أصواتٌ من غزّة

نضال شرف

الصورة
האני שרף במחנה העקורים בח'אן יונס. צילום: אולפת אל-כורד, 7.1.24

31 عاماً، أب لأربعة، من سكّان حيّ الرّمال في مدينة غزّة. تحدّث في إفادته عن فقدان زوجته وثلاثة من أولاده جرّاء القصف، وعن ابنه الذي نجا لكنّه أصيب بحروق شديدة:

كنت أقيم مع زوجتي، عبير الحلبي (27 عاماً)، وأولادنا الأربعة: هاني (8 سنوات) ومحمد (5 سنوات) ومهنّد (3 سنوات) وإيلين (سنة وثمانية أشهر)، في شقّة في الطابق الخامس من بناية في شارع اليرموك، في حيّ الرّمال في مدينة غزّة. أمّا الآن فنحن هنا في مخيّم المهجّرين في مركز التدريب الصّناعي التابع لوكالة الغوث في خان يونس.

أعمل ممرّضاً، وفي اليومين الأوّلين للحرب بقينا في شقّتنا وواصلتُ عملي في مستشفى الوفاء لأمراض الشيخوخة. ولكن منذ 8.10.23 حصل قصف قرب بنايتنا فتحطّم زجاج النوافذ عندنا وتطايرت شظايا الزجاج على زوجتي والأولاد. قبل أن أعود من العمل كانت زوجتي قد انتقلت مع الأولاد ومع أخي وأسرته إلى منزل والديّ في شارع الجلاء في مدينة غزّة. عندما أنهيت عملي انضممت إليهم. بقينا هناك ليلة واحدة ثمّ حين وقع هناك أيضاً قصف شديد انتقلنا إلى منزل عمّي في شارع اللّبابيدي. لكنّ القصف لاحقنا حتى إلى هناك فانتقلنا في اليوم التالي إلى منزل أقارب آخرين، وفي اليوم الذي تلاهُ إلى منزل آخر لأقارب لنا.

في 11.10.23 ذهبنا إلى خان يونس. وصلنا إلى مخيّم النازحين في مركز التدريب الصّناعيّ التابع لوكالة الغوث، لكنّ الوضع هناك كان مروّعاً وبعد أربعة أيّام عُدنا إلى مدينة غزّة. ذهبنا إلى شقّة والديّ زوجتي، في الطابق الثاني من بناية مؤلّفة من ثلاثة طوابق في غرب حيّ الرّمال. حشرنا أنفسنا هناك مع أناس كثيرين: والديّ وإخوتي وعائلة زوجتي، نحو 18 شخصاً. كان القصف مكثفاً في المنطقة.

في 18.10.23 خرج والدي ليشتري أغراضاً وخرجت أنا أيضاً مع هاني لأشتري له "تشيبْس". بالضّبط عندما عُدنا ووصلنا إلى مدخل المنزل حصل قصف شديد. أمسكت بيد هاني لكنّ ذلك لم ينفع إذ دفعه ضغط الانفجار فطار وحطّ داخل نيران اشتعلت بفعل الانفجار، ووقعت أنا أرضاً. نهضت وأخذت أصرخ وأبحث عنه لكنّني لم أرَ شيئاً بسبب الدّخان الكثيف الذي كان هناك. في النهاية وجدته فاحتضنته وتمكّنا من الخروج. في القصف نفسه قُتلت زوجتي وبقيّة أولادنا، محمد ومهند وإيلين، وقُتل معهم 26 شخصاً آخرون.

عندما خرجنا من المنزل كنّا مصدومين. أصيب هاني بحروق في وجهه ويديه وكان وجهُه أسود. تفقّدت بقيّة أنحاء جسمه لكي أرى ما إذا كانت لديه إصابات أخرى. والدتي، وداد الحلبي (53 عاماً) أصيبت بجروح بالغة في يدها اليسرى وتقطّعت لديها أوعية دمويّة. عثرت على سيّارة خاصّة أقلّتنا إلى مستشفى الشفاء. عندما وصلنا إلى هناك تركت هاني مع ممرّض أعرفه ورافقت والدتي إذ كانت حالتها صعبة. في تلك الأثناء جاء شققي سليم إلى المستشفى فتركت والدتي معه وعُدت إلى هاني، وكانوا قد أدخلوه إلى قسم الحروق.

دهنوا لهاني مرهماً لتسكين الآلام وضدّ الالتهاب. بعد مضيّ ساعة تمّ تسريحنا من المستشفى، لكنّهم أبقوا والدتي لمدّة أربعة أيّام أخرى بسبب جراحها ولأنّها تعاني من ارتفاع ضغط الدّم والسكّري. منذ ذلك الحين يُصاب هاني بهلع هستيريّ عندما يسمع صوت الطائرات لأنّه يعتقد أنّها سوف تقصفنا مرّة أخرى. جسمُه كلّه يرتعد. يقول ويكرّر "لا أريد أن أموت!" ويتوسّل أن ننتقل إلى خان يونس.

وفعلاً، في يوم الإثنين الموافق 22.10.23 انتقلنا جنوباً مع أفراد آخرين من العائلة. وصلنا مجدّداً إلى مخيّم المهجّرين في مركز التدريب الصّناعي التابع لوكالة الغوث في خان يونس. الآن نحن هنا 12 شخصاً من العائلة، وقد نصبنا خيمة واحدة لنا جميعاً. ولأنّني ممرّض أستطيع معالجة حروق هاني - بالمراهم والمحلول والتضميد. هذا كلّ ما يتوفّر هنا. لا توجد معدات طبيّة حقّاً.

حروق هاني من الدّرجة الثانية والثالثة، وهو يعاني من أوجاع وحالته النفسيّة صعبة. لديه مخاوف وهو عصبيّ ويبكي كثيراً وتنتابه كوابيس. يبول في ملابسه في اللّيل، وهو يخجل من الأولاد الآخرين لأنّه يضطر إلى وضع الحفاضات. أصبح منطوياً على نفسه ويمضي كثيراً من الوقت جالساً وهو شارد الذهن. أحاول أن أتحدّث معه لكنّه لا يُجيب. الأولاد يخافون منه لأنّ وجهه محروق، ولذلك لا يخرج للّعب معهم. لا يُريد الخروج من الخيمة إطلاقاً.

* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 7.1.24.