Living Hell

نسيم الرضيع, (34 عامًا)، أب لأربعة، من سكان بيت لاهيا

الصورة
نسيم الرضيع مع أولاده الأربعة، الذين قُتل ثلاثة منهم جرّاء قصف إسرائيلي. صورة قدمها الشاهد مشكورًا
نسيم الرضيع مع أولاده الأربعة، الذين قُتل ثلاثة منهم جرّاء قصف إسرائيلي. صورة قدمها الشاهد مشكورًا

حتى اندلاع الحرب كنت أسكن مع زوجتي، شروق المصري (32 عامًا) وأطفالنا الأربعة: محمد (9 أعوام) وشيماء (7 أعوام) وسما (4 أعوام) وصِبا (3 أعوام)، في شقة داخل مبنى مكون من ثلاثة طوابق تملكه عائلتي، في شارع الرضيع في بيت لاهيا، شمال قطاع غزة. 
كانت حياتنا هادئة ومليئة بالحب والدفء الأسَري. لم يكن بيتنا مجرد سقف يحمينا، بل كان مصدر أمان وطمأنينة. كانت لدينا مزرعة وكنت أعمل مزارعًا فيها، وكذلك أجيرًا في مزارع أخرى، وأعيل أسرتي.

في صباح يوم السبت الموافق 7.10.23، نحو الساعة 6:30، استيقظت مفزوعًا على دويّ الانفجارات بينما كانت زوجتي تُحضّر شيماء ومحمد للذهاب إلى المدرسة. نظرت من النافذة فرأيت المقاومة الفلسطينية تطلق وابلًا كثيفًا من القذائف باتجاه إسرائيل. فتحت التلفاز وتابعت الأخبار عبر الإنترنت وفهمت أنه يجدر بنا البقاء في البيت وعدم الخروج.

بقينا في منزلنا حتى يوم الخميس الموافق 12.10.23، قرابة الساعة 18:00، حين بدأت طائرات جيش الاحتلال بقصف بنايتنا بشكل مباشر. دُمّر جزء كبير من البناية. قُتلت عمّتي سلوى الرضيع (50 عامًا) وأُصيبت أمي، هيام الرضيع (55 عامًا) إصابة خطيرة وابنتي سما إصابة طفيفة.

بسبب القصف اضطرت عائلتي للنزوح إلى مدرسة خليفة بن زايد التابعة لوكالة الأونروا في مشروع بيت لاهيا. كما لجأت عائلة زوجتي إلى المكان نفسه. سكنّا في أحد الصفوف الدراسية وكانت الظروف سيئة جدًا. اضطررنا إلى تدبر أمورنا من دون تلبية أبسط مقومات الحياة الإنسانية: لم يكن هناك ما يكفي من الطعام أو الماء ولم تتوفر لدينا ملابس للتبديل ولا فرشات ولا بطانيات.

أمرنا الجنود، نحن الرجال، بخلع ملابسنا والبقاء بالملابس الداخلية. شعرت بإهانة شديدة حين أُجبرت على فعل ذلك أمام كل هؤلاء الناس، وخاصة أمام زوجتي وأطفالي.

في 6.12.23 تعرّضت المدرسة لهجوم وقُتل عمّ زوجتي محمود المصري. رغم ذلك، اضطررنا إلى البقاء لعدم وجود مكان آخر نذهب إليه. ثم، في مساء يوم السبت الموافق 9.12.23، وبينما كنا جميعًا في المدرسة، طوّقها الجيش الإسرائيلي بـ "حزام ناريّ" من القصف. كنا جميعًا في حالة خوف شديد. انتشرت الآليات الثقيلة ومركبات الجيش الإسرائيلي حول المدرسة وتمركز قناصة منه على أسطح المباني المرتفعة المحيطة بها. وبعد وقت قصير، اقتحم جنود الاحتلال المدرسة وأمروا جميع الموجودين بالنزول إلى الساحة.

في ساحة المدرسة فصلوا بين النساء والرجال. جمعوا الرجال من عمر 15 إلى 55 في جهة، والنساء والأطفال وكبار السن في جهة أخرى. كنا جميعًا خائفين ومتوترين للغاية.

في مرحلة ما، أمرنا الجنود، نحن الرجال، بخلع ملابسنا والبقاء بالملابس الداخلية. شعرت بإهانة شديدة حين أُجبرت على فعل ذلك أمام كل هؤلاء الناس، وخاصة أمام زوجتي وأطفالي.

بعد ذلك، ساق الجنود الرجال بمجموعات من خمسة أشخاص في كل مجموعة إلى مسجد "شادي حبّوب"، شمالَ المدرسة. هناك، قيّدوا يديّ خلف ظهري بأربطة بلاستيكية بشكل مؤلم جدًا وساقونا مشيًا إلى معسكر للجيش قرب مستشفى حمودة للولادة، في الشارع الرئيسي في بيت لاهيا. كانت تحيط بنا مركبات عسكرية وعدد كبير من الجنود.

في معسكر الجيش، أوقفوني أمام كاميرا وصوّروني للتعرّف على الوجه، ثم أمروني بالجلوس قرب سياج من الأسلاك الشائكة، وهناك صوّرني أحد الجنود بهاتفه أيضًا.

بعد ذلك أدخلوني إلى إحدى مركبات "الهامر" وكان في داخلها ضابط. دقّق الضابط في بياناتي الشخصية ثم قال لي "أهلًا وسهلًا". بعدها، أعطوني بنطالًا وقميصًا لأرتديهما وغطّوا عينيّ ودفعوني بعنف إلى داخل شاحنة، وسط وابل من الشتائم مثل "يا ابن الشرموطة" و"يا ابن القحبة". صعد إلى الشاحنة معتقلون آخرون، ثم انطلقت. في الطريق، كان السائق يقود بسرعة كبيرة، عمدًا على ما أظن، ثم يقوم بتوقفات مفاجئة، فكنّا نصطدم ببعضنا بعنف.

عندما توقفت الشاحنة في النهاية، أنزلونا وأوقفونا في طابور بين صفّين من الجنود وراحوا يضربوننا، واحدًا تلو الآخر، ويشتموننا. لاحقًا، أخذونا إلى ساحة مكشوفة وتركونا هناك حتى الصباح، تحت المطر وفي البرد. شعرت بأن قلبي سيتوقف من شدة الخوف والبرد.

أنزلونا من الحافلة وهم ينهالون علينا ضربًا، ثم أدخلونا إلى قفص ونزعوا العصبات عن أعيننا والقيود عن أيدينا.

في الصباح فتّشونا ثم ساقونا إلى حافلة سارت قرابة ساعتين ثم توقفت. لم نكن نعرف إلى أين وصلنا. أنزلونا من الحافلة وهم ينهالون علينا ضربًا، ثم أدخلونا إلى قفص ونزعوا العصبات عن أعيننا والقيود عن أيدينا.

بعد ذلك أعطوا كل واحد منا بنطالًا وقميصًا باللون الرمادي وطلبوا منا تبديل الملابس. وبعد أن بدّلنا، أخذونا إلى العيادة، حيث سألني الطبيب إن كنت أعاني من أمراض مزمنة. ثم أعادوا تغطية عينيّ وتقييد يديّ. أخذونا إلى بركس كبير كان يضم عددًا كبيرًا من المعتقلين. هناك علمت أنني محتجز في سجن "سديه تيمان".

في صباح اليوم التالي أجروا العَدّ ثم قدّموا لنا وجبة إفطار شملت خبزًا وعيّنات صغيرة من اللبنة والمربى. وفي الغداء قدّموا خبزًا مع عينات من التونة، وكانت وجبة العشاء مشابهة لوجبة الإفطار.

في صباح 11.12.23، أثناء العدّ، نادوا باسمي ورقمي ثم بدأوا بسحبي إلى مكان آخر وهم يضربونني ضربًا شديدًا. وصلنا إلى غرفة كانت أرضيتها مغطاة بالقش. كان هناك ضابط وجندي، أمراني بخلع كل ملابسي وارتداء حفاض. ثم قيّدوا يديّ خلف ظهري وغطّوا عينيّ وعلّقوني (وضعية "الشبح") على رافعة بالسلسلة (بلانكو) من النوع الذي يستخدمه الجزارون لرفع الخراف بعد الذبح. تركوني معلّقًا هناك قرابة 10 ساعات متواصلة. كنت أعاني من آلام شديدة في الكتفين ومفاصل اليدين. علّقوا إلى جانبي، بالطريقة نفسها شابًا، آخر أعرفه. كانوا يضربوننا ونحن معلّقان، خصوصًا في منطقة الصدر. مع كل ضربة كنت أشعر أن روحي تكاد تخرج من جسدي من شدة الألم.

بعد ذلك أنزلوني وأخذوني إلى غرفة كان فيها رجل أصلع ضخم الجثة بلباس مدني. كان جالسًا أمام حاسوب وعرّف نفسه بأنه "من الشاباك". قبل بدء التحقيق قيّدوني إلى كرسي. في البداية طلب مني تفاصيل شخصية عني وعن أفراد أسرتي. ثم ادّعى أنني مقاتل في حماس وأنني عبرت الحدود في 7 تشرين الأول 2023. أنكرت ذلك. سألني أين يُحتجز المخطوفون الإسرائيليون، فأجبته بأنني لا أعرف. عندها بدأ المحقق يهدد بقتل زوجتي وأطفالي، وقال لي أيضًا: "إذا أصرّيت على عدم الاعتراف وعدم الكلام، فسنجعلك تتكلم من مؤخرتك". استمر التحقيق قرابة ساعة، ثم أعادوني إلى غرفة "الشبح" وعلّقوني مرة أخرى.

قيّدوا يديّ خلف ظهري وغطّوا عينيّ وعلّقوني (وضعية "الشبح") على رافعة بالسلسلة (بلانكو) من النوع الذي يستخدمه الجزارون لرفع الخراف بعد الذبح. تركوني معلّقًا هناك قرابة 10 ساعات متواصلة.

بعد ساعة أدخلوني إلى حافلة ونقلوني إلى مركز اعتقال آخر يبعد نحو ربع ساعة. عند وصولنا، أدخلوني إلى بركس، كما في "سديه تيمان"، كان فيه معتقلون آخرون، وتركوني هناك طوال الليل. في الصباح نادوا عليّ وعلى 16 معتقلًا آخرين. قيّدوا أيدينا وأرجلنا بقيود معدنية وأخرجونا إلى الساحة، ثم أدخلونا إلى حافلة "البوسطة" التي تنقل الأسرى، وهي تحتوي على زنازين عزل صغيرة، فوضعوا كل واحد منا في زنزانة منفصلة.

سارت الحافلة وتوقفت في مكان مجهول. أنزلونا وهم يضربوننا بالأيدي والهراوات وأعقاب البنادق. اقترب مني أحد الجنود وسألني عن اسم أمي. وعندما قلت له "هيام"، أمرني أن أقول: "اسم أمي شرموطة".

أدخلوني إلى زنزانة عزل مساحتها متر× متر. احتجزوني هناك قرابة أربع ساعات، ثم أخذوني إلى غرفة تحقيق كان فيها ضابط شاب أشقر من "الشاباك" عرّف نفسه باسم "موردي". ما إن دخلت حتى قيّدني إلى كرسي حديديّ كان في الغرفة.

قال لي المحقق إنني في سجن "الجلمة" (كيشون) وبدأ يسألني عن تفاصيل حياتي الشخصية وأسرتي وطبيعة عملي قبل الحرب. ادّعى أنني ناشط في أحد التنظيمات الفلسطينية وأنني شاركت في اقتحام الحدود في 7 تشرين الأول، وأنا أنكرت ذلك بشدة. كما سألني عن مكان وجود المخطوفين الإسرائيليين، وعن مواقع الأنفاق ومقاتلي حماس.

استمر التحقيق الأول نحو خمس ساعات، وفي نهايته أعادوني إلى زنزانة العزل. بقيت هناك نحو 25 يومًا، كانوا يأخذونني خلالها إلى التحقيق يوميًا. كان يحقق معي بالتناوب المحقق نفسه، "موردي"، ومحققة قدّمت نفسها باسم "أفيغايل”. في كل تحقيق كانوا يكررون الأسئلة نفسها للتأكد من تطابق إجاباتي.

كانوا يقدّمون لنا كميات ضئيلة جدًا من الطعام، لا تُشبع حتى طفلًا صغيرًا، ما زاد من معاناتي الجسدية والنفسية طوال فترة التحقيق.

بعد 25 يومًا من التحقيقات المتواصلة، قالوا لي إن التحقيق انتهى وإنهم سينقلونني إلى سجن "مجيدو". كانت عملية النقل تلك مهينة أيضًا، شملت ضربًا شديدًا وشتائم وألفاظًا نابية. عند وصولي إلى سجن "مجيدو"، أجرى السجّانون ما يسمّى "تشريفة" (حفل استقبال)، هي في الواقع سلسلة أخرى من الضرب والإهانات.

بعد ذلك أدخلوني إلى غرفة اعتقال كان فيها خمسة أسرى وستة أسرّة وجهاز تلفاز. اقترب مني أحد الأسرى فورًا، عرّف نفسه باسم "أبو سليمان" وقال إنه ينتمي إلى لجنة الأسرى في السجن. حاول استنطاقي وطلب مني أن أتحدث عن كل ما مررت به منذ لحظة اعتقالي.

كان عناصر من وحدات القمع التابعة لمصلحة السجون يأتون إلى الغرفة، مسلحين وبرفقتهم كلاب مكمّمة الأفواه، فيضربوننا ضربًا شديدًا ويلقون في الغرفة قنابل صوت، وقنابل غاز مسيل للدموع في بعض الأحيان.

احتجزوني في هذا القسم نحو خمسة أيام، ثم أعادوني إلى سجن "الجلمة" (كيشون). هناك حققوا معي مرة أخرى، وخلال التحقيق أعاد المحقق أمامي كل كلمة قلتها لـ"أبو سليمان" في الغرفة في سجن "مجيدو". عندها فهمت أنني كنت محتجزًا في زنزانة عملاء ("عصافير") وأن المحقق أراد التحقق مما إذا كنت سأقول لهم نفس الاشياء التي قلتها خلال التحقيق.

بعد ذلك أنزلوني إلى غرف تحت الأرض. أدخلوني إلى غرفة مساحتها 7×3 أمتار كان فيها تسعة أشخاص. كان عناصر من وحدات القمع التابعة لمصلحة السجون يأتون إلى الغرفة، مسلحين وبرفقتهم كلاب مكمّمة الأفواه، فيضربوننا ضربًا شديدًا ويلقون في الغرفة قنابل صوت، وقنابل غاز مسيل للدموع في بعض الأحيان.

في مطلع نيسان 2024، قبيل عيد الفطر، نقلوني إلى سجن "عوفر". هناك أدخلوني إلى الغرفة رقم 15 في الجناح 23، الذي كان يضم نحو 260 أسيرًا. كان في تلك الغرفة نحو 18 أسيرًا. عند وصولي تركوني مكبّل اليدين والقدمين ومربوطًا بأسير آخر، قرابة 18 ساعة. وبعد نحو 20 دقيقة من إدخالي، اقتحم الجنود الغرفة مع كلاب وانهالوا عليّ وعلى باقي الأسرى بالضرب العنيف.

في 18.4.24 قالوا لي إنني متهم بالانتماء إلى حماس وإنني سأبقى معتقلًا حتى نهاية الحرب. وفي كانون الأول 2024 مثلت أمام المحكمة مرة أخرى، فوجّهوا لي التهمة نفسها وأبلغوني بأنني سأبقى في السجن حتى انتهاء الحرب.

احتجزوني في سجن "عوفر" نحو 15 يومًا في ظروف قاسية للغاية. قدّموا لنا القليل جدًا من الطعام وسمحوا لنا بالاستحمام مرة واحدة فقط في الأسبوع، من دون صابون، ولم يعطونا ملابس داخلية. بعد ذلك نقلوني إلى سجن نفحة، حيث أدخلوني إلى القسم 10 الذي كان يضم عددًا من الأطباء من القطاع أعرفهم.

كان في تلك الغرفة نحو 18 أسيرًا. [...]تركوني مكبّل اليدين والقدمين ومربوطًا بأسير آخر، قرابة 18 ساعة.

خلال احتجازي في سجن نفحة أُصبتُ بالقمل والجرب، مثل معظم الأسرى. وعانينا من حكة شديدة، لكنهم لم يقدّموا لنا أي علاج.

في 7 تشرين الأول 2024 هاجمنا السجّانون، كلنا، بصورة وحشية. ضربونا ضربًا قاسيًا وأهانونا جسديًا ولفظيًا. وفي 14 كانون الأول 2024، ذكرى تأسيس حماس، هاجمونا بالطريقة نفسها مرة أخرى.

في سجن نفحة تنقّلت بين عدة أقسام، لكن سوء الظروف وقسوة المعاملة كانت مشتركة بينها جميعًا. عانيت هناك معاناة شديدة. في 16.3.25 مثلت أمام المحكمة مرة أخرى، ووجّهوا لي الاتهامات نفسها وقرّروا إبقائي رهن الاعتقال حتى إشعار آخر.

بقيت في نفحة حتى يوم الجمعة 10.10.25 عند الساعة 5:00 صباحًا. عندها قيّدوا يديّ وقدميّ وأخرجوني من الغرفة بعنف. أخذوني مع نحو 70 معتقلًا آخرين إلى الجناح 5 في سجن "رامون". حضر ضابط وبدأ بتدقيق بياناتنا واحدًا تلو الآخر، فظننّا أنهم سيفرجون عنّا.

قرابة الساعة 1:00 بعد منتصف الليل في 11.10.25 نقلوني مع أسرى آخرين بالحافلات إلى سجن النقب (كتسيعوت) وهناك أدخلوني إلى الجناح 14 في مبنى جديد كان يضم أكثر من 200 أسير.

مساء يوم الأحد الموافق 12.10.25، حضر ممثلان عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر وأبلغانا بأنه سيتم الإفراج عنّا. ملأوا استمارات ببياناتنا الشخصية.

عند الساعة 4:00 من فجر يوم الاثنين 13.10.25، اقتحم الجنود الجناح وهاجمونا بوحشية، ثم قيّدوا أيدينا وأرجلنا بقيود معدنية ونقلونا إلى مصلحة السجون. هناك أعطونا بدلات رياضية تحمل شعار مصلحة السجون وأدخلونا إلى الحافلات. انتظرنا في الحافلات حتى الظهر، ثم نقلونا إلى معبر كرم أبو سالم (كيرم شالوم)، ومن هناك نقلنا الصليب الأحمر إلى المستشفى الأوروبي.

اتصلت بأختي، وعندما سألتها عن زوجتي وأطفالي أخبرتني أن ثلاثة من أطفالي قُتلوا. لم تخبرني في تلك اللحظة بأن زوجتي قُتلت أيضًا.

عند وصولنا إلى المستشفى، رأيت من داخل الحافلة أخي جودت (23 عامًا). فرحت كثيرًا وسألته عن زوجتي وأطفالي. أجابني بأنهم ينتظرونني في داخل المستشفى، ثم دخل إلى المستشفى واختفى بين الناس.

كان بجانبي في الحافلة أسير أعطاه أحد أقاربه هاتفًا عبر النافذة. طلبت منه أن يسمح لي بالاتصال بعائلتي. اتصلت بهاتف زوجتي فلم تُجب، ثم اتصلت بأختي، وعندما سألتها عن زوجتي وأطفالي أخبرتني أن ثلاثة من أطفالي ـ محمد، صِبا وشيماء ـ قُتلوا. لم تخبرني في تلك اللحظة بأن زوجتي قُتلت أيضًا. عندما سمعت الخبر الصادم فقدت السيطرة على نفسي وصرخت من شدة الألم. فجأة أخذ جسدي يرتجف كله وفقدت الوعي. سكب الأسير الذي بجانبي ماءً عليّ، فاستعدت وعيي.

الصورة
سما الرضيع اليوم. صورة قدمها الشاهد مشكورًا
سما الرضيع اليوم. صورة قدمها الشاهد مشكورًا

عندما نزلت من الحافلة التقيت بجودت وعندها، فقط، علمت أن زوجتي قُتلت أيضًا. أخبرني أن زوجتي وثلاثة من أطفالي قُتلوا حين كانوا في شقة في بيت لاهيا، قرب منزلنا. صرخت وبكيت على الفقدان وعلى ما تعرضت له من تنكيل وإهانة في السجن، وفقدت الوعي مرة أخرى. أجلسوني على كرسي وأحضروا ابنتي سما، الوحيدة التي نجت. كانت قد أُصيبت في القصف نفسه وأصيبت أيضًا في وجهها. بقيت في حالة الصدمة ثلاثة أيام. وبعد أن تمالكت نفسي جلست مع أختي، فروَت لي تفاصيل الحدث الذي قُتلوا فيه. قالت إن الهجوم كان مباشرًا على الشقة التي نزحوا إليها في بيت أحد أقاربنا في شارع نادي كرة القدم بيت لاهيا، وكان ذلك في 6.11.24 عند الساعة 6:00 صباحًا. كانت زوجتي هناك مع عائلة والديها، كما قُتلت أيضًا حماتي نعمت المصري (60 عامًا) وشقيق زوجتي حامد المصري (35 عامًا). ولم يخبروني إلا لاحقًا بأن والدي قُتل في حادثة أخرى في أيار 2024، حين شنّ الجيش الإسرائيلي هجومًا مباشرًا على ساحة مدرسة أبو تمام في بلدة بيت لاهيا، حيث كانت العائلة تحتمي.

فقدتُ كل شيء تقريبًا: زوجتي وثلاثة من أطفالنا ووالدي. لم يتبقَّ لي سوى ابنتي سما. صدمة الفقد هائلة. أمي موجودة الآن في تونس لتلقي العلاج الطبي وحالتها جيدة، الحمد لله.

أنا وسما نقيم الآن في دير البلح، في خيمة أخي وعائلته. تقلب سما باستمرار صور أمها وإخوتها على الهاتف، وتسأل: أين أمي؟ وأين إخوتي وأخواتي؟ لماذا ليسوا معنا؟ عندما أجيبها بأنهم في الجنة، تقول: "تعال نذهب إليهم". أحيانًا تخرج سما للّعب مع الفتيات في المخيم، ثم تعود راكضة وتقول: "أريد أن ألعب مع صِبا ومحمد وشيماء". يؤلمني سماع ذلك كثيرًا ولا أعرف بماذا أردّ. أنا أيضًا أقضي وقتًا طويلًا أتصفح الصور، أبقى مستيقظًا في الليل أفكر بزوجتي وأطفالي: لماذا حدث لهم هذا؟ أختنِق وأبكي على هذا الفقد الفادح. أعيش فقط على ذكراهم.

أُفرج عني من السجن بعد عامين من التعذيب والضرب والصدمات النفسية القاسية. وضعي الصحي سيء. كما فقدت الكثير من وزني في السجن ـ من 93 كيلوغرامًا قبل الاعتقال إلى 60 كيلوغرامًا عند الإفراج. أعاني من آلام في الأضلاع وإصابة في العين. دُمّرت حياتي وأشعر بأنني خرجت من سجن إلى سجن أكبر: حصار، معاناة، حرب لا تنتهي وحياة من الوحدة والألم العميق. كما لا تفارقني الأفكار عن كل ما مررت به في السجن.

* سجّل هذه الإفادة باحثا بتسيلم الميدانيان محمد صباح وألفت الكرد في تشرين الثاني 2025