أصواتٌ من غزّة

حسناء أبو حسنة

(42 عاماً)، أمّ لسنّة، من سكّان بلدة جباليا في شمال قطاع غزة، روت كيف أصيبت بالرّصاص عندما خرجت من منزلها بحثاً عن طعام وعمّا لاقت من معاناة إلى حين خروجها للعلاج في مصر

عندما اندلعت الحرب بقينا جميعاً في منزلنا في شارع غزة القديم في جباليا، حيث أقيم مع زوجي وأولادنا الستّة: براء (20 عاماً) ونغم (18 عاماً) وملك (15 عاماً) وحلا (12 عاماً) ورهف (9 سنوات) ومحمد (6 سنوات). تعرّضت المنطقة لقصف شديد ولكن لم يكن لدينا مكان نذهب إليه، وكنّا قد فهمنا أنّه لا يوجد في غزّة مكان آمن، خلافاً لمزاعم الجيش.

كان الوضع في شمال قطاع غزّة خطيراً جدّاً، خاصّة في جباليا، حيث إضافة إلى القصف كانت مدافع الدّبابات تطلق القذائف، وعانينا كثيراً جرّاء انقطاع الكهرباء وقلّة المياه والطعام. مرّت علينا أيّام صعبة جدّاً.

كنّا نمضي جزءاً من الوقت في منزل والديّ الملاصق لمنزلنا. وُجودنا سويّة كان يخفّف من وطأة الرّعب.

بعد أن انتهت فترة الهُدنة أصبح الوضع في شمال القطاع أسوأ بكثير. لم يكن هناك طعام، والحصول على الطحين وغاز الطبخ صار مستحيلًا. وحتى عندما توفّر في الحوانيت شيء ما، كان يُباع بأسعار باهظة. كيس الطحين زنة 25 كغم بيع بأكثر من 1,000 ش.ج.

كنّا جائعين واضطررنا لقطع مسافات طويلة فقط من أجل البحث عن الطعام. وأحياناً كان يستحيل الخروج من المنزل أصلاً، بسبب القصف الكثيف.

الكثير من سكّان منطقتنا نزحوا عن منازلهم. في شهر كانون الأوّل اجتاحت الدبّابات شارعنا. كان الأمر مخيفاً جدّاً، وتقريباً لم نكن نخرج من المنزل. شعرنا أنّنا على وشك الموت في كلّ لحظة. تجمّعنا 100 شخص في منزل واحد - أفراد العائلة الموسّعة والجيران.

صار القصف الجوي والمدفعي قريباً جدّاً إلينا، وكان قنّاصة ينتشرون على الأسطح. كانت الجثث ملقاة في الشوارع. كنّا جائعين جدّاً، نخلط القليل الذي تبقّى من طحين القمح مع الشعير ونخبز على موقدة.

ذات يوم، في نهاية كانون الأوّل 2023، عندما اشتدّ علينا الجوع وبتنا لا نسمع صوت القصف قرّرت وشقيقتي محاسن (50 عاماً) أن نخرج لنبحث عن طحين، رغم المخاطر. ظننّا انّ الجيش قد انسحب من الشارع والحيّ. كذلك أمِلنا ألّا يُطلقوا علينا النار لأنّنا نساء.

خرجنا من المنزل وتقدّمنا سيراً على الأقدام نحو مائة متر. التقينا شابّاً فسألناه عن الوضع وقال إنّ الوضع هادئ. ولكن ما أن استأنفنا السّير وبالكاد خطونا خطوتين، وإذ بنيران تطلق علينا من سطح المنزل المقابل لمنزلنا. هربت محاسن والشابّ أمّا أنا فقد وقعت أرضاً. أخذت محاسن تصرخ. سمعت الشابّ يقول لها عنّي "لقد استُشهدت"، ولكن محاسن ركضت نحوي رغم استمرار إطلاق النار نحونا. طلبت منها أن ترجع إلى المنزل لأنّني على وشك الموت. رجوتها ألا تقترب منّي كيلا تُصاب هي الأخرى، لكنّها أصرّت. ألقت بنفسها فوقي، وكنت أقول لها إنّني على وشك الموت.

رآنا الجيران وأخذوا ينادون محاسن ويطلبون منها أن ترجع، لكنّها لم ترضَ أن تعود بدوني. حاولت أن تجرّني من هناك لكنّها لم تتمكّن من ذلك، وأنا كنت لا أقدر على الحراك. أحسست أنّني مشلولة. لاحقاً علمت أنّ رصاصة أصابتني في العُنق وأخرى في الظهر. حاولت محاسن مراراً أن تجرّني. بعد مضيّ نصف ساعة جاءت ابنتي ملك ترفع راية بيضاء، وحاولت هي أيضاً حمايتي بجسمها. من بعدها جاءت فاطمة ابنة عمّي (42 عاماً)، وكانت ترفع راية بيضاء هي أيضاً.

في هذه المرحلة فقدت الوعي، وعندما استيقظت وجدت نفسي في منزلنا. جلبت سلفتي - وكانت قد تعلّمت دورة إسعاف أوّلي - ضمادة بيضاء كبيرة وضمّدت الجُرح الذي في ظهري بإحكام، لكي توقف النزيف. لم تكن اتصالات ولا سيّارات إسعاف. كانت تلك أقسى ليلة مرّت عليّ في حياتي. كنت خائفة جدّاً وأعاني أوجاعاً شديدة. الجميع كانوا حولي - زوجي وأولادي والأقارب. جميعنا قضينا تلك الليلة في الغرفة نفسها.

بقيت على هذه الحال حتى اليوم التالي. وحين قرّرنا أن نحاول الوصول إلى المستشفى خرجت محاسن مع راية بيضاء لكي تبحث عن عربة يجرّها حصان أو حمار. حين عادت في العربة حمّلوني عليها وتوجّهنا إلى مستشفى العودة في مخيّم جباليا للّاجئين. في المستشفى أجريت لي صور أشعّة وقال الطبيب إنّني أصبت بشلل دائم ولا يوجد علاج لحالتي.

انتابتني الصّدمة ثمّ أخذت أصرخ. خرجت محاسن لتجلب سيّارة إسعاف من أجل نقلي إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزّة، ولكن قالوا لها إنّه لا يوجد سولار لسيّارات الإسعاف. خرجنا من نطاق المستشفى وعثرت شقيقتي على عربة يجرّها حمار أقلّتنا إلى منزل شقيقتنا أحلام (54 عاماً) في مخيّم جباليا للّاجئين، وبتنا تلك اللّيلة عندها. كان وضعي سيّئاً حقّاً. لم أحسّ بشيء في جسمي.

في الصّباح جلبت شقيقتي مرّة أخرى عربة يجرّها حمار أقلّتنا إلى مستشفى الشفاء. هناك أيضاً قالوا إنّني مُصابة بشلل. رقدت قيد العلاج هناك أكثر من شهر، من 29.12.23 حتى 8.2.24. كلّ ما فعله الأطبّاء والممرّضون هو تغيير الضمادات. لم يجروا لي عمليّة ولم يعطوني أدوية. طوال هذه المدّة بقيت محاسن إلى جانبي. كنت أعاني آلاماً شديدة في كلّ جسمي، وقد تلقّيت القليل من المسكّنات لأنّها لم تكن متوفّرة كثيراً. الطعام والماء أيضاً كانا قليلين، وأنا أصلاً كنت فاقدة للشهيّة ومتعبة جدّاً من المعاناة والأوجاع ومن وضعي.

عندما كنت في مستشفى الشفاء طوّق الجيش المستشفى ثمّ اجتاحه. لم يكن هناك خبز أو ماء. فقط بعد مضيّ نحو عشرة أيّام جاءت سيّارة تحمل الماء إلى المدخل الخلفيّ للمستشفى. ذهبت محاسن وجلبت لنا ماء.

طيلة تلك الفترة كلّها ظلّت محاسن تسعى لنقلي للعلاج في مصر، وفي النهاية نجحت في الحصول على الموافقة. أخذوني في سيّارة إسعاف من المستشفى إلى رفح، وقد رافقتني محاسن. عندما وصلنا إلى حاجز "نتسريم" في وسط القطاع أخّرنا الجنود نحو 5 ساعات. فتّشونا وصوّرونا وأخذوا بطاقات هويّاتنا ثمّ أعادوها إلينا.

في نهاية المطاف عبرنا الحاجز بسلام وواصلنا السّفر إلى رفح. هناك رقدت قيد العلاج في المستشفى الميدانيّ الأمريكي من 8.2.24 حتى 8.4.24، لأنّ تنسيق الخروج من القطاع استغرق وقتاً طويلاً.

في المستشفى الأمريكي كنت أتلقّى المسكّنات والعلاج الطبيعي (فيزيوترابيا). أخذت أحسّ بجسمي وتمكّنت من تحريك رجليّ. لكنّني كنت طوال الوقت مستلقية على ظهري وحالتي النفسيّة صعبة جدّاً. كنت أبكي ليلاً ونهاراً. شعرت بأنّني لن أقدر على المشي بعد الآن.

خرجت مع محاسن من قطاع غزّة في 8.4.24, والآن أنا موجودة في مصر ولكنّهم لم يجروا لي عمليّة جراحيّة بعدُ ولم أتلقّ أيّ علاج. من الضروري أن تُجرى لي عمليّة لإخراج الرّصاص الذي ما زال داخل جسمي، في عُنقي والفقرة 7 في ظهري. منذ شهر كانون الأوّل أنا ملقاة في السّرير على ظهري وقد بدأت أعاني من تقرّحات في ظهري. كذلك أعاني من إسهال وأحياناً إمساك.

أتمنّى أن يجروا لي عمليّة جراحيّة في القريب العاجل، وأن أستعيد قدرتي على المشي. أريد أن أعود إلى غزّة لأكون مع زوجي وأولادي الذي بقوا في الشمال. هُم بعيدون عنّي وقلبي يتألّم من أجلهم. تسود هناك مجاعة والقصف مستمرّ طوال الوقت. أنا خائفة عليهم.

* هذه الإفادة سجّلتها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 14.4.24