محمد خضر (36 عامًا)، أب لخمسة، من سكان عزبة بيت حانون
حتى اندلاع الحرب، كنت أسكن مع زوجتي، فايقة خضر (37 عامًا)، وهي ممرضة، وأولادنا الخمسة: ريماس (16 عامًا) ومنار (14 عامًا) وحسن (11 عامًا) وليان (9 أعوام) ومصطفى (5 أعوام)، في بيت حانون. أنا مصاب بمرض الربو وأستخدم الأدوية بانتظام. في بداية زواجنا، كنا نسكن في شقة مستأجرة ثم تنقلنا بين عدة شقق، حتى أنني اقترضت المال من الأصدقاء والأقارب في العام 2020 وبنيت لنا منزلاً بمساحة 120 مترًا مربعًا. سددت 5,000 دولار من ديون بناء المنزل وما زلت مديناً بـ 11,000 دولار.
عملت سائق تاكسي أجيرًا، قبل الزواج وبعده، لأن الوضع الاقتصادي الصعب في قطاع غزة لم يوفر فرص عمل حقيقية تسمح لنا بالعيش حياة كريمة. بسبب قرب بيت حانون من الحدود الإسرائيلية، كانت المنطقة غير آمنة إطلاقًا حتى قبل الحرب الحالية، وكان هناك الكثير من حوادث إطلاق النار والهجمات من قبل الجيش الإسرائيلي. لذلك، كنا نغادر بيت حانون دائمًا خلال الحروب والعمليات العسكرية السابقة في القطاع.
خلال العامين الماضيين منذ بداية الحرب، واجهتني أنا وعائلتي الكثير من الصعوبات: التهجير والجوع وغير ذلك. تم اعتقالي وتعرضت للأذى والاعتداء الجسدي والجنسي، وهي تجارب أثّرت عليّ وستظل تؤثر عليّ حتى اليوم الأخير من حياتي.
في 7 تشرين الأول 2023، كانت زوجتي تجهز الأولاد للذهاب إلى المدرسة، وصغيرنا مصطفى للروضة، ثم بدأ فجأة إطلاق الصواريخ وأدركنا أن هجوماً إسرائيلياً على القطاع أصبح وشيكًا. خفت كثيراً على زوجتي والأطفال، لذلك أرسلتهم إلى منزل والد زوجتي، الذي يعيش في حي الشيخ رضوان في غرب مدينة غزة. بقيت أنا وأمي في المنزل. في اليوم التالي، منذ الصباح الباكر، توجه الجيش لنا وأمرنا بإخلاء المنطقة وبدأ، في الوقت نفسه، بقصف المباني العالية بالصواريخ والمدفعية بطريقة يصعب تصورها. لم نتمكن من البقاء في المنزل ولو للحظة. خرجتُ من المنزل مع أمي المسنّة وذهبنا إلى عيادة الفاخورة في مخيم جباليا للاجئين. وصلت زوجتي والأطفال إلى هناك أيضاً، وبقينا جميعاً معاً في غرفة الأدوية في العيادة.
شعرت بهم يتبولون علينا، بينما كانوا يشتموننا: "يا أبناء العاهرات! يا أبناء العاهرات!"، ثم قال أحد الجنود لي: "سأغتصب أختك [...]"
كانت العيادة مكتظة بالمهجرين. كان هناك أكثر من 3,000 شخص فرّوا من بيت حانون ومن الشيخ زايد، لكن لم يكن هناك أي طبيب، فحاولت زوجتي، وهي ممرضة، معالجة المرضى. طوال تلك الفترة، عانينا من الجوع الذي انتشر في شمال القطاع، لأن الجيش الإسرائيلي منعنا من الحصول على الطعام والماء. خاطرت بحياتي وذهبت إلى مناطق خطرة للعثور على طعام لعائلتي.
في شتاء العام 2024، بلغ القتل والجوع ذروتهما في شمال قطاع غزة ولم أعد قادراً على توفير حتى فتات الخبز لعائلتي. كان الناس في شمال القطاع يقتلون بعضهم بعضاً من أجل الطعام. رفضت زوجتي البقاء في شمال القطاع بسبب المجاعة الشديدة. لذلك، نقلتها في 13.3.24، هي وأولادنا وأمي إلى شارع الرشيد، الذي كان الطريق الوحيد للعبور جنوباً. بقيت أنا في الشمال لأنني خشيت أن يتم اعتقالي عند حاجز التفتيش، وهو ما سمعت أنه حدث للعديد من الرجال الآخرين، فعدت من هناك إلى العيادة.
في البداية، انتقلت عائلتي إلى رفح ومن هناك إلى خان يونس ثم إلى دير البلح. طوال تلك الفترة، كانوا يعانون من نقص في الغذاء والمال وكنت أبيع الخردة وأرسل لهم المال حتى يتمكنوا من شراء الطعام والبقاء على قيد الحياة.
بقيت في العيادة حتى اقتحم الجيش جباليا في تشرين الأول 2024 وأصبح الوضع هناك خطيراً جدًا. انتقلتُ من هناك إلى عيادة الصفطاوي، التي تقع غربَ المخيم. في ذلك الشهر نفسه، حاصر الجيش الإسرائيلي العيادة، بعد أن رفضنا مغادرتها لأنه لم يكن لدينا مكان آخر نذهب إليه. كانت العيادة محاطة بالدبابات والطائرات المسيّرة. كنا خائفين من الخروج. أرسل الجيش إلينا شابًا استخدموه كدرع بشري. أجبروه على السير أمام الجنود بينما كانت طائرة بدون طيار تحلق فوقه وهو معرّض لإطلاق النار من جانبهم. جاء الشاب إلينا وقال لنا إن علينا إخلاء العيادة في غضون ساعة والتوجه غربًا.
اضطررنا إلى المغادرة. في الساعة 9:00 صباحاً، خرجنا جميعاً من العيادة وسرنا حتى وصلنا إلى حاجز للجيش بالقرب من نادي جباليا الرياضي. عند الحاجز، ناداني أحد الجنود، أنا وبعض الشباب الآخرين، وأمرنا بالوقوف أمام الدبابة، أمام الكاميرا التي وضعوها هناك. اقترب الجنود منا وقيدونا بأصفاد بلاستيكية وضربونا ضربًا مبرحًا بأسلحتهم، حتى على وجوهنا. تسبب الضرب بنزيف من فمي.
عندما طلب أحد السجناء الماء، تبوّل جندي في زجاجة ودفعها في فمه بالقوة وقال له "اشرب، يا ابن العاهرة".
رتبونا في صف، مع عشرات المعتقلين الآخرين، متراصّين كالأغنام. كانت أيدينا مكبّلة وأعيننا معصوبة وأجبرونا على الركوع على ركبنا ورؤوسنا بين أرجلنا. من تحت العصابة التي كانت تغطي عينيّ، تمكنت من رؤية الجنود يتسلقون إلى مكان مرتفع وشعرت بهم يتبولون علينا، بينما كانوا يشتموننا: "يا أبناء العاهرات! يا أبناء العاهرات!"، ثم قال أحد الجنود لي: "سأغتصب أختك، يا ابن العاهرة، وسأغتصب زوجتك!".
تركونا في الوضع نفسه حتى فجر اليوم التالي، ثم أدخلونا إلى شاحنات كبيرة وألقوا بنا فيها كأننا أكياس من الطحين، بينما كانوا يضربوننا ضربًا مبرحًا. سافرنا في الشاحنة لمدة ساعة تقريبًا، ثم وصلنا إلى مكان ما، في داخل إسرائيل على الأرجح، وألقوا بنا من الشاحنة إلى أرض مليئة بالحصى والحجارة، مما تسبب بإصابات في يديّ ورجليّ. هناك أيضًا، تبوّلوا علينا. بالإضافة إلى ذلك، عندما طلب أحد السجناء الماء، تبوّل جندي في زجاجة ودفعها في فمه بالقوة وقال له "اشرب، يا ابن العاهرة".
بعد ذلك، استبدلوا الأصفاد البلاستيكية في أيدينا وأرجلنا بأصفاد حديدية، ثم أدخلونا إلى السجن. عرفت من كلام السجناء الآخرين أننا في "سديه تيمان". كانت هناك بركسات كبيرة، وفي كل واحد منها العديد من الزنازين التي تشبه الأقفاص. أعطونا ملابس جديد، ووضعوا على معصمي سوارًا عليه الرقم 059517.
عندما وصلت إلى السجن، كان وجهي منتفخًا، وكذلك عيناي أيضًا، من كثرة الضرب. جاء طبيب يرتدي الزي العسكري لفحصنا فأخبرته بأنني أعاني من الربو ومن الألم ومشاكل في التنفس وأنني أستخدم بخاخ "الفنتولين" بانتظام، لكنه تجاهلني.
في اليوم التالي، قرأ جندي رقمي وأخذني في سيارة جيب إلى مكان آخر، عرفت لاحقاً أنه يسمى "الحصمة" [مجمع محاط بالحصى]. كان ذلك مكانًا يجري فيه التحقيق مع المعتقلين وتعذيبهم. وضعوني على كرسي حديديّ وجرّدوني من ملابسي وفحصوا جسدي. بقيت مربوطًا بالكرسي لمدة ثلاث ساعات متواصلة، وعيناي مغطّاتين بثلاث طبقات من القماش ورجلاي مقيدتين بالأصفاد. عرّف الضابط الذي حقق معي نفسه بأنه "كابتن أبو رامز" وقال إنه مسؤول عن منطقة بيت حانون.
سألني عن المنظمة التي أنتمي إليها، فقلت له إنني لا أنتمي إلى أي منظمة وإنني مجرد مواطن أعمل سائق تاكسي. أثناء التحقيق، ضربني بشدة على وجهي وظهري وهدد بقتل زوجتي وأولادي.
بعد انتهاء التحقيق، أعادوني إلى سجن "سديه تيمان". كانت الأوضاع هناك صعبة ومهينة للغاية، إلى درجة لا يمكن وصفها. كانوا يضربوننا بشدة ويقيدوننا في وضعية "الشبح" [تقييد في وضعية ضغط] ويتعمدون التنكيل بنا، إذلالنا وشتمنا. كنت محتجزًا طوال فترة اعتقالي تقريبًا بعينين معصوبتين ويدين مكبلتين.
كنا 60 سجينًا في زنزانة ولم يكن فيها سوى 24 سريرًا. كنا ننام في الأسرّة معًا، واحدًا فوق الآخر. لم يسمحوا لنا بالاستحمام أو الحلاقة. كانوا يقدمون لنا ثلاث وجبات في اليوم، تتكون كل منها من قطعة خبز صغيرة جدًا وقليل من التونة. كانوا يقولون لنا: "هنا، أنتم تأكلون فقط لتبقوا على قيد الحياة".
كانوا يقدمون لنا ثلاث وجبات في اليوم، تتكون كل منها من قطعة خبز صغيرة جدًا وقليل من التونة. كانوا يقولون لنا: "هنا، أنتم تأكلون فقط لتبقوا على قيد الحياة".
خلال معظم فترة اعتقالي، لم أكن أعرف التوقيت أو اليوم أو التاريخ. خلال إحدى المداهمات، اقتحم الجنود الزنازين وألقوا قنابل الغاز وضربونا ضرباً مبرحاً. أعتقد أنهم كسروا لي بعض الأضلاع. بعد ذلك، علمت أن اثنين من المعتقلين قد توفيا، هما عادل الكحلوت ومعاذ ريان. خلال تلك المداهمة، عذبوني وحقنوني بحقنتين في رِجلي بمادة لا أعرف ما هي. بعد ذلك، ضربني الجنود على مؤخرة رأسي بعصا. سقطتُ على الأرض وفقدتُ الوعي. استيقظتُ خارج زنزانتي على أصوات الضرب والإهانات والشتائم من الحراس. ألقوا بي في الزنزانة مرة أخرى. أعتقد أن ذلك كان في نهاية تشرين الثاني 2024. منذ ذلك الحين، تدهورت حالتي بشكل كبير. فقدتُ القدرة على الحركة. لم أكن قادراً على النهوض من سريري. ساعدني سجناء آخرون على التنقل وكان هناك أيضاً طبيب عالجني.
بقيتُ في هذه الحالة حتى أوائل كانون الأول 2024، ثم جاء الحراس وأخذوني إلى التحقيق. في الطريق إلى هناك، ضربوني وعذبوني بوحشية طوال الوقت ووجهوا لي شتائم مثل "سوف ننكح أختك، سوف ننكح زوجتك يا ابن العاهرة!".
وضعوني على كرسي متحرك وأخذوني إلى مكان يسمى "الديسكو"، الذي يشمل عدة غرف. هناك، شغلوا موسيقى صاخبة وتعابير كفر بالله وشتائم. ما زلت أعاني من فقدان السمع في إحدى أذنيّ، حتى الآن.
بقيت في التحقيق في "الديسكو" ثلاثة أيام متتالية. كانت لدي جلسة في المحكمة، جرت عبر تطبيق "زوم". مدّدوا اعتقالي حتى إشعار آخر تحت تصنيف "مقاتل غير قانوني".
في إحدى المرات التي أخذوني فيها للتحقيق، سألني الضابط الذي حقق معي من الذي تسبب بإصابتي؟ فقلت له: "أنتم أعطيتموني حقنة وأصبتموني في رأسي". رداً على ذلك، بدأ الضابط بضربي بوحشية على وجهي ورأسي. ثم سألني أين أعيش وما هو مصدر رزقي وأين كنت في بداية الحرب.
ثم واصل استجوابي وسألني عن المكان الذي هربت إليه زوجتي وعائلتي. قلت له إنني لا أعرف، فضربني مرة أخرى. استخدم ملاقط لانتزاع ظفر إصبعي السبابة اليمنى فأخذت أصرخ وأبكي بصوت عالٍ من شدة الألم. صفعني وحاول خنقي وقيد يديّ إلى الخلف، ثم جذبني... وضربني بقوة على صدري. بدأت أصرخ: "لديّ انزلاق غضروفي! لدي انزلاق غضروفي!".
أمسك الجنود بي، رفعوني من يدي وعلقوني في وضعية "الشبح" بالسلاسل في وسط غرفة التحقيق.
تركني هناك أنزف من وجهي وإصبعي. تركوني هناك مقيّداً بالكرسي لمدة عشر ساعات تقريباً. بعد ذلك فكّوني من الكرسي. جاء طبيب لفحصي فأخبرته بأنني مريض ولا أستطيع الحركة، لكنه تجاهلني ولم يعطِني حتى حبة مسكن للأوجاع. حملوني من هناك إلى مجمع "الديسكو" وأنا لا أزال مقيداً.
بعد يومين، أخذني الجنود إلى التحقيق مرة أخرى. لم أستطع المشي أو تحريك يدي اليسرى. لم أكن أعرف ماذا فعلوا بي ليصل وضعي إلى هذه الحالة، حيث لا أستطيع تحريك يدي.
عندما أعادوني إلى التحقيق، سألني الضابط مرة أخرى: "أين زوجتك وأولادك؟"، قلت له إنني لا أعرف مكانهم، رغم أنني كنت أعلم أنهم مهجَّرون في جنوب قطاع غزة. في تلك اللحظة، اقتلع ظفرًا من إصبعي الوسطى في يدي اليسرى، فبدأت أصرخ وأبكي. واصل الضابط قائلًا: "لقد وجدنا زوجتك وأولادك. إنهم مشردون في المشاعلة في دير البلح، وأعدك بأنني سأجعلك تحزن عليهم وعلى كل عائلتك". أجبت: "هم ليسوا أفضل من الذين ماتوا بالفعل، فليرحمهم الله". كان تلك إحدى أكثر لحظات التعذيب إيلامًا بالنسبة لي. نادى الجنود. كنت مكبل اليدين في ذلك الوقت. أمسك الجنود بي، رفعوني من يدي وعلقوني في وضعية "الشبح" بالسلاسل في وسط غرفة التحقيق. أحضروا "ديلدو" ووضعوه تحت مؤخرتي، ثم بدأوا بإنزال السلسلة الحديدية حتى دخل جزء منه في فتحة شرجي. تسبب لي ذلك بألم شديد لم أشعر به من قبل. بدأت بالصراخ والبكاء بصوت عالٍ. كان هذا أقسى وأصعب تعذيب تعرضت له طوال فترة اعتقالي في إسرائيل. في تلك اللحظة، لم أكن أتوقع أن يهاجموني جنسياً. عندما حدث ذلك، تمنيت الموت. كان الموت أفضل من مثل هذا التعذيب. بدأت أصرخ: "أقسم بالله، لو كان لدي ما أقوله، لقلته! أقسم بالله!". ثم أمر الضابط الجنود بإنزالي. أحضر لي الشاي والماء، لكنني رفضت شربهما. قال لي: "سنعيدك إلى سديه تيمان، أيها الكلب".
أحضروا "ديلدو" ووضعوه تحت مؤخرتي، ثم بدأوا بإنزال السلسلة الحديدية حتى دخل جزء منه في فتحة شرجي. تسبب لي ذلك بألم شديد لم أشعر به من قبل.
أعادوني إلى سجن "سديه تيمان". منذ لحظة وصولي إلى هناك، بدأت أعاني من أعراض، أدركت لاحقًا أنها أعراض سكتة دماغية، لكن لم يكن هناك أحد ليساعدني ولم أحصل على أدوية أو علاج. الوحيدون الذين ساعدوني هم المعتقلون الآخرون في زنزانتي، الذين أخذوني إلى الحمام وغسلوني ونظفوني.
في أوائل شباط 2025، بدأت أعاني من غثيان مستمر وضعف وضيق في التنفس وثقل في الصدر، فتم نقلي من سجن "سديه تيمان" إلى المستشفى بسيارة إسعاف. لم أكن أعرف إلى أي مستشفى أخذوني، لكنني خمّنت أنه مستشفى "سوروكا". عندما وصلت إلى هناك، وضعوني على سرير في غرفة. جاء طبيب وحقنني بشيء ما في الجزء السفلي من العمود الفقري. بعد ذلك مباشرة، أصبت بالشلل التام في كلتا ساقيّ وذراعي اليسرى. كنت أصرخ بصوت عالٍ كلما وخزني وكان الجندي الذي بجانبي يضربني على وجهي حتى نزف الدم من وجهي وفمي.
جاء طبيب وحقنني بشيء ما في الجزء السفلي من العمود الفقري. بعد ذلك مباشرة، أصبت بالشلل التام في كلتا ساقيّ وذراعي اليسرى.
بعد ذلك، أعادوني إلى سجن "سديه تيمان" واحتجزوني في القسم 2، الغرفة 3. فوجئت بأن التقيت أخي خضر في تلك الغرفة، إذ كان مسجونًا هناك. في البداية لم نتعرف على بعضنا البعض، لأن وجهينا وجسدينا كانت مشوهة للغاية من التعذيب والضرب المبرح. عانقنا بعضنا البعض وانفجرنا بالبكاء. بدأ يبكي عندما رأى حالتي وأدرك أنني لا أستطيع التحرك أو المشي على الإطلاق.
بعد يومين من إعادتي إلى "سديه تيمان"، بدأ وعيي يتشوش. في مرحلة ما، فقدت وعيي تمامًا. وعندما استيقظت، لا أعرف بعد كم من الوقت، وجدت نفسي في المستشفى، مكبل اليدين والقدمين. وضعوا لي حفاضات وكان فمي مشوهاً في الجهة اليمنى. شعرت بالعجز ولم أستطع الكلام. كانت رؤيتي مشوشة. كل ذلك بسبب التعذيب والضرب الذي تعرضت له على رأسي. بقيت في المستشفى لمدة خمسة أيام، تعرضت خلالها للضرب والتعذيب وأنا مقيّدٌ إلى سرير المستشفى.
أثناء رقودي في المستشفى، أعطاني الأطباء سوائل عن طريق الوريد. طلبت من أحدهم أن يعطيني ماءً لأشربه، فذهب وأحضر لي زجاجة، وقال لي: "افتح فمك". عندما شربت، كان ذلك بولاً وليس ماءً. أجبروني على شرب كل الكمية ثم سكبوا ما تبقى منها على وجهي. بدأت أبكي وأنا مقيد وغير قادر على الحركة أو الكلام، على الإطلاق.
في اليوم الثاني من دخولي المستشفى - لا أعرف التاريخ بالضبط - نقلوني بسيارة إسعاف إلى سجن الرملة، حيث توجد عيادة. فحصني الأطباء وأخبروني أنهم سينقلونني إلى التحقيق لدى "جهاز الأمن العام" (الشاباك). غسلوا جسدي وبدّلوا لي كيس البول، ثم أجلسوني على كرسي متحرك قبل أن يأخذوني إلى غرفة التحقيق. في ذلك الوقت، كنت لا أزال غير قادر على الكلام. سمعت أحد الأطباء، وكان يرتدي زيًا عسكريًا، يقول بعد ذلك: "لماذا لا يتكلم هذا الأحمق؟"؛ فأجاب الطبيب الآخر: "لقد أصيب بسكتة دماغية". هكذا اكتشفت أنني أصبت بسكتة دماغية.
نقلوني من العيادة إلى جناح في سجن الرملة، حيث تولى بعض السجناء من غزة رعايتي. كنت أتناول27 حبة دواء كل يوم. كان المعتقلون يغسلونني ويأخذونني إلى الحمام وينظفونني. بدأت أتناول دواء "كيبرا" بجرعة 4,000 ملغ و"أسبرين بيبي". ثم بعد ذلك بشهر، تمكنت تدريجياً من التحدث مرة أخرى.
بقيت في سجن الرملة حتى 27.5.25، ثم نقلوني إلى "سجن عوفر"، حيث تلقيت بعض الأدوية، ولكن بصعوبة.
في 10.10.25 علمنا أن الحرب قد انتهت. نقلونا إلى سجن النقب (كتسيعوت) وأخبرونا بأنهم سيطلقون سراحنا. جاء ممثل عن الصليب الأحمر وطلب منا تعبئة استبيان وأخذوا بصماتنا ومعلوماتنا الشخصية. بعد ثلاثة أيام، في 13.10.25، اقتادونا إلى حافلات نقلتنا إلى حاجز كرم أبو سالم (كيرم شالوم). كنت على كرسي متحرك. عبرنا إلى قطاع غزة ثم نقلونا بالحافلات إلى مستشفى ناصر في خان يونس. أخبرونا بأن عائلاتنا ستقابلنا هناك. عندما قابلت عائلتي، رأيت الدهشة على وجوههم ـ كانوا يعتقدون أنني مت في السجن، كما اندهشوا أيضًا من أنني كنت على كرسي متحرك ولم أستطع تحريك يدي اليسرى. ما زلت في هذه الحالة حتى اليوم.
لقد أُطلق سراحي، لكن أخي خضر لا يزال محتجزًا في السجن حتى الآن.
قضيت 12 شهرًا في سجون الاحتلال. دخلت إليها سليمًا معافى وخرجت منها مصابًا بجروح جسدية ونفسية بالغة جراء التعذيب الذي تعرضت له. ما زلت مهجَّراً في مدينة دير البلح، أسكن في بناية مدرسة قريبة من البحر. أنا في حالة نفسية وجسدية صعبة للغاية نتيجة التعذيب والضرب اللذين تعرضت لهما ونتيجة الاعتداء الجنسي. أعاني من الألم والأرق والقلق والأفكار الدائمة حول ما حدث لي، وخاصة الاغتصاب.
* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميداني محمد صباح في 12.11.25