مضايقات

قوّات الجيش تعرقل طيلة ما يقارب 40 يومًا حياة سكّان قرية كفر الدّيك (6500 نسمة)

الصورة

 

في 11.8.2017 أغلق الجيش أمام السيّارات بوّابة كان قد نصبها قبل ستّ سنوات عند المدخل الرئيسيّ لقرية كفر الديك، الواقعة إلى الغرب من مدينة سلفيت. أبلغ المجلس القروي بتسيلم أنّ مديريّة التنسيق والارتباط الإسرائيلية برّرت الإغلاق بحجّة أنّ شبّان القرية يقذفون أجسامًا مشبوهة وزجاجات حارقة نحو شارع 446 الذي يستخدمه المستوطنون. يبلغ تعداد سكّان القرية نحو 6500 نسمة، بينهم ما يقارب 200 شخص يعملون في المستوطنات الواقعة إلى الشمال من القرية، وخاصة مستوطنات "ايلي زهاف" و"بدوئيل" و"بروخين"؛ إضافة إلى نحو 500 شخص يعملون موظّفي حكومة في رام الله.

لقرية كفر الديك أربع مداخل: المدخل الرئيسي، الذي جرى إغلاقه، يقع شمال غرب القرية، والطريق الممتدّة من هناك تؤدّي إلى شارع 446 - شارع معبّد وسريع. على بُعد نحو كيلومترَين اثنين من هذا المدخل نصب الجيش بوّابة عسكريّة قبل ستّ سنوات. المدخل الثاني الواقع شمال شرق القرية، يؤدّي إلى طريق تمرّ من قرية بروقين، ويشكّل بديلاً أساسيًّا. المدخلان الأخيران يقع أحدهما جنوبيّ القرية، ويؤدّي إلى قرية دير غسانة وقرى أخرى؛ ويقع ثانيهما شرقيّ القرية، ويؤدّي هو أيضًا إلى قرية بروقين، في طريق ضيّقة ووعريّة يكاد لا يستخدمها أحد. إغلاق البوّابة أجبر السكّان على السفر تسعة كيلومترات إضافيّة إذ اضطرّوا إلى سلوك الطريق البديلة الضيّقة المؤدّية إلى بروقين والمارّة بين بيوت القرية. من جهة أخرى، اضطرّ العمّال المائتان العاملون في المستوطنات الواقعة شمال غرب القرية إلى الوصول إلى أعمالهم مشيًا، بعد إيقاف سيّاراتهم قرب البوّابة المغلقة - وتبعد 1،5 كم عن مكان عملهم؛ وإذا أرادوا تجنّب المشي فعليهم السفر في طريق أطول، الأمر الذي يرتبط بتحمّل نفقات أكبر، سواء لصرف كميات أكبر من الوقود (لمن يملكون سيّارات)، أو مقابل السفر في سيارة عمومية (لمن لا يملكون السيّارات).

في 7.9.2017 فتح الجيش البوّابة، ولكنّه عاد وأغلقها في اليوم التالي دون أن يشرح للسكّان أسباب ذلك. في 21.9.2017 فتح الجيش البوّابة، وأيضًا في هذه المرّة دون تقديم أيّ تفسير للسكّان. منذ ذلك الحين بقيت البوّابة مفتوحة.

طيلة أربعين يومًا شوّش الجيش وعرقل بسهولة لا يحتملها العقل حياة آلاف الأشخاص، دون أن توجّه إليهم حتّى شبهة ارتكاب بما يستدعي ذلك. هذا العقاب الجماعيّ هو جزء من سياسة الجيش، إذ يستخدم قوّته للتجبّر في حياة السكّان على نحوٍ لا مبرّر قانونيّ له ولا أخلاقيّ.

البوابة التي أغلقها الجيش عند مدخل قرية كفر الديك. تصوير: عبد الكريم السعدي، بتسيلم، 28.9.17.
البوابة التي أغلقها الجيش عند مدخل قرية كفر الديك. تصوير: عبد الكريم السعدي، بتسيلم، 28.9.17.

في الإفادات التي قدّمها سكّان من القرية لباحث بتسيلم الميداني، عبد الكريم السعدي، وصفوا كيف تعرقلت حياتهم بفعل إغلاق البوّابة.

 

أحد سكّان القرية، عنان علي أحمد (24 عامًا، متزوّج) ويعمل في محددة في مستوطنة "ايلي زهاف"، وصف في إفادة قدّمها بتاريخ 13.9.2017 المشاقّ التي يواجهها في الوصول إلى مكان عمله وفي العودة منه:

قبل سنة تقريبًا ابتدأت العمل في محددة في المنطقة الصناعية التابعة لمستوطنة ا"يلي زهاف". في العادة، أصل إلى عملي وأعود منه مع أربعة عمّال آخرين، حيث نسافر في سيارة عمومية، ويكلّفنا ذلك خمسة شواقل للشخص الواحد.

قبل شهر أغلق الجيش بوّابة الحديد المنصوبة على الشارع المؤدّي إلى مكان عملنا. منذ ذلك الحين يضطرّ سائق التاكسي إلى سلوك طريق بديلة تمرّ بقرية بروقين المجاورة، ومن هناك يتابع إلى الشارع الالتفافي المؤدّي إلى مستوطنتَي "ايلي زهاف" و"بدوئيل".

هذا الالتفاف رفع تكلفة سفرنا، إذ ابتدأ السائق يطلب منّا 15 ش.ج. للشخص للاتجاه الواحد، أي ثلاثة أضعاف السعر العادي. إضافة إلى ذلك، نحن نضطرّ إلى الخروج من بيوتنا في وقت أبكر من العادة لكي نصل إلى عملنا دون تأخير؛ ونحن "لا ينقصنا" فحتّى في الأيّام العاديّة نعمل من السابعة صباحًا إلى السابعة مساءًا.

طيلة ثلاثة أسابيع تحمّلنا خلالها السفر بالتكلفة العالية، قرّرنا - أنا وزملائي العمّال - أن نسافر كلّ يوم في سيّارة خاصّة الى مدخل القرية، حيث البوّابة المغلقة، وأن نتابع من هناك مشيًا على الأقدام وصولاً إلى مكان عملنا، وهكذا في طريق العودة. أتحدّث عن مشي مسافة كيلو متر ونصف تقريبًا.

أحمد علي أحمد بالقرب من سيارته العمومية. تصوير: عبد الكريم السعدي، بتسيلم، 28.9.17.
أحمد علي أحمد بالقرب من سيارته العمومية. تصوير: عبد الكريم السعدي، بتسيلم، 28.9.17.

شابّ آخر من سكّان القرية، أحمد علي أحمد (30 عامًا، أعزب) ويعمل سائق سيارة اجرة عمومية في كفر الدّيك ومنطقة سلفيت، حدّث في إفادة قدّمها بتاريخ 28.8.2017 كما يلي:

الشارع الشمالي الغربي هو شريان المواصلات الرئيس والهامّ بين كفر الديك وقرى غرب محافظة سلفيت، مثل دير بلّوط ورافات والزاوية، وكذلك قرى محافظة رام الله، مثل أبو لُبّن الغربية ورنتيس ونعلين وقرى أخرى غربيّ محافظة رام الله.

إغلاق الشارع صعّب الحركة والتنقّل واضطرّ السكّان إلى اللّجوء لطرق أخرى تستغرق وقتًا أكثر وتكلّف نفقات أكثر.

في الحالات العادية، مثلاً، عندما يطلب السكّان تاكسي من مكتبنا ليقلّهم من كفر الديك إلى دير بلّوط، وتبعد مسافة 6 كم، يكلّفهم ذلك 25 شيكل. الآن، والبوّابة مغلقة، نحن نبحث عن طرق بديلة، نسافر عن طريق قرية بروقين، لنصل إلى شارع 446، ومنه نعود في اتّجاه البوّابة من جهة الغرب، ومن هناك نواصل طريقنا إلى دير بلّوط. معنى ذلك أنّ المسافة تصبح 15 كم، عدا عن أنّ الطريق شاقّة، وتستغرق زمنًا أطول بكثير، فيدفع الراكب 45 شيكل ليصل إلى المكان نفسه.

إنّها مشقّة إضافيّة، للرّاكب كما للسّائق، ناهيك عن طبيعة الطريق مقارنة بين المسارين.

فتحي شريف سعيد علي أحمد (60 عامًا، متزوّج وأب لسبعة أولاد) يصف في إفادة قدّمها بتاريخ 28.8.2017، كيف أعاق إغلاق البوّابة دون سابق إنذار وصول أقربائه إلى عرس ولده:

فتحي شريف سعيد علي أحمد. تصوير: عبد الكريم السعدي، بتسيلم، 28.9.17.في 11.8.2017 خرجت "الفاردة" - كما هي العادات عندنا - لجلب العروس من بيت أهلها في قرية دير استيا. تضمّنت "الفاردة" عشرين سيّارة خصوصي وباصًا فيه خمسون راكبًا. خرجنا من كفر الديك في الساعة 18:00، في الطريق المؤدّي إلى شارع 446. بعد نحو 2 كم وصلنا إلى البوّابة وفوجئنا بأنّها مغلقة ويقف عندها جيب عسكري. أوقفنا السيارات، ونزلت أنا وبعض الأقارب للاستفسار من الجنود عمّا يجري. طلبت من الجنود أن يفتحوا لنا البوّابة لنتمكّن من جلب العروس.

بعد أخذ وردّ مع الجنود، لكي يفهموا أنّ برفقتنا كثير من النساء والأولاد، وأنّ هذا عرس، رفضوا فتح البوّابة. اضطررنا للعودة إلى القرية لنتّجه إلى قرية بروقين، ثمّ إلى شارع 446، ومن هناك إلى قرية حارس، ثمّ أخيرًا إلى دير استيا. الطريق إلى بروقين مشوّشة، فهي ليست شارعًا رئيسيًّا.

لا نعرف لماذا أغلق الجنود البوّابة. لم يخبرنا أحد ما السبب. هذا عقاب جماعيّ يطال جميع سكّان قريتنا والقرى الأخرى المجاورة، وهو يضرّ بنا جميعًا.

مواد مقترحة

العراقيل التي نصبها الجيش مجدّدًا في المدخل الغربي للقرية. تصوير: إياد حدّاد، بتسيلم، 8.1.17

قيود على الحركة والتنقّل

قرية دير نظام: شهران من العقاب الجماعي في أعقاب الحريق في مستوطنة حلميش

خلال موجة الحرائق الكبرى التي اندلعت في البلاد، اندلعت النيران في الحرش الواقع جنوبي مستوطنة حلميش في محافظة رام الله. حدث ذلك يوم الخميس، 25.11.16، في ساعات الليل، وزعمت السلطات أنّ الحريق كان متعمّدًا بفعل فاعل. امتدّت النيران وقضت على بيوت كثيرة في المستوطنة وعشرات الدونمات من الأحراش المحيطة بها. بحكم اتجاه الريح لم تتضرّر قرية دير نظام من الحريق تقريبًا، إذ طالت النيران فقط بعض حقول الزيتون التي يملكها سكّان القرية، علمًا أن المستوطنة تقع على أراضي قريتهم وتحدّها من الناحية الشرقية. وقد عملت قوّات كبيرة من المطافئ الإسرائيلية حتى إخماد الحرائق في اليوم التالي، 26.11.16. خلال الحريق تمّ إخلاء الكثير من سكّان المستوطنة من بيوتهم. بدءًا من ليلة الجمعة فرض الجيش قيودًا صارمة على التنقل والحركة. وقد جرى إغلاق المداخل الثلاثة الرئيسية المؤدّية إلى البلدة بواسطة أكوام التراب وتعزيزها بجنود يحرسونها. لغاية 28.11.16 مُنع السكان من الخروج من القرية والدخول إليها ولو كان سيراً على الأقدام. لاحقًا، خفّف الجيش القيود لكن لم يتم رفع المعيقات من الطرق، وتم تحويل التواجد العسكري الدائم على مداخل القرية إلى تواجد في ساعات عشوائية، لكنه كان شبه يوميّ. بالإضافة إلى ذلك، تقوم قوّات الجيش بإرسال دوريات إلى القرية كل يوم، وفي بعض الأحيان أكثر من مرّة وكذلك في ساعات الليل. خلال وجود هذه الدوريات تتطوّر مواجهات بين الجنود وبين الشبّان الذين رشقوا الحجارة نحوهم، فيما ردّت القوّات في بعض الأحيان بإطلاق مكثف لقنابل الغاز في القرية والقيام باعتقالات، وضمن ذلك اعتُقل أربعة قاصرين. هذه الممارسات هي جزء من سياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها إسرائيل في أنحاء الضفة الغربية، وفي إطارها يُعتبر الاشتباه بعدّة أفراد علّة كافية لدوس حقوق جميع السكان بقسوة وتشويش مجرى حياتهم. وفي الحالة المذكورة، استُهدف سكان القرية باعتبارهم مسئولين جميعًا عن الحريق واعتبرهم السياسيون الراغبون في استرضاء المستوطنين وأنصارهم هدفًا "مشروعًا" للتنفيس عن الغضب العامّ بسبب الحرائق. تجدر الإشارة إلى انه وفقًا للمعلومات المتوفرة لدى بتسيلم أنّ التحقيقات مع المعتقلين – الذين أطلق سراحهم بعد وقت قصير - دارت حول شبهة رشق الحجارة وليس إشعال الحرائق، رغم أنّ حملة الاعتقالات جاءت في أعقاب الحرائق،. فيما يلي استعراض للانتهاكات بحق سكان القرية كما اتضحت من تحقيق بتسيلم والإفادات التي جمعها الباحث الميداني في بتسيلم، إياد حداد، بتاريخ 7.12.2016: قيود على حرية الحركة والتنقّل يبلغ عدد سكان قرية دير نظام نحو 1500 نسمة، ويعمل معظم العاملين في السلطة الفلسطينية أو داخل إسرائيل. تقع القرية على بعد عشرين كيلومتر تقريبًا شمال-غرب رام الله وتحيط بها من الشرق والجنوب مستوطنة حلميش التي أقيمت على أراضي القرية في عام 1978 وعلى الأراضي التي نُقلت لسلطتها. توجد للقرية ثلاثة مداخل منظمة - من الجنوب والشمال والغرب. ابتداءً من يوم الجمعة، 25.11.16، في ساعات الليل، أغلق الجيش مداخل القرية الثلاثة بوضع عراقيل عبارة عن أكوام التراب أو الصخور، معزّزًا الإغلاق بنشر جيبات عسكرية تحرس هذه المداخل. لغاية ساعات الصباح من يوم الاثنين، 28.11.16، منع الجيش الدخول والخروج من القرية، بما في ذلك سيرًا على الأقدام. الطريق الترابية التي تلتف على عراقيل المدخل الغربي للقرية. تصوير: إياد حدّاد، بتسيلم، 8.1.17 بدءاً من 28.11.16، تمّ تقليص التواجد العسكري في مداخل القرية وشرع السكان بالخروج من القرية والعودة إليها عبر طريق فرعية تمرّ في الحقول المحيطة بالقرية لتجاوز الإغلاق في المدخل الغربي، وكذلك عن طريق الحقول الواقعة جنوبي القرية، والسير مسافة مسافة نحو كيلو متر وصولاً إلى الشارع الرئيسي. نتحدّث هنا عن حلول يرتجلها السكان لا توفر تلبية معقولة لاحتياجاتهم اليومية. لاحقًا، عندما زال التواجد الثابت للجنود في المداخل، قام السكان بإزالة المعيقات التي وضعها الجيش في المداخل الرئيسية للقرية، من الغرب والشمال، بحيث صار من المتاح الخروج بواسطة السيارات أيضًا. بعد مرور بضعة أيام تمّ إغلاق المدخل الغربي مرة أخرى. ورغم تقليص تواجده في مداخل القرية استمرّ الجيش بالتواجد شبه اليومي خلال ذلك فرض قيودًا على حركة الدخول والخروج. كل ذلك بصورة عشوائية بحيث لا يمكن للسكان أن يعرفوا متى يمكنهم الخروج من القرية أو الدخول إليها، ممّا يصعّب عليهم إدارة مجرى حياتهم اليومية على نحو منظم ومخطط. هذه التقييدات تمس بصورة بالغة بقدرة سكان القرية على الوصول إلى أماكن عملهم، والعاملين القادمين من الخارج وبضمنهم بعض معلمي المدرسة. مدير مدرسة القرية، محمود يحيى، 54 عامًا، من سكان دير نظام، وصف في إفادته تأثير القيود على الحركة والتواجد العسكري في القرية على أداء المدرسة التي تضمّ المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية: في مدرستنا يتعلم الطلاب من الصف الأول ولغاية الثاني عشر. يوجد في المدرسة 234 تلميذا و- 24 عضوًا في الهيئة التدريسية. يوم الأحد، 27.11.16 تعطّلت الدراسة عندنا تمامًا. 18 من بين أعضاء الهيئة التدريسية في المدرسة يأتون من خارج القرية ولم يكن بمقدورهم الحضور. في اليوم التالي تمّ تخفيف القيود فنجح قسم من المعلمين بالتسلل عن طريق الحقول المجاورة، ولهذا فقد وصل 15 من بين الموظفين الذين يسكنون خارج القرية. وقد انتظمت العملية الدراسية باستثناء موضوعي التكنولوجيا والانجليزية لعدم تمكّن مدرّسي هاتين المادّتين من الحضور. لاحقًا صارت القيود عشوائية وكان من الصعب على المدرسين من خارج القرية أن يعلموا مسبقًا هل يمكنهم الوصول أم لا. وقد جرّ هذا المزيد من غياب المعلمين وتأخيراتهم. لقد لاحظنا أنّ الجيش يحرص على نشر القوّات على الحواجز في ساعة وصول المعلمين. وقد أدى هذا إلى تشويش مجرى الدراسة وإلغاء الدروس بسبب غياب المعلمين. كذلك تجاوز معدل التغيّب بين الطلاب النسبة المُعتادة. في اليوم العادي يتغيّب ثلاثة إلى خمسة طلاب، أمّا في هذه الفترة فقد ارتفع العدد ليصل إلى 15-25 طالبًا. وينبع هذا في بعض الأحيان من مضايقة الطلاب من قبل قوّات الجيش التي تدخل إلى القرية، ومن خشية الأهالي والطلاب من القدوم إلى المدرسة. بالإضافة إلى ذلك، تأتي دوريّات الجيش تحديدًا وقت خروج الطلاب من المدرسة ممّا يجرّ أعمال رشق بالحجارة من قبل الطلاب فيما يردّ الجنود بإطلاق قنابل الصوت والغاز. هذا اليوم أطلق الجنود قنابل الغاز إلى داخل ساحة المدرسة. وقد وقع هذا خلال الحصّة ولم يكن الطلاب في الخارج. وقد تغلغل الغاز إلى الصف الذي تعلّم به طلاب الصف الخامس، الذين يبلغون 11 عامًا. لقد شعروا بالاختناق وشرعوا بالركض إلى صفوف أخرى. أصيب أكثر 20 طالبًا بالاختناق نتيجة التعرّض للغاز. في اليوم التالي تغيّب 13 طالبًا، وفي اليوم الذي يليه تغيب 11 طالبًا، معظمهم من طلاب الابتدائي، لأنه قد شاع الخوف بين الطلاب. مدرسة دير نظام. تصوير: إياد حدّاد، بتسيلم، 7.12.16 توفيق مزهر، 19 عامًا، من سكان قرية عابود المجاورة، متزوج وأب لستة أبناء، سائق حافلة صغيرة في الخط الواصل ما بين القرى وبين رام الله ، وصف تأثير القيود على عمله: أعمل على خط دير نظام - عابود - رام الله. في الغالب أقوم بأربع سفريات في اليوم وأربح من كل سفرة 50-70 ش.ج. في أعقاب الحرائق التي اندلعت مساء يوم الجمعة قامت السلطات الإسرائيلية بإغلاق مداخل دير نظام. في اليوم الأوّل من الإغلاق كنتُ على وشك الخروج من دير نظام بحافلتي الصغيرة الممتلئة بالمسافرين وغالبيتهم من الطلاب والموظفين والعمال. وقد اكتشفتُ أن المخارج الجنوبية والغربية مغلقة تمامًا. حاولت الخروج عن طريق المخرج الشمالي الذي كان مغلقًا بواسطة حجارة يمكن إزالتها لكن كانت هناك سيارات عسكرية وجنود ينتظرون خارج القرية. وقد وجّه أحد الجنود سلاحه اليّ من مسافة بعيدة، من بُعد 50 متر تقريًبا، وأمرني بالالتفاف. خفتُ واضطررت للعودة وإنزال المسافرين. في اليوم التالي حصل معي الشيء ذاته، حيث سافرت إلى وسط القرية لكن قال لي الجميع بأن الشوارع ما تزال مغلقة. انتظرت، لكن الوضع لم يتغيّر. في اليوم الثالث نجح السكان في فتح ثغرة جانبية في الطرف الغربي من القرية يمكن المرور عبرها. نجحت في المرور من هناك بسلام رغم أن الحديث يدور عن طريق ترابية مشوّشة وصعبة ومليئة بالحجارة والحفر. في طريق العودة اضطررت إلى إنزال المسافرين واضطرّوا هم إلى المواصلة سيرًا على الأقدام لأنه من الصعب المرور بالحافلة الصغيرة. وقد اضطرّ المسافرون إلى السير على الأقدام لمسافة كيلومتر وصولاً إلى القرية، وبعضهم كان معه حقائب وأكياس، وأنا أتصوّر أنّ هذه كانت مشقّة بالنسبة إليهم. بسبب الوضع اضطررت إلى التنازل عن سفرتين من بين السفريات الأربع اليومية. وقد انخفض دخلي كثيرًا، وهو بالكاد يكفي لتغطية مصاريف الحافلة. أنا أعيل ثمانية أشخاص، وهذا الوضع يقلقني للغاية. نحن نضطرّ إلى تأجيل المشتريات وأشياء نحن بحاجة لها في الشتاء، بسبب الخشية من استمرار هذا الوضع. دخول قوّات الجيش إلى القرية واعتقال قاصرين: منذ أن شرع الجيش باتّباع سياسة العقاب الجماعي ضدّ سكان القرية قام بتسيير دوريات كثيرة، وما زال يفعل ذلك. يتّضح من إفادات سكان القرية أن الدوريات لا تأتي بمهمّات معيّنة مثل الاعتقالات أو التفتيش، ويبدو أنها جاءت لمجرّد إثبات الحضور. كما أفاد السكانأنّ الدوريات تأتي أحيانًا في ساعات انتهاء الدوام المدرسي تحديدًا. وفي بعض الحالات تتطوّر مواجهات بين الجنود وبين الطلاب الذين يرشقونهم بالحجارة، فيما يردّ الجنود بإطلاق قنابل الغاز والصوت، وفي إحدى الحالات أطلقها الجنود نحو ساحة المدرسة في القرية. في الأسبوعين الأوّلين تجوّلت دوريات الجيش في القرية كلّ يوم وأحيانًا عدّة مرّات في اليوم، بما في ذلك في ساعات الليل. منذ ذلك الحين تمّ تقليص الدوريات، ولكنّها ما تزال تتجوّل في القرية كلّ يوم تقريبًا. بتاريخ 29.11.16، خلال المواجهة بين الجيش والشبّان، اعتقل الجنود خمسة قاصرين تتراوح أعمارهم بين 13 و-15 عامًا، بشبهة رشق الحجارة. وقد تمّ إطلاق سراح اثنين منهم خلال ساعتين، وجرى احتجاز أحدهم حتى حلول الظلام، فيما بقي الاثنان الآخران في الاعتقال وجرى التحقيق معهما حتى صبيحة اليوم التالي. كما جرى اعتقال شابّين إضافيين في جيل 19 و- 21 بشبهة رشق الحجارة وجرى إطلاق سراحهما بعد يوم. وقد أبلغ جزء من القاصرين والشبّان الذين اعتقلوا بأنّ المحققين ضغطوا عليهم للاعتراف بضلوعهم في إشعال النار التي تسببت في الحريق. ل. ت، 15 عامًا، من سكان القرية، وصف في إفادته كيف اعتقله الجنود خلال المواجهات التي حدثت في 29.11.16: الساعة 11:00 صباحًا، عندما كنت في الحصّة، رأيت جيبات للجيش وهي تدخل إلى القرية. واصلنا التعليم كالعادة وانتهينا قرابة الساعة 13:30. كان الجنود في الخارج وأطلقوا قنابل الغاز وقنابل الصوت. عندما وصلتُ إلى البيت طلبت منّي عمتي الذهاب واستدعاء ابن عمي، رامي، 12 عامًا، لأنها كانت تخاف عليه من التجوّل في الشارع خلال تواجد الجيش في القرية. وقد وجدته بالقرب من المخرج الشمالي للقرية وقلتُ له أنه ينبغي عليه العودة إلى البيت. كنا في طريق العودة إلى البيت وعندها رأينا فجأة خمسة جنود يركضون من ناحية وسط القرية. في البداية لم نهرب، لكن أحد الجنود أطلق النار نحونا وأصابت إحدى الرصاصات منطقة غير بعيدة عنّا. خفنا وبدأنا بالهرب بالاتجاه المعاكس. هربنا إلى داخل الحقول وفي الطريق التقينا مع ثلاثة أولاد هاربين من الجنود. رأينا هناك سيارات عسكرية وقد هبط من إحداها رجال شرطة وجنود وبدأوا بمطاردتنا. هربنا وطاردونا والقوا نحونا قنبلة غاز. اختنقنا من الغاز وسالت الدموع من عيوننا لكن لم نتوقف حتى تمكّنا من الوصول إلى منطقة سكننا في القرية. أمّا عمتي، والدة رامي، فقد شاهدتنا وحضرت مع نساء أخريات من القرية للدفاع عنا. وقد طلبت منّا أن لا نخاف وأن نسلّم أنفسنا وأنهم لن يفعلوا لنا شيئًا. وصل رجال الشرطة والجنود وأمسكني أحدهم من الوراء. أمسك بي من يدي ولكمني على الظهر وأخذني معه. وقد أمسكوا برامي وبولد آخر، وفعلوا ذلك بعنف معنا جميعًا. سحبونا إلى الجيبات العسكرية وقاموا بتكبيل أيدينا وأرجلنا. في البداية أخذونا إلى المعسكر في حلميش ووضعونا في العراء. كان الجو باردًا وكنت أرتدي قميصًا قصيرًا. بعد ذلك أخذونا إلى مدخل حلميش. تمكنت من إزالة غطاء العينين، لكن الجندي الذي شاهد ذلك قام بضربي. بعد مرور عدة دقائق أصعدوني إلى سيارة عسكرية. لم نكن نعرف إلى أين يأخذوننا، ولكن عندما أخرجونا من السيارة أزالوا عصابة العينين والقيود. لاحظتُ أنهم احضروا المزيد من الأولاد. كنت أشعر بالبرد وكنت جائعًا لأنني لم أتناول وجبة الغداء. وفي كل مرّة طلبت الماء كانوا يرفضون. في المساء وصل بعض الجنود ورجال الشرطة، وكان أحدهم بملابس مدنية حيث أشار إليّ وقال: هذا هو. قاموا بتغطية عينيّ وتكبيلي. انتظرت مدّة ما، لكني لم أعرف كم من الوقت، ومن ثم أصعدوني إلى سيارة أخرى وأزالوا العصابة عن عينيّ. كان هناك ولد آخر اعرفه وهو من القرية. كانت لديه ساعة، وكانت تشير إلى الساعة 23:30. أخذونا إلى شرطة بنيامين وانتظرنا هناك مقابل غرف الاستقبال. بعد مرور ساعة أو ساعتين وصلت سيارة وشاهدتُ والدي ينزل منها مع آباء بقيّة الأولاد، وقد منعونا من التحدث إليهم. بعد ذلك جرّني شرطي إلى الغرفة وأزال العصابة عن عينيّ، وعندها رأيت محققًا يجلس وراء طاولة المكتب. كان المحقق يتحدث العربية. أخذ بصماتي وصوّرني. قال لي أنّي متهم بإشعال الحرائق في مستوطنة حلميش وأنّي وجهتُ لكمة إلى جندي في وجهه. أنكرت هذا. خلال التحقيق طلب منّي التوقيع على ورقة بيضاء مكتوبة بالعبرية. حاول الضغط عليّ وضرب على الطاولة وقال لي بصرامة إنّه ينبغي عليّ التوقيع - لكني رفضتُ. بعد ذلك سمحوا لوالدي بالدخول، وقد شاهد الورقة بالعبرية وطلب منّي ألاّ أوقّع عليها. ثم أخرجوا والدي وحاول المحقق مرّة أخرى إقناعي بالتوقيع. قال لي انه إذا لم أوقع ينبغي عليّ التحدث مع محامي. قلتُ له انه لا يوجد لي محامي فاقترح علي أن يتّصل هو مع محامي من أجلي. سألت المحقق إذا كان المحامي عربيًا ويمكنه مساعدتي فأجاب بنعم. اتصل المحقق برقم ما وأعطاني الهاتف وقال لي:"خذ، كلّم المحامي". كلّمني شخص باللغة العربية وقال لي إذا سألني المحقق هل رشقت الحجارة عليّ أن أجيب بالإيجاب وأن هذا لصالحي. سألته عمّا أفعل إذا كانوا يتهمونني بإشعال الحرائق في حلميش فأجابني أن هذا اتهام قد يؤدي إلى السجن مدة طويلة، وأن عليّ عدم التحدث عن مثل هذه الأشياء والاعتراف فقط برشق الحجارة. كنت أعتقد أنني أتحدث مع محتال حتى لو كان محاميًا. كنت أشكّ به بسبب لهجته أيضا. قلتُ للمحقق أنني لا أرغب بالحديث معه وأغلقت الخط. قام رجال الشرطة بتقييدي مرّة أخرى وأعادوا العصابة إلى عينيّ. أدخلوني إلى غرفة صغيرة للغاية وخالية، ربما بمساحة متر على متر. كانت الغرفة مظلمة وبلا نافذة. لم تكن هناك فرشة أو أيّ شيء آخر. أبقوني هناك حتى الصباح ولم يقدموا لي الطعام أو الشراب، ما عدا مشروب طاقة قدّمه لي جندي في مرحلة ما بعد أن طلبتُ، لكني خفتُ أن أشربه لأنّني لم أكن أعلم ماذا يوجد فيه. في التاسعة صباحًا حققوا معي مرّة أخرى وفي هذه المرّة اتهموني أيضا بإشعال الحرائق. بعد أن أنكرت الأمر مرْة أخرى نقلوني إلى موظفي مكتب التنسيق الفلسطيني في الحاجز وأخذني هؤلاء إلى والدي في رام الله. كانت الساعة قد بلغت 11:30. وصلت إلى البيت في الساعة 12:30 وذهبت للنوم.

26 كانون الثاني/يناير 2017

סילמאן מחמד פוקהא ליד מכוניתו שנשרפה בידי מתנחלים שתקפו את הכפר סינג'ל שבמחוז רמאללה. צילום: אבישי מוהר, בצלם.  20.1.25

سياسة إطلاق النار

ما هكذا يكون وقف إطلاق النار

منذ أكثرمن 15 شهراً تشنّ إسرائيلحرباً شعواء ضدّ الشعب الفلسطينيّ كلّه. منذ أن أعلنت إسرائيل وحركة "حماس" وقفإطلاق النار المؤقت في قطاع غزّة وصفقة الإفراجعن المخطوفينوالأسرى قبل ثلاثة أيّام، في 19.1.24، لاتني إسرائيلتصعّد عُدوانهاضدّ الفلسطينيّينفي الضفة الغربيّة.لم توقفإسرائيل إطلاق نيرانها الموجّهةضدّ الشعب الفلسطينيّ، بل تُظهِر تصرّفاتها أنّها لا تنوي وقف النيرانوإنّما توجيههامن قطاع غزّةإلى مناطق أخرى واقعة تحت سيطرتهافي الضفة الغربيّة.فور التوقيع على اتّفاق وقف إطلاق النار، أغلق الجيش الإسرائيليّ معظم المنافذ من وإلى مختلف المدنوالقرى الفلسطينيّةفي الضفة الغربيّة. وقد أعاقت هذهالإغلاقات إلى حدّ كبير مجرى الحياة المعتاد لأكثر من ثلاثة ملايين فلسطينيّ. ومن ضمنذلك، تعذّر على التلاميذوطلّاب الجامعاتالوُصول إلى المؤسّسات التعليميّة، كما تعذّر على المرضى تلقّي العلاج الطبّي ولم يستطع كثيرون من السكّان الوُصولإلى أماكن عملهم.اجتاح الجيش الإسرائيليّ أماكن عدّة، من بينها سبسطية وعزّون وجنين وبيت فوريك والخليل، وراحضحيّة عمليّاتالتوغّل ثمانية فلسطينيّين، من بينهمقاصر واحد على الأقل، وجُرح العشرات، إضافة إلى اعتقالات جماعيّةطالت عشرات الفلسطينيّين. خلال اللّيلتين الماضيتينهاجم إسرائيليّون،بحُضور جُنود، بلدات فلسطينيّة وسكانَها وحاولوا إحراق منازل على ساكنيها، أحرقوا سيّارات وأتلفواممتلكات كثيرة. وقد جاءت أعمال الشغب هذه، وفقاً لتصريحاتمرتكبيها أنفسهم، انتقاماً ضدّ تحرير الأسرى الفلسطينيّين في إطار صفقة التبادُل. من بين القرى التي جرت مهاجمتها، ترمسعيا والفندق وسنجل وعين سينيا والمغيّر وجينصافوط. إضافة إلى ذلك، أغلق مستوطنون مفترقاتمركزيّة في أنحاء الضفة الغربيّة ورشقوا بالحجارة المركباتالفلسطينيّة التي مرّت هُناك.لقد تكشّفت نوايا حكومة إسرائيل حين قررت إضافة العمليّاتالعسكريّة في الضفة الغربيّةإلى أهداف الحرب الرسميّة، وذلك قبل يومين فقط من بدء سريان وقف إطلاق النار في قطاع غزّة. إنّ وقفالحرب في قطاع غزّة، والذي فرضته الولايات المتحدةوالسعوديّة على حُكومة إسرائيليشكل ذريعة وفرصة بالنسبة لإسرائيل لتصعيد عُدوانها ضدّ الفلسطينيّين سكّان الضفة الغربيّة.ما هكذايكون وقف إطلاق النار.

21 كانون الثاني/يناير 2025

البؤرة الاستيطانيّة "حَفات مِتسبي يهودا/تْسُن كيدار. تصوير:  فايز أبو رميلة، بتسيلم، 22.7.24

عنف المستوطنين = عنف الدولة

"حَفات تْسون كيدار" – مستوطنون، بمساعدة الجيش، يُبعِدون مزارعين فلسطينيين عن أراضي السّواحرة الشرقيّة

أصبحت بؤر "المزارع الاستيطانية" خلال العقد الأخير، إحدى الطرق الرئيسة التي تستخدمها إسرائيل للاستيلاء على الأراضي في الضفّة الغربيّة ولطرد التجمّعات الفلسطينيّة التي تعيش عليها. بخلاف الخطوات الرسميّة التي يتمّ اتّخاذها لإقامة مستوطنات، فإنّ إنشاء البؤر الاستيطانيّة يمكن أن يُنفّذ بسرعة ويتطلّب موارد وقوى بشريّة قليلة نسبيًّا. كما أنّ الاستيلاء على أراضٍ زراعية، من خلال البؤر الاستيطانيّة والمزارع، يسمح للدولة بالتنصّل من المسؤوليّة عن الاستيلاء على الأرض وعن الممارسات العنيفة وغير القانونيّة التي يرتكبها المستوطنون، رغم أنّها تدعم هذه البؤر الاستيطانيّة بشتّى الطرق. وبذلك، تنجح الدولة في وضع ممارسات المستوطنين - مبعوثيها - ضمن إطار مسألة متعلّقة بإنفاذ القانون فحسب، بدلًا من كونها قضيّة متعلّقة بسياسة منتهجة. يتمّ إنشاء البؤر الاستيطانيّة بشكل سريع في مناطق أساسيّة، ويتمكّن المستوطنون من السيطرة على مساحات شاسعة في غضون وقت قصير، ومن فرض حقائق على الأرض عبر مداهمة الأراضي الفلسطينيّة بقطعان الأغنام والأبقار، ومن مواجهة السكّان الفلسطينيّين بشكل متعمّد والاعتداء العنيف عليهم. في بعض الحالات، تقام البؤر الاستيطانية بدون تراخيص رسمية من جانب السلطات الإسرائيلية، وفي بعضها الآخر من خلال التعاون مع السلطات، بالاعتماد على اتفاقيات لتخصيص أراضٍ لأغراض زراعية، مثل المراعي والفلاحة. وحتى في الحالات التي يتم فيها تخصيص أراضٍ من جانب الدولة، يتجاوز المستوطنون ـ في حالات عديدة ـ المساحة التي تم تخصيصها، فيقومون بذلك بتوسيع مساحات الأراضي التي تحت سيطرتهم. وتحظى ممارسات المستوطنين هذه، في كثير من الحالات، بتعاون من جانب الجيش الذي يمتنع عن هدم المباني غير القانونيّة التي يقيمونها، لا بل يزوّد المستوطنين بخدمات حراسة، ويشارك بشكل فعّال في طرد السكّان الفلسطينيّين بشكل عنيف. منذ 7 من تشرين الأوّل، تفاقمت ممارسات المستوطنين الساعية إلى الاستيلاء على الأراضي، سواء من ناحية حجم انتشارها وآثارها، أو من حيث حدّة العنف الذي يستخدمه المستوطنون، أو من حيث انخراط الجيش الفعّال في هذه الممارسات. وفي هذا الإطار أيضًا هُجِّر 18 تجمّعًا فلسطينيًّا من مساكنها وأراضيها بينما تواجه تجمّعات أخرى كثيرة خطرًا مماثلًا. أقيمت البؤرة الاستيطانيّة المسمّاة "حَفات مِتسبي يهودا /تْسون كيدار" في أيلول 2019 في منطقة برّية السّواحرة الشرقيّة، الواقعة شرقيّ بلدة السّواحرة في محافظة القدس. أنشئ في هذه البؤرة الاستيطانيّة عدد من المباني، بما في ذلك مقهى، وتقام فيها مناسبات وأعراس؛ إضافة إلى ذلك جُلب إلى المكان قطيع أغنام.على امتداد سنين طويلة انتفع من أراضي هذه المنطقة مزارعون من بلدة السّواحرة الشرقيّة، حيث استخدموها لزراعة المحاصيل ورعي الأغنام، وجزء من الأراضي هي مُلكيّة خاصّة لسكّان من البلدة. عدد قليل من المزارعين يقيم في "بركسات" أقاموها على أراضيهم لأجل العناية بالأغنام والعمل في الأرض، ولديهم في الوقت نفسه منازل في البلدة. إضافة إلى ذلك، يقيم في المنطقة نفسها ومنذ عشرات السنين بدو من عشيرة الهذالين الذين نزحوا إليها بعد أن هجّرتهم إسرائيل من النقب في خمسينيّات القرن الماضي وأقاموا فيها تجمّع المُنطار الذي يشمل عددًا من المساكن المختلفة.فور إقامة البؤرة الاستيطانيّة طرأ ارتفاع ملموس على التنكيل بالسكّان الفلسطينيّين واقتحام أراضيهم، بما في ذلك تخريب أسيجة ومحاصيل زراعيّة، وأحيانًا بمُرافقة جنود. كذلك منع الجنود بتهديد السّلاح بعض السكّان من الوُصول إلى الأراضي التي يحرثونها والمراعي التي يستخدمونها. تقليص مساحات الرعي المُتاحة للرّعاة أجبر بعضهم على بيع معظم مواشيهم لعدم قدرتهم على شراء الأعلاف.بعد السّابع من أكتوبر 2023 جاء مستوطنون، يرافقهم جنود، وسدّوا بالسّواتر الترابيّة ومكعّبات الإسمنت الطريق المؤدّية من البلدة إلى الأراضي الزراعيّة والمراعي التي يستخدمها السكّان. بذلك سُدّت الطريق أيضًا أمام المزارعين سكّان بلدة السّواحرة المقيمين في أراضيهم الزراعيّة، وكذلك طريق سكّان تجمّع المُنطار إلى بلدة السّواحرة نفسها التي يحصلون منها على شتّى الخدمات. في مُوازاة ذلك ازداد المستوطنون تطرّفًا في تنكيلهم بالمُزارعين والتهديد بإيذائهم إن لم يغادروا المنطقة، ومنعوهم من الخروج إلى المراعي وترميم آبار المياه خاصّتهم.وبلغ الأمر بالمستوطنين أيضًا أن اقتحموا في دُجى اللّيل منزل أحد السكّان، أحرقوا منزلًا مُجاورًا له، قطعوا أنابيب مياه وخرّبوا أسيجة. واضطرّ بعض السكّان من المُزارعين المقيمين في المنطقة الزراعيّة إلى النزوح عن منازلهم خوفًا على حياتهم، وتوقّف المُزارعون المُقيمون في البلدة عن فلاحة أراضيهم. استدعى السكّان الشرطة عدّة مرّات، كما قدّموا شكاوى، لكن دون فائدة. والأنكى من ذلك أنّ الشرطة اعتقلت بالذات شخصًا من سكّان القرية ولم تُفرج عنه إلّا بعد مُرور أسبوعين.افتعال مثل هذه "الاحتكاكات" يقدّم مثالًا جيّدًا على الهدف الذي لأجله تُقام هذه المزارع الاستيطانيّة والطريقة التي يتّبعها مستوطنوها في توسيع نطاق سيطرتهم. هذا التنكيل المتعمّد من قبل مستوطني المزارع بالمُزارعين الفلسطينيّين هدفه تصوير ما يجري وكأنّه "مواجهات" يشارك فيها طرفان متناظران هُما المستوطنون والمزارعون الفلسطينيّون، والجيش يستغلّ هذه "الصّورة" لكي يُبعد المزارعين الفلسطينيّين عن أراضيهم بذريعة "الحاجة الأمنيّة"، وبالقوّة في أحيان عديدة. عندما تتكرّر هذه الأحداث، مرّة تلو المرّة، يُمنع المزارعون من الوُصول إلى أراضيهم، وبالتالي لا يتمكّنون من فلاحتها وكسب رزقهم من محصولها. ومن جهتهم، يستغلّ المستوطنون هذا الوضع الذي أنشأوه عمدًا لكي يستولوا نهائيًّا على هذه الأراضي.في شباط 2023 أعلنت حُكومة إسرائيل أنّها تعتزم شرعنة "حَفات تْسُن كيدار" و9 بؤر استيطانيّة أخرى. بعد مضيّ سنة على ذلك، في شباط 2024، وقّع قائد المنطقة الوُسطى أمرًا بشأن منطقة نفوذ مستوطنة جديدة تُدعى "مِشمار يهودا"، وذلك أيضًا ضمن عمليّة شرعنة "حَفات تْسُن كيدار". ويبدو أنّ منطقة النفوذ المذكورة ستشمل مساحات أعلنت "أراضي دولة" وأراضي يزعم المستوطنون أنّهم اشتروها من أصحابها الفلسطينيّين في العام 1992. بذلك تستكمل إسرائيل عمليّة الاستيلاء على الأرض التي بدأت مع إقامة البؤرة الاستيطانيّة، وتثبّت منع وُصول السكّان إلى الأراضي التي كانوا يستخدمونها حتى إقامتها.أدناه إفادات أدلى بها عدد من المزارعين الذين يملكون أراضي في برّية السّواحرة الشرقيّة أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري، وينعكس من خلالها تأثير إقامة البؤرة الاستيطانيّة على حياة المزارعين والتنكيل الذي تعرّضوا له على يد المستوطنين والجيش.ج. ش. (31 عامًا)، قال في الإفادة التي أدلى بها في9.5.24 :أنا متزوّج بدون أولاد، وأعمل بالزراعة. لديّ أراضٍ في برّية السّواحرة الشرقيّة وتقع شرقيّ البلدة. حتى إقامة البؤرة الاستيطانيّة "حَفات تْسُن كيدار" كنت أقيم في السّواحرة الشرقيّة وآتي إلى أراضيّ بدون صعوبات. كنّا نشعر بالأمان هنا.منذ أن أقيمت البؤرة الاستيطانيّة صرت أسمع من أقاربي المقيمين في الأراضي أنّ المستوطنين يهاجمون رُعاة الأغنام ويمنعونهم من الوُصول إلى المراعي والأراضي الزراعيّة. هذه الأراضي لنا منذ أجيال عديدة. هنا سكن والدي وأجدادي وأجداد أجدادي وكانوا يرعون قطعان أغنام كبيرة في هذه المساحات. في طفولتي أمضيت هنا الكثير من الوقت مع عائلتي ومع الأغنام في أرجاء هذه البريّة، ولم نستشعر آنذاك أيّ خوف. كان المكان آمنًا.بسبب صعوبات الوُصول بعد إقامة البؤرة الاستيطانيّة انتقلت إلى هُنا مع زوجتي قبل سنة. لقد قلّص المستوطنون مساحة المراعي التي يمكننا الوُصول إليها والتي كانت تبلغ في الماضي مئات الدّونمات. المساحة التي نستطيع استخدامها الآن تبلغ تقريبًا عشرة دونمات، وهي الأراضي المحيطة مباشرة بمنزلي ومنزل ابن عمّي ن. ش.. إنّهم يهدّدوننا بإطلاق النار علينا من بنادقهم كلّما حاولنا الوُصول إلى المراعي التي أقيمت قبالتها البؤرة الاستيطانيّة.كذلك يأتي المستوطنون إلى منازلنا هنا بصُحبة جنود. ذات مرّة جاء مستوطن ومعه خريطة وزعم أنّه اشترى الأرض التي عليها منزلي ومنزل ابن عمّي. زعم أيضًا أنّه لم تكن هنا منازل حتى وقت قصير، رغم أنّه كان لعائلتي هنا "كرفان" حصلت عليه كتبرّع من جمعية غوث دوليّة منذ 25 عامًا. إضافة إلى ذلك، قطع المستوطنون السّياج المحيط بأرضنا المفلوحة وأفلتوا فيها قطعان أغنامهم فالتهمت محاصيلنا بعد أن تعبنا عليها وبذلنا جُهدًا كبيرًا.بعد أسبوع من 7 أكتوبر اعترض مستوطن طريقي عندما كنت أقود سيّارتي عائدًا إلى منزلي. قال لي إنّه ممنوع أصلًا أن آتي إلى هذه المنطقة بالسيّارة. لاحقًا سدّ المستوطنون والجيش الطريق إلى البلدة بسواتر ترابيّة وحفروا قناة قبالتها.ذات ليلة، بعد أن بدأت الحرب، بينما كنّا نائمين أنا وزوجتي حطّم ثلاثة مستوطنين الباب واقتحموا المنزل. أخذت زوجتي تصرخ وتستغيث. أبلغنا المستوطنون أنّه يجب علينا الرّحيل عن منطقة برّية السّواحرة الشرقيّة، وهدّدني أحدُهم قائلًا: "إذا اقتربت منّا فسوف أطلق عليك النار"، وأردف أنّ هذا بمثابة إنذار أخير وأنّ علينا أن نُغادر.في اللّيلة نفسها احترق فجأة منزل ابن عمّي، وهو مبنيّ من الطوب والصّفيح. استدعيت نجدة من أقربائنا في السّواحرة الشرقيّة، فجاءوا بعد نصف ساعة وساعدوني في إخماد الحريق، لكن تدمّر جزء من المنزل.الحمد لله أنّ ابن عمّي وأسرته كانوا خارج المنزل في تلك اللّيلة. زوجته وأولاده يبيتون في البلدة منذ بدء الحرب، خوفًا من المستوطنين وهجماتهم ضدّ التجمّعات الفلسطينيّة في جميع أرجاء الضفة الغربيّة. في تلك اللّيلة هو أيضًا لم يبقَ هنا في المنزل.منذ بداية الحرب قدّمت ثلاث شكاوى ضدّ المستوطنين والجيش: ضدّ إغلاق الشارع الموصل إلى البلدة وأيضًا ضدّ اقتحام منزلي، لكنّ ذلك لم يجلب أيّة نتيجة. الشكاوى التي نقدّمها لا تتبعها أيّ إجراءات ضدّ المستوطنين.اليوم (9.5.24) أردنا ترميم بئر مياه تقع قرب منازلنا، واستأجرنا لأجل ذلك أربعة عمّال. لكن جاء مستوطن مسلّح وطالبنا بوقف العمل مهدّدًا بأنّه سيعود بعد ساعة ويُطلق النار على كلّ من يجده يعمل في ترميم البئر، بل وسيفجّر البئر أيضًا. غادر العمّال المكان خشية على حياتهم، وتوقّفت أعمال الترميم. في الماضي وجدنا الأنابيب التي تنقل المياه من البئر مقطّعة، ونحن نشكّ بأنّ المستوطنين هُم من ارتكبوا ذلك.ن. ش. (35 عامًا)، أب لأربعة، ابن عمّ ج. ش.، من سكّان السّواحرة الشرقيّة، قال في الإفادة التي أدلى بها في 9.5.24:أنا مُزارع، وتملك عائلتنا الموسّعة نحو 500 دونم أرض في مناطق برّية السّواحرة الشرقيّة. منذ القِدَم كان أجدادي يزرعون الحُبوب في هذه الأراضي، وأنا أيضًا أزرعها. كانت عائلتنا الموسّعة تملك دائمًا قطعان أغنام وكنّا نرعاها في مناطق البرّية.بعد إقامة بؤرة الرعاة الاستيطانيّة، قبل بضع سنوات، أخذ الوضع يتدهور. حتى ذلك الحين كنّا نربّي هنا 500 رأس غنم، وكنّا نصل بحرّية إلى جميع أراضي المرعى، دون أيّ عائق. الآن، لأجل الوُصول إلى معظم هذه الأراضي ينبغي المُرور من أمام البؤرة الاستيطانيّة، ولكنّ المستوطنين يمنعونني من المُرور من هناك ويهدّدون بإطلاق النار عليّ. بهذه الطريقة قلّصوا مساحة المرعى المُتاحة لي من مئات الدونمات إلى نحو عشرة فقط.منذ 7 أكتوبر تدهور الوضع كثيرًا. بعد مضيّ أسبوع على بدء الحرب سافرت إلى بلدة السّواحرة الشرقيّة لكي أتسوّق، وعندما عُدت، في الساعة 5:30 فجرًا، وجدت أنّ جزءًا من منزلي قد حُرِق.أحمد الله على أنّني أرسلتُ أسرتي في بداية الحرب إلى منزلنا في البلدة لكي لا يؤذيهم المستوطنون، وإلّا لكانت حلّت بنا كارثة. لا يوجد مصلحة لأحد من حرق منزلنا سوى المستوطنين. هُم الذين يضغطون علينا لكي نرحل عن هذه المنطقة.بعد مضيّ أسبوعين على اندلاع الحرب سدّ المستوطنون والجيش الطريق المؤدّية من بلدة السواحرة الشرقيّة إلى البرّية بساتر ترابيّ، كما حفروا من حولها قناة. حاولنا عدّة مرّات أن نفتح الساتر الترابي لكنّ حرّاس مستوطنة "كيدار" المجاورة كانوا يأتون ويقولون لنا إنّه ممنوع فتحه ويهدّدون بمصادرة السيّارة إذا لم نتوقّف عن هذه المُحاولات.واصل المستوطنون مُلاحقة رُعاة الأغنام في البرّية وهُم مسلّحون بالبنادق. في إحدى المرّات هدّدوا بإطلاق النار عليّ إذا لم أبعد أغنامي عن المنطقة القريبة من البؤرة الاستيطانيّة.هذا كلّه أضرّ كثيرًا بقدرتنا على إعالة أنفسنا من رعي الأغنام، فاضطررنا إلى بيع جزء كبير من القطيع. من قطيع كان يعدّ 500 رأس غنم لم يبقَ لدينا سوى 60 رأسًا من الأغنام. لا يكتفي المستوطنون بمنعنا من الوُصول إلى مراعينا، وإنّما هم يدخلون أيضًا إلى أراضينا المفلوحة مع أغنامهم للرعي فيها. أقدّر أنّ لديهم نحو 200 رأس غنم، وهُم يجلبونها إلى أراضينا ويتركونها تتجوّل فيها بحرّيّة.في اليوم العاشر من شهر رمضان الأخير، وبالتحديد عند السّاعة 3:00 فجرًا، جاء إلى منزلي جنود في ستّ مركبات عسكريّة واعتقلوني. أخذوني إلى سجن "المسكوبيّة" في القدس، وألقوا عليّ بشتّى التهم، وقد أنكرتها جميعًا.قلت للمحقق إنّ اليهود الوحيدين الذين أعرفهم هم مستوطنان في منطقة البرّية، وهُما اللّذان يعتديان عليّ ويهدّدان بقتلي ويُطلقان أغنامهما داخل الأرض الزراعيّة الخاصّة بعائلتي، وهذا في الوقت الذي يُحظر عليّ الخروج مع أغنامي إلى المراعي أو الاقتراب من البؤرة الاستيطانيّة.أبقوني رهن الاعتقال في "المسكوبيّة" مدّة 14 يومًا، داخل زنزانة مع 15 شخصًا آخر. كان في الزنزانة مرحاض وستّة أسرّة من الأسمنت، أي أنّ معظم المعتقلين كانوا ينامون على الأرض، كما لم تكن هناك بطّانيّات. الطعام الذي قدّموه لنا، مرتين يوميًّا، كان بيضة وأربع قطع سجق وشريحة خُبز. هذا ما حصلنا عليه أيضًا في موعد وجبة السّحور ووجبة الإفطار. كانوا يمنعوننا من إطفاء الأنوار في اللّيل، فكنّا نستصعب جدًّا أن نغفو.كان السجّانون يدهمون الزنزانة عدّة مرّات في اليوم ويضربوننا جميعًا دون أيّ سبب. كان الضرب أقسى في المُداهمات اللّيليّة، التي كانت تحدث بعد أن نكون قد خلدنا إلى النوم. كانت لديّ كدمات كثيرة في الرأس والصّدر جرّاء الضرب، ولم نحصل على أيّ علاج طبّي. الأشخاص الذين اعتقلوا من قبل حدّثوني أنّ الأمور في السّجون لم تكن على هذا النحو قبل 7 أكتوبر. بعد مضيّ أسبوعين أطلقوا سراحي وعُدت إلى منزلي.المياه تصلنا عبر أنابيب بلاستيكيّة مدّتها البلديّة، ونحن لدينا خزّان سعته 500 لتر. ملء الخزّان يستغرق أسبوعًا، لأنّ ضغط المياه ضعيف. قبل ثلاثة أيّام قام شخص أو أكثر بتخريب الأنابيب وقطعها، وأنا أعتقد أنّ مستوطني البؤرة هُم الذين فعلوا ذلك. وقد حدث هذا التخريب أكثر من مرّة منذ 7 أكتوبر. الحرب زادت من نهَم المستوطنين لالتهام المزيد من أراضينا إذ كثّفوا من سعيهم في طردنا من المنطقة، أي من برّية السّواحرة الشرقيّة.اليوم (9.5.24) جلبت أربعة عمّال من البلدة ليقوموا بترميم بئر المياه القريبة من منزلي. عند السّاعة 9:30 صباحًا، حين كنّا منهمكين بتنظيف البئر، جاء مستوطن يحمل مسدّسًا وأمهلنا ساعة واحدة لكي نغادر المكان ونتوقّف عن تنظيف البئر، وإلّا فسوف يُطلق النار ويفجّر البئر. خاف العمّال ورفضوا مُواصلة العمل. م. س. (34 عامًا)، أب لأربعة، من سكّان بلدة السّواحرة الشرقيّة، قال في الإفادة التي أدلى بها في 9.5.24:أنا مُزارع، وبدأت أربّي الأغنام قبل نحو ثلاث سنوات. أنا أعمل في الأراضي الزراعيّة الخاصّة بجدّي وأبي في برّية السّواحرة الشرقيّة. كانت للمرحوم جدّي كسّارة في منطقة البرّية، وكانت تعمل برُخصة إسرائيليّة، لكنّ الأعمال فيها توقّفت قبل نحو 30 عامًا.كان المرحومان جدّي وأبي يزرعان الحبوب ويربّيان الأغنام. في ذلك الوقت كان الفلّاحون والرّعاة يَصلون إلى الأراضي دون أيّ عائق، وكان باستطاعتهم الغرس والزرع ورعي الأغنام في كلّ مكان، وكانت المحاصيل الزراعيّة تكفي لسدّ احتياجاتنا وتزيد، فنبيع الفائض منها ونشتري بثمنه أعلافًا للأغنام لكي تقتات منها في بعض أشهُر السّنة. لكن منذ إقامة البؤرة الاستيطانيّة، على بُعد نحو 500 متر عن منزلنا، تقلّصت مساحات الرّعي والزراعة المُتاحة لنا من مئات الدّونمات إلى 12 دونمًا. وذلك لأنّ المستوطنين يمنعون عائلتنا من المُرور بجانب البؤرة للوصول إلى المراعي.في الماضي كنّا نؤجّر جزءًا من الأرض لشخص من سكّان السّواحرة الشرقيّة وكان يفلحها. لكن منذ أن أقيمت البؤرة الاستيطانيّة ترك المكان خشية على حياته، فاستغلّ المستوطنون كون الأرض متروكة وقاموا، قبل ثلاث سنوات، بقصّ السّياج واقتحام أرضنا وحرثها. ولأنّ جذور عائلتنا في هذه المنطقة تمتدّ عبر مئات السّنين رفضتُ التخلّي عن الأرض وقرّرتُ أن أفلحها بنفسي مع إخوتي وأبناء عُمومتي. خشيتُ أن يستولي المستوطنون على الأرض التي هي أرض أجدادي. قمنا بإصلاح السّياج الذي هدمه المستوطنون وحرثنا الأرض ثمّ زرعنا فيها البُذور.عندما اقتحم المستوطنون أرضنا أوّل مرّة وحرثوها جاء إلى المكان أكثر من 50 شخصًا من عائلتنا وعملوا في الأرض. يومذاك خاف المستوطنون من الاقتراب، وهكذا استطعنا أن نعمل ونزرع. لكن بعد ذلك صار يأتي إلى أرضنا مستوطنون ملثّمون ويشتمون كلّ من يجدونه هناك.ذات مرّة، في 29.4.23، قصّ المستوطنون السّياج المحيط بأرضنا واقتلعوا أوتاد الحديد التي هي علامات حدود الأرض. فأصلحنا السّياج وثبّتنا الأوتاد من جديد وقمنا بترسيم الحُدود مرّة أخرى.بعد 7 أكتوبر ازداد سعي المستوطنين للاستيلاء على أرضنا، خاصّة وأنّ حكومة إسرائيل تعطيهم الضوء الأخضر لمهاجمة التجمّعات الفلسطينيّة في الضفة الغربيّة دون أيّ حساب أو عقاب.وقد حدث أكثر من مرّة أن اعترض المستوطنون طريقي وهدّدوني. قالوا لي إنّ بقائي هُنا في المنطقة سيكلّفني حياتي قريبًا. وقالوا إنّ صبرهم قد أخذ ينفد تجاه وُجودي ووُجود أقاربي في برّية السّواحرة، لأنّ أرضنا ومنازلنا هي الأقرب إلى بؤرتهم الاستيطانيّة.ذات مرّة، بعد بدء الحرب، هاجم مستوطنون منزل أحد أقاربي. اقتحموا المنزل عليه وعلى زوجته في اللّيل وهدّدوا أن يقتلوه. في تلك اللّيلة احترق أيضًا منزل يعود لشخص آخر من أقاربي.قبل نحو سبعة أشهُر سافرنا للمشاركة في مناسبة عائليّة، فاستغلّ المستوطنون فُرصة غيابنا وأدخلوا كلابهم إلى حظيرة مشتركة لأغنامنا وأغنام أقاربنا. هاجمت الكلاب الأغنام وقتلت 10 منها.في حادثة أخرى وقعت قبل ثلاثة أشهر، كنت أعمل في أرضنا وكان معي طفل في الخامسة من عمره، من أقاربنا. جاء مستوطنان، أحدهما أعرفه والآخر كان ملثّمًا، يرتدي بنطالًا عسكريًّا ويحمل بندقيّة M-16. سألني أحدهما: "ماذا تفعلان داخل أراضي إيرتس يسرَئيل؟". قلت له: "أنت تتعدّى حدود أرض هي مُلكيّة خاصّة وممنوع أن تكون هُنا". فقال لي إنّه في الحرب لا توجد قوانين. أخرجت هاتفي وقلت للمستوطن "إذا لم تُغادر فسوف أتّصل بالشرطة". حينئذٍ قال لي إنّه يحذّرني ألّا أتجوّل هنا مع الأغنام قرب البؤرة الاستيطانيّة، وإنّه يُمنع عليّ الخُروج من منزلي في ساعات اللّيل. ثمّ هدّدني بأنّه سوف يقتلني.قبل 12 يومًا قصّ المستوطنون السّياج المحيط بأرضنا وأدخلوا إليها قطعان أغنامهم. اتّصلت بالشرطة، وبالفعل جاء أفرادها وقالوا للمستوطنين إنّه يُمنع عليهم دُخول أيّة أرض مسيّجة.المستوطنون يخرّبون مرّة تلو المرّة أنابيب المياه التي مدّتها لنا بلديّة السّواحرة. المرّة الأخيرة كانت في يوم الخميس الموافق 16.5.24. قمنا في الصّباح ووجدنا الأنابيب مقطّعة وخَرِبَة. غنيّ عن القول أنّ هذا لم يحدث لنا أبدًا قبل إقامة البؤرة الاستيطانيّة.قبل إقامة البؤرة الاستيطانيّة كان سكّان السّواحرة الشرقيّة ينتفعون بمراعٍ بلغت مساحتها مئات الدونمات، والآن جميعنا نتقاسم بضع عشرات من الدّونمات، لأنّ المستوطنين يُلاحقون الرّعاة في المنطقة. من هذه الدّونمات هناك نحو 12 دونمًا تعود لعائلتنا.بسبب النقص في أراضي المرعى تقلّص عدد أغنامي من 150 إلى 50. شراء الأعلاف يعوّض نقص المرعى ولكن لم يكن لديّ نقود لشرائها. كما أنّ المحاصيل التي كان يمكن للأغنام أن تقتات منها قلّت، لأنّ المستوطنين يقطعون السّياج ويُدخلون أغنامهم لتلتهم محاصيلنا.

4 أيلول/سبتمبر 2024