مناطق C

الإدارة المدنيّة أخلَت تسع أسَرٍ طيلة ليلةً بأكملها، بحجّة حاجة الجيش للقيام بتدريبات عسكريّة قرب منازلها

في تاريخ 2.4.17 وصل مسؤولو الإدارة المدنية إلى تجمّع خربة الرأس الأحمر الواقع شمال الأغوار. إنّه تجمّع صغير من الرعاة، أُنشئت بالقرب منه مستوطنتَا روعي وبقعوت. أبلغت القوّات تسع أسَرٍ من التجمّع أنّها مطالبة بإخلاء منازلها يوم الأربعاء الموافق 5.4.17، ابتداءً من الساعة 17:00 وحتّى صباح اليوم التالي عند الساعة 5:00، وذلك بذريعة أنّ الجيش يحتاج القيم بتدريبات عسكريّة قرب هذه المنازل. يبلغ عدد أفراد الأسر التي جرى إخلاؤها قرابة 40 فردًا بينهم حوالي 15 قاصرًا. وقد اضطرّوا إلى البقاء ليلاً دون مأوى، بعيدًا عن منازلهم. قسم من الأسّر أخلت منازلها على ظهور الحمير، وقسم آخر سيرًا على الأٌقدام، وبعض الأفراد خرجوا بالسيارة. اضطرّت جميع الأسَر إلى ترك الأغنام ومعظم الممتلكات خلفها.

قوات الامن ترافق العائلات المبعدة من التجمع السكني. تصوير: عارف دراغمة. بتسيلم. 5.4.2017.
قوات الامن ترافق العائلات المبعدة من التجمع السكني. تصوير: عارف دراغمة. بتسيلم. 5.4.2017.

وقبل ذلك بأسبوع، وصلت قوّات الإدارة إلى التجمّع وأبلغت هذه الأسر أنّ عليها لإخلاء منازلهم في تاريخ 29.3.17 ابتداءً من ساعات ما بعد الظهر وحتّى صباح اليوم التالي. على الرغم من بلاغ الإخلاء، لم تجرِ في ذلك الموعد تدريبات عسكريّة في منطقة التجمّع ولم يصل ممثّلون عن الإدارة المدنيّة لإخلاء السكّان، وعبثًا استعدّ هؤلاء للإخلاء مجبَرين أصلاً.

خلال عام 2016 جرى إخلاء أسَر من التجمّع في عشر مرّات مختلفة بذريعة الاحتياج إلى المكان لتنفيذ تدريبات عسكريّة.

في إفادة قدّمها لباحث بتسيلم الميدانيّ عارف ضراغمة في تاريخ 6.4.17، روى علي بني عودة البالغ من العمر 40 عامًا، كيف أخلى هو وزوجته وأولاده الخمسة منزلهم:

علي بني عودة. تصوير: عارف دراغمة. بتسيلم. 5.4.2017.نحن نعيش في خيام ومعرّشات بسيطة في ظلّ ظروف قاسية. لقد ولدت هنا، وكذلك كلّ أفراد أسرتي الذين يعيشون في التجمّع. قبل أسبوع، وصلوا إلينا من الإدارة المدنيّة والجيش وأبلغونا عن نيّتهم طردنا ابتداءً من الساعة الخامسة يوم الأربعاء (29.3) وحتّى الساعة الخامسة من صباح اليوم التالي. أخذنا في الاستعداد. في النهاية لم يأتوا لإخلائنا. كنّا في حالة من التوتّر وعدم اليقين لأننا لم نعرف سبب عدم مجيئهم لإخلائنا. عادةً ما يأتون ويقومون بإخلائنا قبل الموعد المحدد بقليل. خشينا أن يجروا تدريبات أثناء وجودنا هناك. مرّت الساعات كأنّها دهر، ولم نعرف طعم النوم.

في تاريخ 2.4.17 جاءوا مجدّدًا من الإدارة المدنيّة وسلّمونا أوامر إخلاء من يوم الأربعاء الموافق 5.4.17 في الخامسة بعد الظهر وحتّى اليوم التالي صباحًا. يوم الأربعاء، في اليوم المحدّد للإخلاء، كنّا منهَكين، فقد أطعمنا الأغنام طيلة النهار، ورتّبنا الخيام وأغلقنا حزم الأعلاف، أردنا إتمام كلّ ما نستطيع إتمامه. اضطررنا في النهاية إلى إبقاء معظم العمل على حاله. لم تتمكّن زوجتي من إنهاء تحضير الجبن، ولم يتمكّن الأولاد من الاستعداد للمدرسة التي كان من المفروض أن يرتادوها صباحًا. عند حوالي الساعة الخامسة بعد الظهر، في الوقت الذي كنّا نركض هنا وهناك كي نتمكّن من إطعام الأغنام وإنهاء كلّ شيء، وصل ممثلون من الإدارة المدنيّة والجيش وطلبوا من الجميع أن يغادروا على وجه السرعة. بدأوا بالانتقال من خيمة إلى أخرى لإخراج الجميع. كانوا يقودون الناس أمام الجيبات كالاغنام.

امتطى قسم من الأسر الحمير وقسم سار على الأقدام. خرجنا جميعنا إلى محيط قرية عاطوف، مسافة نحو ثمانية كيلومترات عن خيامنا. لا يوجد شيء في هذه الأماكن ونحن بالكاد تمكنّا من أخذ شيء معنا. قضينا الليلة خارج خيامنا ولم ننجح في الخلود إلى النوم ولو للحظة. فكّرنا في خيامنا وفي أغنامنا وفي أملاكنا. خشينا من سقوط قذائف دبابات هناك. خفنا كثيرًا على سلامة الغنم بسبب وجود الحيوانات البريّة. مرّت ساعات الليل ببطء وانتظرنا فقط أن تشرق الشمس ونتمكن من العودة إلى منزلنا.

في الصباح كنا منهكين، مشينا بحذر شديد خوفًا من القذائف. عندما وصلنا إلى خيامنا بدأتُ أتفحّص المنطقة من حولها خوقًا من وجود قذائف. فرح الغنم بعودتنا. بدأنا بإطعامه وإسقائه. قسم من الأولاد لم يذهبوا إلى المدرسة لأنهم كانوا منهكين ولم يتمكّنوا من فتح عيونهم بعد أن قضوا الليلة في البرد وبلا مأوى.

إنّهم يتدربون هنا، في المكان الذي نعيش فيه منذ سنوات، ولا يتدربون بجانب المستوطنات. نحن نعرف أنّهم يحاولون طردنا، إنّهم يريدون القضاء على مصدر رزقنا. إنّهم يضيّقون مساحات رعي أغنامنا من خلال تدريباتهم العسكريّة ومخلّفات الذخيرة التي يتركونها وراءهم. أين نذهب؟ لقد نشأنا هنا وحياتنا كلّها هنا، نحن موجودون هنا لكي نعيل أولادنا.

عمليات الإخلاء المتكرّرة لسكان التجمعات المحلية في منطقة الأغوار، بادّعاء حاجة الجيش للقيام بتدريبات عسكرية في المنطقة التي يعيشون فيها تشوّش حياة السكان بشكل لا يطاق، ولا يوجد لها مبرّر، هذا إلى جانب كونها مخالفة للقانون. فوق ذلك، في بعض الحالات لا تجد الأسر أمكنة بديلة منظّمة تلجأ إليها، فيضطرّ الناس إلى البقاء في العراء يقاسون أحوال الطقس ويبدأون في البحث عن المأوى والمأكل والمشرب. ارتفاع وتيرة التدريبات العسكرية يزعزع حياة السّكان كلّيًا ويعرّض للخطر وجود هذه التجمّعات.

وفقًا للقانون الإنسانيّ الدوليّ، لا تملك إسرائيل الحق في استخدام الأراضي لأغراض عسكرية عامّة، مثل التدريب استعدادًا لحرب والتدريبات العسكريّة العامّة. وبالتأكيد لا يحقّ لها بهذه الذرائع المسّ بسبل عيش السكان المحميين والسعي لطردهم من منازلهم.

مواد مقترحة

תושב ח'ירבת חומסה אל-פוקה עומד בתוך רכוש הקהילה שכוחות ישראליים השליכו ליד עין א-שיבלי. צילום: אורן זיו, אקטיבסטילס, 7.7.21

تجمّعات سكّانيّة مهدّدة بالتهجير

جريمة حرب في وضح النّهار، مصدّقة بختم محكمة العدل العليا

ارتكبت إسرائيل أمس محاولة نقل قسريّ لسكّان تجمّع خربة حُمصة وهي بمثابة جريمة حرب. خلافاً لخمس حملات هدم سابقة لمنازل سكّان التجمّع نفّذتها إسرائيل خلال أقلّ من سنة، قام عمّال الإدارة المدنيّة وجنود يوم أمس بتحميل محتويات منازل بعض السكّان ونقلها إلى منطقة مجاورة لتجمّع عين الشبلي وهو الموقع الذي تعدّ إسرائيل لنقل السكّان إليه بعد ترحيلهم من خربة حُمصة؛ وتحاول إسرائيل إيهام الرّأي العامّ أنّها تفعل ذلك إثر "موافقة "السكّان عقب "مفاوضات" أجرتها معهم. بذلك أكّدت إسرائيل أنّها تعتزم طرد السكّان من منازلهم إلى الأبد - لمن لا يزال يشكّ في ذلك. تعقيب الجيش الذي نشرته وسائل الإعلام يسلّط الضّوء على حقيقة أنّ محاولة الترحيل تمّت بتصديق من محكمة العدل العليا. من هنا، ينبغي أن يشمل التحقيق الذي سيتمّ في لاهاي بشأن إسرائيل مسؤوليّة القضاة عن ارتكاب جريمة النقل القسريّ وليس فقط مسؤوليّة أعضاء حكومة إسرائيل وضبّاط كبار. أمس ونحو السّاعة 8:00 صباحاً، وصل جنود ومندوبو الإدارة المدنيّة تجمّع خربة حُمصة في الأغوار الشماليّة. أعلنت القوّات الموقع منطقة مغلقة ومنعوا الصحفيّين وناشطي حقوق الإنسان ودبلوماسيّين من الوصول إلى المكان. المعطيات الأوليّة التي جمعتها بتسيلم تفيد أنّهم قاموا بتفكيك 9 خيام سكنيّة و-4 بركسات سكنيّة و-17 منشأة زراعيّة، كلّها تعود لتسع عائلات من التجمّع تعدّ معاً 61 شخصاً بضمنهم 29 قاصراً. إضافة إلى هذا كلّه، خرّبت القوّات 4 صهاريج مياه وأنابيب وأسيجة ومعدّات زراعيّة. فوق ذلك، حمّل الجنود متاع السكّان على شاحنات نقلته بدورها إلى تجمّع عين الشبلي غربيّ خربة حُمصة. فرّ سكّان خربة حُمصة مع مواشيهم إلى الجبال والحافلات التي انتظرت هناك لنقلهم إلى عين الشبلي ظلّت فارغة.

9 تموز/يوليو 2021

الزراعة

الجيش تدرّب في أراضٍ للرعي، مقتل فتىً في السادسة عشرة من مخلّفات الذخيرة

في يوم السبت، نحو الساعة 7:00 صباحًا، خرج عدي نواجعة (16 عامًا) وشقيقه ضياء (18 عامًا) وعمّه داعس (33 عامًا) لرعي الأغنام في منطقة المخبة، التي تبعد نحو كيلو متر ونصف من منازلهم الواقعة في التجمّع السكّاني خربة ابزيق. عندما قاربت الساعة 10:00 عاد الثلاثة إلى المضارب لسقي الأغنام وإطعامها. وفي نحو الساعة 14:00 خرج الثلاثة مجدّدًا لرعي الأغنام في المخبة، حيث التقوا سعد فواضلة (21 عامًا)، وكان يرعى أبقار أحد سكّان التجمّع السكّاني نفسه. في إفادة أدلى بها في 23.7.2017 أمام الباحث الميداني من بتسيلم، عارف ضراغمة، حدّث دعاس نواجعة قائلاً: في ساعات الظهيرة خرجنا من ابزيق شرقًا نحو المخبة لرعي أغنامنا، حيث هناك قليل من الأعشاب الجافة ومساحات ملائمة لرعي الأغنام. عندما نخرج للرعي هناك يجب أن نكون حذرين، لأنّ الجيش يتدرّب هناك أحيانًا دون تبليغنا مسبقًا. كان ذلك يوم سبت، فحسبنا أنّ الجيش لن يتدرّب، وقرّرنا الذهاب إلى هناك. داعس نواجعة يشير الى المكان الذي قتل فيه ابن أخيه. تصوير: عارف دراغمة، بتسيلم. 12.7.17. كنت مع عدي وضياء، ولدا أخي عزيز. التقينا براعي أبقار اسمه سعد. رعينا أغنامنا وتجوّلنا من مكان إلى مكان. كنّا نحيط بالأغنام. في مرحلة ما، وقفت بين أشتال ذرة وأشجار خوخ عالية نوعًا ما، على بُعد نحو أربعين مترًا عن عدي، الذي كان يقف قرب شجرة بطم، وعلى بُعد عشرين مترًا منه كان يقف شقيقه ضياء. فجأة سمعت صوت انفجار. في البداية ظننت أنّه قد سقط لغم بيننا وبين الاغنام. أخذت أركض نحو عدي، وأيضًا ضياء بدأ يركض نحوه. رأيناه ملقىً على الأرض. تلبّكت إزاء هذا المشهد غير المعقول. صرنا أنا وضياء نتنقّل هنا وهناك باحثين عن مكان يمكن للهاتف فيه الالتقاط، لنتمكّن من استدعاء الإسعاف، ولكن لم ننجح في ذلك. ضياء ركض إلى البيت. وصل بهاء- شقيق عدي وعلي، ابن شقيقتي. بعد ساعة تقريبًا وصلت سيارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر، أخلت عدي إلى المستشفى التركي في طوباس، وكنت أنا معه. لفظ عدي أنفاسه الأخيرة قبل وصوله إلى المستشفى. نسينا تمامًا لماذا كنّا هناك - نسينا أغنامنا، والخراف تبعثرت في كلّ الجهات، بالكاد تذكّرنا أنّ علينا تجميعها. الأغنام التي بقيت مبعثرة في المكان، جمعها - بعد إخلاء عدي - راعي الأبقار، فواضلة - الذي بقي في المكان، وعاد بها إلى خربة ابزيق. في إفادة أدلى بها في 7.8.2017 أمام الباحث الميداني من بتسيلم، عارف ضراغمة، وصف ضياء نواجعة، شقيق عدي، لحظات مقتل شقيقه: كنت واقفًا على بُعد نحو ثلاثين مترًا من عدي، الذي كان واقفًا تحت شجرة بطم. كنت أحاول إبعاد الأغنام عن كومة قشّ تملكها إحدى العائلات في المنطقة، وفجأة سمعت صوت انفجار قويّ. نظرت في اتّجاه عدي وركضت نحوه. وجدته ملقىً على الأرض. شهق مرّة أو مرّتين ثمّ مات. كان المشهد مخيفًا بل مرعبًا. لم أفهم ما الذي جرى وكيف حصل ذلك - حدث كلّ شيء خلال لحظات معدودة: في لحظة كان عدي واقفًا هناك بقربي، وفي اللحظة التي تلتها كان ميتًا. هذه الحياة مليئة بالهلع والمخاوف - أخي عدي كان كلّ شيء بالنسبة إليّ. كنّا دائمًا نتمازح مع بعضنا البعض، كنّا إخوة ولكن عشنا كأصدقاء مقرّبين. اختفى هكذا فجأة، ولن يعود. لا يوجد مكان آمن، لا لنا ولا لأغنامنا. لم أستطع النظر إلى أخي، فقد كان المشهد رهيبًا ولا يمكن وصفه. ماذا بوُسعي أن أقول - الحمد لله على كلّ شيء. حتّى الآن نحن غير قادرين على استيعاب الوضع وتقبّل حقيقة أنّ عدي لم يعد موجودًا. جاء إلينا كلّ أبناء العشيرة لتعزيتنا، وبقوا إلى جانبنا أيّامًا وليالي ليدعمونا في مصابنا. الذخائر التي يخلّفها الجيش وراءه سلبت منّا عدي دون سابق إنذار. أنا لا أعرف من الآتي في الدور - كلّ يوم هناك ضحايا جدد. يعاني سكّان خربة ابزيق من التدريبات المتكرّرة التي يجريها الجيش في منطقة سكناهم. منذ كانون الثاني 2014 أخلى الجيش السكّان من خيامهم 29 مرّة، بحجّة أنّه يحتاج التدرّب في المنطقة التي يسكنونها. في بعض الحالات جرى الإخلاء في أوقات كانت فيها حالة الطقس صعبة للغاية، وفي هذه الظروف اضطرّ السكّان إلى البقاء طوال الليل في العراء. تسبّب هذه التدريبات للسكّان خسائر اقتصادية كبيرة أيضًا، وكذلك مصاعب نفسيّة، وخاصّة للأولاد. اختيار مناطق التدريبات في منطقة الأغوار يجري على نحوٍ انتقائيّ (متعمّد)، فالجيش لا يجري تدريباته أبدًا قرب المستوطنات أو قرب الأراضي التي وُضعت تحت سيطرتها، أو بأيّ شكل قد يعرّض المستوطنين للخطر أو يعرقل مجرى حياتهم. ولم يحدث أبدًا أن طلب الجيش من المستوطنين إخلاء مناطق سكناهم، لا بشكل مؤقت ولا دائم، لأجل إجراء تدريباته. ولا يكتفي الجيش بطرد السكان من منازلهم واستخدام مناطق سكناهم لاحتياجاته؛ إذ هو فوق إصراره على التدرّب قرب المناطق السكنيّة وفي المراعي والأراضي الزراعية التي يستخدمها السكّان، لا يهتمّ بإجراء مسحٍ جديّ للمنطقة بعد انتهاء التدريبات ليفتّش عن المخلّفات ويزيلها من المكان. هذه الممارسات تسبّب إصابات وأحيانًا خسائر في الأرواح، كما أنّها تهدّد حياة المواشي وتضرّ بمصادر معيشة السكّان. منذ عام 2014 قُتل على الأقلّ فلسطينيان آخران جرّاء انفجار مخلّفات الذخيرة في الأغوار، وجرح خمسة فلسطينيين على الأقل، وفق المعطيات التي زودها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) ناهيك عن المواشي التي نفقت جرّاء ذلك. السياسة التي تتّبعها إسرائيل في الأغوار تحوّل مساحات كبيرة هناك إلى ميدان تدريبات عسكريّة، وتجعل الفلسطينيين فيها مجرّد " مشهد مسرحي" رغم إرادتهم، وتتعامل مع منازلهم وكأنّها ديكورات لا أكثر. هذا كلّه يجري رغم أنّ إسرائيل، بوصفها سلطة احتلال، لا يحقّ لها أصلاً استخدام مناطق في الأراضي المحتلّة لاحتياجات جيشها الجارية، كالتدريبات القتاليّة والتدريبات العامّة. كذلك إخلاء السكّان لأجل إجراء التدريبات مخالف للقانون الإنساني الدولي، الذي يسمح لدولة الاحتلال أن تعمل في الأراضي المحتلة انطلاقًا من اعتبارين فقط: مصلحة السكّان المحليّين والاحتياجات العسكرية الآنيّة المتعلّقة بعمليات الجيش في منطقة محتلّة. هذه الانتقائية في اختيار مناطق التدريبات، وإسقاطاتها على حياة التجمّعات الفلسطينية- تهديد حياة السكّان، إخلاؤهم المتكرّر من بيوتهم، التجبّر فيهم وإتلاف أراضيهم الزراعيّة وضمن ذلك إلحاق الضرر بمصادر معيشتهم وعرقلة مجرى حياتهم - تكشف الأهداف التي تسعى إسرائيل لتحقيقها من وراء ذلك: سلب أراضي الفلسطينيين في مناطق الأغوار وتخصيصها لصالح الإسرائيليين. هذه الممارسات التي تنطوي في كلّ الأحيان على انتهاك حقوق السكّان الفلسطينيّين وتنغيص عيشهم، تجبي منهم أحيانًا - كما في الحالة التي أمامنا - خسائر في الأرواح أيضًا.

17 تشرين الأول/أكتوبر 2017

سكان التجمع السكنّي بصلية يطفؤن النيران التي اندلعت بين تجمعهم السكنّي والتجمع السكنّي حمصة في اعقاب التدريبات العسكرية التي قام بها الجيش الاسرائيلي. تصوير: عارف ضراغمة، بتسيلم. 25/6/2015.

تجمّعات سكّانيّة مهدّدة بالتهجير

حزيران في غور الأردن: الجيش الاسرائيلي أجرى سبعة أيّام تدريبات، وأخلى بشكل مؤقّت مئات السكّان وأدى لإحراق مناطق رعي وحقول مستصلحة

يتّضح من متابعات بتسيلم أنّ الجيش الاسرائيلي قام خلال شهر حزيران بإخلاء سكّان من تجمّعات سكنيّة في غور الأردن لفترات مختلفة، خلال سبعة أيّام أجرى فيها تدريبات في المنطقة. ومنذ مطلع العام أخلي سُكان في الغور لصالح عشرين يوم تدريب، وقامت بتسيلم بتوثيق عمليّات الإخلاء وتأثيرها على حياة السكّان في هذه التجمّعات السكنيّة. خربة حمصة: أربعة إخلاءات لقسم من سكّان التجمع السكنّي بين 10 و16 حزيران أخليت عشر عائلات من التجمع السكنّي خربة حمصة ، وصل تعداد أفرادها إلى 69 شخصًا، منهم 43 قاصرًا، وذلك لمدّة سبع ساعات بدءًا من الساعة السابعة صباحًا. وقد نُقلت العائلات إلى مناطق تبعد عدّة كيلومترات عن بيوتها، وجرى ذلك أحيانًا بمساعدة عربات مربوطة إلى تراكتورات وأحيانًا سيرًا على الأقدام. في يوم 10/6 اكتشف السكّان مع عودتهم إلى بيوتهم أنّ أراضيَ رعيٍ ومناطق زراعيّة مستصلحة قد أحرِقت، بسبب نيران الجيش الاسرائيلي على ما يبدو، وأنّ حاويات المياه التي تُستخدم لريّ المواشي قد ثُقبت بالرصاص. إلى جانب ذلك، قال السكان إنّهم عثروا على مخلّفات ذخيرة في المناطق المجاورة لبيوتهم. وفي صبيحة 16/6 أعلم ممثلو الإدارة المدنيّة 69 شخصًا الذين سبق وتركوا بيوتهم أنّ عليهم تركها ثانية، مع خمس عائلات أخرى من البلدة، وذلك في يومي 22/6/2015 و25/6/2015. سكان التجمع السكنّي بصلية يطفؤن النيران التي اندلعت بين تجمعهم السكنّي والتجمع السكنّي حمصة في اعقاب التدريبات العسكرية التي قام بها الجيش الاسرائيلي. تصوير: عارف ضراغمة، بتسيلم. 25/6/2015. في يومي 22 و25 حزيران أخليت 15 عائلة من من التجمع السكنّي كما أسلفنا، ووصل تعداد أفرادها إلى 92 شخصًا، منهم 51 قاصرًا، بدءًا بالساعة السادسة صباحًا وحتى الساعة 12:30 بعد الظهر. ويتّضح من الإفادات التي أدلى بها السكان أمام بتسيلم أنّ الجيش الاسرائيلي استخدم إطلاق النيران بشكل واسع في أثناء التدريب الذي جرى يوم 25/6، الأمر الذي أدّى إلى اشتعال النار في مناطق رعي يستخدمها السكّان وتقع على بعد قرابة كيلومتريْن عن بيوتهم. تحدّث ياسر أبو كباش (42 عامًا)، وهو من سكّان التجمع السكنّي المجاور خربة بصليّة الواقع جنوب-غرب خربة حمصة، في الإفادة التي أدلى بها أمام باحث بتسيلم عارف ضراغمة، فقال: ياسر ابو كباش يشير الى الاراضي التي اندلعت فيها النيران.تصوير: عارف ضراغمة، بتسيلم. 25/6/2015. سمعنا صوت انفجار قنابل وإطلاق رصاص، وشاهدنا النيران من مرّة لأخرى. انتشرت النيران في أراضي الرعي ووصلت حتى قرابة نصف كيلومتر من خيمنا في بصليّة. تشكّل مناطق الرعي هذه مصدر الأكل لمواشينا وهي مصدر رزقنا الأساسيّ. ومن دونها سنضطرّ لشراء العلف بتكاليف باهظة. حياتنا صعبة، وكلّ توفير صغير يعني الكثير لنا ولبقائنا. استشرت أخوتي وقرّرنا المخاطرة من أجل إطفاء الحريق، رغم أنّ منطقتنا كانت ما تزال منطقة عسكريّة وكان إطلاق النيران مستمرًّا. تحدّثنا مع ضباط جيش كانوا هناك لكنّهم رفضوا السماح لنا بالاقتراب من المنطقة إلى حين انتهاء التدريبات. في نهاية المطاف، عندما رأينا أنّ النار تلتهم مناطق واسعة التففنا ودخلنا مناطق الرّعي عبر منطقة بعيدة عن التدريبات، في حين كانت القنبال تُطلق في المنطقة. شاهدنا بضعة جنود ورغبوا بطردنا من هناك، لكنّنا شرحنا لهم أنّنا نريد إطفاء الحريق وقد سمحوا لنا بذلك. لم تكن معي أيّ أدوات لإطفاء الحريق. خلعت بنطالي وأطفأت النار به. قلت لنفسي إنّني سأضمن بذلك بقاء منطقة الرعي لمواشيّ، وإنّ البنطال سيكلّفني أقلّ بكثير من العلف الغالي. ونجحنا بإطفاء النار في عدّة أمكنة. في خلال شهر أيّار طولب سكان من خربة حمصة بإخلاء بيوتهم لعدّة ساعات، كلّ يوم، ولمدّة أسبوع. وفي المجمل، طولب السكان منذ مطلع السنة وحتى نهاية حزيران، بإخلاء بيوتهم طيلة 11 يومًا مختلفة، لصالح إجراء التدريبات العسكريّة. خربة المالح وعين الميتة والبرج: ثلاثة إخلاءات لكلّ سكّان التجمّعات جرى في أثناء شهر حزيران إخلاء لكلّ سكّان تجمّعات خربة المالح وعين الميتة والبرج المتجاورة، ثلاث مرّات بسبب التدريبات العسكريّة في المنطقة. تعيش في هذه التجمّعات السكنيّة 29 عائلة ويصل تعداد أفرادها إلى 180 نسمة، من بينهم أكثر من مئة قاصر. في 11 و17 حزيران أخلي السكّان لمدّة ستّ ساعات كلّ مرة، بدءًا من الساعة 6:30 صباحًا. واستعان بعض السكّان بعربات تجرّها التراكتورات وآخرون سيرًا على الأقدام. ويشير استقصاء بتسيلم إلى أنّه لم تحصل أيّ أضرار للممتلكات أو الأراضي أثناء هذه التدريبات. في 23 حزيران أخلي السكّان ثانيّة (باستثناء عائلتيْن مكثتا في تلك الأثناء في مناطق رعي أخرى). السكّان الذين ابتعدوا عن المنطقة فعلوا ذلك سيرًا أو بواسطة تراكتورات مع عربات، وقالوا إنهم سمعوا من بعيد أصوات إطلاق رصاص وتفجيرات، وشاهدوا حرائق اندلعت في أراضي الرعي المجاورة للبرج ولتجمّع خربة يرزا المجاورة، التي لم يُطلب إخلاؤها. وتلقّى السكّان أوامر إخلاء أيضًا ليوم 26 حزيران، إلّا أنّ ممثّلي الجيش الاسرائيلي والإدارة المدنيّة لم يحضروا في هذا اليوم كعادتهم من أجل التأكّد من إخلاء السكان، ولذلك ظلّ السكّان في بيوتهم. ويبدو أنّ هذا نبع من إلغاء التدريب على ما يبدو، رُغم أنّ أحدًا لم يهتمّ بإبلاغ السكّان بذلك. وكان سكّان هذه التجمّعات السكنيّة قد تركوا بيوتهم لمدّة يوميْن في شهر أيّار، وفي المجمل تركوا أماكن سكنهم خمس مرّات منذ مطلع السنة وحتى نهاية حزيران. تشكّل تدريبات الجيش الاسرائيلي إزعاجًا غير معقول لحياة التجمّعات السكنيّة في المنطقة، الذين يُطالب سكانها من خلال إنذارات سريعة، وأحيانًا خلال ساعات قليلة، بترك بيوتهم لساعات طويلة. وفي بعض الحالات لا يملك سكّان التجمّعات السكنيّة مكانًا بديلاً منظّمًا للانتقال إليه، ويظلّون مكشوفين أمام ظروف الطقس الصعبة السائدة في غور الأردن أيّام الصيف. وفي مثل هذه الظروف يضطرّون للاهتمام بأفراد عوائلهم، من الرُضّع وحتى المّسنّ، وبتأمين المأوى والمياه والغذاء. ويتفاقم مثل هذا المسّ في هذه الفترة من السنة، بسبب صيام شهر رمضان. سكان التجمّعات السكنّية خربة المالح وعين الميتة والبرج يرحلون بامر من الجيش الاسرائيلي. تصوير: عارف ضراغمة، بتسيلم. 17/6/2015. يعتاش سكّان تجمّعات الغور السكنيّة بشكل شبه حصريّ على رعي المواشي وزراعة المحاصيل في الأراضي المجاورة لبيوتهم. ويؤدّي المسّ الواسع بالمناطق الزراعيّة ومناطق الرعي في أعقاب إطلاق النار والحرائق ومرور الدبّابات والسيارات العسكريّة في الحقول، إلى تشكيل خطر على مجرّد قدرة التجمّعات السكنيّة على العيش في المنطقة. يتَضح من مداولة جرت يوم 27/4/2014 في اللجنة الفرعيّة لشؤون الضفة الغربية في لجنة الخارجيّة والأمن البرلمانيّة، والتي نُشر محضرها في موقع صحيفة "هآرتس"، أنّ طرد الفلسطينيّين من هذه المناطق يشكّل إحدى الغايات الأساسيّة من وراء إجراء هذه التدريبات. وهذا ما قاله ضابط قسم العمليات في قيادة المركز، الكولونيل "عينو شليف"، أثناء المداولة: "أنا أعتقد أنّ إحدى العمليّات الجيّدة التي يمكن أن تنزلق من بين أيدينا هي عودة مناطق التدريبات العسكريّة إلى حيث يجب أن تكون، وهي ليست هناك بعد. {هذا} أحد الأسباب الأساسيّة من وراء توجيهنا كجهاز عسكريّ للكثير من التدريبات إلى الغور... عندما تمرّ الدوريّات يتنحّى الناس جانبًا، وأنا لا أميّز هنا بين اليهود والفلسطينيّين، بل أتحدّث بشكل عام... توجد أمكنة كهذه، حيث قمنا {فيها} بتقليص عدد التدريبات بشكل كبير، فرأينا كيف تنبت الأعشاب الضارّة". ينصّ القانون الإنسانيّ الدوليّ على أنّه يحق لدولة احتلال أن تنشط في داخل المنقطة المحتلة، انطلاقًا من اعتباريْن فقط: مصلحة السكان المحليّين واعتبارات عسكريّة فوريّة تتعلّق بنشاطات الجيش في المنطقة المحتلّة. ولا يحق لإسرائيل كقوّة احتلال أن تستخدم الأراضي لأغراض عسكريّة عامّة، مثل التدريبات على الحرب والتدريبات العامّة في الجيش. وهي لا تستطيع بالتأكيد المسّ بمصادر رزق السكّان المحميّين بهذه الحجّة، والعمل على طردهم من بيوتهم. يجب على إسرائيل أن تتوقّف فورًا عن عمليّات الإخلاء المؤقتة للتجمّعات السكنيّة بهدف إجراء التدريبات، وأن توقف كلّ النشاطات الأخرى التي تقوم بها في محاولة لإخلاء السكّان الفلسطينيّين من المنطقة قسرًا.

29 حزيران/يونيو 2015