عنف المستوطنين = عنف الدولة

عشرات المستوطنين يهاجمون قرية جيت ويقتلون أحد شُبّانها. والجنود، الذين حضروا إلى المكان، يهاجمون سكّان القرية أيضًا

الصورة
מתוך תיעוד הווידאו

في يوم الخميس الموافق 15.8.24، قرابة الساعة 19:30، لاحظ سكّان الحيّ الجنوبيّ- الشرقيّ في قرية جيت عشرات المستوطنين، كان معظمهم ملثّمين وبعضهم مسلّحًا بأسلحة ناريّة، قادمين من اتّجاه البؤرة الاستيطانيّة "حفات جلعاد" ويتقدّمون نحو المنازل في منطقة البيّاضة الواقعة جنوبي شرق القرية. أشعل المستوطنون النار في المركبات والمنازل، وبعد خروج سكّان القرية للدفاع عن ممتلكاتهم نشأت مواجهة بينهم وبين المستوطنين تخلّلها التراشق المتبادل بالحجارة. بعد نحو 20 دقيقة على بدء الحادث خرج رشيد السدّة (22 عامًا)، مع قريب له، للانضمام إلى السكّان المدافعين عن المنازل.

الصورة
رشيد السدّة
رشيد السدّة

في تلك المرحلة هاجم بعض المستوطنين منزل عائلة معاوية علي، وأضرموا النار فيه، وتسبّبوا بحريق في غرفة الاستقبال والمطبخ، بينما توجه مستوطنون آخرون إلى منزل محاسن وهاني عرمان، وأشعلوا النار في سيّارة ابنهما محمّد عرمان (26 عامًا) التي كانت مركونة قرب المنزل. خرج محمّد عرمان من المنزل برفقة شقيقه وواجه المستوطنين وأصيب في فكّه بحجر ألقوه عليه. حاول المستوطنون الإمساك بشقيق محمّد، إلّا أنّه تمكّن من الفرار. كما هاجم مستوطنون آخرون منزل محاسن عرمان وأحرقوا أريكة وعربة أطفال كانتا على الشرفة. وأحرق المستوطنون في منزل إبراهيم السدّة مركبتين اثنتين، إحداهما تابعة له والأخرى تابعة لأحد أقربائه.

بالتزامن مع ذلك، حاول مستوطنون إشعال النار في بوّابة مدخل منزل عائلة الساخن المجاور لمنزل عائلة عرمان، إلّا أنّ البوّابة الحديديّة لم تشتعل. ونحو الساعة 20:30 تجمهر سكّان قرب هذا المنزل في محاولة للدفاع عنه، فنشبت مواجهة بينهم وبين المستوطنين الذين تراجعوا نحو 30 مترًا إلى داخل كرم من الزيتون. وفي مرحلة ما أطلق أحد المستوطنين النار على السكّان من بندقيّة، فهرب السكّان واختبأوا خلف سواتر ترابيّة وكومة من الطوب. أصيب أحد السكّان في صدره من جرّاء إطلاق النار، وتمّ نقله إلى المستشفى بسيّارة خاصّة. بعد ذلك ببضع دقائق أصيب أيضًا رشيد السدّة (22 عامًا) برصاص المستوطنين. اخترقت الرصاصة بطنه في الجانب الأيمن وخرجت من خاصرته اليسرى. نُقِل إلى منزل مجاور، ومن هناك نُقِل بسيّارة خاصّة إلى مدخل القرية حيث كانت تنتظره سيّارة إسعاف نقلته إلى مستشفى رفيديا في مدينة نابلس. وبعد وقت قصير من وصوله إلى المستشفى، تمّ إقرار وفاته.

الصورة
المطبخ الذي أحرقه المستوطنون في منزل معاوية علي. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 19.10.24
المطبخ الذي أحرقه المستوطنون في منزل معاوية علي. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 19.10.24

لم يحضر الجنود وعناصر شرطة حرس الحدود إلى المكان إلّا بعد نحو ساعة من بدء الحادث، فسمحوا للمستوطنين المعتدين بالعودة باتّجاه البؤرة الاستيطانيّة "حفات جلعاد" دون اعتقال أيّ منهم، وأطلقوا النيران الحيّة في الهواء وقنابل الغاز على السكّان، فانسحبوا إلى الوراء. وفي وقت لاحق، قرابة الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، عادت قوّات عسكريّة إلى المكان وجمعت إفادات من السكّان ثمّ غادرت القرية.

الصورة
مفروشات أحرقها المستوطنون في منزل محاسن عرمان. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 19.10.24
مفروشات أحرقها المستوطنون في منزل محاسن عرمان. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 19.10.24
الصورة
سيارة عائلة عرمان التي أحرقها المستوطنون. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 19.10.24
سيارة عائلة عرمان التي أحرقها المستوطنون. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 19.10.24

سلوك السلطات الإسرائيليّة في هذه الحالة هو نموذج للإهمال التامّ الذي يعاني منه السكّان الفلسطينيّون بشكل عامّ، وخاصّة فيما يتعلّق بالهجمات العنيفة التي يشنّها مستوطنون إسرائيليّون، وتعاون السلطات الإسرائيليّة المباشر وغير المباشر مع هذه الهجمات. في هذه الحالة، ورغم أنّ "الشاباك" أنذر الجيش والشرطة بوضوح بنِيّة المستوطنين مهاجمة بلدات فلسطينيّة، إلا أنّ الجيش ليس أنّه لم يمنع الهجوم فحسب، بل حضر إلى المكان بعد فترة طويلة على بدايته. وحتّى عندما حضر الجنود وعناصر شرطة حرس الحدود، لم يوقفوا الهجوم. والدليل على ذلك هو أنّ رشيد السدّة قُتِل بالرصاص بعد وصولهم. بالإضافة إلى ذلك، لم تعتقل القوّات أيّ مستوطن، رغم مشاركة أكثر من مائة مستوطن في الهجوم. لكن بعد نحو أسبوع على ذلك اعتقل عدد من المستوطنين المشتبه بمشاركتهم في الهجوم. ثمّ تمّ إطلاق سراح قسم منهم وصدرت أوامر اعتقال إداريّة بحقّ آخرين، وذلك بعد فشل السلطات الإسرائيليّة أيضًا في جمع أدلّة تتيح محاكمتهم.

الصورة
سيارات ابراهيم السدة التي أحرقها المستوطنون. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 19.10.24
سيارات ابراهيم السدة التي أحرقها المستوطنون. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 19.10.24

وخلافًا لردّ ضبّاط الجيش الذين حاولوا عرض الحادث والفشل المتمثّل في منع حدوثه وكأنه حالة استثنائيّة، تُبيِّن المتابعة المتواصلة التي تجريها بتسيلم أنّ المستوطنين يعملون في خدمة الدولة وكمبعوثين من قبَلها. لقد أصبحت هجمات المستوطنين منذ فترة طويلة، وخصوصًا بعد اندلاع الحرب في قطاع غزّة، مسألة روتينيّة، وأدّت بالفعل إلى مقتل وجرح فلسطينيّين، وحتّى إلى ترحيل تجمّعات بأكملها عن أماكن وجودها، جرّاء الخوف من العنف الشديد. تجري ممارسة هذا العنف من قبل مبعوثي الدولة، الذين غالبًا ما يكونون مزوّدين، كما في هذه الحالة، بالأسلحة والمعدّات العسكريّة، بل ويقوم بمرافقتهم وحمايتهم جنود إسرائيليّون. العنف هو إحدى الطرق التي ينتهجها نظام الأبارتهايد الإسرائيليّ لممارسة إرهابه على رعاياه الفلسطينيّين، ولسلبهم أبسط حقوقهم ومحاولة تجريدهم من ممتلكاتهم وأراضيهم.

خلفيّة

يقطن قرية جيت الأثريّة الواقعة في محافظة قلقيلية نحو 2,500 نسمة. في عام 1977 أقيمت إلى الغرب منها مستوطنة "كدوميم"، وفي عام 2002 أقيمت في الجهة الجنوبيّة- الشرقيّة منها البؤرة الاستيطانيّة "حفات جلعاد"، وأغلبها على أراضي القرية. واليوم، يمنع الجيش والمستوطنون السكّان من الوصول إلى نحو 2,660 دونمًا من أراضيهم. يمتدّ جزء كبير من هذه الأراضي بين البؤرة الاستيطانيّة والقرية، ومن خلالها وصل المستوطنون إلى القرية ليلة الهجوم المذكور أعلاه.

جمع باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السعدي إفادات من سكّان القرية، وفيما يلي بعضها:

حسن السدّة (27 عامًا) قال في إفادته التي أدلى بها في 17.8.24:

في يوم الخميس الموافق 15.8.24، قرابة الساعة 19:30، كنتُ في منزلي وسط القرية مع رشيد السدّة، أحد أقاربي.

رأيتُ في وسائل التواصل الاجتماعيّ أنّ مستوطنين يضرمون النار في بساتين الزيتون في منطقة البيّاضة، في أراضي القرية الواقعة في طرفها الجنوبيّ- الشرقيّ. نظرتُ شرقًا فرأيتُ بالفعل دخانًا يتصاعد من بين الأشجار، ومن المركبات والمنازل التي أحرقها المستوطنون الإسرائيليّون.

في الساعة 19:50 تقريبًا خرجتُ أنا ورشيد من المنزل إلى منطقة البيّاضة، وعندما وصلنا إلى هناك رأينا أنّ المستوطنين قد أحرقوا ثلاث مركبات ومنزلًا: مركبة محمّد عرمان ومركبتين للدكتور إبراهيم السدّة ومنزل هاني موسى عرمان. كان هناك العشرات من المستوطنين المسلّحين والملثّمين الذين يرتدون ملابس سوداء، وكان بعضهم يرتدي قمصانًا على ظهورها شعار أبيض فيه رسم نسر. كما كان بعضهم يحمل مسدّسات وآخرون يحملون سلاحًا طويلًا من طراز M-16.

نحو الساعة 20:30 بعد حلول الظلام كنّا بعض الشبّان هناك واقتربت منّا مجموعة كبيرة من المستوطنين، جميعهم ملثمون ومسلّحون. وكان أحدهم، والذي كان موجودًا بين أشجار الزيتون على مسافة 20-30 مترًا عنّا، يحمل سلاحًا مزوّدًا بمنظار ليزر. رأيتُه يطلق النار فاختبأتُ مع رشيد خلف كومة من الطوب. فجأةً رأيتُ رشيد، الذي كان على بُعد متر واحد عنّي، يسقط على الأرض بجانبي. فهمتُ أنّه أصيب.

وبينما كان المستوطنون يحاولون التقدّم نحونا، قمتُ أنا وشبّان آخرون بحمل رشيد واقتدناه إلى منزل مجاور، وهناك فحصتُ مكان إصابته. رأيتُ ثقب رصاصة في خاصرته اليُمنى، وكان ينزف بكثافة. فحصتُ نبضه ولم ألاحظ أيّ علامات حياة.

نقلنا رشيد بسيّارة خاصّة إلى المدخل الغربيّ من القرية، ومن هناك نقلتنا سيّارة إسعاف فلسطينيّة إلى مستشفى رفيديا في مدينة نابلس. حاول الأطبّاء إنعاشه، إلّا أنّه فارق الحياة متأثّرًا بالرصاصة التي أطلقها المستوطنون. قيل لي إنّه بعد ساعة من خروجنا من القرية وصلت قوّات من جيش الاحتلال، فيما كان المستوطنون لا يزالون يثيرون القلاقل ويحرقون الممتلكات.

علمتُ بأنّ النيابة العامّة الفلسطينيّة أجرت تشريحًا لجثّة رشيد في معهد الطبّ الشرعيّ في جامعة النجاح في نابلس لتحديد طبيعة الإصابة وسبب الوفاة.

صهيب باسم (30 عامًا)، أب لطفلين، قال في إفادته التي أدلى بها في 25.8.24:

في 15.8.24، قرابة الساعة 19:30، كنتُ في حانوتي في وسط قرية جيت عندما أبلغني أحد الأصدقاء بوجود عدد كبير من المستوطنين الذين يهاجمون المنازل والممتلكات في شرق القرية وجنوبها. وقال إنّ المستوطنين جاءوا من اتّجاه "حفات جلعاد".

أغلقتُ الحانوت على الفور وتوجّهتُ إلى الجهة الجنوبيّة من القرية، باتّجاه منازل عائلة عرمان. رأيتُ هناك عشرات المستوطنين الذين يرتدون ملابس سوداء ويضعون أقنعة سوداء على وجوههم. رأيتُهم يحرقون سيّارة جديدة لشابّ اسمه محمّد رباح عرمان كانت تقف قرب المنزل ويحاولون اقتحام المنزل أيضًا.

قرّرتُ أنا وشبّان آخرون الخروج للدفاع عن المنازل في المنطقة، لأنّني رأيتُ المستوطنين منتشرين في عدّة مواقع. كنتُ بجوار منزل عائلة الساخن سويّةً مع بعض الشبّان الآخرين، من بينهم شابّ يدعى رشيد السدّة. وكان على بُعد 20-30 مترًا عنّا عشرات المستوطنين الملثّمين، بين أشجار الزيتون، وكان بعضهم مسلّحين ببنادق وبعضهم بمسدّسات.

نشبت مواجهات تخلّلها تراشق متبادل بالحجارة. حاولنا إبعاد المستوطنين عن المنازل ومنع المساس بالممتلكات. قام أحد المستوطنين، والذي كان يحمل بندقيّة M-16، بإطلاق النار علينا عدّة مرّات، فاختبأنا وراء كومة من الطوب لحماية أنفسنا.

في مرحلة معيّنة تمكّن المستوطنون من الاقتراب من منزل عائلة الساخن وحاولوا إضرام النار في البوّابة. ولحسن الحظّ أنّ البوّابة لم تشتعل لأنّها مصنوعة من الحديد. في تلك اللحظات أطلق أحد المستوطنين النار علينا عن بُعد نحو 30 مترًا، فأصاب رشيد السدّة، الذي انهار وسقط على الأرض.

نقلنا أنا وشبّان آخرون رشيد إلى أحد المنازل، ومن هناك بالسيّارة حتّى مدخل القرية حيث كانت تنتظره سيّارة إسعاف نقلته إلى مستشفى رفيديا في نابلس. سافرتُ أنا وأشخاص آخرون إلى هناك أيضًا، وعندما مررنا بمدخل القرية شاهدنا هناك سيّارات جيب عسكريّة. في المستشفى أقرّ الأطبّاء وفاة رشيد. وعلمتُ لاحقًا بأنّ شابًّا آخر أصيب قبل رشيد وتمكّن من السير بمفرده باتّجاه المنازل ثمّ تمّ نقله من هناك.

معاوية علي (37 عامًا)، أب لخمسة، قال في إفادته التي أدلى بها في 25.8.24:

قرابة الساعة 19:30 كنتُ أنا وزوجتي وأطفالنا الخمسة - أبناء سنتين حتّى 12 عامًا - في المنزل الذي نستأجره في الحيّ الجنوبيّ- الشرقيّ من القرية. فجأةً رأيتُ حشودًا من المستوطنين بملابس وأقنعة سوداء يأتون من اتّجاه البؤرة الاستيطانيّة "حفات جلعاد". كانوا على بُعد نحو مائة متر عن المنزل وقد أخافني ذلك كثيرًا. كنتُ خائفًا بشكل أساسيّ على الأطفال وعلى زوجتي.

رتّبنا أمورنا بسرعة وخرجنا من المنزل. ركبنا سيّارتنا التي كانت متوقّفة أمام المنزل وغادرنا قبل أن يصل المستوطنون إلينا. وحالما هربنا كانوا على بُعد 20-30 مترًا عن المنزل. زوجتي وأطفالي كانوا مرعوبين جدًّا.

سافرنا إلى منزل آخر لنا في وسط القرية، أنزلت زوجتي وأطفالي هناك ثمّ عدتُ لحماية المنزل وبقيّة ممتلكاتنا. عندما وصلتُ إلى الحيّ رأيتُ عشرات المستوطنين، بل أعتقد أنّهم كانوا أكثر من مائة.

قامت إحدى المجموعات بإحراق سيّارة محمّد عرمان التي كانت مركونة بجوار جدار منزله الذي يبعد عن منزلي نحو 70 مترًا. وهاجمت مجموعة أخرى منزلي. لم أتمكّن من الوصول إلى المنزل بسبب انتشار المستوطنين في المنطقة ومهاجمتهم المنازل. في تلك اللحظات بدأ سكّان من القرية بالوصول للدفاع عن المنازل، ونشبت مواجهات بين الشبّان والمستوطنين تخلّلها رشق حجارة.

خلال المواجهات رأيتُ أحد المستوطنين يضع يديه على جدار منزلي ومستوطنًا آخر يتسلّق على كتفيه للوصول إلى نافذة المنزل. رأيتُه يقتلع الشبكة الحديديّة التي تحمي نافذة غرفة الاستقبال. بعد ذلك سكب سائلًا قابلًا للاشتعال إلى داخل المنزل وأشعل النار فيه. بدأت ألسنة اللهب تتصاعد من داخل المنزل، وخصوصًا من غرفة الاستقبال والمطبخ.

كان قرب المنزل عدد كبير من المستوطنين، وكانوا مسلّحين بأسلحة ناريّة. لم نتمكّن أنا والشبان الآخرون الذين أتوا من القرية من الاقتراب منه. وسمعتُ أيضًا طلقات ناريّة قادمة من شمال المكان الذي كنّا فيه.

في تلك المرحلة أحضر الشبّان الشابّ رشيد السدّة الذي أصيب برصاص المستوطنين. رافقتُه أنا بالسيّارة المحلّيّة التي أقلّته حتّى مدخل القرية. في الطريق لم يتحرّك على الإطلاق وشعرتُ بأنّه كان يحتضر. نقلته سيّارة إسعاف كانت تنتظر عند مدخل القرية إلى مستشفى رفيديا حيث أقرّ الأطبّاء وفاته.

محاسن عرمان (64 عامًا)، أمّ لأربعة، قالت في الإفادة التي أدلت بها في 18.8.24:

في مساء يوم الخميس الموافق 15.8.24، قرابة الساعة 19:30، كنتُ في المنزل مع زوجي هاني وكنّتي فدوى، زوجة ابني عبد الله، وطفلها الصغير إيان (6 أشهر). يقع منزلنا على أطراف الحيّ الشرقي في قرية جيت.

نظرتُ بالصدفة إلى الشاشة الموصولة بكاميرات الحراسة التي ركّبناها على سطح منزلنا، فرأيتُ نارًا تشتعل في السيّارات المجاورة لمنزل الدكتور إبراهيم السدّة، جارنا الذي يسكن قبالتنا. صعدتُ إلى سطح منزلنا وذهلتُ عندما رأيتُ مستوطنين في الخارج يشعلون النار في سيّاراته.

الصورة
نمحاسن عرمان بجانب المفروشات المحروقة على شرفتها. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 19.10.24
نمحاسن عرمان بجانب المفروشات المحروقة على شرفتها. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 19.10.24

بدأتُ أصرخ للجيران لكي يخرجوا ويحاولوا إطفاء النار، لكنّني أدركتُ بعد ذلك أنّه بسبب وجود كلّ المستوطنين في الخارج، لن يستطيعوا الخروج أو لن يجرؤوا على ذلك. نزلتُ عن السطح ورجعتُ إلى الداخل. تابعنا عبر شاشات كاميرات الحراسة ما يحدث في الخارج، وشاهدنا عشرات المستوطنين يهاجمون المنازل ويحاولون إحراقها. وبعد بضع دقائق حضر شبّان من اتّجاه وسط القرية، لحماية منازل الحيّ وإبعاد المستوطنين ونشبت مواجهات تبادل خلالها الطرفان رشق الحجارة.

رأيتُ المستوطنين يتقدّمون نحو مدخل منزلنا، ثمّ قام أحدهم بسكب سائل على الأرائك الموجودة في شرفتنا، وقام مستوطن آخر بإضرام النار فيها. التهمت النيران أريكة وعربة أطفال كانتا على الشرفة. كما ألقى المستوطنون حجارة على نوافذ المنزل، لكنها كانت محميّة بشبكة حديديّة، لحسن الحظّ. كما سكب المستوطنون أيضًا سوائل قابلة للاشتعال على باب المدخل وعلى النوافذ وأضرموا النار فيها، لكن لأنّها كانت مغلقة لم تمتدّ النيران إلى داخل المنزل. شعرنا بالرعب والخوف الشديدين. وكانت زوجة ابني وطفلها يصرخان ويبكيان.

بعد نحو ساعة من بدء الهجوم، وبعدما كانت ألسنة اللهب قد انطفأت على الشرفة، وصلت قوّات عسكرية وأطلقت النار في الهواء واستخدمت قنابل الغاز، وعندها فقط ابتعد المستوطنون عن المنزل.

محمّد رباح عرمان (26 عامًا)، قال في الإفادة التي أدلى بها في 17.8.24:

الصورة
محمد عرمان بعد اعتداء المستوطنين عليه. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم
محمد عرمان بعد اعتداء المستوطنين عليه. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم

أنا أسكن في منزل عائلتي الذي يقع في الجهة الجنوبيّة- الشرقيّة من قرية جيت. في يوم الخميس الموافق 15.8.24، قرابة الساعة 19:30، سمعتُ جارنا يصرخ: "المستوطنون يهاجمون! المستوطنون يهاجمون!". بعد ذلك بدأتُ أرى مجموعات من المستوطنين تتقدّم نحو منزلنا. كانوا يرتدون الأسود، وكانوا مسلّحين، وغطّى جميعهم وجوههم بقطع قماش سوداء. خرج أخي على الفور لمحاولة صدّهم. رأيتُ من النافذة أنّ بعض المستوطنين بدأوا برشق الحجارة على سيّارتي التي اشتريتُها قبل بضعة أشهر فقط. حطّموا زجاج نوافذها وسكبوا سائلًا في داخل السيّارة وعلى هيكلها وأشعلوا النار فيها. قام أخي برشقهم بالحجارة، وتصدّى لهم عندما دخلوا إلى ساحة المنزل. اعتدوا عليه بالعصيّ وركلوه، لكنّه تمكّن من الإفلات منهم والاختباء خلف بوّابة الساحة.

خرجتُ إلى الساحة فأخذ المستوطنون يرشقونني بالحجارة. أصاب حجر شفتي ونزفتُ دمًا. بعد دقائق قليلة غادر المستوطنون المنزل. في الوقت نفسه رأيتُ مجموعات أخرى من المستوطنين تتقدّم نحو المنازل المقابلة لمنزلنا.