مضايقات

قوات الأمن الأسرائيلية هدّدت صاحب كاميرات الحراسة التي وثقت مقتل الشابيْن في بيتونيا

في يوم الثلاثاء، 17/6/2014، وبعد الساعة 16:00 بقليل، حضرت قوة عسكريّة إلى منجرة تقع بجوار معبر بيتونيا، تعود ملكيّتها إلى فخر أبو زايد (47 عامًا). وكانت كاميرات الحراسة التي وضعها أبو زايد خارج المنجرة قد وثقت يوم 15/5/2014 مقتل نديم نوارة وأحمد سلامة ابني السبعة عشرة عامًا،بالرصاص الحيّ ولم يكن في ذلك الوقت في المنجرة إلا علي الريماوي الذي يعمل هناك. وفي إفادته التي أدلى بها أمام الباحث في بتسيلم، إياد حداد، قال الريماوي إنّ شخصًا بزيّ مدنيّ كان يرافق قوة عسكرية، من عناصر الشاباك على ما يبدو، عرّف بنفسه قائلا إنّ اسمه "كابتن صبري"، سأله عن مكان وجود أبو زياد. وأضاف أنه عندما ردّ عليه قائلا إنه في اجتماع عمل خارج المنجرة، "أمرني بأن أتصل بفخر وأطلب منه الحضور إلى المنجرة خلال خمس دقائق. وهدّد أنه في حال لم يحضر خلال خمس دقائق، فإنّه سيحرق المكان. اتصلت بفخر، وتحدثت معه عبر مكبّر الصوت، كما طلب الكابتن صبري. ردّ فخر على الاتصال. قلت له إنّ الشاباك هنا وإنّ عليه أن يحضر خلال خمس دقائق، وإلا فإنهم سيحرقون المنجرة. أخذ الكابتن صبري الهاتف من يدي وطلب من فخر الأمر ذاته".

سارع فخر أبو زايد بالعودة إلى المنجرة ووصل خلال دقائق معدودة. وقال في إفادته إنّ الجنود فتشوه، وأخذوا منه الهواتف المحمولة وبطاقة هويته وأدخلوه إلى منجرته، حيث التقى هناك الكابتن صبري: "قال لي إنّ هناك الكثير ممّا يُقال بيننا وإنّ عليّ مرافقتهم إلى عوفر. سألته ما إذا كنتُ معتقلاً فأجاب بالنفي وقال إنهم يرغبون بالحديث معي، وبعدها سيُخلى سبيلي".

ركب أبو زايد سيارة عسكريّة وأُخذ إلى معتقل عوفر المجاور. بعد انتظار قصير أُدخِل إلى غرفة كان يجلس فيها الكابتن صبري ونحو سبعة جنود. وقال في إفادته:

"عندما رأيت كلّ الضباط الجالسين في الغرفة شعرت بخوف شديد. نظروا إليّ وكأنهم يودّون قتلي. كنت قادرًا بالكاد على الوقوف على قدميّ. جلسوا حول طاولة على شكل T، وكان لكلّ واحد منهم دفتر وقلم وحاسوب شخصيّ. توجّه إليّ أحدهم وقال لي إنهم سيتحدّثون معي بالعبرية لأنني أتقنها. نقّلوا بينهم بطاقة هويتي وسجّلوا تفاصيلي، ولم يقُم أيّ واحد منهم بالتعريف بنفسه.

قال أحد الضباط لي: أنت صاحب البيت الذي عليه كاميرات يُدّعى أنها وثقت مقتل نديم نوّارة؟ أنت مسؤول عن هذا الشريط المزيف الذي خضع للتغييرات". ثم اتهمني بأنّ الإفادات التي أدليتُ بها أمام وسائل الإعلام والمؤسسات المدنيّة ومنظمات حقوق الإنسان الناشطة في المناطق هي إفادات كاذبة، وقال إنهم سيحاكمونني وفق القانون العسكريّ الساري على المناطق. وادّعى أنّني نصبت الكاميرات خارج المنجرة من أجل مراقبة حركة الجيش وقال إنني المسؤول عن المسّ بسمعة الجيش الإسرائيليّ. لم أردّ عليه. توقف الضابط عن الحديث معي، وبدأ هو والضباط بالتهامس فيما بينهم.

بعد عدّة دقائق توجّه إليّ مرة أخرى وقال لي إنّ الكاميرات التي نصبتها غير قانونيّة وإنني ملزم بإزالتها خلال 24 ساعة. صمتُّ. عادوا إلى التهامس فيما بينهم. بعد عدّة دقائق، ناداني الكابتن صبري وأخرجني من الغرفة. قال لي: "من تعتقد نفسك؟ هذه دولة إسرائيل القويّة ونحن لا نعمل حسابًا لأحد، سأدعس على رأسك أمام الجميع في مركز بيتونيا وسأحرّض الكلاب على عائلتك". كان تهديده واضحًا. أنا أخاف على حياتي وحياة عائلتي. أدركت أنهم يمارسون الضغوطات عليّ كي أقول إنّ توثيق الكاميرات للقتيلين لم يكن حقيقيًّا.

تواصلت الجلسة بين الضباط لساعة أخرى تقريبًا، وأنا كنت أنتظر خارج الغرفة تحت حراسة الجنود. عندما خرج الضباط من الغرفة، أعاد "كابتن صبري" بطاقة الهوية لي وطلب مني الانصراف. عدتُ إلى البيت راجلاً، لمسافة كيلومتر ونصف الكيلومتر تقريبًا. بعدها توجّهت إلى الشرطة الفلسطينيّة وقدّمت شكوى".

لم تكن هذه المرة الأولى التي تضايق فيها قوى الأمن أبو زايد، في أعقاب مقتل نوارة وسلامة. ففي يوم 30/5/2014، وبعد مضيّ أسبوعيْن على الحادثة، حضرت قوّة عسكريّة إلى بيت العائلة نحو الساعة 2:00 قبل الفجر. أيقظ الجنود أفراد العائلة وطلبوا رؤية الحواسيب التي في البيت وجهاز التسجيل المرتبط بكاميرات الحراسة. وادّعى ضابط الإدارة المدنيّة الذي رافق القوّة أمام أبو زايد أنه حاول تنسيق العمليّة مع مديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة، إلا أنه لم يلقَ التعاون من طرفها. غادرت القوة العسكرية بيت العائلة بعد نحو أربعين دقيقة وأخذت معها جهاز التسجيل الذي صُودر، كي يقوم مختصّون في إطار التحقيق بفحصه، على حدّ قول الجنود.

إنّ تصرّف الجهاز الأمنيّ في هذه الحالة ليس قانونيًا. فتوثيق الحادثة المُصوّر بكاميرات الحراسة التابعة لأبو زياد أثبت أنّ القاصريْن اللذيْن قتلا لم يشكّلا خطرًا على حياة أحد، ويُشتبه بأنّ إطلاق الرصاص عليهما كان متعمّدًا. يُمكن للتهديدات الصريحة والواضحة على أبو زياد أن تمسّ استمرار الإجراء الجنائيّ. حبّذا لو استثمر جهاز تطبيق القانون وقته بالتحقيق في الحادثة بدلاً من اتباع أساليب التخويف ضدّ شخص وفّر الأدلة على وقوع انتهاك لحقوق الإنسان. زدْ على ذلك أنّ مطالبة أبو زايد بإزالة كاميرات الحراسة هي أمر غير قانونيّ وهو يهدف لمنع توثيق انتهاكات حقوق إنسان مستقبليّة في هذا الموقع، الذي تقع فيه مواجهات كثيرة بين قوات الأمن وبين الشبان.

مواد مقترحة

תושבים ושוטרים בשכונת בטן אל-הווא. צילום: חוסאם עאבד, בצלם, 29.11.16

شرقيّ القدس

المستقبل بالنسبة لمحكمة العدل العليا: تطهير سلوان من الفلسطينيّين

قضاة المحكمة العليا براك - إيرز وبارون فالرون، ردّا أمس التماسًا تقدّم به 104 من سكّان سلوان ضدّ قرار حارس الأملاك العامّ الصّادر عام 2002 بخصوص "تحرير" الأرض التي يسكنون عليها منذ عشرات السنين. جرى "تحرير" الأرض وتسليمها ليد ثلاثة أشخاص - جميعهم مقرّبون من جمعيّة "عطيرت كوهَنيم" الاستيطانيّة التي تسعى إلى تهويد شرقيّ القدس. كتبت القاضية براك - إيرز قرار المحكمة بطريقة قلّصت وظيفتها بحيث تقتصر فقط على النظر في بضعة أسئلة في مجال القضاء الإداريّ وتترك السكّان ليواصلوا وحدهم - في ظروف كلّها ضدّهم ومواجهة الإجراءات المدنيّة التي تديرها ضدّهم جمعيّة "عطيرت كوهَنيم" في سعيها إلى إجلائهم عن منازلهم. قرّرت القاضية براك - إيرز أنّ حارس الأملاك العامّ يتمتّع بـ"مسلّمة الإجراء السّليم" التي لم يتمكّن الملتمسون من تفنيدها وأنّه استخدم صلاحيّته هذه دون أيّ اعتبار خارجها. تدرك القاضية براك - إيرز تبعات هذه الأقوال بل وهي تنوّه أنّ هذا القرار من شأنه أن يثير "صعوبات حقيقيّة بالنسبة لمن يضعون أيديهم اليوم على الأملاك التي جرى تحريرها" ولم يغيّر هذا شيئًا في القرار. كُتب القرار بصرف النظر عن أيّ سياق: يتجاهل القرار أنّ الأرض جرى "تحريرها" لصالح جمعيّة تهدف إلى طرد الفلسطينيّين من منازلهم؛ يتجاهل أنّ منظومة القوانين تسمح فقط لليهود بدعاوى استرجاع أملاك متروكة في 1948؛ وأنّه يشكّل مصادقة على كبرى عمليّات سلب الفلسطينيّين منذ عام 1967. هذا القرار يثبت مجدّدًا أنّ محكمة العدل العليا ليس سوى خاتم بيد السلطات الإسرائيليّة تدمغ به جميع أشكال المسّ بحقوق الفلسطينيّين. خلفيّة في السنوات الأخيرة تجنّدت مختلف الوزارات الحكوميّة وبلدية القدس لمساندة جمعيّة "عطيرت كوهَنيم" الاستيطانيّة في مساعيها إلى تجريد الأسَر الفلسطينية التي تسكن حيّ بطن الهوى من منازلها وإسكان مستوطنين يهود مكانهم. تضاف هذه المحنة إلى ما يعانيه جميع سكّان شرقيّ القدس من أزمة سكن حادّة ونقص في الميزانيّات والبُنى التحتيّة والخدمات. نحن نتحدّث هنا عن أكبر عمليّات التهجير الجارية في شرقيّ القدس في السنوات الأخيرة. جرى حتى اليوم تقديم عشرات الدعاوى لإخلاء أسر فلسطينية من المنازل التي تسكن فيها منذ عشرات السنين. وفقًا لمسح أجراه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانيّة - ما يقارب %45 من مجمل الأسر المهدّدة بالتهجير من المدينة على أساس إثنيّ. حيّ بطن الهوى مقسّم إلى نحو خمسين قسيمة نُقلت تسع منها إلى يد جمعيّة "عطيرت كوهَنيم" وقد انتقل مستوطنون للسّكن في خمْسٍ منها حتى الآن. دخول المستوطنين إلى الحيّ قلب أحواله رأسًا على عقب: وكأنّما لا تكفي المصاعب التي يجلبها المستوطنون معهم - دعاوى قضائيّة، مسّ بالخصوصيّة، ضغط اقتصادي، تنكيل يوميّ بالسكّان، وبالتالي مواجهات بين شباب الحيّ والمستوطنين يتخلّلها رشق حجارة؛ فوق ذلك يستدعي وجود المستوطنين حضورًا دائمًا لقوّات الشرطة وحرس الحدود، إضافة إلى حرس الشركات الخاصّة بتمويل من وزارة الإسكان - وهؤلاء جميعًا يمارسون العُنف ضدّ السكّان الفلسطينيّين ويهدّدونهم ويعتقلون القاصرين ويشوّشون مجرى الحياة في الحيّ. كلّما تعمّق وجود المستوطنين في حيّ بطن الهوى، ازدادت معه أعداد الفلسطينيّين المعرّضين للاعتداءات اليوميّة على يد منظومة أمن المستوطنين، حتّى دون طردهم من منازلهم. منذ أن ضمّت إسرائيل شرقيّ القدس، تتّبع السلطات الإسرائيليّة سياسة التمييز ضدّ السكّان الفلسطينيّين، وتعمل بشتّى الطرق لأجل زيادة عدد اليهود في المدينة وتقليص عدد سكّانها الفلسطينيين، بهدف خلق واقع ديمغرافيّ وجغرافيّ يقضي على أيّة إمكانيّة مستقبليّة لتقويض السيادة الإسرائيلية في شرقيّ القدس. ضمن هذه السياسات، صادرت السلطات آلاف الدونمات من أيدي السكّان الفلسطينيّين، وأقامت 12 حيًّا للسكّان اليهود حصريًّا وذلك في منطقة محتلّة جرى ضمّها إلى إسرائيل. من منظور القانون الدوليّ، لا تختلف مكانة هذه الأحياء عن مكانة المستوطنات في بقيّة أنحاء الضفة الغربيّة. الاستيطان داخل حيّ بطن الهوى في سلوان الذي تسعى فيه جمعيّة "عطيرت كوهَنيم" جزءٌ لا يتجزّأ من نشاط تهويد حوض البلدة القديمة الذي تقوم به السلطات والجمعيّات الاستيطانيّة - داخل حارة المسلمين في البلدة القديمة وأيضًا في الأحياء الفلسطينية المحيطة به. يوجد اليوم نحو 2,800 مستوطن يسكنون في قرابة 140 بناية في قلب الأحياء الفلسطينيّة في البلدة القديمة وفي محيطها - وهي منطقة يسكنها نحو مائة ألف فلسطينيّ.

22 تشرين الثاني/نوفمبر 2018

אסירים פלסטינים בכלא מגידו, ניר אליאס, רויטרס, 15.5.05

اسرى ومعتقلون

إسرائيل تواصل التجبّر على آلاف الأسَر الفلسطينية ممّن تحتجز أبناءهم في أراضيها خلافًا للقانون

تفيد المعطيات المتوفّرة لغاية 30.6.18، أنّ إسرائيل تسجن ما يقارب 5300 من المعتقلين والسّجناء الأمنيّين الفلسطينيّين سكّان الضفة الغربية في المعتقلات الإسرائيلية؛ والتي تقع جميعها، باستثناء سجن عوفر، داخل المناطق الإسرائيلية. يضطرّ سّكان الضفة الغربية إلى اجتياز إجراءات بيروقراطيّة مطوّلة لحين الموافقة على زيارتهم من قبل السّلطات المختصّة: الإدارة المدنية، مصلحة السّجون الاسرائيلية وجهاز الأمن العامّ ("الشّاباك"). عدا الحاجز البيروقراطي، فإنّ القيام بالزّيارة بعد الموافقة عليها من قبَل السّلطات الإسرائيلية يقتضي رحلة تستغرق يومًا بأكمله، بسبب سلسلة من التفتيشات والعراقيل التي تؤخّرهم. للحصول على معلومات حول القيود التي تفرضها إسرائيل على الزّيارات العائلية للسّجناء من قطاع غزة ، يُنظر هنا. أولًا، يُطلب من السكّان تقديم طلب للحصول على تصريح دخول من خلال ممثليّة اللّجنة الدوليّة للصّليب الأحمر، بصفتها الجهة التي تولّت منذ عام 1969 مسؤوليّة التنسيق بين الزوّار وبين الإدارة المدنية ومصلحة السّجون الإسرائيلية. تصدر الإدارة المدنية تصاريح لدخول إسرائيل لغرض زيارة السّجناء شريطة أن يكون الزوّار أقارب من الدّرجة الأولى - الآباء والأمّهات والأجداد والأزواج والأبناء والأشقّاء. عمومًا هي تصاريح سارية المفعول لمدّة عام واحد. ولا يُسمح للزوّار الذين ليسوا من الأقرباء من الدّرجة الأولى بزيارة السّجناء إلّا في حالات استثنائيّة، وفقط عندما تقرّ السّلطات الإسرائيلية بوجود "أسباب إنسانيّة" توجب السّماح بالزّيارة. ومع ذلك، تفرض الإدارة المدنية قيودًا على زيارة الأقارب من الدّرجة الأولى أيضًا: إذا قرّر جهاز الأمن العامّ أن يصنّف مقدّم طلب تصريح الزيارة "ممنوع لأسباب أمنيّة" فقد يمنعه كلّيًّا من الزيارة أو يوافق على "تصريح زيارة سجين للممنوعين" - وهو تصريح زيارة خاصّ يسري مفعوله لمدّة 45 يومًا عادة ولزيارة مفردة. إضافة إلى ذلك، هناك حظر شامل على إصدار تصاريح زيارة سنويّة للرّجال الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و35 سنة؛ هؤلاء تُصدر لهم السّلطات تصاريح خاصّة أيضًا، إذا وافقت على تصريح أصلًا. فعليًّا، حتى الأشخاص الذين يحصلون على تصريح سنويّ لا يُسمح لهم بزيارة أقاربهم في المعتقلات الإسرائيلية بشكل متواتر: تتيح مصلحة السّجون الإسرائيلية زيارة واحدة فقط في الشهر لعائلات السّجناء الفلسطينيين - الأمنيّين والجنائيّين. ورغم أنّ التعليمات تسمح للسّجناء الجنائيّين باستقبال زوّارهم بشروط أسهل إلّا أنّ الزيارة تتمّ وفقًا للشروط الصّارمة المطبقة على السّجناء الأمنيين، لأنّ الزوّار الفلسطينيين القادمين من الضفة الغربية (باستثناء القدس الشرقية)، وبضمنهم أهالي السّجناء الجنائيّين، يُسمح لهم القدوم للزّيارات فقط بواسطة سفريّات ينظّمها الصّليب الأحمر في تواريخ محددة مسبقًا. يستغرق الذّهاب إلى الزّيارة يومًا كاملًا: يُطلب من جميع الزوّار بغضّ النظر عن سنّهم أو صحّتهم الوصول باكرًا في الصّباح إلى نقاط تجمّع محدّدة مسبقًا. من هناك، تسافر الحافلات التي يستأجرها الصليب الأحمر إلى نقطة الحاجز الأخيرة قبل دخول إسرائيل، حيث يخضعون لفحص أمنيّ وتفتيش وهذه عمليّة تقتضي انتظارًا طويلًا لأنّه في هذا الوقت يمرّ أيضًا عبر الحاجز العمّال الفلسطينيون العاملون في إسرائيل والمستوطنات في منطقة التّماس. بعد ذلك، في الجانب الإسرائيلي يستقلّ الزوّار حافلات أخرى تحمل لوحة صفراء مستأجرة من قبَل الصّليب الأحمر. وتمنع قوّات الأمن الإسرائيلية فتح أبواب الحافلة طيلة ساعات السّفر الكثيرة من لحظة مغادرتها الحاجز حتى تصل إلى المعتقل. في المعتقل، يخضع الزائرون لفحوصات أمنيّة إضافية تشمل التفتيش الجسديّ. وفي نهاية المطاف، يتحمّل الفلسطينيّون كلّ هذه المشقّة لكي يروا أحبّائهم فقط من خلال حاجز شفّاف والتحدّث معهم فقط عبر الهاتف لمدّة 45 دقيقة لا أكثر. يحقّ للسجناء أن يقدّموا طلبًا زيارة خاصّة بدون حاجز فاصل، لكنّ سلطات السّجن نادراً ما تسمح بذلك. جميع السّجون التي تحتجز فيها اسرائيل المعتقلين الفلسطينيين، باستثناء سجن واحد، تقع داخل المناطق الإسرائيلية السّياديّة وليس في الأراضي المحتلّة. مجرّد احتجاز سكّان الأراضي المحتلّة داخل المناطق الإسرائيلية يعتبر انتهاكًا للقانون الإنسانيّ الدوليّ الذي يحظر نقل المدنيّين بما في ذلك المعتقلين والسّجناء من الأراضي الواقعة تحت الاحتلال إلى أراضي الدولة المحتلة. إنّه انتهاك متواصل وخطير يتبعه مسّ خطير بحقّ سكّان الأراضي المحتلّة في زيارات متواترة وضمن ظروف معقولة للسّجناء من أفراد الأسرة؛ بل هُم في أحيان كثيرة يُحرمون تمامًا من حقّ الزّيارة. إنّ المشقّة الملازمة لزيارات الأهل لأبنائهم السّجناء ليست سوى مثال على الرّوتين اليوميّ للاحتلال الذي ينوء تحته سكّان الأراضي المحتلّة. في الإفادات التي أدلت بها أسَر المعتقلين والسّجناء أمام الباحثين الميدانيّين من بتسيلم، تجدون وصفًا مفصّلًا للمحنة التي يعيشونها لدى زياراتهم لأحبّتهم القابعين في سجون إسرائيل. طالب حمد (80 عامًا) وهو من سكّان قرية تلّ، أرمل وأب لعشرة أولاد، صاحب حانوت بقالة. في شهادة أدلى بها يوم 21.6.18 أمام الباحثة الميدانيّة، سلمى الدّبعي، قال: اعتُقل ابني أحمد في تاريخ 18.3.02، وحُكم عليه بالسّجن لمدّة 28 سنة، ولاحقًا تمّ الإفراج عنه ضمن "صفقة شاليط" في عام 2011؛ ولكن بعد ثلاث سنوات - في عام 2014 - جرى اعتقاله مرّة أخرى، ودون أن يخضع لمحاكمة جديدة أودع السّجن ليقضي بقية عقوبته الأصلية. قرّرت سلطات إسرائيل أنّ دخولي ممنوع "لأسباب أمنيّة" ولذلك لم أتمكّن من الحصول على تصريح سنويّ لزيارة ولدي في السّجن - يعطونني فقط تصاريح خاصة محدّدة لزيارة واحدة، بحيث أنّني مضطرّ لأجل كلّ زيارة إلى تقديم طلب تصريح جديد. أتساءل حقًّا، ما الخطر الأمنيّ الذي تواجهه دولة إسرائيل من رجل يبلغ من العمر 80 عامًا؟!. زوجتي، عزيزة، عانت من مشكلة صحيّة في الكلى طيلة أربع سنوات وتوفّيت قبل تسعة أشهر عن عمر ناهز 72 عامًا. قبل وفاتها ببضعة أشهر جئنا معًا، وعندما وصلنا إلى الحاجز لم يسمحوا لها بالعبور قائلين إنّ دخولها ممنوع "لأسباب أمنيّة". بسببهم لم تستطع رؤية أحمد خلال الأشهر الثمانية الأخيرة من حياتها مع أنّها قدّمت عدّة طلبات للحصول على تصريح زيارة، مرفقة بوثائق طبية لكنّهم لم يسمحوا لها بزيارته. حرموها من رؤيته قبل أن تغادر هذه الدّنيا. في يوم الزيارة، أغادر المنزل قبل صلاة الفجر وأصلّي في نابلس، لكي أصل قبل أن تغادر حافلة الصليب الأحمر محطّة الحافلات المركزية في المدينة. من هناك تنقلنا الحافلة إلى حاجز "إرتاح" (شاعر إفرايم). لدى وصولنا إلى الحاجز ننتظر طويلًا، لأننا نصل في وقت وصول العمّال الذين يعملون داخل إسرائيل. من لحظة وصولك إلى الحاجز إلى أن تغادره يمكن أن يستغرق الأمر ساعتين؛ وطيلة هذا الوقت تظلّ واقفًا لأنه لا توجد مقاعد ولا كراسي. هذا صعب جدًّا بالنسبة لشخص في مثل عمري. أنا ابن 80 سنة. بعد الانتهاء من الحاجز نستقلّ حافلات من الجانب الإسرائيلي تتبع للصليب الأحمر. تستغرق الرحلة إلى سجن رامون في النقب نحو ثلاث ساعات. كان ابني في سجون أخرى في الماضي، لكنّه معتقل هناك خلال السنوات الثلاث الماضية. عندما نصل إلى السّجن تبدأ المعاناة الكبيرة. في البداية نسلّم بطاقات الهوية والتصريح ونبلغهم اسم السّجين الذي جئنا لزيارته، ثم نسلّمهم السّجائر والملابس التي جلبناها من أجل أبنائنا. نظلّ واقفين معظم الوقت لأنّ المقاعد ليست كافية للجميع، علمًا أنّ هذه العمليّة تستغرق نحو ساعتين. لا أفهم لماذا يجب أن يستغرق الأمر وقتًا طويلاً. أشعر أنّه يجري تأخيرنا عمدًا. بعد ذلك تأتي مرحلة التفتيش الجسديّ. يتحسّسون جسمي بأيديهم، بما في ذلك بين ساقيّ، ويطلبون منّي رفع ملابسي وكشف جسدي. هذا الأمر مهين للغاية. بعد ذلك، يجرون على جسدي تفتيشًا بواسطة جهاز مغناطيسيّ يدويّ. رغم كلّ التفتيشات التي أجروها عند الحاجز وعلمًا أنّه ممنوع فتح باب الحافلة حتّى وصولنا يتعيّن علينا الخضوع للفحص والتفتيش في السّجن مرّة أخرى!. ما نمرّ به خلال الزّيارة هو تعذيب وانتهاك لكرامة الإنسان. أنا رجل مسنّ. إنه إذلال. ماتت زوجتي وأحمد لا يزال في السّجن. وأنا أخشى أنّني سأموت قبل إطلاق سراحه. خلال الزّيارة، أراه فقط من خلال الحاجز الشفّاف الذي يفصل بيننا. لا أستطيع سماعه جيداً لأن سمعي ضعيف ولا يمكنك أن تسمع جيدًا عبر سمّاعات الهاتف تلك ناهيك عن الضجيج والجلبة في غرفة الزيارات. عندما ينتهي الوقت المخصّص للزّيارة يقطعون المحادثة على الفور ولا تستطيع أن تسمع أيّ شيء. ورغم كلّ هذه المشقّة، لن أتوقّف عن زيارته طالما أنا على قيد الحياة، لأنّه لا شيء أغلى من الابن. عدنان صبح (53 عامًا) وهو من سكّان مدينة طولكرم وصاحب شركة لبيع الأقراص المدمجة (سي. دي)، متزوّج وأب لأربعة أولاد. في شهادة أدلى بها في 19.6.18 أمام الباحث الميدانيّ عبد الكريم سعدي، روى ما يلي: اعتُقل أخي، سامي صبح، في 1.8.03، في ذروة الانتفاضة الثانية، وحُكم عليه بالسّجن لمدّة 28 سنة. وهو الآن يقضي بقيّة عقوبته في سجن مجيدّو. بعد سنتين من السّجن وافقوا على إصدار "تصريح خاصّ" لوالدي، الذي يبلغ الآن من العمر 85 عامًا. تتيح التصاريح الخاصة زيارة واحدة فقط. كان أبي يسافر وحده، رغم أنه حتى حينذاك كان قد أصبح متقدّمًا في السنّ، ويتحمّل المشقّة فقط ليراه لمدّة 45 دقيقة لا أكثر. في عام 2007، تمكّنت شقيقاتي الأربع أيضًا من الحصول على تصاريح خاّصة لزيارة سامي. أمّا أنا فقد تمكّنت من الحصول على تصريح خاصّ للمرّة الأولى في عام 2011، بعد ثماني سنوات من اعتقاله!. آخر زيارة لي إليه كانت في تاريخ 12.6.18. كانت زيارة روتينيّة. في ذلك اليوم استيقظت في الخامسة صباحًا، استعدادًا للزّيارة. تصل عائلات السّجناء إلى محطّة الحافلات المركزيّة في طولكرم، ويسافر الجميع على متن حافلات الصّليب الأحمر. تغادر الحافلات في الساعة 6:30 إلى حاجز "إرتاح" (شاعر إفرايم) حيث تبدأ رحلة المعاناة والإذلال. تنطلق عادة أربع أو خمس حافلات معًا. عند وصولك إلى الحاجز تجد طابورًا طويلًا عند الباب الدوّار في مدخل الحاجز. تبدأ الخطوة الأولى بعبور ماكينة الفحص المغناطيسي. بعد ذلك، يجري نقل بعض الأشخاص لتفتيشهم بواسطة جهاز الأشعّة السّينيّة، وآخرون لإجراء التّفتيش الجسدي. في المرّة الأخيرة التي زرت بها أخي، عندما جاء دوري، فحص رجل الأمن - من شركة خاصّة تدير الحاجز - تصريحي وبطاقة هويّتي وأمرني بالانتظار جانبًا (يحدث هذا لمعظم الزوّار الذين لديهم تصاريح خاصّة لأسباب أمنيّة) ثمّ نادى عددًا من رجال الأمن. جلست هناك لمدّة ساعة ونصف ولم يسألني أحد أيّ سؤال. في هذه الأثناء كان جميع الزوّار ينتظرونني في الجانب الآخر. في النهاية سمحوا لي بالعبور. في الجانب الآخر كانت هناك حافلات إسرائيليّة - بلوحات صفراء حيث يوفّرها لنا أيضًا الصّليب الأحمر. بعد إغلاق أبواب الحافلة يُمنع فتحها إلى أن تصل السّجن. غادرت الحافلات نحو السّاعة 9:00 صباحًا، واستغرقت الرّحلة ساعة تقريبًا. عندما وصلنا إلى سجن مجيدّو أخذونا إلى ساحة مسيّجة فيها جنود وكاميرات مراقبة. السّاحة مسقوفة جزئيًّا، ولكن لا توجد مساحة كافية في الظلّ، ولا توجد مقاعد كافية للجميع؛ لذلك يقضي معظم الزوّار فترة الانتظار واقفين تحت حرّ الشمس. كنا نحو 250 زائرًا. جرى تقسيمنا إلى ثلاث مجموعات لكي تدخل كلّ مجموعة على انفراد. عندما جاء دوري، مررت عبر جهاز الفحص المغناطيسي وقمت بتمرير أغراضي. ثم فصلوا الرّجال عن النساء وفتّشونا بواسطة أجهزة مغناطيسيّة يدويّة مرّروها على جميع أنحاء الجسم. بعد التفتيش وضعونا في غرفة انتظار مبنيّة من القصدير (الزّينكو) وكان الجوّ حارًّا جدًّا. انتظرنا هناك طيلة أكثر من ساعة. كلّ الناس داخل غرفة الانتظار كانت تتصبّب عرقاً وتتذمّر من الحرّ الشديد. كما قلت لك، هذا ما يحدث في زيارة روتينية. كلّ هذه المشقّة ولم نتحدّث بعد عمّا يجري في قاعة الزّيارات. عند مدخل القاعة، على الجانبين، كانت كلاب الشرطة تنبح خلف شبكات حديدية والمعتقلون يجلسون خلف الحواجز الشفّافة. كلّ من دخل من الزّائرين أخذ يبحث عن السّجين الذي كان قد جاء لزيارته، وجلس أمامه وبدأ يتحدّث معه بواسطة الهاتف من خلف حاجز شفّاف سميك. استغرقت الزّيارة 45 دقيقة. عند عودتنا، أعادوا لكلّ شخص تصريحه وبطاقة هويّته، ورجعنا إلى الحافلات التي كانت تنتظرنا في موقف خاصّ في باحة السّجن. هكذا، يستغرق منّا يوم الزّيارة بالمتوسّط نحو ثماني ساعات. في نهاية يومٍ كهذا، أصل إلى البيت متعَبًا بل منهكًا. على مرّ السنين رأيت أمورًا صعبة خلال هذه الزّيارات. رأيت أمّهات بعد أن اجتزن كلّ هذه الإجراءات ووصلن إلى السّجن، قيل لهنّ إنّه لا يمكنهنّ رؤية أولادهنّ بسبب نقلهم إلى المحكمة أو إلى المستشفى. وقد حدث لنا عدّة مرّات أن أخبرنا الصليب الأحمر قبل الزّيارة بيوم واحد أنّه لا يمكننا زيارة سامي. زهرة اشتيّة (77 عامًا) وهي من سكّان تل، أرملة وأمّ لعشرة أولاد. في إفادة أدلت بها في 19.6.18 أمام الباحثة الميدانيّة سلمى الدبعي، روت ما يلي: في 23.10.03، جرى اعتقال ابني جواد وحُكم عليه بالسّجن لمدّة 30 سنة. اليوم هو يبلغ من العمر 43 عامًا. أحاول زيارته قدر الإمكان. لقد نقلوه من سجن إلى سجن عدّة مرّات، وفي السّنوات الأربع الأخيرة هو موجود في سجن الجلبوع. مع أنّني بلغت من العمر 77 عامًا وأعاني من السكّري، لا أفوّت أيّة زيارة مهما كانت الأسباب - إنّه قطعة من روحي. أخرج من البيت تقريبًا في السّاعة 5:00 صباحًا لكي أستقلّ حافلة الصّليب الأحمر الذي يأخذنا إلى حاجز "إرتاح" (شاعر إفرايم) ومن هناك نسافر في حافلة إسرائيليّة، بلوحة صفراء، يستأجرها الصليب الأحمر لكي نصل إلى السّجن. نقضي ساعتين تقريبًا في الحاجز لأنّ هناك مراحل تفتيش كثيرة، لأنّهم يستوقفون أحيانًا أحد المسافرين الزوّار وهذا يسبّب التأخير لنا جميعًا - نظلّ في الانتظار إلى أن يفتّشوا الجميع. قبل سنتين أعادوني من الحاجز، بعد أن اجتزت كلّ مراحل التفتيش ما عدا الأخيرة التي ينبغي فيها إبراز التصريح وبطاقة الهويّة. في هذه المرحلة أبلغوني أنّني ممنوعة من الدخول لأسباب أمنيّة. سألتهم ما السّبب، لكنّهم لم يقدّموا لي أيّ تفسير، فقط قالوا لي "ارجعي إلى البيت" هذا رغم أنّ تصريحي الذي سحبوه كان ساري المفعول لمدّة أربعة أشهر أخرى. كان عليّ أن أنتظر مرور الأشهر الأربعة لكي أقدّم طلب تصريح زيارة جديد مع احتمال أن يُرفض مرّة أخرى لأسباب أمنيّة. لحُسن حظّي حصلت على التصريح وذهبت لزيارة ابني مرّة أخرى. ليست هذه المرّة الأولى؛ لقد فعلوا الأمر نفسه قبل ثلاث سنوات: قالوا لي "أنت ممنوعة من الدّخول لأسباب أمنيّة" وبسبب ذلك لم أتمكّن من زيارة ولدي طيلة سنتين بالتّمام. كان ذلك صعبًا جدًّا عليّ وعليه. في تلك الفترة نفسها كان أشقّاؤه يزورونه ولكن بتصاريح خاصّة. أقصد تصريح ليوم الزّيارة نفسه وبعد ذلك كان عليهم تقديم طلب لتصريح جديد من أجل زيارة أخرى. هذه الإجراءات كلّها شاقّة للغاية ومع ذلك نحن نصرّ على المواظبة في زيارة ابننا السّجين. كذلك لدى وصولنا إلى السّجن نخضع لإجراءات طويلة ومُهينة، إلى أن ندخل ونراه. هناك جنديّة تجري بيديها تفتيشًا على جسدي، حتّى في المناطق الحسّاسة من جسمي. تلمس صدري وشعري، تتحسّس أكمامي وتُدخل يديها في جيوبي. كذلك لديها جهاز مغناطيسيّ تمرّره على جسمي كلّه وحتّى بين رجليّ. وهناك نساء كثيرات، خاصّة الشابّات، يخضعن للتّفتيش وهنّ عاريات - هذا يُجرونه في غرفة خاصّة. لا يجرون عليّ التفتيش العاري لأنّني امرأة مسنّة. ذات مرّة رفضت زوجة أسير الخضوع للتفتيش وهي عارية فلم يسمحوا لها بالمرور وبقيت تنتظر في الخارج. تستمرّ الزّيارة 45 دقيقة. والتحدّث مع الأسرى يتمّ بواسطة الهاتف - لأنّ هناك حاجز زجاجيّ يفصل بيننا بينهم. بسبب الضجيج في غرفة الزّيارة لا يمكننا أن نسمع جيّدًا عبر الهاتف، ولذلك فالجميع يتحدّث بصوت عالٍ وتحدث جلبة كبيرة. قدّم ابني طلبات عديدة ومتكرّرة إلى إدارة السّجن لكي يسمحوا له بزيارة خاصّة، فسمحوا لنا بزيارته دون حاجز يفصل بيننا. حدث هذا مرّة واحدة قبل عشر سنوات وقد رافقتني ابنتي إلى تلك الزّيارة. لقد كنّا في انفعال شديد لأنّنا استطعنا أن نصافحه ونعانقه ونشمّ رائحته. عندما احتضنته ابنتي ظلّت متشبّثة به طيلة دقائق عديدة. لقد تقدّم بي السنّ حيث أصبحت قرب الثمانين من عمري وأتمنّى أن يسمحوا لي بزيارة أخرى خاصّة كتلك. توفّي زوجي قبل ثماني سنوات. كان مريضًا وقد ساءت حالته في السنتين الأخيرتين من عمره ولم يكن قادرًا على الحركة أو الكلام. كان يتواصل معنا عبر الكتابة على الورق وكان يكتب طيلة الوقت أنّه يتمنّى رؤية ولده ولكنّهم رفضوا جميع الطّلبات التي قدّمناها - لقد توفّي دون أن تتحقّق أمنيته. نعمة هندي (60 عامًا) وهي من سكّان قرية تلّ، ربّة منزل، متزوّجة وأمّ لثمانية أولاد. في إفادة أدلت بها يوم 21.6.18 أمام الباحثة الميدانية سلمى الدّبعي، قالت: زوجي موسى هندي يبلغ من العمر 70 عامًا؛ ولدينا ثمانية أبناء وبنات. لقد اعتقلوا ابننا رائد (39 عامًا) في عام 2004، ومنذ ذلك الحين وهم ينقّلونه من سجن إلى آخر. في السنوات الأخيرة هو موجود في سجن النقب ("كتسيعوت"). طيلة السنتين الأوليين من اعتقال رائد لم نتمكّن من رؤيته - منعونا من الزّيارة قائلين "لأسباب أمنيّة" وقد كانت هذه الفترة عصيبة بالنسبة إلينا جميعًا، حيث لم يتمكّن من رؤيته أيّ من أفراد الأسرة. بعد ذلك صارت السّلطات تعطيني "تصريح أزرق" وهو تصريح لمرّة واحدة يسري مفعوله ليوم الزّيارة نفسها. بهذه الطريقة زرت ولدي طيلة خمس سنوات زيارة واحدة كلّ ستّة أشهر ثمّ أقدّم طلبًا لتصريح جديد. بعد هذه السّنوات الخمس أي بعد سبع سنين على اعتقال ابني، صرت أحصل على تصريح عاديّ يسري مفعوله لمدّة سنة ويسمح بالزّيارة مرّة كلّ شهر. لم أقم بزيارة رائد منذ نهاية عام 2017، لأنّني لا أتحمّل الصعوبات الكثيرة مع تقدّم سنّي ومعاناة السكّري وارتفاع ضغط الدم لديّ، ولأنّه لم يبق على إخلاء سبيله سوى بضعة أشهر. هو بنفسه قال لي أنّه يفضّل عدم مجيئي كثيرًا لزيارته لأنّه يهتمّ بصحّتي ويدرك مشقّة الزّيارة. عندما كنت أزوره، كنت أخرج من البيت قرابة السّاعة 4:00 فجرًا، وأعود في ساعات اللّيل المتأخّرة. وعند الوصول إلى السّجن يجري تفتيشنا - ناهيك عن الانتظار الطّويل. هناك توجد ساحة فيها مقاعد، لكن لا يوجد ظلّ كافٍ، ولا المقاعد كافية للجميع. المراحيض المخصّصة للزوّار وضعها مقرف وليست كافية للجميع - يوجد فقط مرحاضان، واحد للنساء وواحد للرّجال. منذ وصولنا يبدأ طابور طويل في التشكّل أمام المراحيض. ثم، بعد الانتظار يأتي دور التفتيش الجسدي باليدين وأيضًا بواسطة جهاز مغناطيسي. هم يتحسّسون بأيديهم الجسد كلّه. عند ذلك تبدأ مرحلة انتظار جديدة وطويلة إلى أن ينتهوا من تفتيش الجميع. بين فينة وأخرى هناك أيضًا عقبات غير متوقّعة وعقاب جماعيّ. ذات مرّة، قبل سنتين، ضرب أحد الأسرى أحد الحرّاس وعندها أبقونا جميعًا في الخارج طيلة ساعتين، بعد أن قد وصلنا. وفي مرّة أخرى احتجزونا عند الحاجز لمدّة ساعتين أيضًا، بادّعاء انّ إحدى الزائرات حاولت تهريب بطاقة "سيم" لهاتف خلويّ. عاقبونا جميعًا - أربع حافلات ملأى بالزائرين أخّروها ساعتين؛ إلى أن جاء مندوب الصليب الأحمر وتحدّث معهم وعندها سمحوا لنا بالعبور. مع انتهاء يوم الزّيارة يكون التّعب قد أنهكني تمامًا. أحمد الله أنّ ابني على وشك الخروج من السّجن؛ بقيت له بضعة أشهر وعندها لن أضطرّ إلى عبور كلّ هذه المشقّة. كان الله بعوْن الناس الذين لديهم أقارب في السّجن فالزّيارات مُنهكة.

9 آب/أغسطس 2018

ח'יתאם ג'ראר על רקע חורבות ביתה. צילום: עבד אל-כרים סעדי, בצלם, 21.1.18

هدم الممتلكات بحجّة ''الاحتياجات العسكريّة''

انفلات دون رادع لقوّات الأمن في أعقاب مقتل رزئيل شيفح: هدم منزل وسكّانه داخله وتفتيش ثلاث نساء تفتيشًا عاريًا مهينًا وتحريض الكلاب على مهاجمة ثلاثة أشخاص

في 9.1.2018 أطلق فلسطينيون من سيّارة عابرة النيران على الرّاب رزئيل شيفح وقتلو، قرب بؤرة حفات جلعاد الاستيطانية حيث يسكن. فرّ منفّذو العملية من المكان. في الشهر الذي تلى ذلك أجرت قوّات الأمن بحثًا عن مشتبه بهم بينهم أحمد نصر جرّار من سكّان جنين. أثناء عمليات البحث في محافظة جنين دهمت قوّات الأمن في مدينة جنين وبلدة برقين وقرية الكفير خمسة منازل على الأقلّ تسكنها أسَر من حمولة جرّار. يُظهر التقصّي الميداني الذي أجرته بتسيلم عبر باحثها في محافظة جنين عبد الكريم سعدي، أنّ قوّات الأمن اقتحمت في 18.1.2018 حيّ وادي برقين في مدينة جنين في مهمّة بحث عن مشتبه بهم بتنفيذ العملية. واجهت القوّات مسلّحين فلسطينيين وجرى تبادل لإطلاق النار قُتل خلاله شابّ تدّعي الشرطة أنّه أحد منفّذي العمليّة. أثناء قيامها بالمهمّة هدمت القوّات أربعة منازل - وفي أحدها باشرت الهدم حين كان سكّان المنزل لا يزالون داخله دون أن تكلّف نفسها توجيه إنذار لهم. في بداية شهر شباط ضمن مساعي البحث عن المشتبه فيه أحمد نصر جرار- على ما يبدو جاءت قوّات الأمن في موعدين مختلفين ودهمت منازل أخرى تسكنها أسَر من حمولة جرّار في بلدة برقين وقرية الكفير. رافق القوّات كلب حرّضته على ثلاثة أشخاص وجنديّة أجرت تفتيشًا مهينًا على أجساد النساء وهنّ عاريات تمامًا. في جميع هذه الحالات دهمت القوّات المنازل وسكّانها نائمون- في دجى الليل أو في ساعات الفجر. في بعض الحالات أمر الجنود السكّان بمغادرة منازلهم إلى البرد القارس في الخارج أو إلى منازل أشخاص آخرين استخدموها لتجميع السكّان. في 6.2.2018 قتلت القوّات المشتبه به أحمد نصر جرّار البالغ من العمر 26 عامًا وهدمت الغرفة التي كان يختبئ فيها في بلدة اليامون. الإفادات التي أدلت بها الأسَر التي دهم منازلها الجنود والكلاب في دُجى الليل مسبّبين الخراب والمهانة والصّدمة النفسية والإصابات الجسديّة، تدلّ على أنّ ما أقدمت عليه قوّات الأمن كان انفلاتًا شرسًا على الأهالي دون اكتراث لكرامة السكّان وسلامة أجسادهم وحياتهم وضمن ذلك الأطفال الصّغار. قوّات الأمن الضالعة في هذه الممارسات -بما في ذلك من صادقوا عليها- تدرك جيّدًا وجهَي الواقع الذي تعمل ضمنه: أنّها تتمتّع بحصانة تامّة من جهة أولى وأنّ السكّان الذين اقتحمت منازلهم يفتقدون أيّة حماية حتّى داخل منازلهم من جهة ثانية. هذا الواقع استغلّته قوّات الأمن حتى النهاية. في ما يلي وقائع التقصّي الميداني بأكمله وجميع الإفادات التي سجّلها الباحث الميداني لبتسيلم عبد الكريم سعدي: 18.1.2018، جنين: مقتل أحمد إسماعيل جرّار وهدم أربعة منازل في 17.1.2018 نحو الساعة 22:00 دهمت عناصر من القوّات الخاصّة في شرطة حرس الحدود و جهاز الأمن العام (الشاباك) حيّ وادي برقين غربيّ جنين. طوّقت العناصر عددًا من المنازل تسكنها حمولة جرّار الموسّعة وقرب أحدها جرى تبادل لإطلاق النار بين قوّات الأمن ومسلّحين فلسطينيين. أثناء ذلك قُتل ابن عمّ أحمد نصر جرّار - واسمه أحمد اسماعيل جرّار (30 عامًا) - الذي ادّعت الشرطة أنّه أحد منفّذي العمليّة. إضافة إلى ذلك أصيب شرطيّان أحدهما بجروح متوسّطة والثاني بجروح طفيفة- وفقًا لأقوال الشرطة. في المواجهات التي تطوّرت في الموقع تاليًا أصيب بنيران قوّات الأمن اثنان من السكّان أحدهما بجروح بالغة. تواصل تبادل إطلاق النار ساعات عدّة وخلال ذلك أمرت قوّات الأمن بعضًا من الأسَر بالخروج من منازلها غير أنّ بعض هذه الأسَر لم تدرك أنّ الأمر موجّه إليها. قرب الساعة 1:00 بعد منتصف الليل فتح إسماعيل جرّار (65 عامًا) باب منزله بعد أن سمع صراخ جنود في الخارج- وهو والد أحمد اسماعيل جرّار الذي قُتل سابقًا في مساء اليوم نفسه. فوجئ الرّجل بجنود يقفون عند عتبة المنزل يشهرون سلاحهم نحوه ويأمرونه بالخروج وأسرته من المنزل. أمر الجنود جميع من خرجوا من المنزل بالجلوس في الساحة: إسماعيل وزوجته انشراح (50 عامًا) وأربعة من أولاده وحفيدتاه البالغتان من العمر 8 و-9 سنوات. اقتاد الجنود الابن محمد اسماعيل (33 عامًا) للتحقيق معه والذي استمرّ طيلة ساعة ثمّ أعادوه. بعد ذلك اقتاد الجنود الجميع إلى سيّارات عسكريّة أقلّتهم إلى منزل قريبهم رضا جرّار والذي يقع على بُعد 150 مترًا. في منزل رضا جرّار كان الجنود قد جمّعوا أقارب آخرين يسكنون في الجوار: ختام جرّار (أرملة تبلغ من العمر 47 عامًا) والدة المشتبه به أحمد نصر جرّار وأبناؤها الثلاثة الآخرون. كبّل الجنود أيدي الرجال جميعًا ما عدا إسماعيل جرّار وركّزوهم في الطابق الأوّل من المنزل في حين أمروا النساء بالصعود إلى الطابق الثاني. بعض الجنود اعتلوا سطح المنزل. قرب الساعة 3:00 فجرًا أخذت قوّات الأمن بهدم منزلين جرى إخلاء سكّانهما (منزل أسرة اسماعيل جرّار ومنزل أسرة ختام جرّار) وإضافة إلى ذلك باشروا بهدم منزل ثالث كانت أسرة من ستّة أنفار لا تزال داخله - منزل علي ونسيم جرّار وأولادهما الأربعة المتراوحة أعمارهم بين سبع سنوات وعشرين سنة. عندما سمع أفراد الأسرة الضجيج وأصوات إطلاق الرصاص في الخارج لجأ الستّة إلى غرفة الابنة الصغيرة لبُعدها عن المدخل وفيما هم داخل هذه الغرفة بدأت الجرّافات في هدم منزلهم. في إفادة أدلت بها يوم 24.1.2018 قالت نسيم جرّار: بعد الساعة 3:00 سمعنا صوت سيّارات وجرّافة تقترب من منزلنا. أخذت الجرّافة تهدم المنزل من الجهة الغربية. زوجي وأنا والأولاد كنّا نصرخ من خوفنا أن ينهدم المنزل فوق رؤوسنا. شعرنا بارتجاج الأرض تحت أرجلنا وسمعنا ضجّة سقوط أجزاء المنزل. وقفنا في المطبخ مرتبكين وخائفين وكان الأولاد يبكون من شدّة الخوف. عندما أخذ ضجيج الهدم يزداد قرّرنا المخاطرة ومغادرة المنزل من الجهة الشرقية لكي نذهب إلى منزل سِلفي وليد جرّار الواقع على بُعد نحو 20-25 مترًا. كنّا نعرف أنّنا سنموت تحت الأنقاض لو بقينا في المنزل ومن جهة ثانية خفنا أن يطلق الجنود النار علينا عند خروجنا منه. طلبت من زوجي ومن الأولاد أن يصلّوا قبل خروجهم وأن يقرأوا الشهادتين. خرجت من منزلي دون أن أرتدي حجاب الرأس، خرجت بملابس النوم. في ساحة منزل سلفي وليد سلّط الجنود علينا وعلى وجوهنا ضوء الليزر المثبت على بنادقهم. توجّه زوجي إلى الجنود وسألهم: "لماذا تهدمون منزلي؟" فأجابه أحدهم: "سكوت، سكوت". سألت أنا الجنود هل يمكننا الدخول إلى منزل وليد فقالوا نعم. كان وليد في منزله وكان جنود قد استولوا على سطح المنزل. بقينا هناك حتى ساعات الصباح. كانت تلك ليلة طويلة ومؤلمة وكئيبة فقدت خلالها كلّ محتويات منزلي والذكريات والأغراض الشخصيّة الخاصّة بأفراد الأسرة. تحوّل المنزل إلى ركام من الأنقاض وأسرتنا مشتّتة حاليًّا بين منازل أقارب العائلة إلى حين العثور على منزل نسكن فيه. أنا وزوجي وأولادي خرجنا بملابس النوم لا غير. بقيت جميع ممتلكاتنا وأموالنا هناك تحت الأنقاض. ابنتي خديجة (7 سنوات) ما زالت تسأل عن دُميتها "دبدوب صغير" بقي تحت الأنقاض. ابني مصطفى (11 عامًا) لا ينفك يسأل عن درّاجته الهوائية وكتبه وأنا محتارة بماذا أجيبهما. هدمت قوّات الجيش ثلاثة مبانٍ سكنيّة (أحدها يشمل منزلين) بواسطة الجرّافات وبإطلاق صاروخ على أحدها مخلّفة وراءها 16 شخصًا بلا مأوًى بينهم ثلاثة قاصرين. 3.2.2018 و-8.2.2018، بلدة برقين: تحريض كلاب وتفتيش عارٍ في 3.2.2018 قرابة الساعة 6:00 صباحًا دهمت قوّة مؤلّفة من عشرات الجنود بلدة برقين الواقعة في محافظة جنين وطوّقت منزل مبروك وإيناس جرّار (40 عامًا و37 عامًا) اللّذين استيقظا من نومهما على انفجارات قنابل صوت ودويّ انفجار قويّ -يبدو أنّه صدر حين فجّر الجنود باب مدخل البناية وانفجارات قنابل الصوت. أسرع الاثنان وجلبا إلى غرفة نومهما ولديهما (3 سنوات و-9 سنوات) وبعد دقائق عدّة فجّر الجنود أيضًا باب الطابق الثاني حيث يسكنون. عقب التفجير دهم كلب غرفة نوم الزوجين وهجم على مبروك جرّار ثم غرز أسنانه بقوّة في كتفه الأيسر وأوقعه أرضًا. حاولت إيناس جاهدة تخليص زوجها من أسنان الكلب لكن دون جدوى. أمّا الولدان فقد اختبآ خلف السرير وهما يصرخان ويبكيان من شدّة الخوف. في إفادة أدلت بها لبتسيلم يوم 4.2.2018 وصفت إيناس جرّار ما حدث بعد ذلك: ركضت نحو الباب لأطلب المساعدة وعندها رأيت جنودًا يقفون على مطلع الدرج الموصل إلى منزلنا. أخذ الجنود يصرخون عليّ بالعربيّة أن أخرج كلّ الموجودين في المنزل وطالبني أحدهم بإخراج أحمد جرّار (الشابّ المطلوب) من المنزل علمًا أنّني لا أعرفه إطلاقًا. قلت للجنديّ أنّه لا يوجد أحد في المنزل غير زوجي وولديّ الصغيرين. توسّلت إليهم أن ينقذوا زوجي من الكلب لكنّهم ظلّوا واقفين مكانهم ولم يفعلوا شيئًا. قلت للجندي لن يخرج أحد من المنزل ويمكنك أن تطلق النار عليّ إذا أردت. كانت لحظات مرعبة بالنسبة إليّ. عدت بسرعة إلى غرفة النوم فوجدت الكلب لا يزال ممسكًا بكتف زوجي والأولاد مختبئين خلف السرير. حاولت مجدّدًا وأفلحت في سحب زوجي إلى المدخل حيث يقف الجنود والكلب لا يزال ممسكًا به. صرخت مرّة ثانية على الجنود أن يبعدوا الكلب ولكنّ أحدهم قال لي: "هاتي لنا أحمد جرّار وعندها سوف نساعدك ونخلّص زوجك من الكلب". بعض الجنود والكلب معهم جرّوا زوجي إلى الطابق الأول 19 درجة!". في هذه المرحلة بال أولادنا في ملابسهم. لم يكونوا قادرين على الوقوف على أرجلهم من شدّة خوفهم. أمرني الجنود بالنزول إلى ساحة المنزل وأن أحضر معي الأولاد أيضًا. ألبستهم أحذيتهم لئلّا تنجرح أرجلهم من شظايا الزجاج. أجبرنا الجنود على الجلوس على الأرض وهي رطبة من المطر. حين كنّا ننتظر في الخارج سمعت صوت انفجار داخل منزلنا. يبدو أنّ الجنود ألقوا قنابل صوت داخل المنزل قبل دخولهم لأجل لإجراء التفتيش. كان هناك عدد كبير من الجنود بعضهم ملثّمون. جلسنا على الأرض طيلة نصف ساعة تقريبًا. بعد ذلك أخرج الجنود زوجي من المنزل الذي في الطابق الأوّل وكان الكلب قد أفلته لكن يداه كانتا مكبّلتين إلى الخلف رغم كلّ الجروح. وكان وجهه مليئًا بالدماء وبنطاله ممزّق. في إفادته من يوم 14.2.2018 وصف مبروك جرّار ما جرى له بعد أن جرّه الجنود والكلب نزولاً على درجات المنزل: عند نهاية الدرج خلّصني أحد الجنود من بين أسنان الكلب بعد أن قصّ قميصي بالمقصّ ثمّ أبعد الكلب عنّي. بعد ذلك جاء جنديّ آخر ولكمني مرّتين على أنفي ممّا سبّب لي آلامًا شديدة ونزيفًا قويًّا. في تقديري ظلّ الكلب ممسكًا بي بأسنانه طيلة رُبع ساعة. سألني أحد الجنود: "أين أحمد جرّار؟" وأجبته بأنّه ليست لديّ أدنى فكرة. أدخلني الجنود إلى غرفة في الطابق الأوّل من المنزل. طيلة هذا الوقت كانت الدماء تسيل من ذراعي اليسرى ومن أنفي. عندها جاء ضابط كبير وقد بدا عليه أنّه فوجئ بما فعله الكلب بي. صوّرني الضابط بواسطة هاتفه الخلوي وأمر الجنود بتحرير يديّ من القيود - التي كانوا قد وضعوها من قبل. كان الضابط يتحدّث مع الجنود بالعبرية وأنا أفهمها قليلاً. بعد خمس دقائق كبّل الجنود يديّ مرّة ثانية إلى الخلف واقتادوني إلى خارج المنزل. في الخارج رأيت ولديّ الصغيرين صهيب ومحمد يجلسان على الأرض - رغم أنّها كانت رطبة بسبب الأمطار التي هطلت ليلاً. أمر الجنود زوجتي أن تجلب هاتفي الخلوي وعندها أخذوني إلى جيب عسكريّ اتّجه بي إلى معسكر سالم بعد أن غطّوا عينيّ بقطعة قماش. عندما وصلنا قيل لي إنّهم سوف ينقلونني إلى المستشفى. أنزلني الجنود وأزالوا العصبة عن عينيّ. في أثناء انتظاري هناك صوّرني بعض الجنود بكاميرات هواتفهم وأيضًا التقطوا صور "سِلْفي" وهم يضحكون. لم يُنقل مبروك جرّار إلى المستشفى إلّا بعد مرور ساعتين ونصف السّاعة. عند وصوله إلى مستشفى العفّولة وتلقّيه العلاج كبّل الجنود رجليه ويديه إلى السرير وأوقف جنديّان عند باب الغرفة. في اليوم التالي عند الظهر تقريبًا جاء إلى الغرفة التي يرقد فيها شخصان بملابس مدنيّة وسألاه حول علاقته مع نصر جرّار الذي قُتل عام 2002 - وهو والد أحمد نصر جرّار المشتبه في أنّه نفّذ العملية. مكث الرّجُلان نصف ساعة وغادرا المستشفى. بعد مضيّ أسبوع في 11.2.2018 أزال الجنود القيود عن رجلي مبروك وأبلغوه أنّه قد أخلي سبيله وأنه لا توجد شبهات ضدّه. في 13.2.2018 نُقل مبروك جرّار إلى مستشفى رفيديا في نابلس ليتابع علاجه هناك. في 8.2.2018 نحو الساعة 3:00 فجرًا حين كان مبروك جرّار لا يزال يرقد للعلاج في مستشفى العفولة دهم منزله نحو عشرين جنديًّا. حينئذٍ كانت إيناس جرّار والأولاد في المنزل مع حماتها (حوريّة البالغة من العمر 75 عامًا) وشقيقة زوجها (دلال البالغة من العمر 50 عامًا وتعاني البكم ومتلازمة داون) اللّتان جاءتا منذ اعتقال زوجها لأجل مساندتها وتبديد وحدتها. اقتحم الجنود باب الطابق الأوّل وصعدوا مباشرة إلى الطابق الثاني. حين فتحت لهم إيناس جرّار الباب دخلوا إلى الصالون وسألوا هل يوجد رجُل في المنزل. كذلك سألوا إيناس هل في حوزتها أموال "لأنّه إذا كان الجوب نعم فهذه أموال من حماس" وعليهم بالتالي مصادرتها. عندما قالت لهم إيناس أنّه لا توجد أموال شرع الجنود في تفتيش المنزل. حين لم يجدوا شيئًا أمر الجنود إيناس بالدخول إلى غرفة النوم لكي تجري جندية تفتيشًا على جسدها. في غرفة النوم طلبت الجندية من إيناس أن تخلع ملابسها تمامًا وتقف عارية ثمّ فتّشت بالطريقة نفسها المرأتين الأخريين اللّتين كانتا في المنزل. في إفادة أدلت بها يوم 8.2.2018 قالت إيناس: أمرتني الجندية بخلع جميع ملابسي ففعلت ذلك. كنت أظنّها ستفتّش عن طريق تمرير ماسح ضوئي لكنّني فوجئت بها تصرّ أن أخلع أيضًا ملابسي الداخلية. بعد أن خلعت ملابسي أخذت الجندية تفتّش الملابس التي خلعتها ثمّ أمرتني بأن أدير لها ظهري وأنا عارية. شعرت بالانكسار والمهانة. تمنّيت الموت لنفسي لكيلا أشهد مثل هذه اللحظات ثانية. أمرتني الجنديّة بأن أركع وبقيت كذلك مدّة دقيقتين أو ثلاث - أطول دقائق مرّت عليّ في حياتي. فقط بعد ذلك قالت لي أنّه يمكنني ارتداء ملابسي. في اعتقادي هذه الجندية لا تملك ذرّة من الأخلاق أو الإنسانية. بعد أن أنهت الجنديّة التفتيش بقي الجنود في منزلنا مدّة ساعة أخرى وجّهوا إليّ خلالها أسئلة حول زوجي. سألوا إن كنت أريد زيارته وسألوا أيضًا عن أمواله. ما فعله بي الجنود جريمة وإهانة ومسّ بكرامتي وكرامة أسرتي. في إفادة أدلت بها يوم 13.2.2018 وصفت حورية جرّار ما مرّت به: اقتادت الجنديّة كنّتي إيناس إلى غرفة نومها وبقينا أنا وابنتي دلال في الغرفة المقابلة للمطبخ. أنا أتصعّب في الحركة. كنت جالسة على سرير وابنتي كانت جالسة على فرشتها قريبًا منّي. أغلقت الجنديّة باب غرفة النوم بعد أن دخلت إيناس وما عدت أرى ما يحدث داخل الغرفة. بعد نحو خمس دقائق خرجت إيناس والجندية من الغرفة ودخلتا الغرفة التي كنّا فيها. قالت لي الجندية أنّها تريد تفتيش أجسادنا. أخذت أبكي وقلت لها: "ماذا تريدين منّي؟! أنا امرأة مسنّة وأتحرّك بصعوبة اخجلوا على أنفسكم!". ساعدتني كلّ من إيناس والجنديّة على خلع ملابسي وأنا جالسة على السرير. شعرت بقلّة الحيلة وبحزن عميق إزاء ما فعلته بي الجندية. بعد أن فتشت الجندية فستاني الذي خلعته وبقيت عارية ساعدتني هي وإيناس على خلع بنطلوني الداخلي وثمّ كُشفت عورتي. نظرت الجنديّة إلى عورتي مباشرة. كنت أبكي طيلة الوقت على حالي - كيف يحدث أن تُجبر جنديّة شابة كهذه امرأة مسنّة مثلي أن تخلع ملابسها هكذا وأن تكشف عورتها أمامها على هذا النحو؟! لم أتخيّل ولم يخطر في بالي أنّ شيئًا كهذا ممكن أصلاً. بعد ذلك أمرت الجندية إيناس أن تساعدها في تعرية ابنتي دلال أيضًا. ساعدتها إيناس في ذلك وفتّشت الجندية جسد دلال. وأنا لم أتوقّف عن البكاء. كيف وصلنا إلى هذه الحالة؟ جنديّة تعرّينا هكذا داخل منازلنا وتكشف عوراتنا؟! 3.2.2018، قرية الكفير: تحريض كلب على مهاجمة أشخاص في 3.2.2018 نحو الساعة 4:00 فجرًا اقتحمت قوّات الأمن منزل نور الدين وسماهر عوّاد (48 عامًا و-42 عامًا) ولديهما أربعة أولاد. تسكن الأسرة في منزل في الطابق الأوّل من مبنىً ذي طابقين - في قرية الكفير الواقعة في محافظة جنين. اقتحم الجنود باب المنزل ومن ضجيجهم استيقظت سماهر من نومها صارخة لمرأى كلب يقف في غرفة نومها. استيقظ زوجها نور الدين وقفز فورًا من فراشه نحو الكلب لكي يخرجه من الغرفة لكنّ الكلب هاجمه وعضّه في يده اليمنى في حين وقف الجنود عند باب غرفة النوم ولم يحرّكوا ساكنًا. بعد ذلك قاموا بإخراج الكلب من الغرفة. طالبت سماهر الجنود بالابتعاد عن الغرفة وارتدت ملابسها بسرعة واتّجهت إلى صالون المنزل. أمر الجنود أفراد الأسرة بملازمة المنزل وغادروا هم بعد عدّة دقائق. مرّت بضع دقائق أخرى وعندها سمع أفراد الأسرة طرقات على الباب الخلفيّ لمنزلهم. في إفادتها من يوم 4.2.2018 لبتسيلم وصفت سماهر عوّاد ما جرى بعد ذلك: كنت أحمل طفلي كرم (وعمره سنتان) وكان يبكي ويلتصق بصدري. فتحت الباب الذي طرقه الجنود وإذ بكلب يهجم عليّ قافزًا إلى صدري فوقع ابني كرم على الأرض. عضّني الكلب في صدري ثمّ نجحت في إبعاده عنّي لكنّه أمسك بفخذي الأيسر. جمعت كلّ قوّتي وتمكّنت من دفعه بعيدًا عنّي. كلّ ذلك والجنود واقفون وينظرون دون أن يفعلوا شيئًا. طيلة هذا الوقت كان زوجي يتوسّل إلى الجنود أن يبعدوا الكلب. تكلّم أحد الجنود مع الكلب باللغة العبرية وعندها هجم الكلب وأمسكني من يدي اليسرى وظلّ ممسكًا بها طيلة دقائق إلى أن جاء جنديّ آخر. سال منّي دم كثير. خرج الكلب والجنود من المنزل لكنّهم ظلّوا واقفين عند المدخل. طلب منهم زوجي أن يسعفوا يدي لكنّهم لم يكترثوا لكلامه. شعرت بألم وكان دمي يسيل لكنّ الجنود لم يهتمّوا. ربطت يدي بقطعة قماش لكي أوقف النزيف. بعد مضيّ نحو ساعة قرابة الساعة 5:00 وصل الجنود إلى منزل حليمة جرّار (62 عامًا أرملة وأمّ لستّة) الواقع على بُعد 150 مترًا من منزل عائلة عوّاد. تسكن حليمة في المنزل مع اثنين من أولادها: ابنتها سبأ (42 عامًا) وابنها القعقاع (48 عامًا متزوّج وأب لأربعة). أمر الجنود حليمة وأفراد أسرتها أن يخرجوا من المنزل وأمروهم بالانتقال إلى منزل مجاور جمّعوا فيه النساء في الطابق الأوّل والرجال في الطابق الثاني. بعد ذلك حقّق الجنود مع القعقاع ابن حليمة ومع ابنها الآخر - ذيب الذي يسكن مع أسرته في منزل آخر في الحيّ نفسه. في إفادة أدلت بها يوم 4.2.2018 قالت حليمة جرّار: عندما دخلت إلى منزل نور الدين عوّاد رأيت هناك سماهر وكانت يدها اليسرى ملفوفة والدم يسيل منها. كان باديًا عليها أنّها تتألّم كثيرًا. وكان ابنها كرم ملتصقًا بها وهو يبكي من الخوف. لم أقدر على تحمّل المنظر. خرجت من الغرفة وطلبت من الجنود الذي وقفوا قبالة الباب أن يقدّموا لها الإسعاف الأوّلي. وافق أحدهما وذهب لإحضار صندوق الإسعاف ثمّ دخل معي إلى الغرفة. أخذ الجندي يعقّم الجراح العميقة وعلامات أسنان الكلب الذي عضّ سماهر. اتّصلت سماهر بأخيها وهو بدوره اتّصل يطلب سيّارة إسعاف لكنّها حين وصلت لم يسمح لها الجنود بالعبور. وكانت يد سماهر لا تزال تنزف دمًا. احتجزنا الجنود حتى الساعة 9:00 صباحًا. لقد جلبوا جميع الجيران الذين يسكنون في المنطقة إلى منزل سماهر ومن بينهم ابني ذيب (50 عامًا) الذي يسكن على بُعد 500 متر من منزلي. كان مجموع الأشخاص داخل المنزل 15 شخصًا تقريبًا كلّهم جيران وأقارب. لدى انتهاء المهمّة اعتقل الجنود الأخوين ذيب والقعقاع جرّار، ثمّ أخلي سبيلهما بعد مرور عدّة أيام: ذيب في 6 شباط 2018 والقعقاع في 7 شباط 2018.

22 شباط/فبراير 2018