قطاع غزة

بلا استجابة: مرضى لا يتلقون العلاج الطبي في قطاع غزة ولا خارجه

يعاني النظام الصحي في غزة نواقص كثيرة وهو غير قادر على تلبية احتياجات السكان بشكل كامل. قبل ثمانية عشر شهرًا أبلغنا عن أزمة المرضى الذين لا يتلقون العلاج، وحتى الآن لم يطرأ أي تغيير على الوضع. ينبع القصور في النظام الصحيّ من جملة أمور أخرى، من إهماله طيلة أربعين عاما من الحكم الإسرائيلي المباشر في قطاع غزة ومن الحصار الذي فرضته إسرائيل على غزة منذ صعود حماس إلى الحكم في حزيران 2007، والذي تشارك فيه مصر لدوافعها الخاصة. في إطار الحصار تقيّد إسرائيل من جملة أمور أخرى، إدخال المعدات الطبية إلى قطاع غزة وخروج الأطباء للتخصّص ودورات الاستكمال.

كراسي متحركة على حاجز إيرز. تصوير: Medical Aid for Palestinians، تشرين الأول 2011
كراسي متحركة على حاجز إيرز. تصوير: Medical Aid for Palestinians، تشرين الأول 2011

أحد التجلّيات الصعبة لهذا الوضع هو أن العديد من المرضى يحتاجون إلى العلاج الطبي الذي يتوفّر فقط خارج قطاع غزة وفي الضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية) والأردن أو في إسرائيل. تسمح السلطات الإسرائيلية بشكل عامّ بدخول إسرائيل لتلقي العلاج الطبي فقط في الحالات التي يُنقذ فيها العلاج حياة المرضى. ومع ذلك فإن هناك حالات يتم فيها إصدار التصاريح للأشخاص الذين يعانون من مشاكل خطيرة لا تشكّل خطرًا على حياتهم، ولكن حتى في هذه الحالات غالبا ما يتوقف العلاج قبل استكماله بسبب رفض إصدار تصاريح إضافية. إنّ معايير منح تصاريح للعلاج الذي تعرّفه إسرائيل بأنّه "يحسّن جودة الحياة" هي معايير غير معروفة، الأمر الذي يترك المستشفى في حالة من عدم اليقين. وبالتالي فإن العديد من المرضى يُترَكون بلا إجابة بما في ذلك الأشخاص الذين يعانون من مشاكل حادة في العظام وضعف البصر والسمع، ومشاكل خطيرة أخرى.

بالإضافة إلى ذلك ونظرا للإجراءات البيروقراطية الطويلة الخالية من الشفافية في عملية الحصول على التصاريح، هناك حالات تكون فيها حياة المرضى معرّضة للخطر ولا يحصلون على تصاريح في الوقت المناسب كما أنّهم لا يتمكّنون من تلقّي العلاج الذي يحتاجونه في الوقت المناسب.

عملية الحصول على تصريح لتلقي العلاج الطبي – سواء كان علاجًا يُنقذ حياتهم أم لا- هي عمليّة شاقة: بدايةً يُطلب من المرضى الحصول على تحويل من قبل أطبائهم والذي يقدّمونه إلى مكتب الشؤون المدنية في غزة. يحدد الموظفون موعدًا لهم في المستشفى المختص ويقدّمون طلبًا للسلطات الإسرائيلية للحصول على تصاريح دخول لهم ولمرافقيهم. بعد تقديم الطلب يتلقى بعض المرضى استدعاء من قبل الشاباك عند حاجز إيرز. في الحالات التي ترفض السلطات الإسرائيلية منح تصريح فإنها تعلن عن رفض الطلب دون تفسير. في بعض الحالات لا يصل الرد من السلطات حتّى موعد الدّورويترتب على المريض أن يقوم بالإجراءات من جديد.

وقد نُشر في كانون الأول 2015 أن إسرائيل شدّدت المعايير المتعلّقة بمرافقي المرضى ويسمح الآن بدخول مرافقين ممن هم في سنّ الخامسة والخمسين فما فوق. وهذا يعني أنه لن يسمح للأهل في معظم الحالات بمرافقة أبنائهم إلى العلاج وفي كثير من الحالات لن يُسمح ذلك حتّى للأجداد صغار السنّ نسبيًا في قطاع غزة. على الرغم من أنه قد يُمنح مثل هذا التصريح وفق "التشخيص الأمنيّ" لكنّ هذا الإجراء طويل، ومن تجارب سابقة عادة لا يُسفر عن شيء.

معطيات منظمة الصحة العالمية (WHO) حول طلبات المرضى من قطاع غزّة للحصول على تصاريح بالدخول إلى إسرائيل لتلقي العلاج في الضفة الغربية وإسرائيل والأردن عبر حاجز إيرز:

العاممجموع الطلبات 
صودق عليها   تمّ رفضها لم تتلقّ ردًا   تم الاستدعاء للتحقيق
2015 حتى نهاية تشرين الأول18,07714,1431,0352,899146
201418,26614,9215282,817179
201313,77612,120401,616178

مِصر التي تسيطر على معبر رفح - وهو المعبر الوحيد إلى غزة الذي لا تسيطر عليه إسرائيل – تقيّد هي أيضا الخروج والدخول إلى قطاع غزة. منذ عام 2013 والمعبر مغلق بشكل شبه دائم باستثناء بضعة أيام كل عام. هكذا أغلقت في وجه سكان غزة الطريق البديلة الوحيدة لتلقي العلاج خارج قطاع غزة.

ووفقا لمنظمة الصحة العالمية ووزارة الداخلية في غزة فإنه خلال العام 2015 فًتح معبر رفح لمدة 24 يوما وسمح في أربعة أيام منها فقط بدخول الحجاج العائدين إلى غزة من أداء فريضة الحج. خلال العام 2015 سمح فقط بعبور 148 مريضًا لتلقي العلاج في مصر. وخلال العام 2015 تم السماح لِ 148 مريضًا فقط بالعبور بهدف تلقّي العلاج في مصر. وعلى سبيل المقارنة بين حزيران 2012 وتموز 2013 حين كان المعبر مفتوحا بشكل منتظم، فقد سمحت مصر دخول نحو 4000 مريض إلى أراضيها لتلقّي العلاج شهريًا .

في الأشهر بين أيلول 2015-وكانون الثاني 2016 جمع باحثو بتسيلم الميدانيّون شهادات من المرضى الّذين تمّ تحويلهم من قبل أطبائهم للعلاج خارج قطاع غزة، ولكن طلباتهم للحصول على تصاريح للدخول إلى إسرائيل لتلقي العلاج في الضفة الغربية (بما فيها شرقي القدس) وإسرائيل والأردن، تم رفضها من قبل السلطات الإسرائيلية أو لم تلقَ ردًا على الإطلاق.

تبرر إسرائيل الحظر المفروض على سكان قطاع غزة دخول أراضيها بحجج أمنية تتأسس على افتراض باطل بأن هناك خطرا محتملا من كل واحد منهم. هذه الحجج لا تبرر التقييدات التي تفرضها إسرائيل على الدخول إلى أراضيها لتلقي العلاج الطبي، لا سيما وأنها تجري تفتيشا أمنيا فرديا لكل من يقدم طلبا.

إن منح تصاريح الدخول إلى إسرائيل لتلقي العلاج الطبي ليس كرمًا أو معروفًا تقوم به السلطات من أجل سكان غزة الذين يحتاجون العلاج الطبيّ. بعد مرور عقد على "فك الارتباط" ما زالت إسرائيل تسيطر على حركة الفلسطينيين من غزة وإليها. وهكذا فإنها لا تزال تسيطر تقريبا على جميع حدود غزة البرية والبحرية وتمنع تشغيل مطار وميناء بحري في غزة. باستثناءات قليلة تحظر إسرائيل أيضا على سكان غزة السفر إلى الخارج عبر معبر اللنبي بين الضفة الغربية والأردن أو عبر المطارات الإسرائيلية.

إن حجم السيطرة الإسرائيلية يُلزمها بالسماح لسكان غزة بما في ذلك الأشخاص الذين يحتاجون العلاج الطبي العادي، مغادرة القطاع. في إطار هذا الالتزام يجب على إسرائيل أن تسمح لسكان غزة دخول أراضيها للوصول إلى الضفة الغربية والأردن. عند الضرورة وتبعًا للظروف يمكن لإسرائيل أن تشترط منح هذه التصاريح بإجراءات تفتيش أمنية فردية.

افادات

عواطف أبو ضاهر وابنها نعيم. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم

افادة عواطف حمودة حسين أبو ضاهر (41 عاما) أرملة وأم لأربعة أطفال، تعمل ممرضة في مستشفى القدس التابع للهلال الأحمر الفلسطيني في غزة، تقيم في مدينة دير البلح، حيث ولد طفلها بعيوب خلقية في القلب وأعضاء داخلية أخرى

قُتل زوجي في الحرب في صيف عام 2014 أثناء عودته للتحقق من حالة منزلنا. كنت وقتها حاملا. في فحوصات متابعة الحمل تبيّن أن الجنين يعاني من عيوب في القلب والكبد والجهاز الهضمي. ولأنّه لا تتوفر في القطاع الأدوات اللازمة للتعامل مع هذه المشاكل حوّلوني للولادة في إسرائيل. ولد ابني نعيم في 11.3.2015 في مستشفى تل هشومير.

بعد الولادة مكث نعيم في المستشفى في العناية المركزة في تل هشومير لمدة شهر تقريبًا وبقيت هناك معه. بقي أطفالي مع أخواتي. طيلة الوقت تحدثت معهم عبر الهاتف. بعد حوالي شهر تجاوز نعيم مرحلة الخطر. أختي ابتسام ناوبت في المستشفى بدلاً منّي وعدت أنا لأولادي. مكثت ابتسام شهرًا كاملا مع نعيم ثمّ أعادوه إلى المنزل.

عيّنوا لنا في المستشفى موعدا للفحوصات والمتابعة في شهر حزيران عام 2015. ولأن ابنتي ميس كانت مريضة وكنت مشغولة بالعمل في المستشفى والمنزل فقد رافقت ابتسام نعيم إلى المستشفى.

اكتشف الأطباء في تل هشومير أن نعيم يعاني من انسداد في أحد شرايين القلب. أبقوه في المستشفى وأجروا له عملية قسطرة لم تنجح. أجرى له الأطباء عملية جراحية وقصّوا الجزء المسدود من الوريد. مكث نعيم في المستشفى لمدة 18 يوما. في هذه الفترة قمت بتبديل أختي في المستشفى وبقيت معه لمدة أسبوع تقريبًا ثم عدنا إلى غزة.

في تاريخ 1.8.2015 عدت مجددا مع نعيم لإجراء الفحوصات في تل هشومير بعد أن حصلنا على تصريح. قال الأطباء إن حالته مستقرة ولكن عيّنوا له عملية أخرى في 1.12.15. عدنا إلى غزة في نفس اليوم. قبل العمليّة تقدمت بطلب لمكتب الشؤون المدنية كما هو الحال دائمًا. كان من المفترض أن ترافق أختي نعيم.

قدمنا الطلب ولم نتلق أي رد. يوم العملية توجهت ابتسام مع نعيم إلى حاجز ايرز وانتظرت هناك لمدة ساعتين عند غرفة التنسيق لكن الموظفين قالوا إنها لا تملك تصريحًا. عادت ابتسام إلى مكتب الشؤون المدنية في غزة وطلبت منهم أن يطلبوا التصريح لي بدلاً منها حتى نتمكن من الوصول إلى العملية في ذلك اليوم. لقد حاولوا ولكن مرة أخرى لم نتلق أي رد من الجانب الإسرائيلي.

قمنا بتحديد موعد جديد لإجراء العملية عن طريق مكتب الشؤون المدنية في 5.1.16. قدمت طلب حصول على تصريح جديد لي ولنعيم ولكن مرة أخرى لم نتلقّ أي ردّ. في 07.01.16 أبلغوني من مكتب الشؤون المدنية أن مكتب التنسيق الإسرائيلي على حاجز إيرز يريد استدعائي لجلسة مع الشاباك عند الحاجز. ما زلت في انتظار تحديد موعد للجلسة.

يعاني نعيم من نقص في الأكسجين وأحيانا عندما يصعب عليه التنفّس يزرقّ وجهه. يتلقى علاجا بالأدوية. حاليا يتواجد مع أختي لأن مكان سكناها أقرب إلى المستشفى ولأنها تتواجد في المنزل وقادرة على العناية به. في عطلة نهاية الأسبوع أصطحبه معي إلى المنزل.

أنا قلقة دائما وأخشى ألا أحصل على تصريح خصوصًا بعد أن سمعت بأن إسرائيل ترفض منح تصاريح للمرافقين الذين تقل أعمارهم عن 55 عاما.

• افادة جمعها باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة

افادة علي خضر محمد بشير (46 عاما) متزوج وله ثمانية أطفال، صاحب متجر لبيع الملابس في مدينة دير البلح، يعاني من ضعف في السمع ومن مشكلة عصبيّة:

علي بشير. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلمقبل حوالي 15 عامًا بدأت أواجه مشاكل في السمع. بعد خمس سنوات قمت بتركيب جهاز للسمع بتمويل من جمعية الصم والبكم في غزة. مع مرور الأعوام تنقّلت من طبيب إلى آخر في قطاع غزة ووصفوا لي أدوية مختلفة ولكن شيئًا منها لم يحسن وضعي بل على العكس من ذلك.

قبل ثلاث سنوات بدأت أعاني أيضًا من فقدان في التوازن والدوار وضعف في أعصاب القدمين. لا أدري ما إذا كان لذلك صلة بمشكلة السمع. مكثت في مستشفى ناصر في خانيونس لعشرة أيام لكنّهم لم ينجحوا في مساعدتي وتواصل تدهور صحتي. اليوم لا أستطيع أن أرفع الأشياء الثقيلة لأنّي أجد صعوبة في ذلك.

كلّ طبيب فحصني قال أنني أعاني من شيء آخر. تناولت الكثير من الأدوية التي وصفها لي الأطباء ولم يساعدني شيء.

قبل بضعة أشهر وفي أيار 2015، حوّلوني لتلقّي العلاج في مستشفى فلسطين في القاهرة ولكن معبر رفح كان مغلقًا وقتها لذلك لم يكن بإمكاني أن أسافر. بعد شهرين من هذا التاريخ منحني الأطباء تحويلا آخر لتلقي العلاج في مستشفى النجاح في نابلس. حدّدوا لي موعدًا ل-15.07.15 وتقدمت بطلب للحصول على تصريح عبر مكتب الشؤون المدنية في وزارة الداخلية. لم أتلق أي ردّ وعندما اتصلت لأستوضح من الموظفين قالوا لي إنّ الجانب الإسرائيلي رفض أن يصدر لي تصريحا.

وبعد ثلاثة أشهر مُنحتُ تحويلاً جديدا لمستشفى النجاح وتحدد لي موعد آخر ل -12.10.15. مرة أخرى تقدمت بطلب للحصول على تصريح لوزارة الداخلية وبعد ثلاثة أيام وصلني الرفض. طلبت تجديد التحويل لكن هذه المرة تمكنت من الحصول فقط على تحويل لمستشفى في مصر على أمل أن يفتحوا المعبر.

كل تجديد للتحويل منوط بعذاب ومعاناة. عليّ أن أصل إلى دير البلح مرارا حتى يمنحوني التحويل وفي كل مرة لا بد لي من إغلاق متجري وقضاء اليوم في الركض من طبيب إلى آخر ومن مكتب إلى آخر.

الآن ينعدم التوازن عندي تمامًا ولا يمكنني الوقوف بشكل مستقيم. أشعر على الدوام أنني على وشك الوقوع ونتيجة لذلك لا أستطيع التقاط أي شيء عن الأرض لأنني لا أستطيع الانحناء والاستقامة خشية الوقوع. أضطر إلى أداء الصلاة جالسًا على كرسي. هذا بالإضافة إلى مشكلة السمع. أجد صعوبة في سماع الزبائن وهذا سبب انخفاضا في عدد الزبائن الذين يأتون إلى المتجر. وبسبب هذه المشاكل توقفت عن المشاركة في المناسبات الاجتماعية والعائلية. مع مرور الأعوام أهدرت أموالا كثيرة على العلاجات التي لم تساعدني على الإطلاق ولم تحسن وضعي. اشتريت بآلاف الشواقل أدوية لا تتوفر في الصيدليات الحكومية.

• افادة جمعها باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة

عدنان بربخ. تصوير: محمد صباح، بتسيلم

افادة عدنان وصفي عدنان بربخ (51 عاما) أب لثمانية أطفال، موظف سابق في السلطة الفلسطينية، من سكان منطقة الشيخ ناصر في خان يونس، مريض قلب:

في عام 2005 مررت بأزمة قلبية حادة في المنزل. أخذني أفراد العائلة إلى مستشفى ناصر وسط خانيونس وقال الأطباء إنه عليّ الخضوع لعمليّة قسطرة. مكثت في المستشفى لمدة أسبوع ثم أخذوني إلى المستشفى فلسطين في القاهرة لمواصلة العلاج. خضعت هناك لعملية قلب مفتوح ومكثت في المستشفى لمدة أسبوع تقريبا ثم عدت إلى قطاع غزة، مع توصيات بالمراجعة وأدوية عليّ الالتزام بها يوميًا.

أثّر المرض على حياتي إلى حد كبير. أعاني من التعب طيلة الوقت ويجب أن أحافظ على نظام غذائي والحذر من التعرض للغبار والرياح القوية. في 15.09.15 عانيت من ضيق نفس ولم أتمكن من التنفس. أراد أبنائي أن يأخذوني إلى المستشفى لكنني رفضت لأنني اعتقدت أنها نوبة وستمر بعد أن أتناول الأدوية. ولكن حالتي ساءت يوما بعد يوم والآن أعاني طيلة الوقت من الإحساس بالاختناق والإرهاق.

في تاريخ 20.10.15 توجّهت إلى مستشفى ناصر للفحص. قال الاطباء إنه عليّ الخضوع لقسطرة وتوسيع الأوعية الدموية من جديد. حوّلني الأطباء بشكل عاجل لإجراء عملية جراحية في مستشفى الحياة في الأردن وتعين لي موعد ليوم 1.11.15 حتى أسافر عن طريق حاجز إيرز.

تقدمت بطلب إلى مكتب الشؤون المدنية في وزارة الداخلية وقالوا بأنّهم سيبلغوني هاتفيًا بالرّد في غضون أسبوع. وبعد أسبوع لم أتلق ردًا لذلك عدت إلى قسم الشؤون المدنية وأبلغوني أنهم لم يتلقوا ردا من الجانب الإسرائيلي. في هذه الأثناء حالتي الطبية تتدهور يوما بعد يوم. حتى السير لمسافات قصيرة يسبب لي التعب. أرى إمارات القلق على أفراد عائلتي.

في مطلع الشهر أعلنوا أن معبر رفح سيتم فتحه لمدة يومين ففكرت وقتها بالسفر عبر مصر. لكن المعبر كان مكتظا بالناس الراغبين بالسفر. ذهبت إلى هناك على مدار يومين وانتظرت ساعات في طوابير طويلة ولكني لم أتمكن من العبور.

• افادة جمعها باحث بتسيلم الميداني محمد سعيد

ألفت كساب. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم

افادة ألفت محمد خالد كساب، 16 عاما، طالبة في الصف التاسع وتقيم في حيّ الشيخ رضوان في مدينة غزة، تعاني من عيب في عظام الحوض

ولدتُ بركبة روحاء وخضعتُ لعمليات كثيرة في الضفة وغزة ولكن جميعها باءت بالفشل. في العام 2008 سافرت إلى مصر وخضعت للعلاج هناك لمدة خمسة أشهر مع والدتي وشقيقتيّ، اللواتي عانين هن أيضًا من نفس المشكلة. حضر والدي أيضا معنا. أجروا لي عملية في مصر وعدت إلى غزة في سيارة إسعاف. بسبب كل العلاجات والعمليات الجراحية التي خضعت لها على مر السنين أضعتُ عامين دراسيّين. في العام 2011 عدت إلى مصر مع والدي وذهبنا إلى طبيب خاصّ للاستشارة حيث أوضح لنا إنه لا يوجد في مصر علاج مناسب.

في شهر شباط 2014 تلقيت تحويلا إلى مستشفى المقاصد في القدس. رفض الجانب الإسرائيلي إعطاء والدي تصريحًا بمرافقتي. كانت والدتي قد خضعت لعملية جراحية في ذلك الوقت لذلك سافرت مع عمتي منال. وصلت إلى القدس في 9.2.14 وأُجريت لي عملية جراحية لتصحيح القدم اليسرى. قام الأطباء بتركيب جهاز تثبيت وزرع في القدم. نجحت العملية. مكثت في المستشفى لمدة 12 يوما وعدت إلى غزة.

منذ ذلك الوقت أحضر إلى مستشفى المقاصد عدة مرات للعلاج والمتابعة. كانت آخر مرة في شباط 2015، وبعد ذلك حددوا لي موعدًا لإجراء عملية جراحية في تاريخ 20.10.15 لإطالة القدم اليسرى.

هذه المرة لم أحصل على تصريح وفاتني موعد العملية. عندما أبلغت برفض الجانب الإسرائيلي شعرت بسوء وانهرت نفسيًا. كنت آمل أن يتوقف الألم والعلاجات وأصبح قادرة على المشي بشكل طبيعي دون عكازات ونظرات الناس في الشارع. أملت أيضا بالعودة إلى المدرسة بشكل منتظم. دمّر الرفض كل آمالي. عيّنوا لي موعدًا آخر في 08.05.15 ثم في 3.11.15 لكن الإسرائيليين رفضوا إعطائي تصريحًا.

اليوم أتناول الفيتامينات والكالسيوم والمسكنات التي وصفها لي الأطباء في غزة. أمشي على عكازين وأعاني من آلام حادة في القدمين. أذهب إلى المدرسة في الحافلة وفي الأيام الماطرة أفضّل البقاء في المنزل لأنني أخشى أن أنزلق مع العكازين ويزداد وضعي تعقيدًا. بسبب غيابي عن المدرسة انخفضت درجاتي بشكل كبير واليوم أدرس في الصف التاسع بدلاً من الحادي عشر.

عندما بدأت أشعر تحسن بعد العلاج في مستشفى المقاصد كنت في غاية السعادة وأملت أن تكون لي حياة طبيعية بعد سنوات من المعاناة ولا ينظر الناس إليّ كعاجزة. أحلم مثل كل الفتيات بالتعلم والزواج. اليوم أشعر بالإحباط والإرهاق النفسيّ لأنني لا أستطيع استكمال العلاج.

• افادة جمعها باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة

افادة أسماء داود عثمان عاشور، 54 عاما، أم لسبعة أطفال، ربة منزل، من سكان خانيونس، تعاني من مرض السكري، وارتفاع ضغط الدم وتوقّف عمل الغدد الدرقية

في نهاية العام 2012 وبداية العام 2013 بدأت أعاني من آلام في منطقة الحوض. أجريت بعض الفحوصات وتبين من الفحوصات الأولية إنّه عليّ الخضوع لعمليّة لعلاج الكيسة. في تاريخ 13.01.13 أجريت العملية في مستشفى ناصر وسط مدينة خانيونس وعدت إلى المنزل، ولكن بعد أيام عانيت من ألم شديد في منطقة العملية وذهبت إلى المستشفى. أعطاني الأطباء المسكنات والمضادات الحيوية وأعادوني إلى البيت ثانية.

استمر الألم لعدة أشهر. أحيانا لم أفلح في النهوض من السرير. لم يلتئم الجرح من العملية وتكوّن هناك خراج. قام الأطباء بتصريف الخراج مرتين وقالوا إن الجرح لم يلتئم لأنني أعاني من مرض السكري. قال لي بعض الأطباء إن العملية لم تنجح.

في نهاية المطاف حولني الأطباء في مستشفى ناصر لمواصلة العلاج في مستشفى الشفاء في مدينة غزة. تواصلت الفحوصات وتصوير الأشعة السينية لمدة عام، وتلقّيت المزيد من الأدوية والمسكنات لكنهم فشلوا في التوصل إلى تشخيص طبي دقيق. وقتها لم أعد قادرة على المشي.

في تشرين الثاني 2014 حوّلني الأطباء إلى مستشفى المقاصد في القدس الشرقية. وصلت إلى المقاصد ولم يفهم الأطباء هناك لماذا لا أستطيع المشي. أعطوني أدوية وعلاجًا موضعيًا للجرح المتسبب من التهاب في أسفل ظهري وأعادوني إلى البيت.

مررت بفترة قاسية. أصبحت عبئًا ثقيلا على أولادي الذين اضطروا لمساعدتي في كلّ شيء بما في ذلك استخدام المرحاض. إنهم يرافقونني ويبيتون عندي كل أسبوع تقريبا في المستشفى في غزة وحتى عندما سافرت إلى مستشفيات خارج غزة. تكاليف العلاج الباهظة والتي اضطررنا إلى تكبّد معظمها أيضًا تشكّل عبئًا علينا. يؤثر وضعي الصحي سلبًا على الحالة النفسية لجميع أفراد الأسرة إذ يشعر الجميع بالحزن. قبل أن تتدهور حالتي اهتممت دائما بنظافة البيت وإعداد الطعام. الآن تضطر بناتي إلى ترك منازلهن وإهمال أطفالهن للقيام بهذه الأمور بدلاً منّي. يقتسمن المهام بينهن.

ذهبت أيضًا إلى العيادات العامة والخاصة في قطاع غزة. في النهاية حوّلني الأطباء في مستشفى ناصر مرة أخرى للعلاج خارج قطاع غزة وهذه المرة في مستشفى الميزان في الخليل. في 30.04.14 سافرت إلى الخليل وقال الأطباء أنني بحاجة لعملية جراحية في العمود الفقري. ولكن عندما عدت إلى غزة قال لي الأطباء أن العملية خطيرة ونصحوني بعدم الخضوع إليها لذلك تنازلت عنها.

بقيت على كرسي متحرك. بالإضافة إلى ذلك فأنا أعاني من آلام قويّة ولا أقوى على النوم. أعيش طيلة الوقت على المهدئات والمسكنات. في الفحوصات الأخيرة التي مررت بها في الأشهر الأخيرة في قطاع غزة اكتشف الأطباء أني أعاني من تآكل عظم العانة وقالوا إنه عليّ أن أخضع لعملية أخرى في غزة يخشون من إجرائها، لذلك حولوني إلى مستشفى النجاح في نابلس.

ذهب ابني عدة مرات إلى مكاتب الشؤون المدنية وعيّنوا لي في المستشفى موعدًا لتاريخ 19.11.15. قدم مكتب الشؤون المدنية طلبًا للحصول على تصاريح للدخول إلى إسرائيل وقالوا إنهم سيعلموننا عندما يتلقون جوابًا ولكنهم لم يعاودوا الاتصال. يوم العمليّة وصل ابني إلى المكتب في الساعة 8:00 صباحًا وعرفنا أن الجانب الإسرائيلي رفض الطلب دون تفسير.

• افادة جمعها باحث بتسيلم الميداني محمد سعيد

افادة فاروق إياد محمد الهمص،19 عاما، من سكان مخيم يبنا في رفح يعاني من ورم حميد في كتفه يضغط على الأعصاب، ويسبب له آلاما شديدة ويقيّد

فاروق الهمص: تصوير: محمد صباح، بتسيلمحركته: أدرس التربية في جامعة الأقصى في خانيونس. قبل أربع سنوات بدأت أعاني من آلام في الظهر. ذهبت إلى عيادة محلية في المخيم ووصف لي الأطباء الأدوية والمسكنات لمدة عامين، ولكن حالتي لم تتحسن. بدأت أعاني من صعوبات في تحريك الكتف الأيسر ورويدًا بدأ الأمر يزداد سوءا حتى لم أتمكّن من تحريك ذراعي اليسرى بسبب الألم. عانيت من صعوبة في النوم حيث تعرّضت لمزيد من الألم وأنا مضطجع وصرت أنام جالسًا.

ذهبت إلى طبيب العظام الذي أرسلني بدوره لتصوير أشعة ومن ثمّ إلى تصوير الرنين المغناطيسي MRI. فحص الطبيب الصور وقال إن هناك ورمًا في الكتف وقد يكون سرطانيًا. أرسلني لإجراء تصوير الأشعة المقطعية. الطبيبة التي قرأت الصورة قالَت إنّ الورم في الكتف هو ورم حميد ولكن يجب إزالته فورا لأنّه يضغط على الأعصاب. أرسلتني لإجراء فحص الخزعة والذي أكّد أن الورم حميد.

حوّلتني الطبيبة لإجراء عملية جراحية في مستشفى النجاح في نابلس وتحدّد لي موعد لتاريخ 4.8.15. تقدمت بطلب للحصول على تصريح عبر مكتب الشؤون المدنية ولكني لم أتلق ردا من الجانب الإسرائيلي. عينوا لي موعدًا آخر لتاريخ 16.8.15 وتقدمت بطلب للحصول على تصريح من جديد ولكن مرة أخرى لم يكن هناك أيّ ردّ. عيّنتُ موعدين إضافيين لتاريخ 3.11.15 و8.12.15 وفي كلتا الحالتين لم أتلق ردًا. في الوقت نفسه طلبت من وزارة الداخلية في غزة تصريحًا بالسفر إلى مصر على أمل فتح المعبر.

أعاني من ألم شديد في ظهري ويدي اليسرى والتي أصبحت شبه مشلولة كما أعاني من الدوار من شدّة الألم. بسبب الآلام لا أستطيع الذهاب إلى الجامعة بشكل منتظم وأجد صعوبة في الدراسة. أذهب مرة أو مرتين فقط في الأسبوع وقد تضرّر تحصيلي العلميّ. كان معدّلي 85 وانخفض الآن إلى 69. أجد صعوبة في الأداء حتى وأنا في البيت،ولا يمكنني حتى ارتداء ملابسي دون مساعدة.

• افادة جمعها باحث بتسيلم الميداني محمد صباح

مواد مقترحة

בילאל אל-משהראווי במיטתו. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 14.3.23

قطاع غزة

إسرائيل تمنع طفلًا (8 أعوام) من مغادرة قطاع غزة لتلقي العلاج

بلال المشهراوي (8 أعوام)، من سكّان حيّ الزيتون في غزّة، يعاني من مرض في مجاري التنفّس ومن التهاب رئويّ مزمن ويحتاج إلى علاج غير متوفّر في القطاع. جميع الطلبات التي قُدِّمتْ لحصول مرافقيه على تصريح دخول إلى شرقي القدس تم رفضها. قدمت مؤسسة حقوق الانسان "چيشاه-مسلك" التماسًا خلال شهر شباط للمحمة المركزية في بئر السبع، وطالبت بالسماح بخروج والدة بلال من القطاع كمرافقة له، وذلك بعد أن رفضت الجهات الإسرائيلية طلبها بادعاء "منع أمني". أيضًا طلب والد بلال رُفض من قبل إسرائيل بنفس الادعاءات. خلال جلسة الاستماع في المحكمة التي عُقدت في نفس الساعات التي كان فيها الطاقم الطبي في القدس بانتظار وصول بلال، أدعى ممثل الدولة أنه أهم للأم أن تخرج مع ابنها كمرافقة من اهتمامها بصحته، وأن جهاز الأمن الإسرائيلي لن يسمح بخروج الوالدين مع ابنهم وأن هنالك 20 شخصًا على الأقل من عائلته تستطيع الجهات الإسرائيلية الموافقة عليهم كمرافقين. في الإفادة التي أدلت بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 14.3.23، قالت والدته آية (28 عامًا وأمّ لأربعة): منذ ولادته، يعاني ابني بلال من التهابات مزمنة في الرئتين تسبّبت في توسُّع الشُّعَب الهوائيّة وتراكم البلغم وتقلُّص الرئة اليمنى. منذ ولادته ونحن نتوجّه للعلاج والمتابعة في مستشفيات في غزّة وهو يتلقّى هناك علاجًا استنشاقيًّا وحقنة لتهدئة الرئتين فقط، وأحيانًا يُبقونه في المستشفى بضعة أيّام. يتلقّى علاجًا كلّ شهر أو كلّ شهر ونصف الشهر. بسبب السعال الشديد ظهرت نقاط حمراء على وجه بلال ودم في العينين وبسبب شدّة الالتهابات حدث ثقب صغير في قلبه. في كانون الأوّل 2022، وصلنا إلى مستشفى الرنتيسي في غزّة وخضع هناك للعديد من الفحوصات وأخبرنا الطبيب بأنّ بلال يعاني من ضعف شديد في جهاز المناعة ومن مشاكل في الرئة وبأنّه لا يستطيع تشخيص حالته بدقّة بسبب نقص الأجهزة في غزّة. وقد أحالنا لتلقّي العلاج في مستشفى المقاصد في القدس. تلقّيتُ من الطبيب نفسه الاستمارة رقم 1 في ذلك الشهر [إحالة] وتعهُّدًا بالتغطية الماليّة من السلطة الفلسطينيّة وعُيِّن لنا دور في المستشفى يوم 8.1.23. قدّمنا ​​طلبًا للحصول على تصريح خروج منذ كانون الأوّل. في البداية سجّلنا زوجي محمّد (30 عامًا) كمرافق وبعد أن تلقّينا ردًّا بأنّ الطلب قيد الفحص، قدَّمنا الطلب ​​مرّة أخرى وقمنا بتسجيلي أنا كمرافقة. لكن، قبل يوم واحد من تاريخ التصريح تلقّيتُ رسالة نصّيّة إلى هاتفي مفادها أنّني قيد الفحص وأنني مرفوضة لأسباب أمنيّة ​​وأنّ بلال قيد الفحص هو أيضًا من قبَل السلطات الإسرائيليّة. توجّهتُ على الفور إلى مكتب التنسيق في غزّة وسجّلت والدتي سناء صبحي المشهراوي (52 عامًا) كمرافقة لبلال. بعد يومين، وصلتْ رسالة نصّيّة إلى هاتف والدتي مفادها أنّ طلبها مرفوض. في أثناء انتظارنا التصريح كان بلال يخضع للمتابعة وللعلاج في المستشفى وقد تلقّى علاجًا استنشاقيًّا ورذاذًا ومضادّات حيويّة وتقوية لجهاز المناعة. وكلّما كانت تتفاقم آلامه وترتفع درجة حرارته كنتُ آخذه على الفور إلى مستشفى الرنتيسي لتلقّي علاج استنشاقيّ وللمتابعة. في 15.2.23 قرابة الساعة 14:00، ذهبتُ إلى اجتماع مع "الشاباك" الإسرائيليّ في حاجز "إيرز". كان ذلك اليوم طويلًا جدًّا. خضعتُ لتفتيش على الحاجز ثمّ أدخلوني إلى غرفة وسألني المحقّق عن أشخاص أعرفهم. أوضحتُ له أنّ ابني مريض وهو بحاجة ملحّة إلى علاج. سألني عن أطفالي الآخرين وأوضاعهم الصحّيّة فأوضحتُ له أنّ ابني معاذ (11 عامًا) يعاني هو أيضًا من مشكلة في الحوض منذ ولادته وأنّ أسيل (6 أعوام) تعاني من مشاكل في البصر. استمرّ التحقيق وقتًا طويلًا وفي نهايته أخذوا بطاقة هويّتي مما جعلني أتوتّر لأنّني خفتُ أن يعتقلوني. بعد نحو نصف ساعة أعادوا لي البطاقة وعدتُ إلى البيت. كانت الساعة 18:00 تقريبًا. فاتنا الموعد الأوّل وعيّنّا دورًا جديدًا له ليوم 19.2.23. ومرّة ​​أخرى، في البداية سجّلنا زوجي ثمّ أنا كمرافقَين، ومرة أخرى تلقّينا رسالة نصّيّة إلى هاتفي وهاتف زوجي بأنّ طلبي مرفوض لسبب أمنيّ وكذلك طلب زوجي مرفوض لسبب أمنيّ. ذهبنا إلى مكتب التنسيق في غزّة لفحص ما يمكننا القيام به بعد، فقالوا لنا إنّهم فعلوا كلّ شيء ممكن ولم يعد لديهم ما يمكنهم القيام به بعد. في أثناء وجودي في مكتبهم طلبتُ من الموظّف أن يفحص أفراد عائلة آخرين وأعطيتُه أرقام هويّة أجداد وجدّات بلال وعمّاته وخالاته. فحصنا نحو عشرين اسمًا وأخبرني بأنّهم مرفوضون جميعًا. تمّ تسريح بلال من مستشفى الرنتيسي في 19.3.23 بعد رقوده فيه خمسة أيّام وذلك بسبب الحرارة المرتفعة المصحوبة بسعال حادّ ولا يزال ينتظر تعيين دور له في المقاصد. تمّت إحالتهم إلى مستشفى المقاصد مرّة أخرى، لكن لم يتمّ تعيين دور لهم بعد.

28 آذار/مارس 2023

משפחת אבו סאע בימים יפים יותר. התמונה באדיבות המשפחה

قطاع غزة

في عزلة قاسية: نساء قطاع غزة المتزوجات من سكان الضفة يُجبَرن على تربية أولادهنّ بمفردهنّ

يمنع نظام الأبارتهايد الإسرائيلي آلاف العائلات الفلسطينية التي يكون أحد الزوجين فيها من سكان قطاع غزة والآخر من سكان الضفة الغربية من العيش معاً كعائلة في الضفة الغربية ويجبرها على اختيار أحد خيارين لا يمكن احتمالهما: إما العيش معاً في قطاع غزة - في انقطاع عن الأسرة التي بقيت في الضفة الغربية ومواجهة الظروف المعيشية القاسية في قطاع غزة وصعوبة كسب العيش ـ وإمّا العيش بشكل منفصل بحيث يضطر أحد الزوجين لتربية الأطفال لوحده. هذه السياسة هي جزء من سياسة عزل قطاع غزة التي يطبقها النظام منذ التسعينات. وقد تم تشديد هذه التقييدات مع بدء الانتفاضة الثانية في أيلول 2000 ثم بلغت ذروتها في العام 2007 عندما فرضت إسرائيل الحصار على قطاع غزة وسجنت سكانه في داخله. فقط في حالات نادرة واستثنائية، تعرّفها إسرائيل بأنها "حالات إنسانية"، تسمح إسرائيل للسكان بالخروج من القطاع، فيما يُعتبر أي تصريح كهذا وكأنه مِنّة وليس حقاً مشروعاً لهم. وقد ادعت إسرائيل ـ وتبنت المحكمة العليا الإسرائيلية هذا الادعاء وأسبغت عليه الشرعية القانونية ـ بأنّ الزواج بشكل عام ليس مبرراً لمنح تصريح بالعبور ما بين القطاع والضفة. يؤكد هذا الواقع أن لا أساس من الصحة مطلقاً للادعاء الإسرائيلي القائل بأنه منذ خطة فك الارتباط بالقطاع في العام 2005 لم تعد تتحمل أية مسؤولية عن سكانه. فمن خلال سيطرتها المطلقة تقريباً على جميع المعابر -في الضفة والقطاع – وعلى سجل السكان الفلسطيني، تملي إسرائيل على الرعايا الفلسطينيين كيف تكون حياتهم اليومية وتتدخل في علاقاتهم الأساسية جداً: العلاقات ما بين الزوجة وزوجها وما بين الوالدين وأولادهما وما بين أفراد العائلة الموسعة. المتضررات الأساسيات من هذه السياسة الإسرائيلية هن النساء من سكان قطاع غزة اللواتي تزوجن من رجال من سكان الضفة الغربية. فقد بقين هناك يربين أولادهن لوحدهن في الظروف المعيشية القاسية في القطاع ودون أية بارقة أمل بينما الغموض يلف مستقبلهن. وقد جمعت بتسيلم شهادات عدد من النساء اللواتي فُرض عليهن هذ الواقع. ياسمين عبد الباسط (35 عاماً) من سكان مدينة غزة تسكن مع أولادها الأربعة في القطاع بينما يعيش زوجها في الضفة الغربية. في 6.9.22 روت لباحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة عن الرفض المتكرر لطلباتها من أجل الحصول على تصريح بالانتقال إلى الضفة كي يتمكنوا من العيش سوية كعائلة: أتيت مع عائلتي من السعودية إلى قطاع غزة عام 1994. في العام 2009 تزوجت من زوجي محمد علي عبد الباسط (37 عاماً) وهو من عزون عتمة في الأصل، م في منطقة قلقيلية ويحمل بطاقة هوية الضفة الغربية. عشية عقد قراننا دخل إلى قطاع غزة عبر معبر رفح لوحده ودون أن يرافقه أحد من أبناء عائلته في الضفة الغربية. أقمنا في قطاع غزة حتى العام 2016 وخلال تلك الفترة رُزقنا بثلاثة أبناء: عبد الكريم (12 عاماً) وعلي (10 سنوات)وعمرو (8 سنوات). كان زوجي يعمل آنذاك في متاجر لبيع الكتب وفي مشاغل للزجاج. في آذار 2016 أصيب والده بمرض وتردت حالته الصحية فقدم طلبات للحصول على تصاريح لي ولأبنائنا الثلاثة للانتقال إلى الضفة. تمت الموافقة على هذه الطلبات، لكن حين وصلنا مع أبنائنا إلى معبر "إيرز" في الشهر ذاته، انتظرنا أربع ساعات ثم أبلغونا بأن طلبي مرفوض ولن أستطيع العبور، دون أن يقدموا لنا أية تعليلات أو تسويغات. في نهاية الأمر، عبر زوجي الحاجز سوية مع ابنينا عبد الكريم وعلي. لم أوافق على أن يأخذ معه عمرو أيضاً، لأنه كان لا يزال يرضع منّي ولذلك بقي معي. كان فظيعاً أن أفارق ابنيّ الاثنين. أصابني انهيار. خفتُ ألا أراهما بعد ذاك. تمنيت أن أخرج من القطاع مع زوجي وأبنائي، لكن ذلك لم يحصل ولم أر إلا السواد. عدنا أنا وعمرو إلى منزل عائلتي. لم أتوقف عن البكاء ولم أستطع تناول الطعام طوال بضعة أيام. شعرت بأننا عبء على العائلة فقد كان الاكتظاظ شديداً في المنزل. بعد مغادرة زوجي بثلاثة أسابيع مرض علي. أصيب بتلوث في الحلق ورقد في المستشفى في قلقيلية طوال عشرة أيام. طلبت من زوجي أن يرسلوا إليّ التقارير الطبية عن حالته وقدمت طلباً للحصول على تصريح بالعبور إلى الضفة لكي أكون بجانب علي، لكنني لم أتلق أي رد على طلبي. قدم زوجي عدة طلبات من أجلي كي أتمكن من الوصل إلى الضفة لكن إسرائيل رفضتها كلها. وبعد نحو شهرين في أيار 2016 عاد زوجي إلى القطاع سوية مع عبد الكريم وعلي عبر معبر "إيرز". أقمنا جميعاً معاً في شقة مستأجرة. اشترينا الأثاث والأدوات الكهربائية أيضاً وعاد زوجي إلى العمل في معمل للزجاج. في 20.2.21 وُلد ابننا عز الدين. في تشرين الأول 2021 تدهورت حالة والد زوجي الصحية وأصبح يعاني من شلل تامّ في جسمه كله فقدم زوجي طلباً جديداً للحصول على تصريح له هو فقط كي يتمكن من زيارة والده. حصل على التصريح وسافر إلى الضفة. بعد نحو شهر في تشرين الثاني 2021 جدد بطاقة هويته وقدم طلباً لتغيير عنوان الإقامة، لي ولأبنائنا أيضاً، لكننا لم نحصل على موافقة حتى الآن. زوجي موجود الآن في الضفة ويتولى رعاية والده هو وشقيقه بينما أعيش أنا في القطاع مع أبنائنا الأربعة. أعاني جداً من تمزق عائلتنا. ابني عبد الكريم في سن المراهقة ومن الصعب جداً عليّ تدبر أموره وحدي. يشعر بأنه أصبح إنساناً بالغاً ولا ينصت إليّ ويشكو من غياب والده. إنه يعاني من مشكلة في طبلة الأذن اليسرى ويحتاج إلى متابعة طبية دائمة ولذا، فأنا أصطحبه إلى الفحص مرة كل شهر. لاحظتُ أن لديه حركات لا إرادية في الوجه وحين أسأله عن ذلك يقول إن السبب هو الإرهاق والاشتياق لوالده. عندما يتحدث عمرو مع والده هاتفياً يكون غاضباً وأحياناً يقول له إنه يكرهه لأنه ابتعد وهجرنا، لكنه يواصل السؤال متى سيأخذنا معه إلى الضفة. عندما عاد زوجي في حينه إلى الضفة، كان ابننا عز الدين في سن ثمانية أشهر فقط لذا فهو لا يعرف والده. في الأسبوع القادم من المفترض أن آخذه لإجراء عملية في الخصيتين في مستشفى الشفاء. من الصعب عليّ تحمل مسؤولية كل شيء لوحدي، بينما من المفترض أن يكون والدهم إلى جانبي وأن يساعدني على حمل العبء وتربية أبنائنا. أنا أفعل كل ما أستطيع لتوفير احتياجات أبنائي رغم أن مطالبهم تزداد يوماً بعد يوم. وضعنا الاقتصادي صعب. أعمل موظفة مكتبة وزوجي يرسل إلينا أيضاً مبلغاً من المال كل شهر من الضفة، لكن هذا لا يكفي. والدي الذي يعتاش من مساعدات وزارة الرفاه لا يستطيع مساعدتنا. سجلت الأولاد في نادٍ لكرة القدم في الصيف لكن لم يكن بإمكانهم الاستمرار هناك لعدم قدرتي على توفير المال اللازم. في تموز 2022 سمعت أنّ إسرائيل وافقت على طلبات لتصاريح من أجل زيارات الأقارب في الضفة فتقدمت بطلب لدى دائرة الشؤون المدنية في غزة، لكنني لم أتلق أي رد حتى الآن. أتابع الأخبار كل الوقت لمعرفة ما إذا كان بإمكاني تقديم طلب لتغيير عنوان إقامتنا. ما زلت آمل أن ذلك ممكن. منى الأسطل (36 عاماً)، من سكان خانيونس وهي أم لأربعة، روت لباحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة يوم 6.6.22 عن مشقة تربية أولادها لوحدها بينما زوجها في الضفة الغربية وإسرائيل ترفض السماح لأبناء العائلة بالانضمام إليه. أنا وزوجي رياض (47 عاماً) تزوجنا سنة 2004 في غزة. رياض يحمل بطاقة هوية الضفة الغربية وبعد زواجنا بقليل عاد إلى الضفة وبدأ العمل في إسرائيل بينما بقيت أنا في القطاع. استطاع أن يزورنا هنا في القطاع مرات قليلة، عبر معبر "إيرز" أحياناً وعبر معبر رفح أحياناً أخرى. خلال سنتين متواصلتين لم يزرنا إطلاقاً والمرة الأخيرة التي رأيته فيها كانت قبل سنة. قبل 12 سنة تقريباً قدم زوجي طلبات لي ولأولادنا الأربعة الذين ولدوا جميعاً في غزة لتغيير عنوان إقامتنا وجعله في قلقيلية. قبل عشرة أشهر في تشرين الأول 2020 حصلنا على ردود إيجابية. بكيت كثيراً من الفرحة وصليت وشكرت ربي. أرسلت إلى زوجي بطاقة هويتي القديمة كي يذهب إلى وزارة الداخلية في قلقيلية ويقوم بتغيير عنوان الإقامة، لكنهم هناك غيروا العنوان لاثنين فقط من أولادنا الأربعة ـ لعبد الجواد (15 عاماً) ولديما (12 عاماً). أما محمد (الذي كان في سن ثلاث سنوات) ومرام (التي تجاوزت سن الـ 16 عاماً ببضعة أشهر) فلم يغيروا عنوان إقامتهما. تلاشت فرحتي كلها في لحظة واحدة. بعد حوالي ثمانية أشهر سجلوا محمد في بطاقة هويتي أنا، لكنهم لم يضيفوا مرام إليها حتى الآن، بالرغم من أنني ووالدها وجميع إخوتها مسجلون في قلقيلية. قبل سبعة أشهر تقريباً، كنت ملزمة باستصدار بطاقة هوية جديدة لمرام، وفيها عنوان الإقامة هو غزة. بعد ذلك مباشرة قدم والدها طلباً إضافياً لتغيير عنوانها إلى قلقيلية. طالما لم تحصل على موافقة على تغيير العنوان، سنبقى أنا والأولاد في القطاع مفصولين عن زوجي لأنني لا أستطيع ترك مرام في غزة وحدها. ابننا الأصغر محمد أصبح في الرابعة من العمر ولا يعرف والده، بل ينادي عمه، شقيق زوجي، بـ "بابا". أما مرام فقد أصبحت شديدة الحساسية وتبكي كلما رأت أصدقاءها برفقة والديهم. ابنتها مرام (16 عاماً) روت في إفادتها عن الشرخ الذي تعيشه عائلتها: فقط والدتي وإخوتي حصلوا على موافقة لتغيير عنوان إقامتهم إلى قلقيلية حيث يقيم أبي منذ فترة طويلة. فقد رفض الاحتلال الإسرائيلي أن أنتقل معهم وأنا الوحيدة التي بقي عنوان إقامتها في غزة. والدي يقيم على بعد عدة كيلومترات عن غزة وفقط بسبب حاجز، لا أستطيع الوصول إليه. أنا لست مخرّبة، كل ما أريده هو العيش مع عائلتي معاً. هذا حقي ـالانتقال بين كل المدن الفلسطينية دون أية عوائق والوصول إليه. لم أعد أذكر متى كانت المرة الأخيرة التي استيقظت فيها من نومي واحتضنت والدي مثل الأولاد الآخرين. ولا أذكر أيضاً شهر رمضان الأخير الذي جلس فيه والدي معنا على مائدة الإفطار. لا أراه سوى عبر شاشة الهاتف فقط وهذا صعب علي بصورة فظيعة، لأن هذا ليس هو الواقع. ليتني أنجح في الحصول على الموافقة ونتمكن كلنا من الانتقال للعيش سوية. حنان أبو صاع (34 عاماً)، من سكان غزة، عاشت مع زوجها أولادهما الثلاثة في دولة الإمارات العربية المتحدة سبع سنوات. خلال جائحة كورونا فُصل زوجها من عمله فاضطروا إلى العودة إلى المناطق المحتلة - هو إلى طولكرم وهي إلى غزة مع أولادها. في 5.6.22 روت لباحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة عن الصعوبة في تربية الأولاد بدون والدهم وعن رفض إسرائيل الموافقة على طلباتهم للم شمل العائلة: تعرفت على زوجي أيمن (34 عاماً) في دولة الإمارات العربية المتحدة وتزوجنا هناك. أقمنا هناك حتى سنة 2019 مع أولادنا الثلاثة الذين وُلدوا هناك: جود (9 سنوات) وأحمد (7 سنوات) وورد (5 سنوات). عندما بدأت جائحة كورونا بدأت المشاكل في مكان عمل زوجي الذي كان يعمل مهندساً كهربائياً ثم في نهاية الأمر فُصل من عمله. عدنا أنا والأولاد للسكن في القطاع بينما عاد زوجي للسكن في طولكرم، حيث وُلد وحيث تقيم عائلته. هكذا بدأ الشرخ في عائلتنا. عثر زوجي على عمل هناك وبات يسكن بالإيجار مع شركاء لتوفير المصروفات. وهو يرسل إلينا نصف راتبه الشهري تقريباً. المرة الأخيرة التي التقينا فيها كانت في تشرين الأول 2019 حين سافرت مع الأولاد للالتقاء به في تركيا. ورد التي كانت آنذاك في سن سنتين فقط صرخت من الفرحة عندما رأت والدها في المطار. قضينا هناك معاً ثلاثة أشهر عدت بعدها مع الأولاد إلى غزة بينما عاد زوجي إلى طولكرم. كان السفر مع الأولاد صعباً جداً، وخصوصاً في معبر رفح. أحمد يستعيد ذكريات الفترة التي قضاها مع والده طيلة الوقت ويقول إنه لا يريد أي شيء سوى والده. أذكر ليلة سقطت فيها ورد وأصيبت في رأسها وكنت مضطرة إلى نقلها إلى المستشفى فأبقيت جود وأحمد اللذين كانا صغيرين جداً في المنزل لوحدهما. من الصعب عليّ جداً تربية أولادي والاعتناء بهم لوحدي بدون زوجي، وخاصة في هذه الأيام التي يعاني فيها جود من تلوث في الغدة الدرقية، تحتاج إلى عملية جراحية لاستئصال ورم على رقبتها. أخاف كثيراً من المسؤولية والموافقة على إجراء هذه العملية الجراحية وحدي بدون زوجي، لأنها عملية من الممكن أن تشكل خطراً على حياتها حسبما يقول الأطباء. عائلتنا مفككة. الأولاد يعانون بسبب غياب والدهم وأحاول أنا الاتصال به حين تتوفر الإمكانية من حيث الإرسال. أحياناً يصل زوجي إلى مسافة تبعد بعض الكيلومترات عن قطاع غزة ويتصل ليقول إنه قريب وهو ما يجعلني أبكي، بسبب معرفة أنه قريب جداً لكننا لا نستطيع رؤيته. أعرف أن عائلته في طولكرم تسبب له المشاكل أيضاً بسبب الشرخ بيننا وأخشى أن نضطر في نهاية المطاف إلى الطلاق دون أن نجد حلاً. لأنني أعيش لوحدي، فدائماً ما يصر الناس على مراقبتي وتفحص سلوكي كل الوقت. بسبب العقلية السائدة في القطاع، من الصعب أن أكون مستقلة وأحياناً أضطر حتى إلى العودة إلى المنزل قبل حلول الظلام، حتى لو لم أتمكن من إنجاز كل ما أريد إنجازه من أعمال وترتيبات. مرت سنتان تقريباً منذ المرة الأخيرة التي قدم فيها زوجي طلباً لتغيير عنوان الإقامة لي وللأولاد، لكننا لم نتلق أي رد حتى الآن. تحديث: حنان أبو صاع سافرت مع أولادها إلى مصر على أمل الوصول إلى الأردن ومن هناك إلى الضفة الغربية لكن بعد طريق شاقة ـ كما قالت ـ ومصاعب عديدة، رفضت السلطات الأردنية السماح لها ولأولادها بالدخول إلى المملكة مما اضرهم إلى العودة من حيث أتوا. مروة أبو حمادة (37 عاماً) أم لثلاثة أبناء. في العام 2019 تزوجت للمرة الثانية في القاهرة من شخص من سكان بيت لحم وعاشت معه في الضفة لمدة سنتين، دون أن تكون لديها مكانة قانونية وفي حالة من الخوف الدائم من طردها هي وابنتها الطفلة التي كانت قد وُلدت هناك. عندما مرض والدها عادت إلى غزة لكن إسرائيل رفضت جميع طلباتها للعودة إلى الضفة وخلال أكثر من سنة كانت هي وطفلتها مفصولتين عن زوجها. روت أبو حمادة لباحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد يوم 26.7.22، قبل الموافقة على طلبها بالعودة إلى الضفة، عن الصعوبات التي واجهتها وعن الغموض الذي اكتنف حياتها: أنا وزوجي محمد الشاعر (52 عاماً) من سكان بيت لحم تعرفنا على بعضنا في جامعة القاهرة سنة 2017 حيث أنهينا الدراسة لشهادة الدكتوراة في السنة نفسها. بعد سنتين تزوجنا في مصر. كنا نريد العودة إلى الضفة لكن الحصول على تصريح بالدخول كان معقداً لأنني مسجلة من سكان غزة. في النهاية نجحنا في الحصول على التصريح ودخلنا عبر جسر اللنبي في 28.8.2019. وصلنا إلى بيت لحم وفي 9.10.19 قدمنا طلباً لتغيير عنوان إقامتي من غزة إلى بيت لحم لكنهم لم يوافقوا على هذا الطلب حتى يومنا هذا. أقمنا في بيت لحم لمدة سنتين. كنت أعمل أستاذة في جامعة فلسطين الأهلية. وفي 15.12.20 ولدت ابنتنا مِسك في بيت لحم. لأن عنوان إقامتي المسجل في بطاقة الهوية هو غزة، فقد كنا نواجه ما يشبه الجحيم في كل مرة نسافر فيها إلى الجامعة. كنا نسافر في طرق التفافية لتجنب الحواجز وكان الخوف يلازمنا طيلة الوقت من أن يوقفنا الجنود فيعتقلوني أو يطردوني إلى غزة بدون طفلتي. كنا نخاف من أن يقتحم الجيش منزلنا، كما يفعلون أحياناً في الحي الذي نسكن فيه. في أيار 2021 أصيب والدي خليل أبو حمادة (74 عاماً) بالمرض وخشيت أن يفارق الحياة دون أن أتمكن من وداعه. قررتُ السفر إلى غزة لزيارة والدي وأخذت معي طفلتي مِسك. دخلنا إلى القطاع بدون تنسيق وكان الأمر سهلاً لأنني مسجلة كمواطنة في غزة. فيما بعد فقط اكتشفت أن عنوان مسك أيضاً مسجل في جباليا وليس في بيت لحم. في غزة يسكن أولادي من زواجي الأول، محمد (16 عاماً) ومجد (13 عاماً). مرت تسع سنوات منذ غادرت القطاع للدراسة في القاهرة، منذ تركتهما مع والدهما زوجي السابق. خلال إقامتي في بيت لحم، حاولت كل يوم تقريباً الاتصال بهما لكنه لم يكن يسمح لي بالتحدث إليهما وفقط في أحيان متباعدة كنت أتمكن من الاتصال بهما عن طريق شقيقتي نجوى. منذ عودتي إلى القطاع أراهما مرتين كل أسبوع. حصل تدهور في المشكلة التي كان يعاني منها مجد في أذنه اليسرى حين كان صغيراً. فقد حصل تآكل في عظيمات السمع وتراجعت قدرته عل السمع بالأذن اليمنى حتى أصبح بحاجة إلى عملية جراحية لاستئصال جزء من العظيمات. قبل سنة تقريباً في 31.8.21 سمعت في نشرة الأخبار أن إسرائيل تنوي الموافقة على تغيير العنوان. توجهتُ إلى وزارة الشؤون المدنية في غزة وتقدم زوجي في الوقت نفسه بطلب إلى مكتب الارتباط والتنسيق في بيت لحم. قدمتُ طلباً للعودة إلى العمل في الجامعة في بيت لحم بعد أن توجهت الإدارة إلى مكتب الارتباط والتنسيق في 10.9.21 ولكن في 7.10.21 تلقيت رداً سلبياً من مكتب الارتباط والتنسيق بسبب عدم استيفاء المعايير. تقدمت بطلب آخر في 10.10.21 وعليه أيضاً تلقيتُ رفضاً لدواع أمنية في 24.10.21. كما أن اسمي لم يظهر في قائمة الطلبات التي بلغ عددها 4,000 طلب قدمها سكان من القطاع لتغيير عنوان الإقامة ووافقت إسرائيل عليها. الطلب الأخير الذي قدمته كان في 28.10.21 ولم أتلق رداً عليه حتى الآن؛ لكن في تلك الأثناء قدمت يوم 21.6.22 طلباً لتغيير عنوان إقامة محمد من غزة إلى بيت لحم لكي يتمكن من الانتقال للعيش معي حين يوافقون على عودتي إلى هناك. أما مجد فلا يحمل بطاقة هوية حتى الآن ولا حاجة إلى تقديم طلب خاص به. فقدتُ وظيفتي في الجامعة ولا أستطيع العثور على عمل بديل في غزة. زوجي يرسل لنا مبلغاً من المال كي أتمكن من إعالة مسك، لكن علاقتنا تضررت وأشعر بأن كل شيء يتفكك وبأن حياتي ممزقة بين غزة والضفة. أعيش في حالة من الضغط الدائم طيلة الوقت ولا أعرف كم سيستمر هذا الوضع وإلى متى. الناس في غزة ينظرون إلي نظرة سلبية لأنني بعيدة عن زوجي وكلهم يسألونني طيلة الوقت ما الذي يدفعني إلى عيش مثل هذه الحياة. مر أكثر من سنة منذ عدنا أنا ومسك إلى غزة. كانت آنذاك ابنة خمسة أشهر ومنذ ذلك الحين لم تر والدها، سوى عبر شاشة الهاتف النقال. أحياناُ تأخذ مني الهاتف وتناديه: "بابا!، بابا!". أكثر ما يهمني اليوم هو السماح لمجد بتلقي العلاج الأفضل والعودة مع مسك إلى والدها وإلى عملي في بيت لحم. أتوجه إلى جميع الجهات المعنية بأن تمارس الضغط على إسرائيل لمساعدة جميع النساء العالقات في غزة، إذ أنني أعرف مئات الحالات الأخرى المماثلة. في أية دولة تعيش امرأة مع أولادها في مكان ما بينما يعيش زوجها في مكان آخر؟ تتحديث: نجحت مروة أبو حمادة في تعيين دور لعلاج ابنها مجد في بيت لحم في 17.8.22 وفي الحصول على تصاريح دخول له ولها ولمِسك.

13 تشرين الثاني/نوفمبر 2022

فاطمة المصري. الصور قدمتها العائلة مشكورة.

قطاع غزة

إفادة دعاء المصري، التي توفيت ابنتها فاطمة وهي في سن سنة واحدة وسبعة أشهر بعد منع إسرائيل خروجها من قطاع غزة لتلقي العلاج الطبي

ثماني سنوات كاملة استمرت محاولات دعاء وزوجها جلال المصري لإنجاب أطفال، لكنّ محاولاتهما لم تتكلل بالنجاح. أجهضت دعاء عدّة مرّات وتلقّت علاجات كثيرة ومؤلمة ومُكلفة. لكن في العام 2020 نجحت أخيراً وأنجبت ابنتها البكر فاطمة التي تظهر هنا في صورة التُقطت أثناء نُزهة عائليّة في شاطئ قطاع غزّة. عندما بلغت فاطمة تسعة أشهُر من عمرها احتاجت إلى علاج طبي لإنقاذ حياتها لكنّ ممارسات إسرائيل جعلت جهاز الصحّة في قطاع غزّة عاجزاً عن توفير هذا العلاج. كذلك، لم تسمح لها إسرائيل بالخروج من قطاع غزّة لتلقّي العلاج في مكان آخر. وفي 25.3.22 توفّيت فاطمة وهي ابنة سنة وسبعة أشهر فقط. أدناه ما روته والدتها دعاءفي إفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 30.3.22: في العام 2012 تزوّجت من جلال المصري ثمّ مرّت ثماني سنوات لم ننجب خلالها أطفالاً رغم محاولاتنا العديدة. أجهضتُ عدّة مرّات وتلقّيت علاجات كثيرة اضطررنا إلى بيع كلّ ما نملك لنتمكن من تغطية تكاليفها. في النهاية نجحت المحاولة فحملت وأنجبت ابنتي فاطمة في العام 2020 بعد سنوات عديدة من عذاب العلاجات والأدوية. كنت في غاية السّعادة. وُلدت فاطمة بصحّة جيّدة ولكن في سنّ 9 أشهر صارت تسعل. عندما فحصها أخصّائي أمراض القلب تبيّن أنّ لديها ثُقباً في القلب. غادرت فاطمة المستشفى مع جهاز استنشاق بخاريّ لكي يسهّل عليها التنفّس. في شهر تشرين الأوّل الماضي قال لنا الأطبّاء إنّ الثقب قد كبُر وإنّ فاطمة قد أصبحت بحاجة ماسّة لتلقي العلاج في مستشفى المقاصد في القدس. على الفور أعدّوا لنا تحويلاً للعلاج خارج قطاع غزّة. تمّ تعيين موعد العلاج في 28.12.21 فقدّمنا طلب تصريح للخروج من غزّة وسجّلنا والدتي ياسمين المصري (46 عاماً) كمُرافقة لفاطمة. قبل الموعد بيوم واحد فقط تلقّت والدتي في المساء رسالة خطية عبر الهاتف تبلغها بأنّ الطلب لا يزال قيد الفحص. اضطُررنا إلى تعيين موعد جديد فحدّدوا لها يوم 6.1.22 ومرّة أخرى أبلغونا بأنّ الطلب لا يزال قيد الفحص. عيّنا موعداً ثالثاً في 13.2.22 ولكنّنا خسرناه للسّبب نفسه، إذ أبلغونا بأنّ طلب التصريح لا يزال قيد الفحص. خلال تلك الفترة تراجعت صحّة فاطمة وتدهور وضعها كثيراً. ولأنّها كانت مريضة جدّاً نصحنا الأطبّاء بأن نحاول تعجيل التحويل. قدمنا طلباً جديداً آخر فحددوا لنا موعداً في 27.3.22 لكنّ الارتباط الإسرائيليّ رفض طلب التصريح بحجّة أنّه لم يمرّ بعد 14 يوماً منذ تقديم الطلب الأخير. عُدت إلى المستشفى وطلبت ترتيب التزام ماليّ لموعد متأخّر أكثر وأن يُجهّزوا لنا تقريراً طبّياً جديداً. ثم عدنا وقدمنا الطلب من جديد وتمّ تعيين دور في 5.4.22. لكن قبل أن يحين الموعد الجديد توفّيت فاطمة، في 25.3.22. في ذلك اليوم استيقظت فاطمة في العاشرة والنصف صباحاً. بعد أن تناولت فطورها حملتها وغسلتُ وجهها. قالت لي: ماما أنت حبيبتي وبابا حبيبي. كنت لا أزال أحملها عندما أحسستُ أنّ فاطمة قد غابت عن الوعي. فتحتُ باب المنزل وأخذت أصرخ. جاء سِلفي أدهم (40 عاماً) وأخذها من يديّ ثمّ توجّهنا إلى المستشفى. هناك قالوا لنا إنها قد فارقت الحياة. كنتُ قد شعرتُ بأنّ فاطمة فارقت الحياة وهي بين ذراعيّ. صرت أبكي وأصرخ. أنا لا أستطيع تجاوز الصّدمة والألم. فاطمة كانت كلّ شيء في حياتي. غاب صوتها من المنزل ولن أسمعه بعد أبداً. لن أسمعها تناديني "ماما" ولن أسمعها تنادي والدها "بابا". لا أتحمّل رؤية ألعابها ولذلك تبرّعت بها جميعاً. تبرّعت أيضاً بملابسها. فراق فاطمة صعب. كانت ممدّدة أمامي طوال ساعة كاملة وأنا أنظر إلى وجهها البريء وأبكي وأحتضنها. لقد توفّيت طفلتي لأنّ إسرائيل رفضت تمكينها من تلقّي العلاج. خلال تلك الفترة كلها كانوا يتّصلون بنا من مستشفى المقاصد المرّة تلو الأخرى ويقولون إنّهم ينتظرون وُصول فاطمة وكنا نحن نقول لهُم إنّ طلب التصريح لا يزال قيد المعالجة لدى الارتباط الإسرائيليّ. فاطمة كانت طفلة بريئة لا ذنب لها. لو قالوا لي إنّ عليّ إرسالها لتلقّي العلاج بدون مرافقة لفعلت ذلك. كنت مستعدّة لأن أفعل أيّ شيء كي تحصل على العلاج اللازم. لكنّهم لم يقولوا لنا ذلك.

25 نيسان/أبريل 2022