. صهيب كان يحبّ ركوب الدرّاجة ولكنّه لا يستطيع ذلك الآن. أنا ألاحظ كم هو حزين ومكتئب عندما يرى بقيّة الأولاد يلعبون. كذلك مرّت فترة كان يعاني فيها من الكوابيس فيصرخ في اللّيالي ولذلك صرت أنام إلى جانبه وأحضنه. أريد له أن يعود إلى المدرسة وأن ينهي الفصل الدراسي مثل أصدقائه وزملائه وأن يمشي على رجليه من جديد ويعود ليمارس حياة طبيعيّة. من متابعة أجرتها باحثة بتسيلم الميدانيّة تبيّن أنّ صهيب عماد بعد مضيّ نصف سنة تقريبًا على إصابته قد تحسّن وضعه فهو قادر على المشي لمسافات قصيرة لكنّه لا يزال يحتاج العلاج الطبيعيّ كما ستُجرى له عمليّتان جراحيّتان في ساقه.

6 آب/أغسطس 2019

ירי גז מדמיע לאוהלי המפגינים בח'וזאעה. צילום: מוחמד סבאח, בצלם, 7.4.18

قطاع غزة

أطلق الجيش قنابل غاز مسيل للدّموع على خيام أسَر على بُعد مئات الأمتار من الشريط الحدوديّ خلال المظاهرات على حدود غزة

منذ 30.3.2018 تجري قرب الشريط الحدودي في قطاع غزّة مظاهرات كلّ يوم جمعة، يشارك فيها ما بين آلاف وعشرات آلاف المتظاهرين. إضافة إلى ذلك، تجري خلال أيّام الأسبوع في المواقع نفسها، مظاهرات أصغر يشارك فيها ما بين عشرات ومئات المتظاهرين. بعض المتظاهرين الذين اقتربوا إلى الشريط الحدودي خلال مظاهرات أيّام الجمعة، رشقوا الحجارة نحو الجنود المنتشرين في الجانب الآخر من الشريط فوق سواتر ترابية أو إلى جانبها؛ وكان الجنود يطلقون على المتظاهرين الرّصاص الحيّ والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطاط وقنابل الغاز. يدّعي الجيش أنّ بعض المتظاهرين ألقوا زجاجات حارقة وعبوات ناسفة، وبعضهم حاول تخريب الشريط. لكنّ معظم المتظاهرين - وفيهم مسنّون، نساء وأطفال - تواجدوا في منطقة الخيام التي نُصبت ضمن المظاهرات، على مسافة من الشريط تراوحت بين 400 و-600 متر، ومن بينها خيام للإسعاف الميدانيّ. في هذه المناطق أقيمت أيضًا أكشاك لبيع الطعام، ونُظمت فعاليّات للأولاد وللبالغين تضمّنت عروض مهرّجين، قراءات شعر، عروض موسيقى ومباريات كرة قدم. كثير من العائلات تجمّعت داخل الخيام تتناول الطعام وتتبادل أطراف الحديث. من توثيق "هأريتس": غاز مسيل للدموع في عيادة الهلال الأحمر في خان يونس، 13.4.2018. تصوير: وزارة الصحة الفلسطينية. أظهر تحقيق بتسيلم أنّه خلال المظاهرات أطلق الجيش الغاز المسيل للدّموع على المتظاهرين الذين شاركوا في نشاطات سلميّة داخل الخيام، والتي أقيمت على بُعد مئات الأمتار من الشريط الحدودي. قنابل الغاز أطلقها جنود من الجانب الآخر للشريط الحدودي. تفيد معطيات وزارة الصحّة الفلسطينية أنّ أكثر من 1,800 فلسطينيّ أصيبوا جرّاء إطلاق الغاز المسيل للدموع خلال هذه المظاهرات. لم تذكر هذه المعطيات أين تواجد الأشخاص لدى إصابتهم، لكنّ التحقيق الذي أجرته بتسيلم يُظهر أنّهم أصيبوا في حين كانوا بعيدين عن الحدود، وأنّ بعضهم كانت إصاباتهم شديدة إلى درجة استدعت نقلهم للعلاج في المستشفيات، فيما تمّت معالجة الحالات الأقلّ صعوبة في خيام الإسعاف الميداني هناك. أطلق الجيش الغاز دون أيّ مبرّر وفي مخالفة للقانون: لا يحقّ لإسرائيل أن تفرّق مظاهرات تجري داخل قطاع غزّة، ولا أن تُصدر تعليمات تحدّد أين يُسمح لسكّان القطاع التواجد وأين يُمنع ذلك. من هنا فالمؤكّد أنّه لا يحقّ لها إطلاق الغاز المسيل للدّموع على متظاهرين يتواجدون على بُعد مئات الأمتار من الشريط الحدودي منشغلين بفعاليّاتهم المختلفة ولا يشكّلون خطرًا على أحد. لأجل الوقوف على ما جرى هناك، استمع الباحثون الميدانيون من بتسيلم - خالد العزايزة وألفت الكرد - إلى إفادات من سكّان شاركوا في المظاهرات في محيط بلدة خُزاعة، شرقيّ خان يونس. منال قديح، 43 عامًا، من سكّان بلدة خُزاعة، متزوّجة وأمّ لأربعة، انضمّت مع زوجها وأولادها للمشاركة في مظاهرات الجمعة يومي 30.3.2018 و-6.4.2018، في ساعات ما بعد الظهر. في إفادة أدلت بها يوم 11.4.2018 أمام الباحثة الميدانية من بتسيلم، ألفت الكرد، حدّثت منال بما يلي: في يوم الجمعة، 30.3.2018، خرجت برفقة زوجي والأولاد للمشاركة في مظاهرة سلميّة جرت شرقيّ خان يونس، في بلدة خُزاعة. أردت أن أكون هناك مع الناس، وأن أعبّر عن تضامني بمناسبة يوم الأرض ولأجل حقّ العودة. خرجنا في مجموعة: أنا وزوجي والأولاد، وكانت معنا أختي وعدد من الجيران. عندما وصلنا إلى منطقة الخيام ذُهلت من الحشد الجماهيريّ الكبير. كانت هناك عائلات بأكملها تجلس داخل الخيام، أولاد يلعبون، نساء تخبز على الصّاج، وشباب يلعبون كرة القدم. جميع هذه الفعاليات كانت سلميّة وجرت عند الخيام المنصوبة على بُعد مئات الأمتار من الشريط الحدودي. بعض المتظاهرين الذين تواجدوا أقرب إلى الجدار كانوا يهتفون الشعارات ويرفعون أعلام فلسطين. من خلف الشريط، في الجانب الآخر من الحدود، كان جنود فوق سواتر ترابيّة، وكانت جيبات عسكريّة، وجرّافات تعمل على إقامة المزيد من السواتر الترابية. الجنود الذين اعتلوا السواتر كانوا يطلقون النار على الشباب الأقرب إلى الشريط الحدوديّ. بعض الشباب أصيبوا، وخاصّة في الأرجل؛ وكانت معظم الإصابات بليغة. بينما كنّا نتناول طعامنا مع الأولاد، في منطقة الخيام، أطلق جنود قنبلة غاز هبطت عند مدخل الخيمة التي جلسنا فيها. أخذت في الصراخ، لأنّنا اختنقنا أنا والأولاد، وأخذنا نذرف دموعنا كثيرة. لم أستطع أن أفتح عينيّ، شعرت بحرقة شديدة في منطقة الصدر، وتنفّخ وجهي كثيرًا. في غضون بضع دقائق وصلت فرق الإنقاذ وبدأت في تزويدنا بالإسعافات الأولية. وضع المسعفون لنا أقنعة الأكسجين، لكي نتمكّن من التنفّس. شعرت وكأنّه أغمي عليّ، وكذلك الأولاد بدوا كأنّما في شبه إغماءة. بعد أن عدنا إلى البيت ظلّ الأولاد يعانون الإنهاك الشديد وصعوبات في التنفّس. خفت عليهم كثيرًا، نظرًا لصغر سنّهم. لقد أطلق الجنود علينا قنبلة الغاز المسيل للدّموع، دون أن يقوم أيّ منّا بفعل يهدّد سلامتهم. في يوم الجمعة، 6.4.2016، عدت ثانية إلى منطقة الخيام، مع الأولاد وبعض الأقارب. خرجنا في الساعة الثانية ظهرًا، وعندما وصلنا جلسنا داخل الخيام، كما في المرّة السابقة. اندلعت مواجهات عنيفة قرب الشريط الحدودي، وأطلق الجنود المنتشرون خلف الجدار ذخيرتهم بكثافة مسبّبين إصابات بليغة جدًّا لبعض الأشخاص. حدث أيضًا إطلاق قنابل غاز مسيل للدّموع، أكثر من المرّة السابقة. لقد أطلقوا قنابل الغاز على الخيام بشكل عشوائيّ، رغم أنّه جلست في داخلها أسَر بأكملها، لم تشكّل أي خطر على الجنود. علت صرخات الناس داخل الخيام، لأنّهم عانوا الآلام والاختناق بسبب كميّات الغاز الكبيرة التي ملأت المكان. قدّم المسعفون العلاج لبعض المصابين في المكان مباشرة، بواسطة أقنعة الأكسجين؛ لكنّ البعض الآخر كانت حالتهم صعبة لدرجة استدعت نقلهم إلى المستشفيات في غزّة. أصابت قنابل الغاز النساء والأولاد والمسنّين، وحتّى أعضاء طواقم الإسعاف والصحفيّين. بعض الناس كانوا يحاولون المساعدة بتقديم البصل والعطور. أنا أيضًا جلبت معي من المنزل بصلاً وعطورًا لكي أستخدمها عند الحاجة، لكنّها لم تساعد إطلاقًا، لأنّ تأثير الغاز كان قويًّا جدًّا. مهنّد النجّار، 40 عامًا، من سكّان خُزاعة، متزوّج وأب لخمسة، يعتاش من بيع المثلّجات، وقد جاء إلى المظاهرات لأجل العمل. في إفادة أدلى بها يوم 9.4.2018 أمام الباحث الميداني من بتسيلم، خالد العزايزة، وصف مهنّد إطلاق الغاز على المتظاهرين: في يوم الجمعة، 6.4.2018، بعد صلاة العصر، عند الساعة 16:00 تقريبًا، عندما كنت في منطقة الخيام، سقطت بقربي نحو خمسة قنابل غاز مسيل للدّموع. شاهدت امرأة في سنّ الـ45 تقريبًا تقع قرب خيمتي. خرجت من الخيمة لأقدّم لها الإسعاف. ناولتها بصلاً وغسلت وجهها بالمحلول، ثمّ أسقيتها ماءً - إلى أن استعادت قواها. بعد ذلك، جلبت دلوًا من الرّمل وأخذت أغطّي بالرّمل كلّ قنبلة تسقط بين الخيام. مع سقوط كلّ قنبلة كانت تنشأ حالة هستيريا جماعيّة، حيث يأخذ الجميع في التراكض والفرار وسط فوضى عارمة. أصيب جرّاء الغاز أناس كثيرون: أحيانًا كان المسعفون يُدخلون أربعة مصابين في سيّارة إسعاف واحدة؛ وأحيانًا كان هناك نقص في عدد المسعفين، نسبة إلى عدد المصابين دفعة واحدة، وعندها كان لزامًا على أمثالي من الأشخاص غير المؤهّلين يتطوّعون للمساعدة في تقديم الإسعاف. رويدة النجّار، 42 عامًا، من سكّان خُزاعة، متزوّجة وأمّ لستّة، جاءت إلى منطقة المظاهرة برفقة زوجها وأولادها. في إفادة أدلت بها يوم 10.4.2018 أمام الباحثة الميدانية من بتسيلم، ألفت الكرد، حدّثت رويدة بما شهدته أثناء المظاهرات: عندما كنت في منطقة الخيام أطلق الجيش هناك قنابل غاز. اختنقت أنا وأولادي، وذرفنا الدموع بكثرة، كما شعرنا بحرقة في الأنف والعينين. حاولت إسعاف أولادي بواسطة المحلول الذي جلبته معي، وغسلت وجوههم بالماء. بعض المصابين تلقّوا الإسعاف في منطقة الخيام، ولكن كانت هناك أيضًا إصابات صعبة جدًّا. بعض المتظاهرين أصابت قنابل الغاز أجسادهم مباشرة، في الوجه والأرجل واليدين - بما في ذلك شباب ونساء وأولاد، ممّا أدّى لإصابات بليغة وخطيرة. هؤلاء تلقّوا العلاج الطارئ في خيام الإسعاف الميدانيّ، ومن ثمّ جرى نقلهم إلى المستشفى الأوروبي. في يوم الجمعة، 6.4.2018، توجّهت مجدّدًا مع زوجي والأولاد إلى المظاهرة التي جرت شرقيّ خُزاعة. انطلقنا في الثامنة صباحًا. في ذلك اليوم جرت مواجهات شديدة جدًّا. شاهدت كثيرًا من الناس في منطقة الخيام، وأسَر بأكملها تجلس داخل الخيام. كان إطلاق قنابل الغاز على تلك المنطقة كثيفًا جدًّا، وأخذ الغاز يتسرّب إلى داخل الخيام مسبّبًا الاختناق لأشخاص كثيرين. عالج المسعفون المصابين بالمحلول وبأقنعة الاكسجين، وكان هناك أشخاص إصاباتهم صعبة لدرجة تطلّبت نقلهم إلى المستشفيات. نحن مواطنون مدنيّون لا نشكّل خطرًا على جنود الاحتلال، ولا نحمل أسلحة. لماذا يطلقون قنابل الغاز نحو الأسَر الجالسة داخل الخيام؟ رُلى النجّار، 20 عامًا، من سكّان خُزاعة، طالبة تمريض، متطوّعة في جمعيّة تقدّم الإسعاف الطبّي. في إفادة أدلت بها يوم 9.4.2108 أمام الباحث الميداني من بتسيلم، خالد العزايزة، حدّثت رلى بما يلي: عملت كمسعفة متطوّعة منذ بدأت مظاهرات مسيرة العودة التي جرت في خُزاعة، شماليّ حيّ النجّار، في الخيام التي نُصبت على بُعد 400 متر من الشريط الحدوديّ. جرت المظاهرة الأولى في يوم الجمعة الموافق 30.3.2018. في ذلك اليوم كان الوضع صعبًا جدًّا، وخاصّة بعد صلاة الظهر. كان هناك عدد كبير من المصابين، معظمهم جرّاء إطلاق الرّصاص الحيّ نحو الأطراف السفليّة؛ وقد أصيب شباب ونساء وأولاد. كان إطلاق الرّصاص الحيّ يتلازم تقريبًا مع إطلاق قنابل الغاز المسيل للدّموع، وخاصّة بعد صلاة الجمعة؛ وكانت قنابل الغاز تصل أيضًا إلى منطقة الخيام، بحيث أصيب أشخاص كثيرون وهم يجلسون داخلها. كان ينتاب المصابين اختناق وتشنّجات وارتجاف، ذرف دموع بكثرة واحمرار في الوجه. قدّمنا لهم الإسعاف بالوسائل التي توفّرت لدينا، كالبصل والكحول والخلّ ومحلول الملح. خيمة الإسعاف الميداني كانت مليئة بالمصابين الذين استلقوا على الأرض. الحالات الأصعب جرى إخلاؤها للعلاج في المستشفى. في يوم الجمعة، الموافق 6.4.2018، تكرّرت الأمور نفسها التي جرت في يوم الجمعة الأوّل. أصيب عدد كبير من الأشخاص بعد صلاة الجمعة. أطلق الجنود قنابل الغاز نحو الخيام والمناطق المحيطة بها. عندما كانت القنابل تتساقط كانت تنشأ حالة هلع شديد، والناس تصاب بالاختناق، وتتراكض محاولة الفرار، وفي هذه الأثناء اصطدم بعضهم بأوتاد الخيام فوقعوا وأصيبوا بجراح.

20 نيسان/أبريل 2018

غياب المساءلة والمحاسبة

اوﺿﺎع ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن ﻓﻲ اﻷراﺿﻲ اﻟﻤﺤﺘﻠﺔ

تستعرض منظمة “بتسيلم” في التقرير السنوي تشكيلة واسعة من المسائل المتعلقة بانتهاك حقوق الإنسان في الضفة الغربية وقطاع غزة من طرف السلطات الإسرائيلية إبان عام 2011، وهو العام الـ 44 على احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة. يتضح من معطيات التقرير انه طرأ ارتفاع حادّ في عام 2011 على عدد الفلسطينيين غير الضالعين في الاقتتال والذين قتلتهم قوات الأمن الإسرائيلية في قطاع غزة. كما طرأ ارتفاع بعدد المواطنين الإسرائيليين الذين قتلهم فلسطينيون في الاراضي المحتلة وإسرائيل، مقارنة مع العام 2010.

21 آذار/مارس 2012