شرقيّ القدس

القيود على الحركة تخنق الحياة في حيّ باب المجلس في البلدة القديمة

في قلب البلدة القديمة في القدس الشرقية يقع حيّ باب المجلس الإسلامي المسمّى "باب الناظر". الحي مجاور لشارع الواد الرئيسي، المؤدي إلى حائط البراق من مدخل باب العامود. شارع يصل طوله إلى نحو مائة متر يمر عبر الحي، يوصل بين شارع الواد والمسجد الاقصى. هذه منطقة تاريخية، سادت فيها حتى وقت قريب حياة اجتماعية وثقافية غنية لسكان البلدة القديمة.

‫حاجز شرطة عند مدخل الحرم القدسيّ الشريف. تصوير: يوآف غيروس، بتسيلم، 23/2/2016.‬
‫حاجز شرطة عند مدخل الحرم القدسيّ الشريف. تصوير: يوآف غيروس، بتسيلم، 23/2/2016.‬

يعيش في حيّ باب المجلس نحو 350 شخصا وتتواجد فيه مكاتب الأوقاف الإسلامية. هذا حي صغير، فيه منزلان خاصّان، وخمسة مجمعات فيها شقق، تدعى "حوش"، كل منها تحيط بساحة داخلية. في اثنين من هذه المجمعات يقيم نحو 300 فرد من الجالية الأفريقية، ممن قدمت عائلاتهم من التشاد والسنغال والسودان قبل نحو قرن. في مبنى منفصل تتواجد جمعية الجالية الإفريقيّة التي تأسست في عام 1983 لتقديم الخدمات المجتمعية لسكان البلدة القديمة. نظمت الجمعية حتى وقت قريب، أنشطة للأطفال بعد دوام المدرسة، وكذلك أنشطة للشباب والنساء. كما وتتواجد في الحيّ سبع محلات تخدم في الأساس المصلين في الأقصى. في طرف الحيّ، عند المدخل إلى المسجد الأقصى، يتواجد حاجز شرطة ثابت منصوب منذ سنوات.

‫ أحد المجمعات السكنيّة للجالية الإفريقيّة في الحيّ والذي تمّ ترميمه في سنوات سابقة. تصوير: يوآف غيروس، بتسيلم، 23/2/2016.‬
‫ أحد المجمعات السكنيّة للجالية الإفريقيّة في الحيّ والذي تمّ ترميمه في سنوات سابقة. تصوير: يوآف غيروس، بتسيلم، 23/2/2016.‬

بما أنّ الحي يشكّل الطريق الرئيسي للمصلين المسلمين في طريقهم إلى الأقصى، فإن الحياة تتأثّر من الأحداث الحاصلة في الحرم القدسي الشريف، ومن القيود المفروضة من قبل قوات الأمن على الوصول إليه. على مر السنين، فرضت في الأساس قيود لفترات قصيرة في أعقاب أحداث عنف. لكن من جملة أمور أخرى، من منتصف عام 2013، في أعقاب ارتفاع نشاط جماعة "أمناء جبل الهيكل" في المكان وفي النشاط الجماهيري في الموضوع، وردود الفعل الغاضبة في أوساط الفلسطينيين، بدأت إسرائيل تزيد من تقييد وصول المصلّين المسلمين إلى المنطقة.

في صيف 2014 جرى تصعيد كبير في الاشتباكات بين فلسطينيين وقوات الأمن في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية. نصبت قوات الأمن حواجز جديدة عند مدخل الأحياء الفلسطينية، بما في ذلك داخل البلدة القديمة، وخاصة على الطرق المؤدية إلى المسجد الأقصى. نُصب حاجز في شارع الواد، مدخل حي باب المجلس، ومنذ ذلك الوقت يقع الحي بين حاجزَين، يتمركزان على بعد حوالي مائة متر ـ الحاجز الجديد والحاجز الدائم عند مدخل المسجد.

مع نصب الحواجز، بدأت إسرائيل في تنفيذ سياسة جديدة تحظر دخول المسلمين إلى المنطقة بين الساعات 7:30 و11:00، والتي خصصتها السلطات لزيارة اليهود. في هذه الساعات، تمنع الشرطة دخول المسلمين، باستثناء سكان الحيّ، ليس فقط منطقة الحرم القدسيّ الشّريف، وإنّما الى الحيّ بأكمله. بالإضافة إلى ذلك، فإن القوات الأمنية لا تسمح للمسلمين بدخول الحيّ بشكل عشوائيّ حتى في ساعات أخرى، وحتى عندما يسمحون بذلك، تقوم قوّات الأمن في بعض الحالات بإجراء تفتيش صارم على الراغبين في الدخول.

‫ حاجز شرطة منصوب عند مدخل الحيّ منذ صيف 2014. تصوير: يوآف غيروس، بتسيلم، 23/2/2016.‬
‫ حاجز شرطة منصوب عند مدخل الحيّ منذ صيف 2014. تصوير: يوآف غيروس، بتسيلم، 23/2/2016.‬

وقد جعلت هذه القيود الحيّ مجالاً مغلقًا وألحقت أضرارًا بالغة بحياة سكانه، وبالمصالح التجاريّة فيه، وبنشاط الجمعيّة الإفريقيّة. السكان أنفسهم لا يعرفون متى يمكنهم مغادرة منازلهم ومتى يمكنهم العودة إليها، وهو واقع يزيد من صعوبة حياتهم الاجتماعية. أدت هذه القيود إلى تقليص كبير في عدد المصلين المارّين من الحي في طريقهم إلى الحرم وبدأ كلّ سكان البلدة القديمة بالابتعاد عن الحيّ بسبب صعوبة توقّع متى سيكون من الممكن دخوله، وماذا سيترتب عليه من صعوبات، وبسبب الخوف من وقوع مواجهات عنيفة. روى أصحاب محلات تجارية لباحث بتسيلم الميدانيّ أن تقليص عدد السكان الذين يأتون إلى الحيّ تسبّب في انخفاض حادّ في مبيعاتهم، مما اضطر البعض إلى إغلاق محلاتهم.

علاوة على ذلك٬ توقف نشاط جمعية الجالية الأفريقية في كانون الأول عام 2015، بعد أن واجه المتطوعون والأطفال والشبيبة ممن استفادوا من خدماتها، صعوبات في الوصول إلى المكان. في مطلع شباط، قررت الجمعية محاولة استئناف خدماتها.

الحواجز التي نصبتها الشرطة في حيّ باب المجلس تشكل عقابا جماعيا على جميع سكان الحيّ. تمنع هذه الحواجز السكان المقيمين في الحي بشكل خاص وسكان البلدة القديمة بشكل عام من إدارة حياتهم اليومية بشكل معقول. لكن، من نهج السلطات يبدو أن الضرر واسع النطاق بسكان هذا الحي ـ الذين لا يشتبه بهم في شيء ـ لا يزعجها، ولا تفعل أي شيء يخفّف عنهم وطأة المعيشة. على إسرائيل إزالة هذه الحواجز والسماح للسكان بالعودة إلى روتين حياتهم اليومية.

إفادات:

إفادة منار سليمان عبد الجليل إدريس، 35 عامًا، كانت تدير جمعية الجالية الأفريقية حتى كانون الأول عام 2015. جمع الإفادة باحث بتسيلم الميدانيّ مصعب عباس في تاريخ -14/2/2016:

منار سليمان. صورة شخصيةعملت في الجمعيّة لمدة ثماني سنوات، في مناصب مختلفة، من بينها، منسقة المشاريع والبرامج. في العام الماضي أدرت الجمعيّة. ولكن في نهاية عام 2015 توصّلتُ إلى نتيجة أنه قد حان الوقت للبحث عن وظيفة أخرى، لأن الجمعية في حالة احتضار. القيود على حركة المرور في السنوات الأخيرة، وخاصة منذ تشرين الأول 2015، تسببت في انهيارها بشكل بطيء.

بدأ ذلك قبل نحو عامين. بدأ المستوطنون بدخول المسجد الأقصى، واحتج الشارع الفلسطيني على ذلك. نصبت الشرطة حاجزين في باب المجلس، يبتعدان عن بعضهما البعض مسافة مائة متر تقريبًا. تتواجد الجمعية بين الحاجزين. خلال الأسبوع هناك قيود على المرور من الحاجزين. ويسمح فقط لسكان الحيّ بالمرور، وأحيانا يُسمح للرجال فوق سن الخمسين. هناك تمييز بين الجنسين، فلا يُسمح للنّساء عمومًا بالمرور لأنّهم يقولون إنّ جميعهنّ من "المرابطات" ـ وهي مجموعة من النساء المحتجّات على دخول المستوطنين المسجد الأقصى. في نهاية الأسبوع تقلّ القيود.

منذ العمليّة التي نُفّذت في شارع الواد في تشرين الأول عام 2015 والوضع آخذ في التردّي. المتطوعون في الجمعية لا ينجحون أكثر في الوصول بسبب الحواجز والمواجهات اليومية بين الشرطة والمرابطات. أصبح الجو مخيفا ولا يسمح الأهالي لأولادهم، وخصوصًا البنات، بالوصول إلينا. أدركنا أن هذه مسؤولية كبيرة لأنّ وصول الأولاد إلى هنا يعرّضهم للخطر، وقررنا وقف برامج الأطفال والشبيبة حفاظًا على أمنهم.

قدمت الجمعية خدمات لسكان البلدة القديمة والقدس الشرقية عموما. لدينا ثلاث مجموعات مستهدفة: الأطفال والشبيبة والنساء. قبل أربع سنوات أقمنا نادي أطفال. حضر الأطفال إلى الجمعيّة بعد الدوام المدرسيّ، ومكثوا حتى الخامسة والنصف وتلقّوا مساعدات في واجباتهم المدرسيّة من قبل طلاّب جامعيين متطوّعين، إرشادًا ودعمًا نفسيًا من قبل عاملة اجتماعيّة، فعاليات ترفيهيّة، وجبة خفيفة ولقاءات اجتماعية. كلّ عام، حضر هذا النشاط بين 40-الى 60 ولدا تتراوح أعمارهم بين 7 إلى 12. كان الهدف منها هو التسهيل على الأسر وتقديم الدعم النفسي والمساعدة التعليميّة للأولاد، حتى يستمرّوا في دراستهم وتحسين تحصيلاتهم. ركزنا على ذلك، لأن البلدة القديمة تعاني من مشكلة معدل تسرب عالي من المدارس.

كان هناك أيضا برنامج يسمى " أنا X 4" للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 24ـ16 واجه قضية هويتهم الوطنية، بمشاركة 80ـ60 شابًا سنويًا. ويهدف البرنامج إلى تعزيز الصلة بين الشبان الفلسطينيين في القدس والشبان في بقية الأراضي المحتلة. دام البرنامج لمدة عامين ونصف العام، وشمل زيارات إلى المدن الفلسطينيّة ولقاءات مع الشباب في تلك المدن. حوّل الاحتلال معظم مدن الضفة الغربية إلى كانتونات، وخلق فصلا بين الشبان الفلسطينيين من أماكن مختلفة. مشروع آخر، يسمى "عيش البلد" الذي دام لمدة ثلاث سنوات، وهدف إلى إثراء الحياة الثقافية للشباب في البلدة القديمة وشمل حفلات، ودورات مهارات ذاتيّة، وعمل تطوعي ولقاءات مع شخصيات مقدسيّة يمكنها أن تكون مصدرا للإلهام. بالإضافة إلى ذلك، وفي إطار المشروع، قدّم الشبّان البرامج الترفيهية للأطفال الصغار. وتضمن المشروع أكثر من خمسين شابًا.

أحد أكثر المشاريع نجاحًا خلال عام ونصف، هو مشروع "لجان الأحياء". أقيم في كلّ حيّ لجنة محليّة اهتمّت بتحديد احتياجات الحي وحاولت ترويج معالجتها، كما وعملت على تعزيز العلاقات بين الأحياء. أنشأنا فرق كرة القدم في الأحياء. زينت اللجان البلدة القديمة في شهر رمضان وزارت أحياء غزاها المستوطنون وذلك بهدف الحفاظ على تواصل مع السكان المنعزلين فيها.

‫المخيطة المعطّلة لجمعية الجالية الإفريقيّة. تصوير: يوآف غيروس، بتسيلم، 23/2/2016.‬
‫المخيطة المعطّلة لجمعية الجالية الإفريقيّة. تصوير: يوآف غيروس، بتسيلم، 23/2/2016.‬

بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك برامج نسائيّة، هدفها توفير مساحة لعقد لقاءات بينهن خارج المنزل، والمشاركة في ورش العمل والدورات. قبل ثلاث سنوات تمكنا من تفعيل مشروع ورشة خياطة. خاطت النساء الملابس وفق طلب تجار وقمن ببيع المنتجات، الأمر الّذي وفرت لهن مصدر دخل. تضمن المشروع 15 امرأة.

في كانون الأول توقفت جميع المشاريع. للأسف، فإن جمعية مغلقة معظم أيام الأسبوع. نتواجد في فترة عصيبة ولا نعرف ما الذي ينتظرنا في المستقبل في ظل الاحتلال. من المستفيد من وراء إغلاق الجمعية؟ هل هو الأمن؟ عندما لا يكون هناك ملاذ للشباب، ومكان لتمضية الوقت بطريقة إيجابية، أين ستوجّهون؟ في رأيي، هذه السياسة تزيد من الإحباط وتشجع على التطرف. أصبحت الحياة في البلدة القديمة مظلمة ومخيفة. المستوطنون فقط يجرؤون على التجوال هنا في الليل. هذا تطهير عرقي تحت ستار الخطوات الأمنية.

إفادة آدم جبريل بلالة، 45 عاما، متزوج وأب لسبعة، مقيم في باب المجلس في البلدة القديمة وصاحب متجر فيه. جمع الإفادة باحث بتسيلم الميدانيّ مصعب عباس في تاريخ-19/2/2015:

"ولدتُ في حيّ باب المجلس. أنا وزوجتي منال لدينا سبعة أولاد، أصغرهم يبلغ ستة أعوام والكبرى تبلغ 16 عاما. عملت معظم حياتي في مجال البناء ولكن قبل أربع سنوات بدأت أعاني من آلام في الظهر. أجريت فحوصات وأرسلوني لتلقّي العلاج الفيزيائي (Physical therapy)، وفي النهاية اضطررت إلى تغيير عملي والانتقال للعمل في مطعم في شارع يافا.

هذا التغيير أضرّ بنا إلى حد كبير لي من الناحية الاقتصاديّة. كانت خبرتي في البناء واسعة بعد سنوات عديدة من العمل، وكان دخلي ممتازًا. هذا ما سمح لي بإعالة أسرتي بكرامة وإرسال الأولاد إلى مدارس جيدة. حلمت ببناء منزل أكبر لأن منزلنا يتواجد على مساحة 65 مترا، ولا يرى ضوء الشمس. كل الأحلام تبددت، عندما بدأت العمل في أحد المطاعم بأجر منخفض.

‫جبريل بلاله، 14 عامًا، بجانب كشك عائلته. تصوير: يوآف غيروس، بتسيلم، 23/2/2016.‬
‫جبريل بلاله، 14 عامًا، بجانب كشك عائلته. تصوير: يوآف غيروس، بتسيلم، 23/2/2016.‬

تحسنت الحالة عندما خرجت زوجتي للعمل. أحبت دائما التطريز وقررت تعلم الخياطة في جمعية الجالية الأفريقية في الحي. بدأت بيع أعمالها وبعد ذلك حصلنا على منحة من خلال UNDP (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي)، الذي سمح لنا بفتح متجر لبيع الملابس في الحيّ، حتى نتمكن من بيع الزوار الذين يأتون إلى المسجد الأقصى. بدأ الوضع الاقتصادي يتحسّن، فتركت عملي في المطعم للعمل في المتجر، وخاطت زوجتي الملابس التي بعناها في المتجر. عندما رأينا أن الوضع جيد، افتتح بسطة ملابس بجانب المتجر، وعملت فيه ابنتنا البكر. ولكن بعد ذلك، فجأة، قبل عامين، بدأ الوضع يتغير. وكانت نقطة التحول خلال شهر رمضان في عام 2014، بعد خطف محمد أبو خضير وإحراقه حتى الموت على يد إسرائيليين. منذ ذلك الحين، والوضع متوتر للغاية. ساد حالة من القمع الشديد في الحي وفي البلدة القديمة، فرض الحواجز والقيود، اشتباكات بين المصلين وعناصر الشرطة، واعتقالات كثيرة. بعد شهر رمضان في ذلك العام، كان هناك العديد من الغزوات من قبل المستوطنين على مبانٍ في المنطقة، وكانت هناك اشتباكات يومية بين الشرطة والمرابطات. ما يزيد الأمر صعوبة علينا بشكل خاصّ، حاجز للشرطة نصبوه على بعد نحو 15 مترا من متجري. عند المدخل الثاني للشارع يوجد حاجز آخر، يبعد 60 مترا عن المحل، ولذا فإننا محاصرون في الواقع بين الحاجزين ويصعب على الناس دخول الحي.

منذ بدء الأحداث الأخيرة في تشرين الأول عام 2015 يمكن القول دون مبالغة إن من يدخل الحيّ تقريبًا سكان الحيّ فقط. كل عملنا يعتمد على زوار المسجد، لهذا تم إغلاق مشروع الخياطة التابع للجمعية. منذ ذلك الحين، قد يمر يوم كامل بمكسب لا يزيد عن خمسين شاقلاً. لا يكفي المبلغ لشيء وهكذا تراكمت علينا الديون. بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي الصعب، فإنّ الوضع الأمني أيضًا يُثقل علينا. أنا قلق جدا على أولادي وأخشى أن يتورطوا مع الشرطة. بسبب ديوني اضطررت إلى نقل أولادي إلى مدرسة أخرى، تابعة للأوقاف الإسلامية. مستوى المدارس الثانوية أقل هناك، ولكن لم يعد بإمكاني أن آدفع لمدرسة خاصة. بسبب الوضع، صرت أفتح المحلّ لبضع ساعات فقط في اليوم. في النهاية، بدأت أختي تساعدنا من خلال التواجد في المحل وعدتُ أنا للعمل بدوام كامل في المطعم. عادت زوجتي لتصبح ربة بيت٬ لأن آلة الخياطة التي كانت تعمل عليها، كانت تابعة للجمعية التي توقفت عن العمل. المستقبل غير واضح، ولكن من الواضح تماما أن الحواجز باقية. في الصباح هناك إغلاق شبه تام إلى أن يتمكن المستوطنون من إنهاء زيارتهم في الأقصى، ثم تفتح الشرطة الحاجز في بعض الأحيان لمدة ساعة ونصف للسماح للناس لأداء صلاة الظهر، ثم يغلقون الحاجز لمدة ساعتين، ثم يفتحونه، وفي بعض الأحيان يفتشون بشكل عشوائي، وأحيانا بشكل دقيق. إذا استمر الوضع على هذا المنوال لبضعة أشهر، سيتم إغلاق جميع المحلات التجارية في الشارع.

إفادة مروان عصام البشيتي، 45 عاما، متزوج وأب لطفلين، من سكان باب المجلس في البلدة القديمة. جمع الإفادة باحث بتسيلم الميدانيّ مصعب عباس في تاريخ -25/1/2016:

مروان البشيتيأقيم في هذا المنزل منذ ولدت. يقيم والداي هنا منذ عام 1967 وأنا أعيش مع زوجتي وأطفالنا في المنزل المجاور لمنزلهم. أعمل في مجال تطوير المجتمع في مركز النساء الثوريّ لأكثر من عشرين عاما. حياتنا هنا في البلدة القديمة كانت جيدة جدا، وتوفّرت فيها العلاقات الاجتماعيّة. أحببنا العيش هنا، في المركز تماما، على بعد بضعة أمتار من مدخل المسجد الاقصى.

ولكن في العام ونصف العام الماضيين، بدأ كل شيء يتغير، والحياة هنا أصبحت صعبة، خصوصا بعد نصب حاجز عند مدخل حي باب المجلس. يتواجد منزلي بالقرب من الحاجز، المزوّد في الآونة الأخيرة بعناصر من الشرطة وأجهزة التفتيش، ومنصوب عند مدخل المسجد الأقصى. يتواجد باب المنزل بالقرب الحاجز. بشكل دائم، تقع عند هذا الحاجز مواجهات بين عناصرالشرطة وعناصر شرطة حرس الحدود والمواطنين الراغبين بزيارة المسجد. استخدم عناصرالشرطة هنا عدة مرات الغاز المسيل للدموع، الذي يهدّد حياة أولادي ووالدي، الذي يبلغ 80 عامًا. نعيش الآن في ما يشبه الإقامة الجبرية.

لا يسمحون للناس الآن بالوصول إلى أماكن عبادتهم وهذا انتهاك صارخ لحقوقهم. بالإضافة إلى ذلك، أفلست المحلات التجارية الحيّ، لأنها تقريبًا لا تحقّق إيرادات. إذا استمر حال أصحاب هذه المحلات على هذا المنوال، فإنّهم لن يكونوا قادرين على مواصلة تشغيلها. الأقارب والأصدقاء شبه منقطعين عن زيارتنا. كانوا يأتون لزيارتنا وللصلاة في المسجد في نفس الوقت. الناس يخشون المجيء إلى الحي. غالبا ما يدخل عناصرالشرطة إلى منزلنا ومنازل جيراننا، وهذا يخيفني، ويخيف أطفالي على وجه الخصوص. إحدى الأنشطة التي نظموها في الماضي كانت عقد اجتماع أسبوعيّ بين المسلمين والمسيحيين المسنين. في بعض الأحيان كان الاجتماع ينعقد بجانب المسجد الأقصى، وأحيانا في الحيّ المسيحيّ، ولكن بسبب الوضع الأمني توقّفت هذه الأنشطة. لا يوجد لأطفال البلدة القديمة ملاعب رياضية أو حدائق للعب، وبالتالي فإن باحة المسجد الأقصى شكّلت مكانا لعبهم. أنا وبقيّة سكّان البلدة القديمة قضينا طفولتنا هناك. اليوم يمنع عناصر الشرطة الأطفال من دخول باحة المسجد واللعب. حتى مركز جمعية الجالية الأفريقية المتواجد في الحي، والذي وفّر الخدمات للسكان، أغلق بسبب عدم قدرة المتطوعين والمعلّمين على الوصول إلى هناك. لقد ساعدوا الأولاد في إعداد واجباتهم المدرسية، وعقد الأنشطة الترفيهية للأولاد: الدبكة والرياضة. أغلقت الجمعية بسبب الحواجز وقوات الأمن. ما يحدث هنا له تأثير سلبي على الحالة النفسية للأطفال في المنطقة، وخاصة في الحي. نشعر بأنّ المستقبل هنا سيكون أكثر صعوبة.

إفادة مثال أحمد عطا الله، 58 عاما، مطلقة، من سكان باب المجلس. جمع الإفادة باحث بتسيلم الميداني مصعب عباس في تاريخ -18/12/2015:

أعيش هنا منذ عام 1967. لدينا منزل صغير، بغرفتين وفناء صغير، أعيش هنا مع ابني صالح الذي يبلغ 21 عاما، أختي رحاب ،54 عاما، وهي أيضا مطلقة، وابنتها نيفين، 31 عاما.

بعد وفاة والدنا، فتحنا وأنا وأختي متجرًا لبيع ملابس الصلاة النسائية، وذلك لقربنا من المسجد الأقصى. تمتعنا بدخل جيد جدا وسمح لنا هذا بتمويل تعليم الأولاد.

‫رحاب كفرعاني، شقيقة مثال، بجانب دكّانهما. تصوير: تصوير: يوآف غيروس، بتسيلم، 23/2/2016.‬
‫رحاب كفرعاني، شقيقة مثال، بجانب دكّانهما. تصوير: تصوير: يوآف غيروس، بتسيلم، 23/2/2016.‬

عندما بدأ المستوطنون بالقدوم إلى المسجد الأقصى تضرر مصدر رزقنا. يقع متجرنا عند مدخل باب المجلس وكان هناك مشاكل كثيرة. في العام الماضي، نصبت الشرطة حاجزا على بعد أقل من ثلاثة أمتار عن المتجر. الشرطة تقيد بشدة دخول الناس. معظم الوقت لا تسمح لهم بالدخول.

عند الحاجز، يمنعون دخول النساء بشكل خاصّ، بحجة أنهن من المرابطات. فقدنا زبائننا. تدهور الوضع أكثر منذ تشرين الأول عام 2015. والآن يقيدون حركة السكان كل يوم ما عدا الجمعة والسبت. نحن نعتمد على مساعدة من أصحاب الإحسان. الخناق المستمر على الحي لا يسمح لنا بالعمل أكثر، وليس لدينا مصدر رزق نعيش منه.

مواد مقترحة

أبارتهايد

الآن يمكننا تسميته أبارتهايد: يسعى النظام الإسرائيليّ لتحقيق وإدامة تفوّق يهوديّ في المساحة الممتدّة من النهر إلى البحر

تنشر بتسيلم صباحَ هذا اليوم ورقة موقف ترفض النظرة السّائدة إلى إسرائيل كدولة ديمقراطيّة تدير في الوقت نفسه نظام احتلال مؤقت. ترى الورقة أنّ كلّ المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل - داخل الخطّ الأخضر وفي الضفة الغربيّة وشرقيّ القدس وقطاع غزّة - يقوم نظام واحد يعمل وفق مبدأ ناظم واحد: تحقيق وإدامة تفوّق جماعة من البشر (اليهود) على جماعة أخرى (الفلسطينيّين). إنه نظام فصل عنصري - أبارتهايد. في الحالة الإسرائيليّة لم ينشأ هذا النظام بين ليلة وضُحاها وإنّما تمأسس واتّضحت معالمه بمرور الزمن. تراكُم هذه الخطوات بمرور السّنين وانعكاسها على نطاق واسع في القوانين والممارسة والدّعم الجماهيريّ والقضائيّ الذي حظيت به - كلّها تؤسّس للاستنتاج المؤلم أنّ هذا النظام قد تجاوز السّقف الذي يقتضي تعريفه كنظام أبارتهايد. وتوضح ورقة الموقف أنّ الوسيلة الأساسيّة التي تسخّرها إسرائيل لتحقيق مبدأ التفوّق اليهوديّ هي هندسة الحيّز جغرافيّاً وديمغرافيّاً وسياسيّاً: يدير اليهود حياتهم في حيّز واحد متواصل يتمتّعون فيه بالحقوق الكاملة وتقرير المصير. وعلى عكس ذلك، يعيش الفلسطينيّون في حيّز مشظّى إلى معازل مختلفة وإسرائيل تقرّر أيّ الحقوق تمنح للفلسطينيّين في كلّ من هذه المعازل وأيّها تسلب - وفي جميعها هي حقوق منقوصة مقارنة بالحقوق التي يتمتّع بها اليهود. يسعى النظام الإسرائيليّ إلى تحقيق هذا المبدأ الناظم في أربعة مجالات مركزيّة: الأرض – تطبّق إسرائيل سياسة تهويد المكان التي تقوم على تصوّر يعتبر الأرض مورداً مخصّصاً لخدمة احتياجات الجمهور اليهوديّ بشكل شبه حصريّ. منذ العام 1948 وضعت الدولة يدها على نحو 90% من الأراضي الواقعة داخل "الخطّ الأخضر" والتي بُنيت فيها مئات البلدات للسكّان اليهود. ومنذ العام 1967 تطبّق إسرائيل السياسة نفسها في الضفة الغربيّة حيث بُنيت على أراضي الفلسطينيّين أكثر من 280 مستوطنة يسكنها اليوم 600,000 من اليهود الإسرائيليّين. في كافّة المنطقة الممتدّة من النهر إلى البحر لم تُقم الدّولة ولو بلدة واحدة للسكّان الفلسطينيّين (سوى عدّة قرىً وبلدات أقامتها إسرائيل لتركيز السكّان البدو بعد تجريدهم من معظم حقوق الملكيّة التي كانوا يحوزونها) بل هي تعمل أساساً على منع تطوير البلدات الفلسطينيّة القائمة وهدم المنازل التي بُنيت فيها. التجنيس والهجرة – جميع يهود العالم وأولادهم وأحفادهم - وكذلك أزواجهم وزوجاتهم يحقّ لهم الحصول على الجنسية الإسرائيليّة، بينما لا يمكن لأيّ فلسطينيّ الهجرة إلى المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل حتّى إذا كان هو نفسه أو جدّه أو جدّته قد وُلدوا في هذه الأراضي أو أقاموا فيها. كذلك تصعّب إسرائيل على الفلسطينيّين سكّان المعازل/المناطق الواقعة تحت سيطرتها الحصول على مكانة دائمة في منطقة أخرى بل إنّها سنّت قانوناً يحظر بصريح العبارة منح مكانة دائمة ضمن أراضيها السياديّة للفلسطينيّين المتزوّجين من إسرائيليّين. حرّية الحركة والتنقّل – يتمتّع المواطنون الإسرائيليّون بحرّية الحركة والتنقّل بين مختلف المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل (باستثناء قطاع غزّة) ويمكنهم متى شاءوا مغادرة الدّولة والعودة إليها. أمّا الرّعايا الفلسطينيّين فينبغي أن يحصلوا على تصريح إسرائيليّ خاصّ لكي يتنقّلوا بين معازلهم (وأحياناً في داخل المعزل نفسه) وسفرهُم إلى خارج البلاد مشروط بموافقة إسرائيليّة. المشاركة السّياسيّة – يحقّ للفلسطينيّين مواطني إسرائيل المشاركة في انتخابات الكنيست تصويتاً وترشيحاً ولكن هناك مساعٍ يقودها مسؤولون سياسيّون لنزع الشرعيّة عن منتخبي الجمهور الفلسطينيّين. وفي المناطق المحتلّة هناك نحو خمسة ملايين من الرّعايا الفلسطينيّين - بضمنهم سكّان شرقيّ القدس - لا يشاركون في المنظومة السياسيّة التي تتحكّم بحياتهم وتقرّر مستقبلهم. إضافة إلى ذلك هُم محرومون من حقوق سياسيّة أخرى كحرّية التعبير والحق في التنظيم. إسرائيل هي من يملك كامل صلاحيّات البتّ في جميع نواحي الحياة هذه، وهي الجهة الوحيدة التي تقرّر وتدير في كلّ مكان بين النهر والبحر سِجِلّ السكّان ونظام الأراضي وقدرة الأشخاص على التنقّل والحركة والدّخول أو المغادرة وكذلك سِجِلّ الناخبين. تُظهر إسرائيل في السّنوات الأخيرة استعداداً للتصريح علناً بالتفوّق اليهوديّ كمبدأ يسترشد به النظام. هناك أمران يعكسان سيرورة إزالة الأقنعة هذه بغاية الوضوح: (1) سنّ "قانون أساس: إسرائيل - الدولة القوميّة للشعب اليهوديّ" الذي يصرّح علناً أنّ بين اليهود وغير اليهود فارق أساسيّ وشرعيّ في الدولة ويتيح التمييز الممأسَس في مجالات بناء البلدات والإسكان والأراضي والمواطنة واللّغة والثقافة؛ (2) التصريحات بخصوص ضمّ الضفة الغربيّة رسميّاً، أو أجزاء منها، وهي تدلّ على ما تضمره إسرائيل من نوايا بعيدة المدى وتقوّض مزاعم "الاحتلال المؤقت". تودّ منظمة بتسيلم التأكيد على أنّ الاحتلال نفسه لم ينته: الفلسطينيّون سكّان المناطق المحتلة لا يزالون تحت نظام عسكريّ في الضفة الغربيّة وتحت الحصار وسيطرة إسرائيل الفعّالة من الخارج في قطاع غزّة. إلّا أنّ مواصلة وصف إسرائيل بأنّها دولة ديمقراطيّة تحتلّ مؤقتاً ملايين الأشخاص في الطرف الآخر هو وصف لا يمتّ للواقع بصِلة إذ يتجاهل حقائق كثيرة: ينسى أنّ هذا الواقع مستمرّ منذ أكثر من خمسين عاماً؛ لا يأخذ بالحسبان مئات آلاف المستوطنين اليهود المقيمين شرقيّ "الخطّ الأخضر"؛ ويغضّ الطرْف عن الضمّ الرسميّ لشرقيّ القدس والضمّ الفعليّ لبقيّة أراضي الضفة الغربيّة. هذه الحقائق تؤدّي إلى الاستنتاج أنّه يوجد في الواقع نظام واحد يدير منطقة ما بين النهر والبحر، لا نظامان متوازيان؛ نظام واحد يسيطر على جميع الأشخاص المقيمين في المنطقة ويعمل وفق المبدأ الناظم نفسه. يقول حجاي إلعاد مدير عامّ منظّمة بتسيلم: "المبادئ الأساسيّة للنظام الإسرائيليّ يجري تطبيقها منذ سنين طويلة ولكنّها تتكشّف في السّنوات الأخيرة على نحوٍ أوضح بكثير. هكذا الأمر في خطاب الضمّ الرسميّ بعد عقود من الضمّ الفعليّ وهكذا بخصوص قانون القوميّة الذي يجعل التمييز القائم والرّاسخ ضدّ الفلسطينيين مبدءاً دستوريّاً. لا توجد في إسرائيل ديمقراطيّة + احتلال وإنّما نظام واحد من النهر إلى البحر، وهذا يحتّم علينا أن ننظر إلى الصّورة كاملةً وأن نسمّيها بدقّة: أبارتهايد. هذه النظرة اليقِظة إلى الواقع لا ينبغي أن تؤدّي بنا إلى اليأس بل على العكس هذا نداء للتّغيير - لأنّ من أقاموا هذا النظام بشر ويمكن للبشر تغييره إذن".

12 كانون الثاني/يناير 2021

نظام تفوّق يهوديّ من النهر إلى البحر: إنّه أبارتهايد

أبارتهايد

نظام تفوّق يهوديّ من النهر إلى البحر: إنّه أبارتهايد

يقيم في الأراضي الممتدّة بين النهر والبحر أكثر من 14 مليون إنسان - تقريباً نصفهم يهود ونصفهم فلسطينيّون. الاعتقاد السّائد - في المجالين العمومي والقضائيّ وفي ميدان السياسة وفي الخطاب الإعلاميّ - في هذه الأراضي نظامان متوازيان يفصل بينهما الخطّ الأخضر: الأوّل يعمل داخل حدود إسرائيل السياديّة وهو ديمقراطيّ وثابت يقيم تحت كنفه نحو تسعة ملايين إنسان جميعهم مواطنون إسرائيليّون؛ والثاني يعمل في المناطق التي احتلتها إسرائيل في العام 1967 ويُفترض أن تحدّد مكانتها النهائيّة في مفاوضات مستقبليّة بين الطرفين. يقيم في هذه المناطق نحو خمسة ملايين فلسطينيّ تحت احتلال عسكريّ موقّت. لكنّ هذا التعريف قد أصبح لا يمتّ للواقع بصِلة بمرور السنين. إنّه تعريف يتجاهل حقيقة أنّ هذا الوضع يسود منذ أكثر من خمسين عاماً - معظم سنوات وجود دولة إسرائيل؛ وهو لا يأخذ بالحسبان مئات آلاف المستوطنين اليهود المقيمين في بلدات ثابتة شرق الخطّ الأخضر ويديرون حياتهم وكأنّهم يقيمون غربه؛ كما أنّه يغضّ الطرْف عن الضمّ الرسميّ لشرقيّ القدس والضمّ الفعليّ للضفة الغربيّة؛ ولكنّ الأهمّ من هذا كلّه هو أنّ هذا التمييز يطمس حقيقة وجود مبدأ ناظم واحد يتمّ تطبيقه في جميع الأراضي الممتدّة بين النهر والبحر: تعزيز وإدامة تفوّق مجموعة من البشر - اليهود - على مجموعة أخرى - الفلسطينيّون. كل هذا يفضي إلى النتيجة بأن هذين ليسا نظامين متوازيين يعملان وفق المبدأ نفسه تصادفاً، وإنّما هو نظام واحد يدير الأراضي كلّها يسيطر على جميع البشر المقيمين فيها ويعمل وفق المبدأ الناظم المذكور. لدى تأسيسها في العام 1989 حدّدت بتسيلم التفويض الذي حدّدته لعملها اقتصر على الضفة الغربيّة (وبضمنها شرقيّ القدس) وقطاع غزّة، إذ لم تنظر بتسيلم إلى وضع حقوق الإنسان داخل الحدود التي قامت ضمنها دولة إسرائيل في العام 1948 كما لم تلق نظرة شاملة على الواقع السّائد في كافّة الأراضي الممتدّة بين النهر والبحر. مع ذلك وعلى ضوء الحقائق المذكورة أعلاه وإزاء تزايُد علنيّة هذا المبدأ الناظم خلال السّنوات الأخيرة - يُنظر على سبيل المثال قانون القوميّة ونوايا الضمّ المعلنة - لا يمكن أن نفهم اليوم ما يجري في المناطق المحتلّة بمعزل عمّا يجري في جميع الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل. لذلك فإنّ المصطلحات التي نستخدمها في السّنوات الأخيرة لوصف الواقع - مثال "احتلال مستديم" أو "واقع الدّولة الواحدة" - لم تعد مناسبة. إلى جانب ذلك لأجل مواصلة مكافحة انتهاكات حقوق الإنسان بفاعليّة من الضروريّ تفحّص طبيعة عمل النظام الواحد السّائد في كافّة المناطق. هاكُم الغاية من هذه الوثيقة: إنّها تصف الطريقة التي يعمل بها النظام الإسرائيليّ سعياً إلى أهدافه في كافّة الأراضي الواقعة تحت سيطرته. لا تقدّم الوثيقة عرضاً تاريخيّاً ولا تحاكم بأثر رجعيّ الحركة القوميّة اليهوديّة أو الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة. إنّها مسائل مهمّة بالطبع لكنّها ليست مسائل تستطيع أن تحسم في شأنها منظّمة حقوق إنسان ولا يُنتظر منها ذلك. عوضاً عن ذلك تعرض هذه الوثيقة المبادئ التي توجّه النظام وتقدّم أمثلة على تطبيق هذه المبادئ، كما تشير إلى الاستنتاج المشتقّ من ذلك بخصوص تعريف هذا النظام وبخصوص حقوق الإنسان. فرّقْ واعزلْ تسُدْ يطبّق النظام الإسرائيليّ في كافّة الأراضي الممتدّة بين النهر والبحر قوانين وإجراءات وعُنفاً منظّماً (عنف الدّولة) غايتها السّعي إلى تحقيق وإدامة تفوّق جماعة من البشر أي اليهود على جماعة أخرى هُم الفلسطينيّون. وتشكّل هندسة الحيّز بطريقة مغايرة لكلّ من هاتين المجموعتين إحدى الأدوات المركزيّة التي يستخدمها النظام لتحقيق هذا الهدف. المواطنون اليهود المقيمون في الاراضي الممتدّة بين النهر والبحر يديرون حياتهم كأنّما هي حيّز واحد (ما عدا قطاع غزّة). الخطّ الاخضر يكاد لا يعني شيئاً بالنسبة إليهم ومسألة إقامتهم غربه ضمن الحدود السياديّة للدولة أو شرقه في المستوطنات التي لم تضمّها إسرائيل رسميّاً لا علاقة لها بحقوقهم أو مكانتهم. في المقابل نجد أنّ مكان الإقامة مسألة مصيريّة بالنسبة للفلسطينيّين. لقد قسّم النظام الإسرائيليّ الأراضي الممتدّة بين النهر والبحر إلى وحدات مختلفة تتميّز عن بعضها البعض في طريقة سيطرته عليها وتعريفه لحقوق سكّانها الفلسطينيّين. هذا التقسيم ذو صِلة بالفلسطينيّين فقط وهكذا فإنّ الحيّز الجغرافيّ المتواصل بالنسبة لليهود هو بالنسبة إلى الفلسطينيّين حيّز فسيفسائيّ مشظّىً يتشكّل من قطع مختلفة: الفلسطينيّون المقيمون في المناطق التي صُنّفت في العام 1948 ضمن الأراضي السياديّة لإسرائيل ("عرب إسرائيل") ويشكّلون 17% من مجمل المواطنين في هذه الأراضي، هُم مواطنون إسرائيليّون، ومن هنا هُم يتمتّعون بحقوق كثيرة متّصلة بهذه المكانة لكنّهم - كما سنفصّل لاحقاً - لا يتمتّعون بالحقوق نفسها التي يتمتّع بها المواطنون اليهود وهو تمييز قائم في القانون الإسرائيليّ كما في ممارسات السّلطات الإسرائيليّة. في شرقيّ القدس التي تشمل نحو 70 ألف دونم ضمّتها إسرائيل إلى حدودها في العام 1967 خلافاً لأحكام القانون الدوليّ يقيم ما يقارب 350 ألف فلسطينيّ عرّفتهم إسرائيل "مقيمين دائمين". بموجب هذه المكانة يمكنهم السّكن والعمل في إسرائيل دون الحاجة إلى تصاريح خاصّة ويحق لهم الضمان الاجتماعيّ والتأمين الصحّي وكذلك المشاركة في الانتخابات البلديّة. ولكن خلافاً لمكانة "مواطن" يستطيع وزير الدّاخليّة سحب مكانة "المقيم الدائم" من أيّ شخص استناداً إلى اعتباراته وحدها. هذا إضافة إلى أنّ هذه المكانة يمكن أن تُلغى تلقائيّاً في ظروف معيّنة. بقيّة أراضي الضفة الغربيّة لم تضمّها إسرائيل رسميّاً ولكنّها مع ذلك تتصرّف فيها وكأنّما هي ضمن حدودها. يقيم في هذه الأراضي نحو 2.6 ملايين من الرّعايا الفلسطينيّين في عشرات الجيوب المعزولة عن بعضها البعض (فيما يلي: المعازل) تحت نظام حُكم عسكريّ صارم دون أيّة حقوق سياسيّة. في نحو 40% من هذه الأراضي نقلت إسرائيل الصّلاحيّات المدنيّة للسّلطة الفلسطينيّة - لكنّ هذه السّلطة تخضع لإسرائيل وحتى هذه الصّلاحيّات المحدودة لا تستطيع ممارستها إلّا بموافقة من إسرائيل. في قطاع غزّة يقيم نحو 2 مليون فلسطينيّ وهؤلاء أيضاً مجرّدون من الحقوق السياسيّة. في العام 2005 سحبت إسرائيل قوّاتها من القطاع وأخلت جميع المستوطنات التي أقامتها ومن ثمّ تخلّت عن أيّة مسؤولية عن مصير سكّان القطاع. في العام 2007 سيطرت حماس على القطاع وفرضت إسرائيل عليها الحصار ولا تزال. ولكن حتى الآن لا تزال إسرائيل تتحكّم من الخارج بسكّان القطاع على نحوٍ يطال تقريباً كلّ تفاصيل حياتهم. تخصّص إسرائيل للسكّان في كلّ من هذه الوحدات المعزولة رزمة من الحقوق تختلف عن تلك المخصّصة لسكّان الوحدات الأخرى - وجميعُها حقوق منقوصة مقارنة برزمة الحقوق الممنوحة للمواطنين اليهود. نتيجة لهذا التقسيم يتمّ تطبيق مبدأ التفوّق اليهوديّ بطريقة مختلفة في كلّ وحدة ممّا يُنتج شكلاً مختلفاً من الظلم الواقع على الفلسطينيّين المقيمين فيها: واقع حياة الفلسطينيّ في غزة يختلف عن واقع حياة الفلسطينيّ في الضفة، وهذا يختلف عن واقع حياة فلسطينيّ ذي مكانة المقيم الدائم في القدس أو مواطن فلسطينيّ داخل الخطّ الأخضر. لكنّ هذه الفروق هي الأوجُه المختلفة لتدنّي مكانة الفلسطينيّ وحقوق المنقوصة مقارنة باليهود المقيمين في المنطقة نفسها. أدناه نقدّم تفصيلاً لأربع وسائل رئيسيّة يسعى النظام الإسرائيليّ من خلالها إلى تحقيق التفوّق اليهوديّ. اثنتان منها تطبّقان بشكل مشابه في كافّة المناطق: تقييد الهجرة لغير اليهود والاستيلاء على الأراضي الفلسطينيّة لأجل بناء بلدات لليهود فقط وفي موازاة ذلك لأجل إنشاء معازل فلسطينيّة على مساحات ضيّقة. الوسيلتان الأخيرتان يجري تطبيقهما على الأخصّ في المناطق المحتلّة: قيود مشدّدة على حرّية حركة وتنقّل الفلسطينيّين من غير المواطنين وتجريد ملايين الفلسطينيّين من الحقوق السياسيّة. الصّلاحيّات الخاصّة بهذين الأمرين كلّها بالمطلق في يد إسرائيل إذ إنّها السّلطة الوحيدة التي تقرّر وتدير في كلّ مكان بين النهر والبحر سِجلّ السكّان ونظام الأراضي وحقّ التنقّل أو منعه وحقّ الدّخول والخروج وسِجلّ الناخبين. أ. الهجرة - لليهود فقط: جميع يهود العالم وأولادهم وأحفادهم - وكذلك أزواجهم وزوجاتهم - يحقّ لهم الهجرة إلى إسرائيل. في أيّ وقت والحصول على المواطنة الإسرائيليّة وجميع الحقوق المترتّبة عليها أو الناجمة عنها. وتُعطى لهم مكانة مواطن حتى إذا اختاروا الإقامة في المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربيّة رغم أنّها رسميّاً ليست ضمن الحدود السياديّة لدولة إسرائيل. أمّا غير اليهود فلا يحقّ لهم الحصول على مكانة قانونية في الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل - إمكان ذلك منوط فقط باعتبارات المسؤولين المعنيّين: وزير الدّاخليّة (داخل الحدود السياديّة لإسرائيل) أو الحاكم العسكري (في المناطق المحتلّة). ورغم أنّ هذين المنصبين منفصلين فالمبدأ الموجّه مماثل: الفلسطينيّون المقيمون في دول أخرى لا يمكنهم الهجرة إلى هذه الأراضي الممتدّة بين النهر والبحر حتى إذا كانوا هم أنفسهم أو جدّهم أو جدّتهم قد وُلدوا وأقاموا في الماضي في هذه الأراضي. بالنسبة إلى الفلسطينيّين سبيل الهجرة الوحيد إلى الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل هو الزّواج من سكانها سواء من المواطنين أو المقيمين أو الرعايا وذلك يترتب على سلسلة من الشروط وموافقة إسرائيل. تصعّب إسرائيل ليس فقط هجرة الفلسطينيّين من دول أخرى إلى الأراضي التي تسيطر عليها وإنّما تصعّب أيضاً انتقال الفلسطينيّين بين المعازل المختلفة إذا ما كان هذا الانتقال يؤدّي إلى تحسين مكانتهم وفق تصوّر النظام. على سبيل المثال يمكن لفلسطينيّ يحمل الجنسية الإسرائيلية أو مقيم في شرقيّ القدس أن ينتقل للسّكن في الضفة الغربيّة دون صعوبة (لكنّه بذلك يخاطر بحقوقه ومكانته القانونية كمقيم دائم). في المقابل لا يمكن للرّعايا الفلسطينيّين سكّان المناطق المحتلّة الحصول على مواطنة إسرائيليّة والانتقال للسّكن داخل الحدود السياديّة لإسرائيل إلّا في حالات استثنائيّة جدّاً ووفقاً لاعتبارات الجهات الإسرائيليّة. هذا المبدأ تجسّده سياسة إسرائيل فيما يتعلّق بلمّ شمل العائلات: تضع منذ سنين عراقيل كثيرة أمام لمّ شمل العائلات حين يكون أحد الزّوجين من وحدة والآخر من وحدة أخرى من الوحدات الواقعة تحت سيطرتها. على مرّ السّنين صعّبت هذه القيود بل وأحياناً منعت الفلسطينيّين المتزوّجين من فلسطينيّين مقيمين في وحدة أخرى من الحصول على مكانة فيها. نتيجة هذه السياسة حرمت عشرات آلاف العائلات من العيش سويّة في حياة اسَريّة مشتركة. ولكن إذا كان أحد الزّوجين من سكّان قطاع غزّة فإنّ إسرائيل تمكّن الزوجين من العيش سويّة في القطاع فقط وإذا كان شريك الزوجيّة من الضفّة الغربيّة عليه أن يتعهّد بالانتقال إلى القطاع إلى غير رجعة. إضافة إلى ذلك فقد سنّت إسرائيل في العام 2003 قانوناً مؤقتاً - لا يزال سارياً حتى الآن - يحظر منح مكانة مقيم دائم أو مواطن في إسرائيل للفلسطينيّين سكّان المناطق المحتلّة الذين تزوجوا من إسرائيليين، على عكس حاملي الجنسيات الأخرى فعندما يتزوجون من إسرائيليين بإمكانهم الحصول على مكانة قانونية في إسرائيل. في حالات استثنائيّة جدّاً وفقط بموافقة وزير الدّاخليّة يمكن لسكّان الضفة الغربيّة الحصول في إسرائيل على مكانة لكنها مؤقتة فقط ولا يترتّب عليها الحصول على حقوق الضمان الاجتماعيّ. تصعّب إسرائيل على الفلسطينيّين ليس فقط الحصول على مكانة في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها وإنّما هي أيضاً تضع موضع الشكّ حقّ سكّان المناطق المحتلّة - وبضمنهم سكّان شرقيّ القدس التي ضمّتها إلى حدودها - في مواصلة الإقامة في المنطقة التي وُلدوا ونشأوا فيها: منذ العام 1967 سحبت إسرائيل مكانة نحو رُبع مليون فلسطينيّ من الضفة الغربيّة (يشمل شرقيّ القدس) وقطاع غزّة بذرائع مختلفة من بينها مكوثهم خارج المناطق طوال أكثر من ثلاث سنوات. من بين هؤلاء عشرات آلاف المقدسيّين الذين انتقلوا للسّكن في أراضي الضفة الغربيّة التي لم تضمّها إسرائيل في أماكن تبعد فقط بضعة كيلومترات شرقًا عن منازلهم. هؤلاء جميعاً صودر حقّهم في العودة إلى منازلهم وعائلاتهم والأماكن التي وُلدوا ونشأوا فيها. ب. الاستيلاء على الأراضي لأجل اليهود ودحر الفلسطينيّين إلى معازل ضيّقة ومكتظّة: تطبّق إسرائيل في كافّة الأراضي الممتدّة بين النهر والبحر سياسة تهويد المكان التي يوجّهها تصوّر يعتبر الأرض مورداً مخصّصاً لخدمة الجمهور اليهوديّ بشكل شبه حصريّ. وفقاً لهذا التصوّر تتمّ إدارة موارد الأرض بهدف تطوير وتوسيع البلدات اليهوديّة وإقامة بلدات جديدة لليهود، وفي الوقت نفسه تجريد الفلسطينيّين من الأراضي ودحرهم إلى معازل ضيّقة ومكتظّة. منذ العام 1948 طبّقت هذه السياسة على الأراضي الواقعة داخل الحدود السياديّة لإسرائيل وتطبّق منذ العام 1967 في المناطق المحتلّة أيضاً. وفي العام 2018 جرى تكريس هذا المبدأ في قانون أساس: إسرائيل - الدولة القوميّة للشعب اليهوديّ والذي ينصّ على أنّ "الدولة تعتبر تطوير الاستيطان اليهوديّ قيمة قوميّة، وسوف تعمل لأجل تشجيع وتعزيز الاستيطان وترسيخه". داخل حدودها السياديّة سنّت الدولة قوانين تمييزيّة وعلى رأسها قانون أملاك الغائبين الذي مكّنها من الاستيلاء على مساحات شاسعة كانت في أيدي الفلسطينيّين، وبضمنها ملايين الدونمات من أراضي البلدات المهجّرة التي طُرد سكّانها من منازلهم أو فرّوا منها في العام 1948 ومنعت إسرائيل عودتهم إليها. كذلك قلّص النظام الإسرائيليّ إلى حدّ كبير مساحة أراضي المعيشة والتطوير التي في حوزة البلدات والسّلطات المحليّة الفلسطينيّة بحيث لم يتبقّ لهم اليوم سوى مساحات ضئيلة تشكّل أقلّ من 3% من مساحة الدولة ومعظمها مناطق عمرانيّة. نتيجة لهذه الإجراءات أصبح أكثر من 90% من الأراضي داخل حدود إسرائيل السياديّة في يد الدولة. ما استولت عليه إسرائيل من الأراضي الفلسطينيّة داخل حدودها أقامت فوقه مئات البلدات للسكّان اليهود ولم تُقم حتى بلدة واحدة للمواطنين الفلسطينيّين سوى عدّة قرىً وبلدات أقامتها إسرائيل لتركيز السكّان البدو الذين جُرّدوا من معظم حقوق الملكيّة التي كانوا يحوزونها: معظم الأراضي التي كان يعيش فيها البدو صودرت وجرى تسجيلها كأراضي دولة وهناك بلدات بدويّة كثيرة صُنّفت "غير معترف بها" واعتُبر سكّانها "غُزاة". أقامت الدولة علىأراضي البدو التاريخيّة بلدات لليهود فقط. يفرض النظام الإسرائيليّ قيوداً متطرّفة على أيّ تطوير وبناء في الأراضي القليلة التي تبقّت للبلدات الفلسطينيّة داخل الخطّ الأخضر ويحرم هذه البلدات من خرائط هيكليّة تعكس احتياجات السكّان، ورغم التزايد السكّانيّ يُبقى مسطّحات نفوذها دون تغيير تقريباً. نتيجة لذلك أصبحت هذه البلدات معازل صغيرة ومكتظّة ويضطرّ سكّانها إلى البناء دون ترخيص في غياب أيّ خيار آخر. لم تكتف الدّولة بعدم إقامة بلدات جديدة للمواطنين الفلسطينيّين بل سنّت قانوناً ينصّ على أنّ لجان القبول في مئات البلدات الأهليّة من حقّها رفض متقدّمين للسّكن فيها على قاعدة "عدم التوافُق الثقافيّ" ليصبح بذلك الفلسطينيّون ممنوعين من السّكن في بلدات مخصّصة لليهود. صحيح أنّ السّكن في المدُن في إسرائيل مُتاح رسميّاً لجميع مواطني الدّولة إلّا أنّ نسبة المواطنين الفلسطينيّين المقيمين في المُدن لا تتعدّى 10% منهم - وحتى في هذه الحالة نجدهم في أحياء منفردة معزولين عن بقيّة أجزاء المدينة إمّا لنقص الخدمات الملائمة لهُم فيها - التعليميّة والدينيّة مثلاً - أو لارتفاع أسعار المنازل أو جرّاء التمييز في بيع الأراضي والمنازل. بعد العام 1967 سلك النظام الإسرائيليّ وفق المبدأ الناظم نفسه في الضفة الغربيّة (بما في ذلك الأراضي التي ضُمّت رسميّاً لمسطّح نفوذ بلديّة القدس): أكثر من مليوني دونم وبضمنها مراعٍ وأراضي زراعيّة نهبتها إسرائيل من الرّعايا الفلسطينيّين بشتّى الذرائع وسخّرتها لأغراض عديدة وبضمنها إقامة وتوسيع مستوطنات - إضافة مساحات عمرانيّة وأراضي زراعيّة ومناطق صناعيّة. جميع المستوطنات مناطق عسكريّة مغلقة يُحظر على الفلسطينيّين دخولها دون تصريح. هنالك اليوم أكثر من 280 مستوطنة في أنحاء الضفة الغربيّة (يشمل شرقيّ القدس) يقيم فيها ما يزيد عن 600 ألف مواطن يهوديّ. كذلك نهبت الدولة من الفلسطينيّين أراضي أخرى لأجل شقّ مئات الكيلومترات من الشوارع الالتفافيّة المخصّصة للمستوطنين. أقامت إسرائيل للرّعايا الفلسطينيّين جهاز تخطيط منفصل غايته الأساسيّة منع البناء والتطوير وذلك بواسطة تعريف مساحات شاسعة كأراضٍ يُحظر فيها البناء عبرَ إعلانها "أراضي دولة" أو "مناطق إطلاق نار" أو "محميّات طبيعيّة" أو "حدائق وطنيّة" أو بواسطة الامتناع عن إعداد خرائط هيكليّة مناسبة للبلدات الفلسطينيّة بحيث تلبّي احتياجات سكّانها الحاليّة وتعكس احتياجاتهم المستقبليّة في المساحات القليلة المتبقّية لهم. عوضاً عن ذلك فإنّ جلّ أعمال هذا الجهاز تنحصر بهدم المباني التي يقيمها الفلسطينيّون دون ترخيص وهنا أيضاً لأنّهم لا يملكون خياراً آخر. نتيجة لذلك بقي معظم الفلسطينيّين محبوسين في عشرات المعازل المكتظّة إذ يُحظر البناء الجديد خارجها حظراً شبه قطعيّ بما في ذلك إقامة شبكات البُنى التحتيّة والمباني العامّة. ج. تقييد حرّية حركة وتنقّل الفلسطينيّين تتيح إسرائيل لمواطنيها والمقيمين فيها - اليهود والفلسطينيّين - حرّية التنقّل بين المناطق المختلفة التي تسيطر عليها باستثناء قطاع غزّة الذي عرّفته "كياناً معادٍياً". غير أنّها تمنع دخول مواطنيها إلى المناطق التي نُقلت إدارتها شكليّاً إلى السّلطة الفلسطينيّة ("مناطق A"). في حالات استثنائيّة يحصل الفلسطينيّون المواطنون والمقيمون في إسرائيل على تصاريح دخول إلى قطاع غزة. إضافة إلى ذلك يحقّ لكلّ مواطن إسرائيليّ مغادرة الدّولة والعودة إليها متى شاء. وفي المقابل لا يملك سكّان شرقيّ القدس لا جوازات سفر إسرائيليّة وقد يعرّضهم المكوث لمدّة طويلة خارج الدّولة إلى فقدان مكانة "المقيم الدائم". كممارسة روتينيّة يقيّد النظام الإسرائيلي حركة الفلسطينيّين سكّان المناطق المحتلّة ويمنعهم عموماً من العبور بين وحدات المناطق الواقعة تحت سيطرته. سكّان الضفة الغربيّة الذين يريدون دخول إسرائيل أو شرقيّ القدس أو قطاع غزّة يُطلب منهم تقديم طلب تصريح إلى السّلطات الإسرائيليّة. أمّا قطاع غزّة فقد فرضت إسرائيل عليه حصاراً منذ العام 2007 وحبست سكّانه داخله بعد أن منعت أيّ خروج منه أو دخول إليه - سوى في حالات قليلة، حالات "إنسانيّة" وفقاً لتعريف إسرائيل. سكّان قطاع غزّة الذين يريدون مغادرة القطاع والفلسطينيّون سكّان المعازل الأخرى الذين يريدون دخول القطاع عليهم تقديم طلب خاصّ للحصول على تصريح. الجدير ذكرُه أنّ إسرائيل مقلّة جدّاً في إصدار هذه التصاريح والحصول عليها يخضع لنظام تصاريح صارم وتعسّفي يفتقر للشفافيّة والقواعد الواضحة - هكذا تعتبر إسرائيل كلّ تصريح تصدره لفلسطينيّ حسنة تتفضّل بها عليه لا حقّاً مكفولاً له. داخل أراضي الضفة الغربيّة تسيطر إسرائيل على جميع الشوارع الموصلة بين المعازل الفلسطينيّة. هذه السيطرة تتيح للجيش أن ينصب الحواجز الفجائيّة متى شاء وأن يسدّ مداخل القرى وأن يغلق الشوارع ويمنع الحركة في الحواجز. إضافة إلى ذلك أقامت إسرائيل جدار الفصل داخل أراضي الضفة أيضًا وإذّاك عرّفت الأراضي الفلسطينيّة الواقعة شرقيّ الجدار "منطقة تماسّ"، وبضمنها أراضٍ زراعيّة، ثمّ قيّدت دخول الفلسطينيّين إلى هذه الأراضي وأخضعته لنظام التصاريح نفسه. كذلك يخضع سفر الفلسطينيّين سكّان المناطق المحتلّة إلى دول أخرى لموافقة إسرائيل وهي عموماً تمنعهم من المغادرة جوّاُ عبر مطار بن غوريون الواقع ضمن حدودها السياديّة. سكّان الضفة الغربيّة يمكنهم السّفر جوّاً فقط عبر مطار عمّان في الأردن لكنّهم لا يستطيعون ذلك إلّا إذا سمحت لهم إسرائيل بالخروج من الضفة الغربيّة إلى الأردن. في كلّ سنة تمنع إسرائيل آلافاً من سكّان الضفة الغربيّة من مغادرة الحدود دون أن تقدّم تفسيراً لأيّ منهم. أمّا سكّان قطاع غزّة فيضطرّون إلى السّفر عبر معبر رفح - الذي يديره المصريّون. هذا السّفر يلزمه أن يكون المعبر مفتوحاً وموافقة السّلطات المصريّة على العبور - ثمّ السّفر الطويل والممضّ داخل أراضي مصر. فقط في حالات استثنائيّة تسمح إسرائيل لسكّان القطاع أن يسافروا إلى الخارج عبر الأردن مروراً بأراضيها وأراضي الضفة الغربيّة وفي هذه الحالة يجتاز المسافر هذه الأراضي بمرافقة أمنيّة. د. تجريد الفلسطينيّين من حقّ المشاركة السياسيّة يحقّ للفلسطينيّين مواطني إسرائيل كما لمواطنيها اليهود ممارسة النشاط السياسيّ سعياً لتحقيق أهدافهم وذلك يشمل المشاركة في انتخابات الكنيست وانتخاب ممثليهم، وكذلك تشكيل قوائم انتخابيّة خاصّة بهم أو الانضمام إلى القوائم الموجودة. وهناك في الوقت نفسه مساعيَ دؤوبة لنزع الشرعيّة عن منتخَبي الجمهور الفلسطينيّين - يقودها كبار المسؤولين في الجهاز السياسيّ - ومحاولات للمسّ بحقّ المواطنين الفلسطينيّين في المشاركة السياسيّة وتصعيب ممارسة هذا الحقّ. الفلسطينيّون المقيمون في المناطق المحتلّة والبالغ عددهم نحو خمسة ملايين لا يشاركون في المنظومة السياسية التي تتحكم بحياتهم وتحدّد مستقبلهم. نظريّاً يحقّ لمعظم هذه المجموعة من الفلسطينيّين أن تشارك في انتخابات السّلطة الفلسطينيّة، لكنّ صلاحيّات هذه السّلطة محدودة بحيث حتى لو جرت الانتخابات بانتظام (آخر انتخابات للسّلطة جرت في العام 2006) تبقى حياة السكّان الفلسطينيّين خاضعة لقرارات ورغبات النظام الإسرائيليّ الذي يُمسك بالمفاصل المركزيّة للسّلطة في المناطق المحتلّة، ومنها الهجرة وسِجلّ السكّان وسياسة الأراضي والتخطيط وتوزيع موارد المياه وشبكة الاتّصالات والاستيراد والتصدير والأهمّ: السيطرة العسكريّة على الأرض والجوّ والبحر. الفلسطينيّون سكّان شرقيّ القدس موجودون في وضع وسطيّ: بصفتهم مقيمين دائمين في إسرائيل يحقّ لهم المشاركة في انتخابات بلديّة القدس وليس في انتخابات الكنيست. أمّا عن حقّ المشاركة في انتخابات السّلطة الفلسطينيّة فإنّ إسرائيل تصعّبه عليهم بعراقيل كثيرة. الحرمان من حقّ المشاركة السياسيّة ينعكس ليس فقط في التجريد من حقّ الانتخاب والترشّح وإنّما أيضاً في سلب حقوق سياسيّة أخرى من الفلسطينيّين وعلى رأسها حرّية التعبير وحرّية التنظيم. هذه الحقوق كُفلت للناس لتمكينهم من نقد السّلطة والاحتجاج على هذه السياسة أو تلك، ولكي تتيح لهم تنظيم أنفسهم في أطر يسعون من خلالها لتحقيق الأفكار التي يؤمنون بها، وعموماً - لكي يستطيعوا القيام بالتغيير الاجتماعيّ والسياسيّ. هناك سلسلة من القوانين سنّتها الكنيست لتقيّد بها إمكانيّة قيام الإسرائيليين بنشاطات تخصّ السياسة التي ينتهجها النظام الإسرائيليّ إزاء الفلسطينيّين في جميع الأراضي الواقعة تحت سيطرته ومنها: قانون المقاطعة وقانون النكبة. الفلسطينيّون سكّان المناطق المحتلّة مقيّدون أكثر حتى: هُم ممنوعون من الخروج في مظاهرات وقد حظرت إسرائيل عدداً كبيراً من التنظيمات وتقريباً كلّ أشكال التعبير السياسيّ تعتبرها تحريضاً. تقوم المحاكم العسكريّة بإنفاذ هذه القيود منهجيّاً والي أدّى حتى اليوم إلى سجن مئات آلاف الفلسطينيّين والذي يشكّل أحد الأذرع الأساسيّة لحفظ نظام الاحتلال. في شرقيّ القدس يعمل النظام الإسرائيليّ على منع أيّ نشاط اجتماعيّ أو ثقافيّ أو سياسيّ يُنسَب بهذا الشكل أو ذاك إلى السّلطة الفلسطينيّة. تفتيت الحيّز عبر تقسيمه إلى وحدات معزولة يصعّب بدوره على الفلسطينيّين القيام بنضال سياسيّ موحّد ضدّ سياسات النظام الإسرائيليّ. إحالة القوانين والأنظمة المختلفة في كلّ من هذه المعازل وتخصيص حقوق مختلفة لكلّ مجموعة من السكّان الفلسطينيّين والقيود الصّارمة على حركتهم وتنقّلاتهم تولّد جماعات متمايزة بحيث أنّ هذا الفصل الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيّين يتيح لها تحقيق رؤيتها بخصوص التفوّق اليهوديّ والحفاظ عليه، وأيضاً يصعّب على الفلسطينيّين مقاومته والاحتجاج عليه. لا للأبارتهايد: إنّه نضالُنا نحن يسعى النظام الإسرائيليّ المسيطر على كافّة المناطق بين النهر والبحر إلى تحقيق تفوّق يهوديّ في هذه المناطق. لكي يحقّق هذا الهدف قسّم النظام هذه الأراضي والسكّان الفلسطينيّين إلى وحدات شتّى وخصّص للفلسطينيّين في كلّ وحدة رزمة مختلفة من الحقوق - جميعها منقوصة مقارنة بالحقوق الممنوحة للمواطنين اليهود المقيمين في المناطق نفسها التي يسيطر عليها النظام. في إطار هذه السياسة جرى تجريد الفلسطينيّين من حقوق كثيرة بما في ذلك حقّ تقرير المصير. تقوم هذه السياسة على هندسة أو تشكيل الحيّز بطرق عدّة: الهندسة الديمُغرافيّة للحيّز بواسطة قوانين وأوامر تتيح منح مكانة مواطن إسرائيليّ لجميع يهود العالم وأسَرهم وتكاد لا تتيح منحها للفلسطينيّين؛ الهندسة أو التشكيل المادّي للحيّز عبر استيلاء الدولة على ملايين الدونمات وإقامة بلدات ومستوطنات وأحياء لليهود فقط ودحر الفلسطينيّين إلى معازل صغيرة ومكتظّة؛ هندسة التنقّل في الحيّز كلّه بطريقة تقيّد فقط حركة الرعايا الفلسطينيّين ؛ الهندسة السياسيّة للواقع بطريقة تحرم ملايين الفلسطينيّين من المشاركة في تقرير مستقبلهم وتُخضع حياتهم لنظام احتلال تديره إسرائيل. النظام الذي يسعى عبر قوانينه وممارساته وعُنفه المنظّم في كافّة الأراضي التي يسيطر عليها إلى تحقيق وإدامة تفوّق جماعة من البشر على جماعة أخرى من البشر هو نظام أبارتهايد. لم ينشأ نظام الأبارتهايد هذا بين ليلة وضُحاها ولا كانت فكرة الأبارتهايد وليدة خطاب واحد. إنّها سيرورة تدريجيّة تمأسس النظام وتبلور من خلالها واتّضحت معالمه بمرور الزمن حيث جرى خلال السّنوات تفعيل المزيد والمزيد من الأجهزة بالقانون وفرض المزيد والمزيد من الوقائع على الأرض سعياً إلى تحقيق التفوّق اليهوديّ في كافّة الأراضي الممتدّة بين النهر والبحر. إنّ تراكُم هذه الخطوات وانعكاسها على نطاق واسع في القوانين والممارسة السياسية ثمّ الدّعم الذي تحظى به على الصعيدين الجماهيريّ والقضائيّ - كلّ هذا معاً يحتّم الإقرار بأنّ هذا النظام قد تجاوز العتبة التي تقتضي تعريفه كنظام أبارتهايد. إذا كنا نتحدث عن نظام يتشكّل ويجري تطبيقه منذ سنين طويلة فما الجديد وما الذي تغيّر الآن؟ لماذا ننشر ورقة الموقف هذه الآن في العام 2021؟ يكمن التغيير الأساسيّ في السّنوات الأخيرة في استعداد وتحفّز ممثّلي النظام وهيئات رسميّة لتكريس مبدأ التفوّق اليهوديّ دستوريّاً والتصريح بهذه النوايا علناً وعلى رؤوس الأشهاد. لقد تجلّت سيرورة إزالة الأقنعة في ذروتها لدى سنّ "قانون أساس: إسرائيل - الدولة القوميّة للشعب اليهوديّ" وعند إعلان نوايا الضمّ الرسميّ (دي يوري - بحُكم القانون) لأجزاء من الضفة الغربيّة بعد سنين طويلة من الضمّ الفعليّ (دي فاكتو- بحُكم الأمر الواقع) ليسقط بذلك القناع الذي دأبت إسرائيل على التخفّي من ورائه طوال سنين. ينصّ قانون الأساس الجديد الذي سُنّ في العام 2018 على حقّ تقرير المصير للشعب اليهوديّ - وحده وفقط وحده - ويقرّر أنّ تمييز اليهود عن غير اليهودي (في إسرائيل والعالم كلّه) تمييزٌ أساسيّ وشرعيّ. على هذا الأساس فإنّه قانون يُبيح التمييز الممأسَس لصالح اليهود ضدّ غير اليهود كمبدأ قانوني ملزِم في مجالات إقامة البلدات والإسكان والأرض والمواطنة واللّغة والثقافة. صحيح أنّ إسرائيل عملت وفق معظم هذه المبادئ في الماضي قبل سنّ القانون المذكور ولكنّ تكريس التفوّق اليهوديّ في نصّ قانون أساس - خلافاً لقانون عاديّ أو ممارسات فعليّة - يعكس مبادئ دستوريّة مُلزمة. لسنا فقط أمام رسالة لجميع أجهزة السّلطة مفادُها أنّه من اللّائق العمل على تحقيق التفوّق اليهوديّ في كافّة الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل بل الرّسالة الآن: أنتم ملزَمون بذلك. كذلك إعلان نوايا الضمّ الرسميّ لأجزاء إضافيّة من الضفة الغربيّة - سواء نفّذت إسرائيل ذلك أم لا - يغلق الفجوة القائمة بين المكانة الرسميّة للمناطق المحتلة والتصريحات الخاوية عن الاستعداد للتفاوُض حول مستقبل هذه المناطق وبين حقيقة أنّ إسرائيل قد ضمّت فعليّاً ومنذ زمن طويل معظم أراضي الضفة الغربيّة. في نهاية الأمر وخلافاً للتصريحات والنوايا المعلنة لم تنفّذ إسرائيل هذه الخطوة بعد تمّوز 2020، وبعد ذلك صدر عن جهات رسميّة مختلفة خليط من التصريحات المتعارضة، مع وضدّ. في جميع الأحوال وبغضّ النظر عن السّؤال كيف ومتى سوف تمضي إسرائيل قدُماً لتنفيذ الضمّ الرسميّ بصيغة أو بأخرى، لقد تمّ وانقضى إعلان نوايا الضمّ والسيطرة الإسرائيليّة الدائمة على كافّة الأراضي وقد صرّح بها علناً كبار المسؤولين. منطق عمل هذا النظام وطريقة تطبيقه مماثلان لما كان في نظام الأبارتهايد الذي اتّبعته جنوب إفريقيا في الماضي، والذي كانت غايته الحفاظ على تفوّق المواطنين البيض في الدولة بوسائل عدّة منها تقسيم السكّان إلى جماعات ذات مكانات مختلفة ومنح حقوق مختلفة لكلّ منها. هناك بطبيعة الحال فروق بين النظامين - منها أنّ الفصل في جنوب إفريقيا اعتمد العرق ولون البشرة بينما اعتمدت إسرائيل الأصل القوميّ والإثنيّ؛ ومنها انّ الفصل هناك تجلّى أيضاً في الحيّز العامّ فصلاً بين الناس على أساس لون البشرة، فصل رسميّ وعلنيّ يتمّ إنفاذه وضبطه بعمل الشرطة بينما تتفادى إسرائيل بشكل عامّ مثل هذه التجلّيات البارزة. ولكنّ تعريف نظام الأبارتهايد في الخطاب العامّ وفي القانون الدوليّ لا يتطلّب ولا يفترض التطابُق مع نظام الأبارتهايد الذي ساد في جنوب إفريقيا لأنّ مثل هذا التطابُق التامّ لن يحدث أبداً. لقد تحوّلت مفردة "أبارتهايد" منذ زمن إلى مفهوم مستقلّ (مكرّس نصّاً في المواثيق الدوليّة أيضاً) جوهره المبدأ الناظم لعمل النظام: النظام الذي يعمل بشكل منهجيّ على تحقيق تفوّق جماعة بعينها من البشر على جماعة أخرى والحفاظ على هذا التفوّق. يصحّ القول إنّ النظام الإسرائيليّ نظام أبارتهايد رغم أنّه لم يصرّح علناً عن نفسه كهذا أبداً (بل على العكس - ممثّلو النظام يصرّحون صباح مساء أنّه نظام ديمقراطيّ). ذلك أنّ مثل هذه التصريح العلنيّ لا يلزم لتعريف النظام كنظام أبارتهايد فالعنصر الحاسم في ذلك ليس ذاك التصريحيّ بل الوقائعيّ: أي ممارسات النظام. صحيح أنّ النظام في جنوب إفريقيا صرّح عن نفسه أنّه كذلك في العام 1948 ولكن بالنظر إلى العبر التاريخيّة لا يُعقل أن نتوقّع من أيّة دولة أن تفعل ذلك في أيّامنا وأن تتطوّع في الإعلان عن نفسها كدولة أبارتهايد. الأكثر معقوليّة هو أنّ ردّ الفعل الدوليّ من قبَل معظم دول العالم على نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا يمنع دولاً أخرى من الاعتراف أنّها تطبّق نظاماً مشابهاً ومن الواضح أنّ ما كان ممكناً في العالم 1948 ليس ممكناً اليوم - لا على الصعيد الجماهيريّ ولا القضائيّ. تصويب النظر نحو الواقع أمرٌ مؤلم لكنّ ما يؤلم أكثر هو العيش تحت البسطار. الواقع الذي تصفه هذه الوثيقة جدّي وخطير ولكنّه واقع مرشّح لمزيد من التدهور والتصعيد عبر تطبيق ممارسات جديدة - مع تكريسها في قانون أو بدون ذلك. ولكن من أقاموا هذا النظام هُم بشر وهُم من يستطيعون فرض المزيد من التصعيد - وهُم أيضاً من يستطيعون تغييره. هذا بالضّبط هو الأمل الذي حذا بنا إلى صياغة ورقة الموقف هذه. لأنّه كيف يمكن النضال ضدّ الظلم إذا لم نسمّه باسمه؟ الأبارتهايد هو المبدأ الناظم - ولكن توصيفه وتعريفه بما هو لا يعني الاستسلام ورفع الرّاية البيضا، وإنّما على العكس تماماً: إنّه نداء للتغيير. لذلك إنّ السّعي بعزم نحو مستقبل يقوم على مبادئ حقوق الإنسان والحرّية والعدالة - ضروريّ اليوم أكثر من أيّ وقت مضى. هناك خيارات سياسيّة مختلفة لتحقيق مستقبل يقوم على هذه المبادئ والحسم بينها يجب أن يتولّاه جميع البشر الذين تقرّر هذه الخيارات مستقبلهم. هذا بالنسبة للمستقبل، أمّا القرار الأخلاقيّ الحاسم - لا للأبارتهايد - فمن واجبنا جميعاً اتّخاذه اليوم.

12 كانون الثاني/يناير 2021

أبارتهايد

نظام تفوّق يهوديّ من النهر إلى البحر: إنّه أبارتهايد

في جميع المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل – بين النهر والبحر – هناك نظام واحد يسعى إلى تحقيق وإدامة تفوّق جماعة من البشر (اليهود) على جماعة أخرى (الفلسطينيين). هذا نظام أبرتهايد على عكس الاعتقاد السّائد بأن إسرائيل دولة ديمقراطية تدير نظام احتلال مؤقت. لممارسة التفوّق اليهودي يستخدم النظام الحاكم في إسرائيل وسيلة هندسة الحيّز جغرافيا وديموغرافيا وسياسيا. هكذا وحين يمارس اليهود حياتهم في حيّز واحد متتابع ينعمون فيه بحقوق كاملة وبالحق في تقرير المصير، يعيش الفلسطينيون في حيز مفكك لوحدات مختلفة تحظى كل منها بحقوق منتقصة مقارنة بتلك التي ينعم بها اليهود.

12 كانون الثاني/يناير 2021