"ج. م."
في 14.2.24، حوالي منتصف الليل، اقتحم جنود إسرائيليون منزلي وداهموه بعنف شديد. احتجزوني وزوجتي وقلبوا محتويات المنزل ومحتويات شقة والديّ، اللذين يعيشان في الطابق الأول من المبنى المشترك. في أثناء المداهمة، انهارت زوجتي من شدة الخوف وأغمي عليها. ظلت فاقدة الوعي لمدة ثلاث دقائق تقريبًا، منعني الجنود خلالها من تقديم المساعدة لها، فاضطررت إلى النظر إليها وأنا في حالة عجز تام. بعد ذلك، أمرني الضابط بإحضار الماء لها وأخذها إلى الغرفة. سألتُ الضابط ماذا يريدون مني، فأجاب أنه يريدني أن أسلّمه سلاحي. أجبتُ أنه ليس لدي سلاح وأنني ضابط في جهاز الأمن الوقائي. هدد الضابط الإسرائيلي بإلحاق أضرار بمنزلنا وتدمير كل ما فيه.
بعد ذلك، اقتادني الجنود إلى الطابق الأرضي وقيّدوا يديّ خلف ظهري. في الطوابق الأرضية من منزلنا توجد متاجر مؤجرة، وقد اقتحموا أبوابها وألحقوا أضراراً جسيمة بالممتلكات. أخبرتهم أن ظهري يؤلمني، فقام الضابط بقطع الأصفاد بسكين وأصابني بجرح في كفّ يدي اليسرى. بقي الجنود في منزلنا حتى الساعة 9:00 تقريباً، ثم قيدوا يديّ إلى الأمام واقتادوني إلى مركز اعتقال في قاعدة عسكرية في "غوش عتصيون". عندما أُطلق سراحي، علمت من زوجتي أن الجنود سرقوا من منزلنا أجهزة تحتوي على صور ومقاطع فيديو من حفل زفافنا.
أثناء السفر، اعتدى الجنود عليّ وعلى بقية السجناء بشدة وتلقيت لكمات في ظهري وركلات وحرّضوا الكلاب عليّ. عندما وصلنا إلى سجن "عوفر" وتوقفت الحافلة، اعتدوا علينا مرة أخرى.
عندما أدخلوني إلى السيارة العسكرية، أجبرني الجنود على الاستلقاء على بطني وداسوا على ظهري. كانوا يصرخون عليّ أثناء السفر ويهتفون "شعب إسرائيل حي"! ضربوني وصرخت من الألم وأجبروني على تكرار هتافاتهم. شتموني ووصفوني بـ "ابن العاهرة". لم أفهم ما الذي يحدث حولي ولماذا يفعل الجنود ذلك.
وصلنا إلى قاعدة عسكرية فيها مركز اعتقال، بالقرب من مفترق "غوش عتصيون". أخرجوني من السيارة بعنف: اقترب مني جنديان، أمسكا برجليّ، سحباني بالقوة من السيارة وألقيا بي على الأرض ووجهي إلى أسفل. أجبروني على الركوع على ركبتيّ. رأيت هناك عشرات الأشخاص، شبابًا ونساء وأطفالًا، كانوا جميعًا جالسين على الأرض، مكبّلين بالأصفاد، في الفناء. كانت المنطقة مغطاة بالحصى. اقترب مني أحد الجنود وسألني عن المنظمة التي أنتمي إليها. قلت له إنني من "فتح"، فركلني بقوة على ظهري وقال "جميعكم أبناء عاهرات".
في تلك اللحظة، وصل طبيب عسكري وسألني أسئلة عن حالتي الصحية. لم ينتظر سماع إجاباتي وملأ الاستبيان الطبي بنفسه. بعد ذلك، أخذوني إلى مركز الاعتقال في "سجن عتصيون" وأدخلوني إلى غرفة انتظار فيها كاميرا مراقبة. أجبروني على خلع ملابسي بالكامل أمام ثلاثة جنود وأمروني، عدة مرات، بالانحناء والوقوف أمامهم أثناء تفتيشهم الجسدي لي، وأنا عارٍ تمامًا. كان بعض الجنود يتجولون ذهابًا وإيابًا أثناء التفتيش الذي استمر عدة دقائق وكان مهينًا للغاية.
بعد ذلك، أخذني الجنود إلى غرفة. كنا 12 معتقلاً في الغرفة التي كانت تحتوي على 10 أسرّة فقط. تقاسم اثنان منا فرشة رقيقة وبطانية، على الأرض. كانت الغرفة تحتوي على مرحاض وحمّام صغير، مع جدار خرساني بارتفاع 1,3 متر يفصله عن الأسرّة. كانت الغرفة رطبة للغاية ولم يكن فيها سوى نافذة واحدة كانت مغطاة بقطعة من الصفيح مثبتة من الخارج. أثناء العد، اضطررنا إلى الركوع على ركبنا ووضع أيدينا على رؤوسنا والبقاء في هذا الوضع طوال الوقت. كنا نأكل في الفناء ثلاث مرات في اليوم. كنا هناك حوالي 60 سجيناً، حصلنا على وجبة لا تكفي حتى لعشرة أشخاص: كيس من اللبنة (حوالي كيلوغرام واحد) وستة خيارات وست شرائح خبز. أما وجبة الغداء فكانت عبارة عن أرز غير مطبوخ تمامًا، كانوا يقدموه لنا في وعاء من الصفيح، بدون أي نوع من الصلصة وبدون ملاعق. كانت الكمية في هذا الوعاء تكفي لأقل من 10% من المعتقلين وبعضنا لم يحصل حتى على مقدار ملعقة واحدة من الأرز. وكانت وجبة العشاء مماثلة لوجبة الإفطار، لكن الحصص فيها كانت أصغر. لم يحصل السجناء الذين يعانون من السكري أو من ضغط الدم المرتفع على طعام مناسب، وعمومًا لم يحصل الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة على الأدوية اللازمة بانتظام.
أجبروني على الانحناء والوقوف عدة مرات أمام السجانين الذين كانوا يمررون جهاز الكشف عن المعادن على جسدي بالكامل، بطريقة مهينة. والسجان الذي كان يجرى التفتيش قال لي أشياء بذيئة للغاية، مثل: "أريد أن أغتصبك"، "أريد أن ألعب معك".
احتُجزت في "سجن عتصيون" لمدة ثلاثة أيام، ومن هناك نقلوني إلى سجن "عوفر"، مع مجموعة من السجناء. أخذونا إلى الفناء الخارجي لمركز الاعتقال في "عتصيون"، حيث كانت تنتظرنا حافلة تابعة لوحدة "نحشون"، المسؤولة عن نقل المعتقلين بين السجون. قيّدوا أيدينا وأرجلنا بأصفاد معدنية. عندما دخلنا إلى الحافلة، بدأ رجال الشرطة بشتمنا ووصفنا بـ "أبناء العاهرات". أمرونا بالجلوس على المقاعد المعدنية في الحافلة، مع تغطية وجوهنا. مُنعنا من النظر من النوافذ أو إلى الشخص الذي يجلس إلى جانبنا. أثناء السفر، اعتدى الجنود عليّ وعلى بقية السجناء بشدة وتلقيت لكمات في ظهري وركلات وحرّضوا الكلاب عليّ. عندما وصلنا إلى سجن "عوفر" وتوقفت الحافلة، اعتدوا علينا مرة أخرى.
أخذونا إلى غرفة اسمنتيّة تبلغ مساحتها حوالي 2.5 × 2.5 متر. كنا هناك حوالي 25 معتقلاً. بقينا في تلك الغرفة حوالي عشر ساعات، دون طعام أو ماء أو إمكانية استخدام المرحاض. كنا عطشى جداً لدرجة أننا اضطررنا إلى شرب الماء من أنبوب يكسوه العفن، كان موجوداً هناك.
بعد ذلك، أخذوني إلى غرفة اسمنتيّة أخرى، حيث خضعت مرة أخرى لتفتيش مهين وأنا عارٍ. في تلك المرة أيضًا، أجبروني على الانحناء والوقوف عدة مرات أمام الحرّاس الذين كانوا يمررون جهاز الكشف عن المعادن على جسدي بالكامل، بطريقة مهينة. والحارس الذي كان يجرى التفتيش قال لي أشياء بذيئة للغاية، مثل: "أريد أن أغتصبك"، "أريد أن ألعب معك"، "أريد أن ألعب بمؤخرتك" و"سأُدخِل الجهاز في مؤخرتك". صُدمت من تلك الكلمات البذيئة، خاصة وأنها لم تكن المرة الأولى التي أُعتَقل فيها، لكن هذه المرة كان التعامل مختلفًا تمامًا. أراد الحراس إهانتنا، كانوا ينظرون إليّ وأنا واقف عارياً نظرات غير لائقة ومهينة. شعرت بالضغط وخشيت أن أرفض أوامرهم فيضربونني. عندما انتهوا من التفتيش، أعطوني ملابس السجن وأخذوني إلى غرفة 4 في الجناح 20. في الطريق، قادوني وأنا مكبل اليدين ومُطأطئ الرأس، بينما كان الحراس يصرخون ويشتمون "هيا، أيها العاهر! ابن العاهرة! ابن العاهرة!"
كانت الغرفة فارغة تمامًا. رأيت ملابس وبطانيات مبعثرة على الأرض، كما لو أنّ شخصًا قام بتفتيشها. وكان هنالك دم على الأرض. كنت في حالة صدمة، لم أر شيئًا كهذا من قبل. أحضروا معي تسعة معتقلين آخرين خضعوا لنفس التفتيش. كنت خائفًا جدًا لدرجة أنني لم أستطع التنفس أو الكلام. ظننت أنهم سيقتلوننا. شعرت وكأنني في عالم آخر. سمعت أصواتًا من خارج الغرفة. معتقلون كانوا يقولون: "اتركوا الملابس؛ قد يعود أصحابها". عندما سألتهم عما حدث، قال لي أحدهم إن الحراس أطلقوا النار داخل الغرفة وأصابوا بعض المعتقلين ثم أخرجوهم من الغرفة. كنا مرعوبين. جلسنا على الأرض ولم نكن قادرين على الحركة أو إصدار أي صوت، خوفاً من أن يطلقوا النار علينا. بقينا في الغرفة، أنا والمعتقلون التسعة الآخرون الذين كانوا معي. كنا مصدومين وغير قادرين على الحركة. ساد الصمت وكأنه تم منع جميع المعتقلين من التحدث أو الاقتراب من النوافذ. بقينا هناك، بدون طعام أو ماء، حتى الساعة 22:00. لم نكن قادرين حتى على الاقتراب من الباب لطلب الطعام؛ كنا مرهقين، منهكين من الضربات وخائفين. في ذلك اليوم، لم أسمع الأذان للصلاة.
كانت وجبة الإفطار تشمل علبة صغيرة من اللبنة (حوالي خمسة غرامات) وخيارتين لكل الغرفة وخمس، أو سبع، شرائح من الخبز مقطعة إلى قطع صغيرة وملعقة من المربى تزن حوالي خمسة غرامات. كانوا يريدون إبقاءنا على قيد الحياة، فقط لا غير. أما وجبة الغداء فقد كانت تحتوي على أرز مطبوخ جزئي وشوربة عدس أو فاصوليا، ولم تكن الكمية كافية على الإطلاق لجميع المعتقلين. وتضمنت وجبة العشاء بيضة مسلوقة وحبة بندورة وملعقة صغيرة من الحمص، بدون خبز.
قام السجان بتمرير جهاز الكشف عن المعادن عليّ ووضعه على فتحة شرجي وشدّ خصيتيّ. لم يكن هذا تفتيشاً عادياً، بل تحرشاً جنسياً. أمسكت جنديات بخصيتيّ وقضيبي وقلن: "سوف أغتصبك".
بقيت معتقلًا في سجن "عوفر" لمدة ستة أشهر تم خلالها إبلاغي بأن أمر اعتقال إداري لمدة ستة أشهر قد صدر بحقي. خلال تلك الفترة، تم إحضاري إلى المحكمة في سجن "عوفر". حتى إلى المحكمة، تم اقتيادنا بطريقة مهينة وأيدينا مكبلة خلف ظهورنا واضطررنا إلى الانحناء في الممر ورؤوسنا مطأطئة. وكان الحراس يضربوننا ويهينون زوجاتنا وأمهاتنا وأخواتنا.
في كانون الأول 2024، نقلوني إلى قسم آخر وغرفة أخرى، حيث تم احتجازي مع 12 معتقلاً آخرين. في اليوم الذي تم فيه نقلنا، أمرنا السجانون بالانبطاح ووجوهنا إلى الأرض ووضع أيدينا فوق رؤوسنا. أحضروا كلباً وقف بجانب أرجلنا، فشعرنا بخوف شديد. قيّدونا بأصفاد معدنية، ثم اقتادونا من الغرفة، منحنيين، إلى فناء داخلي. هناك، وجهوا لنا شتائم بذيئة: "يا أبناء العاهرات! يا أبناء الكلاب! أيها المجرمون".
احتُجِزت في ذلك الفناء لمدة ثلاث ساعات وأنا جاثٍ على ركبتيّ ومقيدٌ بالأصفاد. في صباح اليوم التالي، أخبرني أحد الحراس بأنهم سيرسلونني إلى التحقيق لدى "جهاز الأمن العام" (الشاباك). وصلت إلى مركز التحقيق ودخلت الغرفة وبدأ المحقق يطرح الأسئلة الروتينية عليّ. سألني أيضًا عما إذا كانت هناك لوائح اتهام ضدي. قال لي: "أطفالك عزيزون عليك، وأطفالنا أيضًا عزيزون علينا". لم أفهم ما الذي كان يعنيه أو يحاول أن يقوله. أبلغوني خلال التحقيق بأنه قد تمديد اعتقالي الإداري لمدة ستة أشهر. سألته عن سبب اعتقالي، فقال إنه لا يعرف وإن هناك إجراءات أمنية ولن يكون مطمئنًا إذا أُطلق سراحي.
أعادوني إلى السجن وإلى زنزانتي. بعد ثلاثة أيام، نقلوني أنا وبعض السجناء الآخرين من سجن "عوفر" إلى سجن "كتسيعوت" (النقب). في يوم النقل، أدخلونا إلى غرفة الانتظار. أحد السجناء لم يكن قادراً على المشي بمفرده، بسبب الضرب الذي تعرض له على الأرجح. طلب مني أن أقول لأفراد وحدة "نحشون"، المسؤولين عن نقل السجناء، إنه لا يستطيع المشي بمفرده ويحتاج إلى مساعدة من المعتقلين الآخرين.
أصبت بالجرَب وعانيت منه كثيراً. كان جسدي كله مغطى بطفح جلديّ أحمر وجروح نزفت من كثرة الحكّ. كنت أتمنى الموت من شدة المعاناة والألم. لم أكن وحدي، بل كان الجميع يعانون مثلي.
قلت لهم ذلك، لكن في النهاية عندما نادوا اسمه وأردت أن أساعده، أمرتني جنديّة بالعودة إلى مكاني. وعندما حاولت أن أشرح لها حالته، قالت: "إن شاء الله تموتان معًا، كلاكما". اقترب الحراس من السجين وألقوا به على الأرض وبدأوا بضربه بشدة وركله. ملأت صرخاته الغرفة. كنت مصدومًا مما رأيت ولم أستطع فعل أي شيء من أجله. قيدوا يديه وقدميه بأصفاد معدنية ثم جرّوه من قدميه.
عندما حان دوري، قيّدوا يديّ وقدميّ وقادوني وأنا مطأطئ الرأس. أمسك أحدهم برقبتي من الخلف. ضربوني بقوة على ظهري حتى وصلت إلى الحافلة. كان هناك حارس على درجات الحافلة، وعندما وصلت إليه، ركلني بقوة على خصيتي. كانت الضربة مؤلمة للغاية وكدت أفقد الوعي. صعدتُ إلى الحافلة وجلستُ على أحد المقاعد المعدنية، مثل بقية السجناء. في تلك اللحظة، اقترب أفراد وحدة "نحشون" من السجين الذي لم يكن قادراً على المشي، وبدأوا بضربه على رأسه، مراراً وتكراراً. لم يكن قادراً على الحركة وانفطر قلبي لما رأيته. ملأت صرخاته الحافلة ولم يجرؤ أي من المعتقلين الآخرين على التحدث أو مطالبة الحراس بالتوقف.
سارت الحافلة بضع ساعات حتى وصلنا إلى سجن الرملة، وهو مكان التجمع المخصص للمعتقلين قبل نقلهم إلى سجون أخرى. كانت هناك عدة حافلات متوقفة في دائرة في الساحة. عندما أنزلونا من الحافلة، اضطررنا إلى المرور عبر ممر بشري من أفراد وحدة "نحشون". عندما مررت، ركلوني وضربوني على ظهري ورأسي وجميع أنحاء جسدي. عندما وصلت إلى درجات الحافلة، تلقيت ضربة أخرى في خصيتي، كانت مؤلمة للغاية. عندما صعدت إلى الحافلة مرة أخرى، أمسك السجان مرة أخرى بالسجين الذي ذكرته سابقًا، وضربه مرة أخرى وجرّه على الأرض.
سافرنا مرة أخرى حتى وصلنا إلى مجمع السجون في بئر السبع، إلى سجن "أوهلي كيدار" بالتحديد. هناك، أجبرنا الحراس على النزول من الحافلة وجرّوا، مرة أخرى، السجين الذي لم يكن قادراً على المشي. كان يصرخ، فكانوا يضربونه بعنف بأيديهم وأرجلهم ويشتمونه. كنا، جميعاً، خائفين. شعرتُ بأنني مشلول من الخوف جرّاء مشهد الضرب والاعتداء.
عندما حان دوري للنزول من الحافلة، أمرني أحد أفراد وحدة "نحشون" بالتقدم نحوه. كان واقفاً على درجات الحافلة. عندما وصلت إليه، أمرني بالركوع، فامتثلت. ثم أمسك بأذني ووضع رأسي بين فخذيه وضغط بقوة. بعد ذلك ضربني مرارًا وتكرارًا بمرفقه في منتصف ظهري، ثم ضربني عشرات الضربات على جانبيّ جسدي وصدري، بيديه اللتين كان يلبس فيهما قفازات بلاستيكية صلبة. صرخت بصوت عالٍ جداً، كنت متأكداً من أن صرخاتي سُمعت في جميع أنحاء السجن. شعرت بأنه سيقتلني. شعرت بأن أضلاعي تنكسر من شدة الضربات. لم أستطع التنفس. استمر الاعتداء عدة دقائق، ثم سحبني من الحافلة. سقطت على الأرض ولم أستطع الحركة. بينما كنت مُلقًى على الأرض، جاء حارس آخر وجرّني بقوة من الأصفاد المعدنية على طول عشرات الأمتار. في تلك اللحظة، رأيت سجيناً آخر، كان يبدو في الثلاثينيات من عمره، وقد كُسر إصبع قدمه اليسرى وكان يصرخ من شدة الألم.
أدخلوني إلى غرفة كان فيها معتقلون آخرون. لم يكن فيها فرشات أو بطانيات أو وسائد. لم يقدموا لنا أي طعام لمدة 13 ساعة. طلبنا طعاماً، فقال أحد السجّانين: "سأحضر لكم طعاماً دون أن يعلم أحد". أحضر لنا بطاطا مطبوخة وخبزاً، وطلب مني إخفاء الطعام قبل أن يصل السجّانون الآخرون.
كانوا ينادوننا عبر مكبرات الصوت في الأقسام: "العَدّ يا كلاب! العَد يا حيوانات"! كان السجان يشتمنا عبر مكبرات الصوت ويأمرنا بإبقاء رؤوسنا على رُكَبنا.
ظللنا طوال الليل نطلب تلقفي العلاج الطبي، لأننا كنا نعاني من آلام شديدة بسبب الضربات وبالكاد كنا قادرين على الحركة. كنت أجد صعوبة في التنفس أو الكلام. لكننا لم نتلق أي علاج، وفقط في الصباح أحضر لنا ذلك الحارس زجاجة من الماء البارد. أخرجونا من الغرفة بنفس الطريقة التي أدخلونا بها وسحبوا السجين الذي لم يكن قادراً على المشي، بطريقة مهينة.
من هناك، نقلونا إلى سجن نفحة. عندما وصلنا إلى هناك، هاجمتنا وحدة "كيتر" (اختصار: "قوة الردّ الأوليّ"). كانوا يرتدون زيًا رسميًا وكانوا ملثمين معظم الوقت. بعد أن أدخلونا إلى الزنازين، جاء هؤلاء وهاجمونا وضربونا بوحشية لعدة دقائق. في تلك اللحظة، شعرت بأنهم يريدون قتلنا أو إيقاع إصابات لا يمكن معالجتها. لم أشهد قط هجوماً كهذا في سجن "عوفر". كان أحد السجناء، واسمه أحمد حاتم خضيرات، من منطقة الخليل، مصاباً بمرض السكري. لم يعطوه الأنسولين بصورة منتظمة. ولكن بعد هذا الهجوم، جاء أحد السجّانين، أعطاه حقنة أنسولين وقال له أن يتدبر أمره بنفسه. اضطر إلى حقن نفسه في بطنه. في تلك اللحظة، قال له الحارس: "إن شالله تموت". بعد إطلاق سراحي، علمت أنه توفي في مستشفى "سوروكا".
في إحدى المرات التي أخذوني فيها للتفتيش، اقتادني أفراد القوة بعنف، نادوني "ابن العاهرة" وضربوني، بما في ذلك على خصيتيّ. عندما وصلنا إلى غرفة التفتيش، أنزلوا الأصفاد عن يديّ ورجليّ وأمروني بالتعرّي تمامًا وأجبروني على الانحناء والوقوف مستقيماً عدة مرات. كان في الغرفة عدة أشخاص أعتقد أنهم كانوا من وحدة "كيتر". كانت عيناي مغطاتين، لكنني سمعتهم من حولي. كانت هناك أيضاً جنديات، على الرغم من أنني كنت عارياً. إحداهن لمست خصيتيّ عدة مرات، وكذلك أجزاءً أخرى من جسدي. أحسستُ يديها وسَمعتُها تتحدث بجانبي. قام السجان بتمرير جهاز الكشف عن المعادن عليّ ووضعه على فتحة شرجي وشدّ خصيتيّ. لم يكن هذا تفتيشاً عادياً، بل تحرشاً جنسياً. أمسكت جنديات بخصيتيّ وقضيبي وقلن: "سوف أغتصبك". ضغطن على خصيتيّ فصرختُ من الألم. لا أعرف ما إذا كانت هناك كاميرات أو هواتف كانت تصورنا ونحن عراة. تمنيت الموت بسبب الإذلال الذي تعرضت له. شعرتُ أن الأمر كان تنفيذًا لقرار متعمد بإذلالنا وتعذيبنا جنسياً.
بعد انتهاء التفتيش، قيدوا يديّ ورجليّ مرة أخرى وأمروني بثني رأسي والإمساك بقميص السجين الذي كان أمامي، كما أمروا السجين الذي كان خلفي بالإمساك بقميصي. هكذا اقتادنا أفراد القوة وهم يضربوننا ويشتموننا، حتى وصلنا إلى منطقة الزنازين، وهناك أزالوا العصابة عن عينيّ والأصفاد وزجّوا بي في الغرفة رقم 13. فتح السجّان الباب فوجدت نفسي في غرفة مع تسعة معتقلين كانوا جالسين في الطرف البعيد من الغرفة، والخوف باديًا على وجوههم. بعد أن غادر السجان، سألتهم عما حدث، لكنهم طلبوا مني فقط أن أبقى صامتًا كي لا يسمعنا أحد. كان السجن مخيفًا وانتشر الرعب في زنازين السجناء.
كان السجناء في الغرفة يعانون من الحكة وكانوا ينزفون من جميع أنحاء أجسادهم تقريبًا، بسبب الحكّ الشديد. كان المنظر مروعًا. كنت مرعوبًا. نام خمسة منا على أسرّة وخمسة على الأرض. كان السجناء يحكّون أنفسهم طوال الليل ولم يكن هناك أي دواء، ولم يفحصهم أي طبيب. كان الموت يتهدد جميع السجناء في تلك الغرفة. كان لكل سجين فرشة رقيقة بدون غطاء أو وسادة وبطانيتان. كانت النافذة مفتوحة، بدون زجاج، وكان الجو بارداً جداً في الليل. كانت الحمامات في الفناء ولم يكن فيها إضاءة. كان السجّانون يسمحون لنا بالاستحمام مرة واحدة كل أسبوعين. كنا نحصل على القليل من الطعام. كان كل سجين يحصل على حوالي خمسين جرامًا من الأرز غير المطبوخ جيدًا وملعقتين من الحمص وملعقة واحدة من العدس غير المطبوخ جيدًا، مع بضع قطع من الخبز وإضافات أخرى مثل بيضة مسلوقة أو علبة صغيرة من الحليب (لا تزيد عن خمسة جرامات) لكل سجين. كنا نتناول ثلاث وجبات في اليوم، لكن ليس في مواعيد محددة وثابتة. كنا نصوم معظم اليوم ونحتفظ بالطعام للمساء. في المساء، كنا نخلط كل شيء في وعاء بلاستيكي. نقطع الخبز فوقه، نضيف بضع أكواب من الماء ونخلطها ثم نشرب الماء وبعد ذلك نأكل ما تبقى في الوعاء. لم يكن لذلك أي قيمة غذائية ولم يكن له مذاق الطعام، لكننا كنا نفعل ذلك بغية البقاء على قيد الحياة.
كان الشاب الذي هاجمه الكلب مغطى بالدماء. كنا في حالة صدمة. لم يجرؤ أحد منا على الاقتراب من النافذة لاستدعاء الطبيب خوفاً من أن يهاجمونا مرة أخرى. قضينا الليل في حال من الرعب.
كنت أشعر بالقلق والخوف طوال الوقت، وكنت أشعر أن نهايتي قريبة. قلت لنفسي إنني لن أخرج من هذا المكان حياً. علاوة على ذلك، أصبت بالجرَب وعانيت منه كثيراً. كان جسدي كله مغطى بطفح جلديّ أحمر وجروح نزفت من كثرة الحكّ. كنت أتمنى الموت من شدة المعاناة والألم. لم أكن وحدي، بل كان الجميع يعانون مثلي. لم أتخيل أبدًا أن الظروف في السجن ستصل إلى هذه الدرجة من الوحشية والعنف والتعذيب للسجناء. كنت أعتقد أننا جميعًا سنموت هناك.
أثناء عَدّ السجناء في الزنازين، اضطررنا إلى الركوع في الجزء الخلفي من الغرفة في وضعية السجود، ورؤوسنا على ركبنا وأيدينا خلف ظهورنا. كانت كلمة "عَدّ" تثير الرعب فينا جميعًا. كانوا ينادوننا عبر مكبرات الصوت في الأقسام: "العَدّ يا كلاب! العَد يا حيوانات"! كان السجان يشتمنا عبر مكبرات الصوت ويأمرنا بإبقاء رؤوسنا على رُكَبنا. عندما كان السجانون يدخلون الزنازين أثناء العدّ، كانوا يوجهون إلينا الشتائم: العَدّ، يا أبناء العاهرات... ويبصقون علينا. كانوا يهينوننا بكل طريقة ممكنة.
قضيت سنة ونصف السنة في سجن "كتسيعوت" (النقب) وكانت تلك واحدة من أسوأ فترات السجن التي مررت بها.
في تشرين الأول 2024، كان الجو باردًا جدًا في الليل، تمت إزالة النوافذ وكان الجو باردًا جدًا في الليل في الهواء الصحراوي. في إحدى الليالي، حوالي الساعة 4:00 صباحًا، استيقظنا مذعورين على صوت قنابل صوتية في الجناح. نظرنا جميعًا إلى بعضنا البعض وكأن الموت يحوم فوقنا. ركضنا إلى زاوية الغرفة لأننا كنا نعلم أنه بعد القنابل الصوتية، ستقتحم وحدة "كيتر" إحدى الزنازين. تجمعنا في حالة من الرعب في الجزء الخلفي من الغرفة، دون أن يُطلب منا ذلك. ما أن فُتح باب الغرفة، حتى شعرت بأن قلبي توقف عن النبض. حبسنا أنفاسنا، جميعًا. تجمعنا هناك ولم نستطع التحرك أو النظر إلى الخلف. أطلق أفراد الوحدة كلبًا علينا، فهاجم أحد السجناء في الغرفة ورَكن من فوقه. مزق الكلب جسده بمخالبه وضربه على ظهره بالحاجز الذي كان موضوعًا على فمه. صرخ الشاب وبكى، وبكينا جميعًا وصرخنا، دون أن نعرف ما الذي يحدث حولنا. جرّونا من الغرفة من الأيدي والأرجل إلى المنطقة 24، وهناك ضربونا بوحشية. لم يتحمل جسدي الضربات التي تلقيتها من أفراد الوحدة. ضربونا بأيديهم وبهراواتهم ورشونا بغاز الفلفل ثم نقلونا إلى الغرفة رقم 10 وأغلقوا الباب وغادروا. كان الشاب الذي هاجمه الكلب مغطى بالدماء. كنا في حالة صدمة. لم يجرؤ أحد منا على الاقتراب من النافذة لاستدعاء الطبيب خوفاً من أن يهاجمونا مرة أخرى. قضينا الليل في حال من الرعب.
عندما حل الصباح، كنا جميعاً لا نزال خائفين ولم نكن قادرين حتى على إصدار أي صوت. كانت أعمال القمع في السجن أمراً شبه يومي في الأقسام، لكن لم يكن أحد يعرف متى سيأتي دوره.
بينما كنت أنا وسجناء آخرون نستحم، اقتحم أفراد من وحدة "كيتر" الحمّام ورشونا بغاز الفلفل. سقطنا على الأرض وزحفنا عراة في الفناء، نئن من الاختناق.
في آذار 2025، بينما كنت نائماً على أرضية الغرفة، بجانب سجين كانت لديه غرسات معدنية في جسده ويديه نتيجة لإصابة سابقة، أُلقيت في القسم قنابل صوتية مرة أخرى، حوالي الساعة 2:00 صباحاً. من شدة الذعر، قفز السجين عليّ. هربنا جميعًا إلى زاوية الغرفة، خائفين ومرتجفين، خوفًا من أن يهاجمونا مرة أخرى. لكن في ذلك اليوم، لم يقتحم أفراد الوحدة زنزانتنا بل غرفة أخرى، ولم يتعرض أي سجين هناك للهجوم. في اليوم التالي، في الساعة 4:00 صباحاً، أُعلن عبر مكبرات الصوت في القسم أن على الجميع الاستعداد وأخذ أكوابهم البلاستيكية وأطباقهم استعداداً للنقل. في تلك اللحظة، سمعنا قنابل صوتية تُلقى على الأقسام الأخرى. كنا في حالة ذعر ولم نكن نعرف ما الذي يحدث. في ذلك اليوم، نقلونا إلى القسم 27. طوال الليل، كان أفراد الوحدة والسجانون يصدرون ضوضاء وأصوات إنذار عالية، أحيانًا بصفارات الشاحنات، وأحيانًا بموسيقى ديسكو عادية. لم نستطع النوم. كان ذلك يثير جنوننا ويسبب لنا آلامًا في الأذنين. وأحيانًا كان الحراس يئنون مثل الكلاب أو الحيوانات الأخرى. استمر ذلك طوال الليل.
أحد أصعب الأشياء التي عشناها في ذلك السجن كان عندما كنت في الغرفة 4 في الجناح 14. كان في زنزانتنا سجين اسمه محي الدين نجم (59 عاماً) من منطقة جنين. كان يعاني من مرض في المعدة وحكة انتشرت في جسده كله. كان يعاني من آلام مستمرة. عندما جاء السجانون لإجراء العدّ، لم يكن قادراً على التحرك من سريره. أمره السجانون بالنزول، لكن بقية السجناء أخبروهم بأنه مريض جداً. أحد هؤلاء السجانين، وأنا أعرف اسمه، اقترب منه وبدأ بالصراخ عليه، ثم ألقى به على الأرض. صرخات السجين المسن ملأت الجناح وكنا جميعًا مصدومين ومذعورين. بعد ذلك بوقت قصير، عاد الحراس مع طبيب السجن. عندما أخرجوا نجم من الغرفة، أخبر السجانين بأن الرجل قد مات. كنا جميعًا في حالة صدمة ورعب. في الصباح، جاء السجانون، وقال أحدهم لنا: "احذروا. لقد مات شخص ما اليوم".
قبل إطلاق سراحي بحوالي شهر ونصف الشهر، التقيت في الغرف بسجين من طولكرم. كان يعاني من إصابات خطيرة في ساقيه. كان لون ساقه غريبًا وكانت منتفخة جداً والعظم ظاهراً. كانت هناك جروح ملتهبة. قال إن السجانين أطلقوا قنابل الغاز المسيل للدموع في الغرفة وأصابوا ساقه. تسبب له ذلك بإصابة خطيرة. بما أنه لم يكن هناك طبيب في السجن ولم يتلق أي علاج، كانت ساقه منتفخة جداً في ذلك اليوم وخشيت كثيراً على حياته. اعتقدت أنه سيكون من الضروري بتر ساقه. لم أستطع فهم ما يحدث هناك. كان الشعور أن مصلحة السجون تحاول قتل السجناء. طلب فارس مني أن أزور عائلته عند خروجي من السجن وأطلب منهم أن يفعلوا كل ما في وسعهم لكي يأتي طبيب ويعالجه. كان من الصعب النظر إليه. لم أعرف ماذا أقول. انهمرت الدموع من عينيّ.
طوال فترة وجودنا في "كتسيعوت"، لم يعطونا ملابس للتغيير ولا حتى ملابس داخلية. كنا نستحم ونغسل الملابس الداخلية والملابس ونرتديها وهي مبللة.
في إحدى المرات، بينما كنت أنا وسجناء آخرون نستحم، اقتحم أفراد من وحدة "كيتر" الحمّام ورشونا بغاز الفلفل. سقطنا على الأرض وزحفنا عراة في الفناء، نئن من الاختناق.
ذات مرة، التقيت ببعض الشباب في إحدى الغرف فأخبروني بأن السجانين اقتحموا في أحد الأيام بقوة غرفة كان فيها سجينان. أمر السجانون أحدهما بخلع ملابسه الداخلية والانحناء، وأعطوا الآخر جزرة وأجبروه على اغتصاب شريكه في الغرفة. هددوه وأجبروه على فعل ذلك عدة مرات. أخبرني أحدهم أن السجانين اعتدوا عليه جنسياً أثناء نقله إلى الحبس الانفرادي. سمعت هذه القصص ولم أستطع فهم كيف يحدث ذلك. كان هذان الشابان في حالة صدمة مستمرة وكانا معزولين. لم يكونا قادرين على التفكير أو التحدث عما يحدث. كنت أسأل نفسي طوال الوقت: "كيف سينتهي هذا الأمر؟ هل سأخرج من السجن حياً؟ هل هذا مجرد كابوس؟".
في 30.10.25، أُطلق سراحي من سجن "كتسيعوت" (النقب). أثناء نقلي، ضُربت ضرباً مبرحاً على يديّ ورجليّ. بمجرد وصولنا إلى معبر "ميتار" جنوبَ الخليل، أنزلوني من الحافلة وأمروني بالتوقيع على إيصال بالأغراض. بعد أن وقعت، اكتشفت أنهم سرقوا 300 شيكل من محفظتي. كنت أعلم أن الذين رافقوني هم مَن سرقوها. لم أقل شيئًا، بل ابتعدت فقط عن المكان بسرعة.
أعاني من الأوجاع والقلق. كلما سمعت عن مداهمة للجيش، يتملكني الخوف والذعر وتبدأ يداي ورجلاي بالارتعاش بشكل لا إرادي، كما لو أن الخوف حيّ ويتنفس في جسدي.
* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية منال الجعبري في 9.11.25