تفيد المعطيات المتوفّرة لغاية 30.6.18، أنّ إسرائيل تسجن ما يقارب 5300 من المعتقلين والسّجناء الأمنيّين الفلسطينيّين سكّان الضفة الغربية في المعتقلات الإسرائيلية؛ والتي تقع جميعها، باستثناء سجن عوفر، داخل المناطق الإسرائيلية.
يضطرّ سّكان الضفة الغربية إلى اجتياز إجراءات بيروقراطيّة مطوّلة لحين الموافقة على زيارتهم من قبل السّلطات المختصّة: الإدارة المدنية، مصلحة السّجون الاسرائيلية وجهاز الأمن العامّ ("الشّاباك"). عدا الحاجز البيروقراطي، فإنّ القيام بالزّيارة بعد الموافقة عليها من قبَل السّلطات الإسرائيلية يقتضي رحلة تستغرق يومًا بأكمله، بسبب سلسلة من التفتيشات والعراقيل التي تؤخّرهم. للحصول على معلومات حول القيود التي تفرضها إسرائيل على الزّيارات العائلية للسّجناء من قطاع غزة ، يُنظر هنا.
أولًا، يُطلب من السكّان تقديم طلب للحصول على تصريح دخول من خلال ممثليّة اللّجنة الدوليّة للصّليب الأحمر، بصفتها الجهة التي تولّت منذ عام 1969 مسؤوليّة التنسيق بين الزوّار وبين الإدارة المدنية ومصلحة السّجون الإسرائيلية. تصدر الإدارة المدنية تصاريح لدخول إسرائيل لغرض زيارة السّجناء شريطة أن يكون الزوّار أقارب من الدّرجة الأولى - الآباء والأمّهات والأجداد والأزواج والأبناء والأشقّاء. عمومًا هي تصاريح سارية المفعول لمدّة عام واحد. ولا يُسمح للزوّار الذين ليسوا من الأقرباء من الدّرجة الأولى بزيارة السّجناء إلّا في حالات استثنائيّة، وفقط عندما تقرّ السّلطات الإسرائيلية بوجود "أسباب إنسانيّة" توجب السّماح بالزّيارة.
ومع ذلك، تفرض الإدارة المدنية قيودًا على زيارة الأقارب من الدّرجة الأولى أيضًا: إذا قرّر جهاز الأمن العامّ أن يصنّف مقدّم طلب تصريح الزيارة "ممنوع لأسباب أمنيّة" فقد يمنعه كلّيًّا من الزيارة أو يوافق على "تصريح زيارة سجين للممنوعين" - وهو تصريح زيارة خاصّ يسري مفعوله لمدّة 45 يومًا عادة ولزيارة مفردة. إضافة إلى ذلك، هناك حظر شامل على إصدار تصاريح زيارة سنويّة للرّجال الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و35 سنة؛ هؤلاء تُصدر لهم السّلطات تصاريح خاصّة أيضًا، إذا وافقت على تصريح أصلًا. فعليًّا، حتى الأشخاص الذين يحصلون على تصريح سنويّ لا يُسمح لهم بزيارة أقاربهم في المعتقلات الإسرائيلية بشكل متواتر: تتيح مصلحة السّجون الإسرائيلية زيارة واحدة فقط في الشهر لعائلات السّجناء الفلسطينيين - الأمنيّين والجنائيّين. ورغم أنّ التعليمات تسمح للسّجناء الجنائيّين باستقبال زوّارهم بشروط أسهل إلّا أنّ الزيارة تتمّ وفقًا للشروط الصّارمة المطبقة على السّجناء الأمنيين، لأنّ الزوّار الفلسطينيين القادمين من الضفة الغربية (باستثناء القدس الشرقية)، وبضمنهم أهالي السّجناء الجنائيّين، يُسمح لهم القدوم للزّيارات فقط بواسطة سفريّات ينظّمها الصّليب الأحمر في تواريخ محددة مسبقًا.
الصورة
نعمة هندي تحمل صورة ابنها رائد، الذي لم تره منذ نهاية عام 2017. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 21.6.18
يستغرق الذّهاب إلى الزّيارة يومًا كاملًا: يُطلب من جميع الزوّار بغضّ النظر عن سنّهم أو صحّتهم الوصول باكرًا في الصّباح إلى نقاط تجمّع محدّدة مسبقًا. من هناك، تسافر الحافلات التي يستأجرها الصليب الأحمر إلى نقطة الحاجز الأخيرة قبل دخول إسرائيل، حيث يخضعون لفحص أمنيّ وتفتيش وهذه عمليّة تقتضي انتظارًا طويلًا لأنّه في هذا الوقت يمرّ أيضًا عبر الحاجز العمّال الفلسطينيون العاملون في إسرائيل والمستوطنات في منطقة التّماس. بعد ذلك، في الجانب الإسرائيلي يستقلّ الزوّار حافلات أخرى تحمل لوحة صفراء مستأجرة من قبَل الصّليب الأحمر. وتمنع قوّات الأمن الإسرائيلية فتح أبواب الحافلة طيلة ساعات السّفر الكثيرة من لحظة مغادرتها الحاجز حتى تصل إلى المعتقل. في المعتقل، يخضع الزائرون لفحوصات أمنيّة إضافية تشمل التفتيش الجسديّ.
وفي نهاية المطاف، يتحمّل الفلسطينيّون كلّ هذه المشقّة لكي يروا أحبّائهم فقط من خلال حاجز شفّاف والتحدّث معهم فقط عبر الهاتف لمدّة 45 دقيقة لا أكثر. يحقّ للسجناء أن يقدّموا طلبًا زيارة خاصّة بدون حاجز فاصل، لكنّ سلطات السّجن نادراً ما تسمح بذلك.
جميع السّجون التي تحتجز فيها اسرائيل المعتقلين الفلسطينيين، باستثناء سجن واحد، تقع داخل المناطق الإسرائيلية السّياديّة وليس في الأراضي المحتلّة. مجرّد احتجاز سكّان الأراضي المحتلّة داخل المناطق الإسرائيلية يعتبر انتهاكًا للقانون الإنسانيّ الدوليّ الذي يحظر نقل المدنيّين بما في ذلك المعتقلين والسّجناء من الأراضي الواقعة تحت الاحتلال إلى أراضي الدولة المحتلة. إنّه انتهاك متواصل وخطير يتبعه مسّ خطير بحقّ سكّان الأراضي المحتلّة في زيارات متواترة وضمن ظروف معقولة للسّجناء من أفراد الأسرة؛ بل هُم في أحيان كثيرة يُحرمون تمامًا من حقّ الزّيارة. إنّ المشقّة الملازمة لزيارات الأهل لأبنائهم السّجناء ليست سوى مثال على الرّوتين اليوميّ للاحتلال الذي ينوء تحته سكّان الأراضي المحتلّة.
في الإفادات التي أدلت بها أسَر المعتقلين والسّجناء أمام الباحثين الميدانيّين من بتسيلم، تجدون وصفًا مفصّلًا للمحنة التي يعيشونها لدى زياراتهم لأحبّتهم القابعين في سجون إسرائيل.
طالب حمد (80 عامًا) وهو من سكّان قرية تلّ، أرمل وأب لعشرة أولاد، صاحب حانوت بقالة. في شهادة أدلى بها يوم 21.6.18 أمام الباحثة الميدانيّة، سلمى الدّبعي، قال:
طالب حمد. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 21.6.18
اعتُقل ابني أحمد في تاريخ 18.3.02، وحُكم عليه بالسّجن لمدّة 28 سنة، ولاحقًا تمّ الإفراج عنه ضمن "صفقة شاليط" في عام 2011؛ ولكن بعد ثلاث سنوات - في عام 2014 - جرى اعتقاله مرّة أخرى، ودون أن يخضع لمحاكمة جديدة أودع السّجن ليقضي بقية عقوبته الأصلية.
قرّرت سلطات إسرائيل أنّ دخولي ممنوع "لأسباب أمنيّة" ولذلك لم أتمكّن من الحصول على تصريح سنويّ لزيارة ولدي في السّجن - يعطونني فقط تصاريح خاصة محدّدة لزيارة واحدة، بحيث أنّني مضطرّ لأجل كلّ زيارة إلى تقديم طلب تصريح جديد. أتساءل حقًّا، ما الخطر الأمنيّ الذي تواجهه دولة إسرائيل من رجل يبلغ من العمر 80 عامًا؟!. زوجتي، عزيزة، عانت من مشكلة صحيّة في الكلى طيلة أربع سنوات وتوفّيت قبل تسعة أشهر عن عمر ناهز 72 عامًا. قبل وفاتها ببضعة أشهر جئنا معًا، وعندما وصلنا إلى الحاجز لم يسمحوا لها بالعبور قائلين إنّ دخولها ممنوع "لأسباب أمنيّة". بسببهم لم تستطع رؤية أحمد خلال الأشهر الثمانية الأخيرة من حياتها مع أنّها قدّمت عدّة طلبات للحصول على تصريح زيارة، مرفقة بوثائق طبية لكنّهم لم يسمحوا لها بزيارته. حرموها من رؤيته قبل أن تغادر هذه الدّنيا.
في يوم الزيارة، أغادر المنزل قبل صلاة الفجر وأصلّي في نابلس، لكي أصل قبل أن تغادر حافلة الصليب الأحمر محطّة الحافلات المركزية في المدينة. من هناك تنقلنا الحافلة إلى حاجز "إرتاح" (شاعر إفرايم). لدى وصولنا إلى الحاجز ننتظر طويلًا، لأننا نصل في وقت وصول العمّال الذين يعملون داخل إسرائيل. من لحظة وصولك إلى الحاجز إلى أن تغادره يمكن أن يستغرق الأمر ساعتين؛ وطيلة هذا الوقت تظلّ واقفًا لأنه لا توجد مقاعد ولا كراسي. هذا صعب جدًّا بالنسبة لشخص في مثل عمري. أنا ابن 80 سنة.
بعد الانتهاء من الحاجز نستقلّ حافلات من الجانب الإسرائيلي تتبع للصليب الأحمر. تستغرق الرحلة إلى سجن رامون في النقب نحو ثلاث ساعات. كان ابني في سجون أخرى في الماضي، لكنّه معتقل هناك خلال السنوات الثلاث الماضية. عندما نصل إلى السّجن تبدأ المعاناة الكبيرة. في البداية نسلّم بطاقات الهوية والتصريح ونبلغهم اسم السّجين الذي جئنا لزيارته، ثم نسلّمهم السّجائر والملابس التي جلبناها من أجل أبنائنا. نظلّ واقفين معظم الوقت لأنّ المقاعد ليست كافية للجميع، علمًا أنّ هذه العمليّة تستغرق نحو ساعتين. لا أفهم لماذا يجب أن يستغرق الأمر وقتًا طويلاً. أشعر أنّه يجري تأخيرنا عمدًا.
بعد ذلك تأتي مرحلة التفتيش الجسديّ. يتحسّسون جسمي بأيديهم، بما في ذلك بين ساقيّ، ويطلبون منّي رفع ملابسي وكشف جسدي. هذا الأمر مهين للغاية. بعد ذلك، يجرون على جسدي تفتيشًا بواسطة جهاز مغناطيسيّ يدويّ. رغم كلّ التفتيشات التي أجروها عند الحاجز وعلمًا أنّه ممنوع فتح باب الحافلة حتّى وصولنا يتعيّن علينا الخضوع للفحص والتفتيش في السّجن مرّة أخرى!. ما نمرّ به خلال الزّيارة هو تعذيب وانتهاك لكرامة الإنسان. أنا رجل مسنّ. إنه إذلال.
ماتت زوجتي وأحمد لا يزال في السّجن. وأنا أخشى أنّني سأموت قبل إطلاق سراحه. خلال الزّيارة، أراه فقط من خلال الحاجز الشفّاف الذي يفصل بيننا. لا أستطيع سماعه جيداً لأن سمعي ضعيف ولا يمكنك أن تسمع جيدًا عبر سمّاعات الهاتف تلك ناهيك عن الضجيج والجلبة في غرفة الزيارات. عندما ينتهي الوقت المخصّص للزّيارة يقطعون المحادثة على الفور ولا تستطيع أن تسمع أيّ شيء. ورغم كلّ هذه المشقّة، لن أتوقّف عن زيارته طالما أنا على قيد الحياة، لأنّه لا شيء أغلى من الابن.
عدنان صبح (53 عامًا) وهو من سكّان مدينة طولكرم وصاحب شركة لبيع الأقراص المدمجة (سي. دي)، متزوّج وأب لأربعة أولاد. في شهادة أدلى بها في 19.6.18 أمام الباحث الميدانيّ عبد الكريم سعدي، روى ما يلي:
عدنان صبح. تصوي: عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 19.6.18
اعتُقل أخي، سامي صبح، في 1.8.03، في ذروة الانتفاضة الثانية، وحُكم عليه بالسّجن لمدّة 28 سنة. وهو الآن يقضي بقيّة عقوبته في سجن مجيدّو.
بعد سنتين من السّجن وافقوا على إصدار "تصريح خاصّ" لوالدي، الذي يبلغ الآن من العمر 85 عامًا. تتيح التصاريح الخاصة زيارة واحدة فقط. كان أبي يسافر وحده، رغم أنه حتى حينذاك كان قد أصبح متقدّمًا في السنّ، ويتحمّل المشقّة فقط ليراه لمدّة 45 دقيقة لا أكثر. في عام 2007، تمكّنت شقيقاتي الأربع أيضًا من الحصول على تصاريح خاّصة لزيارة سامي. أمّا أنا فقد تمكّنت من الحصول على تصريح خاصّ للمرّة الأولى في عام 2011، بعد ثماني سنوات من اعتقاله!. آخر زيارة لي إليه كانت في تاريخ 12.6.18.
كانت زيارة روتينيّة. في ذلك اليوم استيقظت في الخامسة صباحًا، استعدادًا للزّيارة. تصل عائلات السّجناء إلى محطّة الحافلات المركزيّة في طولكرم، ويسافر الجميع على متن حافلات الصّليب الأحمر. تغادر الحافلات في الساعة 6:30 إلى حاجز "إرتاح" (شاعر إفرايم) حيث تبدأ رحلة المعاناة والإذلال.
تنطلق عادة أربع أو خمس حافلات معًا. عند وصولك إلى الحاجز تجد طابورًا طويلًا عند الباب الدوّار في مدخل الحاجز. تبدأ الخطوة الأولى بعبور ماكينة الفحص المغناطيسي. بعد ذلك، يجري نقل بعض الأشخاص لتفتيشهم بواسطة جهاز الأشعّة السّينيّة، وآخرون لإجراء التّفتيش الجسدي.
في المرّة الأخيرة التي زرت بها أخي، عندما جاء دوري، فحص رجل الأمن - من شركة خاصّة تدير الحاجز - تصريحي وبطاقة هويّتي وأمرني بالانتظار جانبًا (يحدث هذا لمعظم الزوّار الذين لديهم تصاريح خاصّة لأسباب أمنيّة) ثمّ نادى عددًا من رجال الأمن. جلست هناك لمدّة ساعة ونصف ولم يسألني أحد أيّ سؤال. في هذه الأثناء كان جميع الزوّار ينتظرونني في الجانب الآخر. في النهاية سمحوا لي بالعبور.
في الجانب الآخر كانت هناك حافلات إسرائيليّة - بلوحات صفراء حيث يوفّرها لنا أيضًا الصّليب الأحمر. بعد إغلاق أبواب الحافلة يُمنع فتحها إلى أن تصل السّجن. غادرت الحافلات نحو السّاعة 9:00 صباحًا، واستغرقت الرّحلة ساعة تقريبًا. عندما وصلنا إلى سجن مجيدّو أخذونا إلى ساحة مسيّجة فيها جنود وكاميرات مراقبة. السّاحة مسقوفة جزئيًّا، ولكن لا توجد مساحة كافية في الظلّ، ولا توجد مقاعد كافية للجميع؛ لذلك يقضي معظم الزوّار فترة الانتظار واقفين تحت حرّ الشمس. كنا نحو 250 زائرًا.
جرى تقسيمنا إلى ثلاث مجموعات لكي تدخل كلّ مجموعة على انفراد. عندما جاء دوري، مررت عبر جهاز الفحص المغناطيسي وقمت بتمرير أغراضي. ثم فصلوا الرّجال عن النساء وفتّشونا بواسطة أجهزة مغناطيسيّة يدويّة مرّروها على جميع أنحاء الجسم. بعد التفتيش وضعونا في غرفة انتظار مبنيّة من القصدير (الزّينكو) وكان الجوّ حارًّا جدًّا. انتظرنا هناك طيلة أكثر من ساعة. كلّ الناس داخل غرفة الانتظار كانت تتصبّب عرقاً وتتذمّر من الحرّ الشديد. كما قلت لك، هذا ما يحدث في زيارة روتينية.
كلّ هذه المشقّة ولم نتحدّث بعد عمّا يجري في قاعة الزّيارات. عند مدخل القاعة، على الجانبين، كانت كلاب الشرطة تنبح خلف شبكات حديدية والمعتقلون يجلسون خلف الحواجز الشفّافة. كلّ من دخل من الزّائرين أخذ يبحث عن السّجين الذي كان قد جاء لزيارته، وجلس أمامه وبدأ يتحدّث معه بواسطة الهاتف من خلف حاجز شفّاف سميك. استغرقت الزّيارة 45 دقيقة.
عند عودتنا، أعادوا لكلّ شخص تصريحه وبطاقة هويّته، ورجعنا إلى الحافلات التي كانت تنتظرنا في موقف خاصّ في باحة السّجن. هكذا، يستغرق منّا يوم الزّيارة بالمتوسّط نحو ثماني ساعات. في نهاية يومٍ كهذا، أصل إلى البيت متعَبًا بل منهكًا.
على مرّ السنين رأيت أمورًا صعبة خلال هذه الزّيارات. رأيت أمّهات بعد أن اجتزن كلّ هذه الإجراءات ووصلن إلى السّجن، قيل لهنّ إنّه لا يمكنهنّ رؤية أولادهنّ بسبب نقلهم إلى المحكمة أو إلى المستشفى. وقد حدث لنا عدّة مرّات أن أخبرنا الصليب الأحمر قبل الزّيارة بيوم واحد أنّه لا يمكننا زيارة سامي.
زهرة اشتيّة (77 عامًا) وهي من سكّان تل، أرملة وأمّ لعشرة أولاد. في إفادة أدلت بها في 19.6.18 أمام الباحثة الميدانيّة سلمى الدبعي، روت ما يلي:
الصورة
زهرة اشتيّة مع ابنها جهاد. الصورة قدّمتها العائلة مشكورة.
في 23.10.03، جرى اعتقال ابني جواد وحُكم عليه بالسّجن لمدّة 30 سنة. اليوم هو يبلغ من العمر 43 عامًا. أحاول زيارته قدر الإمكان. لقد نقلوه من سجن إلى سجن عدّة مرّات، وفي السّنوات الأربع الأخيرة هو موجود في سجن الجلبوع. مع أنّني بلغت من العمر 77 عامًا وأعاني من السكّري، لا أفوّت أيّة زيارة مهما كانت الأسباب - إنّه قطعة من روحي.
أخرج من البيت تقريبًا في السّاعة 5:00 صباحًا لكي أستقلّ حافلة الصّليب الأحمر الذي يأخذنا إلى حاجز "إرتاح" (شاعر إفرايم) ومن هناك نسافر في حافلة إسرائيليّة، بلوحة صفراء، يستأجرها الصليب الأحمر لكي نصل إلى السّجن. نقضي ساعتين تقريبًا في الحاجز لأنّ هناك مراحل تفتيش كثيرة، لأنّهم يستوقفون أحيانًا أحد المسافرين الزوّار وهذا يسبّب التأخير لنا جميعًا - نظلّ في الانتظار إلى أن يفتّشوا الجميع.
قبل سنتين أعادوني من الحاجز، بعد أن اجتزت كلّ مراحل التفتيش ما عدا الأخيرة التي ينبغي فيها إبراز التصريح وبطاقة الهويّة. في هذه المرحلة أبلغوني أنّني ممنوعة من الدخول لأسباب أمنيّة. سألتهم ما السّبب، لكنّهم لم يقدّموا لي أيّ تفسير، فقط قالوا لي "ارجعي إلى البيت" هذا رغم أنّ تصريحي الذي سحبوه كان ساري المفعول لمدّة أربعة أشهر أخرى.
كان عليّ أن أنتظر مرور الأشهر الأربعة لكي أقدّم طلب تصريح زيارة جديد مع احتمال أن يُرفض مرّة أخرى لأسباب أمنيّة. لحُسن حظّي حصلت على التصريح وذهبت لزيارة ابني مرّة أخرى. ليست هذه المرّة الأولى؛ لقد فعلوا الأمر نفسه قبل ثلاث سنوات: قالوا لي "أنت ممنوعة من الدّخول لأسباب أمنيّة" وبسبب ذلك لم أتمكّن من زيارة ولدي طيلة سنتين بالتّمام. كان ذلك صعبًا جدًّا عليّ وعليه. في تلك الفترة نفسها كان أشقّاؤه يزورونه ولكن بتصاريح خاصّة. أقصد تصريح ليوم الزّيارة نفسه وبعد ذلك كان عليهم تقديم طلب لتصريح جديد من أجل زيارة أخرى. هذه الإجراءات كلّها شاقّة للغاية ومع ذلك نحن نصرّ على المواظبة في زيارة ابننا السّجين.
كذلك لدى وصولنا إلى السّجن نخضع لإجراءات طويلة ومُهينة، إلى أن ندخل ونراه. هناك جنديّة تجري بيديها تفتيشًا على جسدي، حتّى في المناطق الحسّاسة من جسمي. تلمس صدري وشعري، تتحسّس أكمامي وتُدخل يديها في جيوبي. كذلك لديها جهاز مغناطيسيّ تمرّره على جسمي كلّه وحتّى بين رجليّ. وهناك نساء كثيرات، خاصّة الشابّات، يخضعن للتّفتيش وهنّ عاريات - هذا يُجرونه في غرفة خاصّة. لا يجرون عليّ التفتيش العاري لأنّني امرأة مسنّة. ذات مرّة رفضت زوجة أسير الخضوع للتفتيش وهي عارية فلم يسمحوا لها بالمرور وبقيت تنتظر في الخارج.
تستمرّ الزّيارة 45 دقيقة. والتحدّث مع الأسرى يتمّ بواسطة الهاتف - لأنّ هناك حاجز زجاجيّ يفصل بيننا بينهم. بسبب الضجيج في غرفة الزّيارة لا يمكننا أن نسمع جيّدًا عبر الهاتف، ولذلك فالجميع يتحدّث بصوت عالٍ وتحدث جلبة كبيرة.
قدّم ابني طلبات عديدة ومتكرّرة إلى إدارة السّجن لكي يسمحوا له بزيارة خاصّة، فسمحوا لنا بزيارته دون حاجز يفصل بيننا. حدث هذا مرّة واحدة قبل عشر سنوات وقد رافقتني ابنتي إلى تلك الزّيارة. لقد كنّا في انفعال شديد لأنّنا استطعنا أن نصافحه ونعانقه ونشمّ رائحته. عندما احتضنته ابنتي ظلّت متشبّثة به طيلة دقائق عديدة. لقد تقدّم بي السنّ حيث أصبحت قرب الثمانين من عمري وأتمنّى أن يسمحوا لي بزيارة أخرى خاصّة كتلك.
توفّي زوجي قبل ثماني سنوات. كان مريضًا وقد ساءت حالته في السنتين الأخيرتين من عمره ولم يكن قادرًا على الحركة أو الكلام. كان يتواصل معنا عبر الكتابة على الورق وكان يكتب طيلة الوقت أنّه يتمنّى رؤية ولده ولكنّهم رفضوا جميع الطّلبات التي قدّمناها - لقد توفّي دون أن تتحقّق أمنيته.
نعمة هندي (60 عامًا) وهي من سكّان قرية تلّ، ربّة منزل، متزوّجة وأمّ لثمانية أولاد. في إفادة أدلت بها يوم 21.6.18 أمام الباحثة الميدانية سلمى الدّبعي، قالت:
الصورة
نعمة هندي تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 21.6.18
زوجي موسى هندي يبلغ من العمر 70 عامًا؛ ولدينا ثمانية أبناء وبنات. لقد اعتقلوا ابننا رائد (39 عامًا) في عام 2004، ومنذ ذلك الحين وهم ينقّلونه من سجن إلى آخر. في السنوات الأخيرة هو موجود في سجن النقب ("كتسيعوت").
طيلة السنتين الأوليين من اعتقال رائد لم نتمكّن من رؤيته - منعونا من الزّيارة قائلين "لأسباب أمنيّة" وقد كانت هذه الفترة عصيبة بالنسبة إلينا جميعًا، حيث لم يتمكّن من رؤيته أيّ من أفراد الأسرة. بعد ذلك صارت السّلطات تعطيني "تصريح أزرق" وهو تصريح لمرّة واحدة يسري مفعوله ليوم الزّيارة نفسها. بهذه الطريقة زرت ولدي طيلة خمس سنوات زيارة واحدة كلّ ستّة أشهر ثمّ أقدّم طلبًا لتصريح جديد. بعد هذه السّنوات الخمس أي بعد سبع سنين على اعتقال ابني، صرت أحصل على تصريح عاديّ يسري مفعوله لمدّة سنة ويسمح بالزّيارة مرّة كلّ شهر.
لم أقم بزيارة رائد منذ نهاية عام 2017، لأنّني لا أتحمّل الصعوبات الكثيرة مع تقدّم سنّي ومعاناة السكّري وارتفاع ضغط الدم لديّ، ولأنّه لم يبق على إخلاء سبيله سوى بضعة أشهر. هو بنفسه قال لي أنّه يفضّل عدم مجيئي كثيرًا لزيارته لأنّه يهتمّ بصحّتي ويدرك مشقّة الزّيارة.
عندما كنت أزوره، كنت أخرج من البيت قرابة السّاعة 4:00 فجرًا، وأعود في ساعات اللّيل المتأخّرة. وعند الوصول إلى السّجن يجري تفتيشنا - ناهيك عن الانتظار الطّويل. هناك توجد ساحة فيها مقاعد، لكن لا يوجد ظلّ كافٍ، ولا المقاعد كافية للجميع. المراحيض المخصّصة للزوّار وضعها مقرف وليست كافية للجميع - يوجد فقط مرحاضان، واحد للنساء وواحد للرّجال. منذ وصولنا يبدأ طابور طويل في التشكّل أمام المراحيض. ثم، بعد الانتظار يأتي دور التفتيش الجسدي باليدين وأيضًا بواسطة جهاز مغناطيسي. هم يتحسّسون بأيديهم الجسد كلّه. عند ذلك تبدأ مرحلة انتظار جديدة وطويلة إلى أن ينتهوا من تفتيش الجميع.
بين فينة وأخرى هناك أيضًا عقبات غير متوقّعة وعقاب جماعيّ. ذات مرّة، قبل سنتين، ضرب أحد الأسرى أحد الحرّاس وعندها أبقونا جميعًا في الخارج طيلة ساعتين، بعد أن قد وصلنا. وفي مرّة أخرى احتجزونا عند الحاجز لمدّة ساعتين أيضًا، بادّعاء انّ إحدى الزائرات حاولت تهريب بطاقة "سيم" لهاتف خلويّ. عاقبونا جميعًا - أربع حافلات ملأى بالزائرين أخّروها ساعتين؛ إلى أن جاء مندوب الصليب الأحمر وتحدّث معهم وعندها سمحوا لنا بالعبور.
مع انتهاء يوم الزّيارة يكون التّعب قد أنهكني تمامًا. أحمد الله أنّ ابني على وشك الخروج من السّجن؛ بقيت له بضعة أشهر وعندها لن أضطرّ إلى عبور كلّ هذه المشقّة. كان الله بعوْن الناس الذين لديهم أقارب في السّجن فالزّيارات مُنهكة.
في عام 2000 عمل حوالي 10000 شخص من سكان قطاع غزة في مجال الصّيد. اليوم هناك حوالي 4000 صياد فقط مسجلون في نقابة الصيادين، الذين يُعيلون ما يقرب من خمسين ألف شخص. لكن حتّى هذا المُعطى لا يعكس الواقع، إذ أن نصف الصيادين عاطلون عن العمل بعد أن تعطّلت مراكبهم ولا يمكن تصليحها بسبب النقص في المواد الخام. %95 من الصيادين في القطاع يعيشون تحت خطّ الفقر، والمعرّف كدخلٍ شهريّ أقل من 2293 شيكل للعائلة المكوّنة من خمسة أفراد، والّذين يعتمدون على المساعدات الإنسانيّة في معيشتهم. نسبة المعتمدين على المساعدات الإنسانيّة وسط سكّان غزة هي %80. انكماش قطاع صيد الأسماك في غزة هو نتيجة مباشرة لسياسة إسرائيل، التي تفرض قيودًا صارمة على الوصول إلى البحر، وتسويق الأسماك في الضفة وإدخال المواد الخام إلى قطاع غزة ومنع تصدير الأسماك إلى إسرائيل، وتسيء معاملة الصيادين: أ. الحد من نطاق الصيد المسموح به: في شهر آذار عام 2016، قامت إسرائيل بتوسيع نطاق الصيد الذي تسمح به في قطاع غزّة من ستة إلى تسعة أميال بحريّة وفي شهر حزيران عادت وخفضته إلى ستة أميال (حوالي 11 كم). هذا رغم أنّ إسرائيل كانت قد التزمت في اتفاقيات أوسلو بالسماح بالصيد حتى مسافة 20 ميلا بحريًا، وهو التزام لم تقف به يومًا. نطاق الصيد الذي سمحت به إسرائيل منذ توقيع اتفاقية أوسلو هو لغاية 12 ميلا بحريًا، وعلى مر السنين تمّ تخفيض هذا النطاق أكثر فأكثر، وفي بعض الأحيان وصل إلى 3 أميال بحرية فقط. في الفترات التي وقع فيها قتال مُنع الصيد تمامًا. إشعارات حول التغييرات الحاصلة في المجال المسموح به للصيد تُسلمها مديريّة التنسيق والارتباط لمكتب الثروة السمكية في القطاع. بالإضافة إلى ذلك، يقوم سلاح البحرية الإسرائيلي بتعليم حدود النطاق باستخدام العوامات. الحد من نطاق عمل الصيادين يتسبب في وجود كمية مفرطة من صيد الأسماك في مساحة صغيرة الأمر الذي يضر بتوفر الأسماك ومناطق تكاثر الأسماك. ب. النقص في المواد الخام والمعدات وقطع الغيار لإصلاح مراكب الصيد: إسرائيل تحظر إدخال المواد الحيوية لغرض الصيانة المتواصلة لمراكب الصيد، بما في ذلك الألياف الزجاجية (الفيبرجلاس)، والكابلات الفولاذيّة وقطع الغيار، بحجة أن الحديث يدور حول مواد تعرّفها إسرائيل كمواد "ثنائيّة الاستخدام"، أيّ أنّها "معدّة بالأساس للاستخدام المدنيّ وصالحة أيضًا للاستخدام الأمنيّ". خلال عام 2016 عُقدت عدّة لقاءات بين ممثّلي وزارة الزراعة الفلسطينيّة ومديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة وبين قائد مديريّة التنسيق والارتباط في غزة، كان آخرها بتاريخ 10.6.16، أعطي فيها لإسرائيل قائمة بالمواد اللازمة للصيادين. حتّى اليوم لم يُصادق على إدخال أيّ من المواد التي ظهرت في القائمة. وفقاً لنقابة الصيادين في غزة فإنّ ما يقارب من مائتي قارب من نوع حسكة وخمسة قوارب بمحركات صغيرة (لانشات) معطّلة اليوم في ظلّ غياب المواد والمعدّات اللازمة لإصلاحها. قارب حسكة مع محرك في ميناء الصيادين في غزة. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 11.1.17 ج. الاعتقالات وإطلاق النار خلال عام 2016، جمعت منظمة بتسيلم عشرات الإفادات من صيادين أبلغوا عن إطلاق سفن بحرية إسرائيلية النار باتجاه مراكبهم. أصيب بعضهم وألقي القبض على آخرين. وفقًا للافادات، فإنّ الجنود فرضوا على الصيادين تحت تهديد السلاح خلع ملابسهم والسباحة في البحر حتى سفينة سلاح البحرية، وذلك مع تجاهل الظروف الجوية. من الإفادات التي قدّمها الصيادون ومن معطيات أجهزة GPS لتحديد المواقع، والتي تتواجد بحوزتهم يتبيّن أنّ قسمًا منهم تمّ اعتقاله دون أن يتجاوز المنطقة التي يسمح الجيش فيها بالصّيد. الصيادون الذين جُلبوا إلى سفن سلاح البحرية تمّ اقتيادهم إلى ميناء أشدود حيث تمّ التحقيق معهم وهم مكبّلو الأيدي ومعصوبو العينين، وقد تمّت مصادرة مراكبهم. بعد التحقيق – الّذي ركّز في حالات كثيرة على محاولة الحصول على معلومات عن حماس - أطلق سراح معظم الصيادين إلى بيوتهم، دون مراكب الصيد الخاصة بهم. وقد ذكرت نقابة الصيادين في قطاع غزة أنّه منذ شهر نيسان عام 2016، تعتقل سلطات حماس الصيّادين الذين يعيدهم الجيش إلى حاجز إيريز، وتقوم بالتحقيق معهم واحتجازهم لعدة أيام. وفقًا لمعطيات مكتب الثروة السمكية في وزارة الزراعة في غزة، اعتقل الجيش الإسرائيلي 113 صيادًا في عام 2016. وقد أطلق سراح 107 منهم بعد التحقيق معهم وما يزال ستة منهم رهن الاعتقال. كما أصيب عشرة صيادين آخرين جراء إطلاق سلاح البحريّة الإسرائيلي النار عليهم. وأفيد أيضا من مكتب الثروة السمكية أنّه خلال عام 2016 صادرَ الجيش 28 حسكة بدون محرّكات. حتى تاريخ نشر هذه المقالة أعيدت خمس من هذه القوارب فقط إلى أصحابها وجميعها في شهر نيسان كما أُعيدت خمس حسكات كانت قد صودرت قبل نحو عام. في عام 2015 تمّ اعتقال 73 صيادًا ومصادرة 22 قارب حسكة.* كما وأنّ 14 قارب صيد معطلة حتى اليوم في القطاع بسبب الأضرار التي لحقت بها جراء إطلاق سلاح البحرية النار باتجاهها أو أثناء مصادرتها. بالإضافة إلى ذلك، يتبيّن من معطيات مكتب الثروة السمكيّة أنّ الضرر المباشر الذي لحق بالصيادين في عام 2016 عقب إطلاق النار على القوارب ومصادرتها مع معدات للصيد، يصل إلى قرابة نصف مليون دولار. د. القيود المفروضة على تصدير الأسماك إلى إسرائيل والقيود على تسويقها في الضفة: لغاية فرض الحصار على قطاع غزة عام 2007، كان الصيد قطاعًا مزدهرًا في القطاع، والصيادون، الذين قاموا بتسويق بضاعتهم في الضفة الغربية وتصديرها الى إسرائيل، فقد كسبوا رزقهم بما فيه الكفاية. مع فرض الحصار منعت إسرائيل تصدير الأسماك الى نطاقها وتسويقها في الضفة وبهذا مست بصورة بالغة بأرزاق الصيادين. في عام 2014 بدأت إسرائيل بالسماح بتسويق محدود للأسماك في الضفة الغربية، تحت قيود صارمة تزيد من تكلفة العملية وبالتالي من تكلفة البضاعة. نطاق التصدير إلى الضفة الغربية منخفض اليوم بشكل كبير نسبة إلى ما كان عليه قبل فرض الحصار. سلوك إسرائيل فيما يتعلق بقطاع صيد الأسماك في غزة يوضّح سبب رفض ادعاء إسرائيل أنّه منذ خطة الانفصال عام 2005 لم تعد مسئولة أكثر عن مصير سكان القطاع وما يحث في مجالاته. على الرغم من أن إسرائيل أجلت مستوطناتها وجيشها من قطاع غزة، فقد واصلت السيطرة - عن بعد – في جوانب كثيرة من حياة السكان. مساس إسرائيل الخطير بالصيادين لا مبرر له ويشكّل جزءًا من سياسة الحصار القاسية التي تطبّقها إسرائيل في قطاع غزّة منذ عشر سنوات. صيادون قدّموا إفادات لباحث بتسيلم الميداني، محمد صباح، وصفوا الواقع الصعب الذي وصلوا إليه: محمود سعيد جمعة بكر، 18 عامًا، من سكان مخيم الشاطئ، روى في إفادة أدلى بها بتاريخ 5.9.16: أعمل صيادًا مع والدي وإخوتي على قارب حسكة مع محرك. نخرج كل يوم تقريبًا إلى البحر، قبالة مدينة غزة وشمالها. عادة ما نخرج من البيت في الخامسة صباحًا ونعمل حتى الساعة 12:00 ظهراً، تبعًا للوضع ولكميّة الأسماك. نقوم ببيع الأسماك للتجار. أحيانًا نصيد 20 كغم من الأسماك، وأحيانًا 10 أو 5 كغم، وأحيانًا لا نصيد حتّى سمكة واحدة. يعتمد ذلك على توفر الأسماك، أحوال الطقس وسلوك سلاح البحريّة الإسرائيليّ. يوم الجمعة، الموافق 12.8.16، خرجنا إلى البحر عند الساعة الخامسة صباحًا. خرجتُ مع والدي وإخوتي الأربعة ومع عامل أجير يعمل عندنا. أبحرنا إلى منطقة السودانيّة، والتي تبعد مسافة 2.5 ميلاً بحريًا شمال عرب الحدود الشماليّة للمنطقة المفتوحة للصيد. حتّى الساعة الثامنة صباحًا تمكّنا من صيد ما يقارب 3 كغم من سمك النهاش الأحمر (فريدة). أثناء عملنا اقتربت منا سفينة بحرية إسرائيليّة وبعدها قارب مطاطيّ. حاولنا الفرار. قامت السفينة والقارب بملاحقتنا وإطلاق الرصاص الحيّ والرصاص المطاطي في الهواء. بعد أن ابتعدنا مسافة مائتين متر تقريبًا، أمرنا الجنود بالتوقف وتوقّفنا. أمرونا بخلع ملابسنا والدخول إلى البحر. خلعنا ملابسنا وسبحنا واحدًا تلو الآخر حتى القارب المطاطي الذي أخذنا إلى السفينة. عصب الجنود عيوننا، كبّلوا أيدينا وأجلسونا واحدًا بجانب الآخر. بعد إبحار لمدّة ساعة توقفت السفينة. أزالوا الغطاء عن عيوننا وأمرونا بالنزول. كنا في ميناء أشدود. أعطونا نعالاً وقادونا إلى غرفة وأجلسونا وعصبوا عيوننا من جديد. ثمّ حضر طبيب قاس لي درجة حرارتي وسألني إذا كنتُ مريضًا. أجبت كلاّ. ثم كبلوا أيدينا بقيود معدنية ووضعونا في حافلة صغيرة أرسلتنا إلى حاجز إيريز. عند الحاجز بدّلوا القيود المعدنية بقيود بلاستيكيّة، وأدخلونا واحدًا تلو الآخر إلى غرفة التحقيقات. كنت أنا آخر من دخل. عندما دخلتُ إلى هناك تواجد في الغرفة محقق بدأ يسألني لماذا أنا غاضب. قلت له إني غاضب لأنكم أخذتم الآن قارب الحسكة الذي يشكّل مصدر رزق لنا. بدأ يقول إنّهم أخذوا القارب لأننا تخطينا الحدود فقلت له إنّ ذلك غير صحيح. طلب المحقق أن أشير إلى بيتنا على خريطة موجودة في الكمبيوتر. عندما سألته ماذا يريد من بيتنا قال إنه يريد أن يعرف إذا كنت صيادًا فعلاً أم لا. قلت له إنّه أخذ الحسكة خاصتي، والتي أستخدمها للعمل. طلب مني رقم هاتفي الجوال فقلت له إني لا أملك هاتفًا. واصل المحقق استجوابي عن منزل عمّي ومنازل الجيران. بعد ذلك سألني أين أريد أن أعمل. قلت إني لا أعرف لأنه لا عمل لي غير الصيد وسألني إذا كنت أرغب في العمل داخل إسرائيل. قلت له كلاّ ثمّ بدأ يقول لي إنّهم سيرتبون لي سيارة أو دراجة نارية. قلت له إني لا أريد وأني أرغب في المغادرة. سأل المحقق: ألا تريد أن تخبرني عن منزل شخص ما ينتمي لحماس؟ قلت له إني لا أعرف أي أحد. بعدها ذهبت إلى الغرفة حيث انتظرنا لمدة ساعة تقريبا. قرابة الساعة 2:00 ظهرًا أمرونا بالتوجه إلى قاعة الخروج باتجاه غزة. مشينا إلى أن وصلنا إلى الطرف الثاني من الحاجز الذي تواجد فيه رجال شرطة حماس. قاموا بالتحقيق معنا حول ما حدث في البحر وعند حاجز إيريز. بعدها أخذونا إلى مقر جهاز الأمن الداخلي في غزة، في معسكر الأنصار وهناك أوقفونا. أعطونا نظارات سوداء بدلاً من غطاء العينين حتى لا نرى شيئًا. بعد ذلك سألوني عن اسمي ثمّ قادوني إلى زنزانة بطول 2 متر وعرض 80 سم. لاحقًا أحضروا لنا الطعام والشراب. غداة اليوم التالي، 13.8.2016، أخذني ضابط إلى غرفة وسألني حول ما حدث ثمّ أعادوني ثانية إلى الزنزانة. بقيتُ هناك حتى اليوم التالي صباحًا، وهو يوم الأحد الموافق 14.8.16، ثمّ أخذوني إلى غرفة تحقيق تواجد فيها ضابطان. سألوني مرة أخرى حول ما حدث في البحر وعند حاجز إيريز حتى وصلت إلى حاجز حماس. بعد ذلك أعادوني ثانيةً إلى الزنزانة وبقيت هناك حتى اليوم التالي. يوم الثلاثاء الموافق 16.8.16 نقلوني إلى زنزانة تواجد فيها والدي وأحضروا لنا وجبة طعام. عند الساعة الثالثة بعد الظهر أطلقوا سراحنا. طلب منا الضباط ألا نصل إلى الحدود في البحر وألا نتعرض إلى مخاطر حتى لا يتمّ توقيفنا. بعد ذلك أعطوني استدعاءً لمقابلة في تاريخ 31.8.16 عند الساعة التاسعة صباحًا. وصلت في التاريخ المحدد. أرسلوني إلى غرفة في الطابق الرابع. حضر ضابط وسألني مرة أخرى حول ما حدث في البحر. نظر إلى ورقة كانت أمامه وقارن بين ما سمعه مني وما كان مكتوبًا في الورقة من التحقيق السابق. عندما أنهى التحقيق قال لي: هل جئت من البحر؟ قلت نعم. قال: أنت لا تستسلم وتنزل البحر مرة أخرى! قلتُ له إنّ هذا عملي ولا عمل آخر لي في القطاع. قارب لانش في ميناء الصيادين في غزة. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 11.1.17 مصطفى محمد خليل النجار، 29 عامًا، متزوّج وأب لبنتين، من سكان رفح، روى في إفادة أدلى بها بتاريخ 19.7.16: أعمل في الصيد مع والدي وإخوتي منذ سن الرابعة عشرة. نملك ستة أنواع مختلفة من قوارب الحسكة وقارب فلوكة. يوم الاثنين، 18.4.16، الساعة 17:00، خرجت من ميناء رفح مع عاملين أجيرين عندي. من باب التوفير في المصاريف قام قارب لنش كبير بِجَرّ الحسكة التابعة لي إلى داخل البحر. عندما وصلنا إلى مسافة تبعد 8 أميال بحريّة عن الشاطئ انفضضنا عن اللنش. توجهت إلى المنطقة الموجودة قبالة خان يونس للابتعاد عن الحدود مع مصر وحتى لا أكون في منطقة خطرة. عندما وصلتُ إلى مسافة تبعد 9 أميال بحرية عن الشاطئ رمينا الشباك في البحر ثم نمنا في القارب، كان ذلك عند حوالي الساعة 22:00 وحتى 12:00 ليلاً. انتظرنا حتّى سكون الرياح لكَي ننتشل الشباك التي كانت ممتدّة حتى مسافة 2 كم تقريبًا. في تمام الساعة 12:30 وصلت سفينة تابعة للجيش الإسرائيلي من جهة شمال- شرق، وبدأت بإطلاق النار من مسافة كبيرة باتجاهنا. أصبنا بالذعر وشغّلنا محرّك الحسكة وهربنا باتجاه جنوب- شرق. واصلت السفينة ملاحقتنا وإطلاق النار باتجاهنا لمدّة ساعة تقريبًا، وأصيبَت الحسكة بعدّة رصاصات. عندما باشروا بإطلاق النار تجاهي وتجاه الأشخاص الآخرين في القارب، توقفت. توقفت السفينة الإسرائيلية على بعد 200 متر بعيدًا عنّا. أرسلوا لنا قاربًا مطاطيًا وأمرنا الجنود بخلع ملابسنا. بقينا بملابس داخليّة. بعد ذلك كبّلوا أيدينا خلف ظهورنا، أصعدونا إلى القارب المطاطيّ، عصبوا عيوننا، قادونا إلى السفينة وأجلسونا في القسم الأماميّ. كان الطقس باردًا وطلبنا الملابس أو أيّ شيءّ نكتسي به لكنّ الجنود رفضوا أن يعطونا شيئًا. عندما واصلنا في طلبنا قاموا برَكلنا. بعد ذلك ربطوا قارب الحسكة خاصّتي بالسفينة وجرّوه. أبحرنا إلى ميناء أشدود ووصلنا إلى هناك عند الساعة الثامنة صباحًا. أثناء الإبحار سألت ضابطًا تواجد في السفينة عن قارب الحسكة خاصتي فأجابني أنها صودرت. سألته متى سأستعيدها فردّ في غضون أسبوعَين. عندما سألته لماذا فعلوا ذلك أجاب لأنّي خالفتُ القانون. عندما وصلنا إلى ميناء أشدود أعطونا ملابسنا ووضعونا في غرفة كان فيها حوالي سبعة صيادين من غزة ورفح، وكانوا مكبلين بأصفاد معدنية، وتمددوا على الأرض. انضممنا لهم. تركونا على هذه الحال دون طعام أو شراب. في تمام الساعة 12:00 مساء، حضر ضابط وقال لنا إنهم سينقلوننا إلى معبر إيريز حيث سيتم التحقيق معنا هناك. سألنا جميعنا عن مصير قواربنا. قال إنها قد صودرت في ميناء أشدود وأنّ أحدها أصيب في الجزء الأماميّ، وأنّ سلاح البحريّة يحاول أن يجنّبها الغرق. عرفت أنّه قاربي. بعد ذلك وضعونا في حافلة أوصلتنا إلى حاجز إيريز وهناك قام محققو الشاباك بالتحقيق معنا كلّ منا على حدة. طلب مني المحقق تفاصيل شخصيّة وأخذ رقم هاتفي الجوال. قال لي إني تجاوزت نطاق تسعة أميال بحريّة ولهذا أطلقوا النار وصادروا قارب الحسكة خاصتي. قلت له إني لم أتجاوز العوامة التي وضعها الجيش وبقيت في داخل مجال تسعة أميال بحرية. سألته عن الحسكة وقال إنّها في الوقت الحالي لم تغرق وأنها موجودة مع بقيّة القوارب التي تمّت مصادرتها. استمرّ التحقيق معي لمدّة نصف ساعة تقريبًا وانتهى زهاء الساعة الرابعة بعد الظهر. عند الساعة السادسة والنصف أطلقوا سراحنا وعدنا إلى غزّة. في وقت لاحق من ذلك اليوم، اتصلت بوزارة الزراعة ونقابة الصيادين والشرطة البحرية. قالوا لي إنّ قارب الحسكة يتواجد في ميناء أشدود. بعد عشرة أيام تقريبًا عرفتُ من مكتب الثروة السمكية أن قارب الحسكة خاصتي غرق وأن السفينة الإسرائيليّة لم تتمكن من إنقاذه.. مصدر دخلي الأساسي يأتي من الصيد. كان طول قارب الحسكة خاصّتي 7 أمتار، وكان يحتوي على معدات باهظة الثمن. اشتريناه قبل أربع سنوات وتبلغ قيمته الآن 20000 شيكل والمحرك 30000. لكي أشتري القارب بعتُ مجوهرات زوجتي بقيمة 3000 دينار أردنيّ (نحو 15000 شيكل) وأخذت قرضًا بنَفس المبلغ تقريبًا من أقارب ومن معارف. ما زلت أدين المال للتجار. لأنّي لم أمتلك الحسكة ضاع عليّ موسم صيد اللوكوس وسمك النهاش الأحمر. تسبب فقدان قارب الحسكة في مشاكل بيني وبين أفراد الأسرة الآخرين، لأنّه كان مصدر رزقهم. العمال الذين كانوا معي فقدوا في ذلك اليوم عملهم. أشعر بالألم بسبب الحسكة والمحرّك، فقد مرّت أشهر ولم يكن في استطاعتي أن أشتري غيرهما. منذ ما حدث أجلس في البيت بلا عمل. أحمد أبو حمادة. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 27.1.17 أحمد جمال لطفي أبو حمادة، 29 عامًا، متزوّج وأب لأربعة أولاد، من سكّان مخيّم الشاطىء، روى في إفادة قدّمها بتاريخ 16.11.16: أعمل صيادًا على حسكة والدي، الذي يمتلك ثلاثة قوارب حسكة أخرى. بدأت العمل في هذه المهنة في سن السابعة عشرة. قواربنا مصنوعة من الألياف الزجاجية، وتحتاج إلى صيانة مستمرة واستبدال قطع مصنوعة من الألياف الزجاجية بسبب أضرار المياه المالحة، اصطدام مع مراكب أخرى في الميناء، أو مجرد اهتراء، وأيضًا بسبب رصاص سلاح البحريّة الإسرائيليّ. قبل عام ونصف تقريبًا اصطدم قارب الحسكة الذي أعمل عليه برصيف الميناء بسبب رياح قوية وانقطع الحبل الذي ربطه بالرصيف. حدثت ثقوب في مقدّمة الحسكة. بالإضافة إلى ذلك، في أحد قوارب الحسكة التي نمتلكها تحطم أحد الجوانب، على ما يبدو عندما ضربه صياد آخر في الوقت الذي رسا في الميناء، لكننا لا نعرف الفاعل. أوقفنا العمل على هذين القاربين تقريبًا بسبب وضعهما، فقد كان علينا طيلة الوقت أن نفرغ المياه منهما وأن نهتمّ بألا يمتلآ ونغرق. حاولنا أن نحصل على الألياف الزجاجيّة لكي نصلحهما لكن كان من الصعب جدًا العثور عليها لأنّ إسرائيل تحظر إدخال هذه المادة منذ سنوات. قبل الحظر، كلّف كيلوغرام واحد من الألياف الزجاجيّة التي وصلت من إسرائيل 16 شيكل. بعد ذلك كان من الممكن الحصول على المادة التي وصلت عن طريق الأنفاق من مصر، لكن في عام 2013 أغلقوا الأنفاق ومنذ ذلك اليوم ونحن نعاني من نقص فيها، ويمكن الحصول على الألياف الزجاجيّة المصنّعة هنا في غزة، وتكلفتها أكبر بكثير. قررت الحصول على المادة رغم ذلك، واشتريت 8 كغم بتكلفة 80 شيكل للكيلوغرام الواحد، وكيلوغرامين من الدهان بسعر خمسين شيكل، وثلاثة أمتار من القماش الخاصّ للتغطية ب- 180 شيكل. كما ودفعت 300 شيكل عن الخشب والعمل. أي أن مجموع عملية ترميم مساحة صغيرة في مقدّمة القارب كلّفتي نحو 1500 شيكل. لم أكن أملك هذا المال واضطررت إلى الاقتراض لأتمكّن من العمل وكسب الرزق. يتطلّب قارب الحسكة الثاني تصليحًا أكبر، بتكلفة قدرها 2500 شيكل، والآن لا إمكانية لنا لاصطلاحه. ولكن يجب علينا أن نفعل ذلك في أقرب وقت، لأني أعمل مع والدي وأخوتي الثلاثة وهذا هو مصدر رزق عائلتنا. والآن بعد أن تعطّل القارب، تدنّى مستوى دخلنا، خصوصًا في الشتاء حيث لا يوجد الكثير من العمل في صيد الأسماك. الحظر المفروض على الألياف الزجاجية يسبب خسائر فادحة للصيادين، لأننا لا نستطيع إصلاح القوارب ومواصلة كسب الرزق، الأمر الذي يزيد من تردّي وضعنا الاقتصادي جميعًا، وهو وضع صعب على أيّ حال. أحمد أبو حمادة قرب قاربه المُعطل. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 26.1.177 * حرى تصحيح المعطيات في شهر حزيران 2018، عقب معلومات جديدة وصلت لبتسيلم.
تنشر منظمة بتسيلم اليوم (الثلاثاء) معطيات وشهادات جديدة تجسد حجم العنف في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية، التي تعمل كشبكة من معسكرات التعذيب للفلسطينيين: تنكيل منهجيّ يشمل العنف الجسدي والتنكيل النفسي، الظروف غير الإنسانية، التجويع، منع العلاج الطبي، مما يؤدي إلى العديد من حالات الموت. ويروي بعض الشهود، أيضًا، عن حالات التنكيل والعنف الجنسيين اللذين تعرضوا لهما بأنفسهم أو كانوا شهودًا عليهما.يولي نوفاك، المديرة العامة لـ "بتسيلم": مراكز الاحتجاز الإسرائيلية أصبحت شبكة من معسكرات التعذيب، كجزء من الهجوم المخطط والواسع النطاق الذي يقوده النظام الإسرائيلي ضد المجتمع الفلسطيني، والذي يهدف إلى تفكيك وتدمير الفلسطينيين كجماعة. الإبادة الجماعية في قطاع غزة والتطهير العرقي في الضفة الغربية هما التعبيران الأوضح والأكثر تطرفًا عن هذه السياسة. بالرغم من الأدلة والتقارير العديدة التي نُشرت حول هذا الموضوع، إلا أنّ المجتمع الدولي، الذي يواصل منح النظام الإسرائيلي حصانةً من المساءلة والمحاسَبة عن الجرائم التي يرتكبها، يمنح الشرعية الفعلية، على أرض الواقع، لاستمرار إسرائيل في التعذيب، القمع والتطهير العرقي بحق الفلسطينيين ويتخلى عن الضحايا الفلسطينيين".يسجل التقرير84 حالة توفي فيها فلسطينيون (بينهم قاصر واحد) في معسكرات التعذيب منذ تشرين الأول 2023. تتضمن القائمة، التي تنشرها منظمة "بتسيلم"، اسم الأسير، مكان إقامته (50 من قطاع غزة، 31 من الضفة الغربية و3 مواطنين إسرائيليين) ومركز الاحتجاز الذي توفي فيه. حتى كانون الثاني 2025، كانت إسرائيل لا تزال تحتجز جثامين 80 من أصل 84 أسيرًا توفّوا خلال احتجازهم لديها وترفض تسليمها إلى عائلاتهم. وثمة مؤشرات على أن فلسطينيين آخرين لقوا حتفهم في مراكز التعذيب الإسرائيلية، لكن المعطيات الواردة في التقرير تتطرق فقط إلى أولئك الذين تمكنت "بتسيلم" من التحقق من المعلومات حولهم.يشير التقرير، ضمن أمور أخرى، إلى أن سياسة التنكيل هي سياسة مُعلَنة ومُتعمَّدَة وتأتي من أعلى المستويات. يظهر وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، المسؤول عن مصلحة السجون، في تقارير مُخطَّطَة تبثها وسائل الإعلام، كما ينشُر على شبكات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو وهو يتفاخر في كلها بسلوك السلطات في مراكز الاحتجاز. لكن بن غفير ليس وحده، بل تجندت المنظومة الإسرائيلية بأكملها لمنح قادة هذه السياسة ومنفّذيها حصانة مطلقة.يستند التقرير الحالي إلى التحليل والبحث المعمَّق الواردين في تقرير "أهلًا بكم في جهنّم"، الذي نشرته "بتسيلم" في آب 2024، وإلى معطيات مُحدَّثة وإفادات 21 أسيرًا فلسطينيًا أُطلق سراحهم من مراكز الاحتجاز الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة. كما يستند التقرير، أيضًا، إلى عمل منظمات لحقوق الإنسان، إسرائيلية ودولية، تقوم بمتابعة ما يجري في مراكز الاحتجاز.حتى أيلول 2025، كان نحو 10,900 فلسطيني محتجَزين في معسكرات التعذيب الإسرائيلية في ظروف مزرية وتحت نظام من التنكيل الجسدي والنفسي الشديد. وحتى كانون الثاني 2026، بعد إتمام الصفقة بين إسرائيل وحماس والتي تم في إطارها إطلاق سراح بعض الأسرى، لا تزال إسرائيل تحتجز حوالي 9,200 أسير فلسطيني.تؤكد "بتسيلم" أن مشروع الاحتجاز الإسرائيلي، الذي تم في إطاره، على مدى السنوات، احتجاز أكثر من 800,000 فلسطيني في السجون الإسرائيلية المختلفة، كثيرون منهم بدون محاكمة، هو إحدى الأدوات التي تستخدمها إسرائيل لتفكيك المجتمع الفلسطيني وقمعه.
تقرير "جهنّم على الأرض" هو استمرارٌ لتقرير "أهلًا بكم في جهنّم" الذي نشرته "بتسيلم" في آب 2024، وهو يستند إلى التحليل والبحث المعمَّق الذي اُجرِي آنذاك وإلى معطيات مُحدَّثة وإفادات جديدة تم جمعُها من 21 أسيرًا فلسطينيًا أُطلق سراحهم من مراكز الاحتجاز الإسرائيلية في الأشهر الأخيرة. كما يستند التقرير، أيضًا، إلى عمل منظمات لحقوق الإنسان، إسرائيلية ودولية.تُبيِّن المعطيات المُحدَّثة أن مراكز الاحتجاز لا تزال تعمل كشبكة من معسكرات التعذيب للفلسطينيين وأنه لا تزال يجري فيها، بل وبشكل متزايد، ممارسات تنكيلية منهجيّة تشمل العنف الجسدي والتنكيل النفسي، الظروف غير الإنسانية، التجويع ومنع العلاج الطبيّ، مما أدى إلى العديد من حالات الوفاة. يروي بعض الشهود أيضًا عن التنكيل والعنف الجنسيّين اللذين تعرضوا لهما أو كانوا شهودًا عليهما. إنّ تحويل مراكز الاحتجاز إلى شبكة من معسكرات التعذيب هو جزء من الهجوم المخطط والواسع النطاق الذي يقوده النظام الإسرائيلي ضد المجتمع الفلسطيني، والذي يهدف إلى تفكيك وتدمير.