التعذيب والتنكيل

روتين التعذيب: تقييد مؤلم، عزل عن العالم الخارجيّ وحرمان من الماء والطعام والنوم ودخول المرحاض. هكذا تبدو "منظومة التحقيقات" لدى الشاباك

الصورة
בית המעצר במגרש הרוסים. צילום: יגאל זלמנסון, מתוך אתר פיקיויקי

في يوم الأحد الموافق 22.8.21 جاء يزن الرّجبي (22 عاماً) ومحمد الرّجبي (20 عاماً) إلى المسكوبيّة في القدس بناءً على استدعاء من "الشاباك". فور وصولهما، اعتُقل الاثنان واقتيدا إلى قسم "الشاباك" حيث جرى التحقيق معهما تحت التعذيب طيلة 42 يوماً. وقد شملت أساليب التعذيب إجلاس كلّ منهما مقيّداً إلى كرسيّ صغير لأكثر من يوم كامل وحرمانهما من النوم المتواصل. كذلك جرى حبس أحدهما داخل خزانة خشبيّة وهو مقيّد وأُبقِيَ هناك لوقت طويل حتى أغمي عليه.

كما نقّل المحقّقون الشابين بين سجون مختلفة وحبسوهما في زنازين فيها "عصافير" – كما يُلقَّب المتعاونون مع الشاباك – قاموا بتهديدهما وعزلهما بهدف استدراجهما إلى الإدلاء بمعلومات أو الاعتراف بالتهم الموجّهة إليهما.

اتّهم المحقّقون كلّاً من يزن ومحمد الرّجبي بالمشاركة في مواجهات وقعت في حيّ سلوان في القدس في تمّوز 2021 بينما أنكر الاثنان هذه التهمة. بعد تحقيق دام عشرين يوماً، وبعدما لم يعد قادراً على تحمّل التعذيب، اعترف محمد الرّجبي بأنّه رشق حجراً واحداً. رغم ذلك، أخضع محمد لتحقيق إضافيّ استمرّ 22 يوماً أخرى حاول المحقّقون خلالها إجباره على الإدلاء باعترافات أخرى. أمّا يزن الرّجبي فقد اعترف بأنّه رشق حجرين وبهذا انتهى التحقيق معه ونُقل بعد 42 يوماً إلى سجن مجيدو. وُجِّهت للشابين تهمة المشاركة في أعمال شغب ومحاولة الاعتداء على شرطيّ وحُكم على كل منهما بالسّجن لمدّة ثمانية أشهر. بعد الإفراج عنهما في آذار 2022، أدلى الاثنان بإفادتيهما أمام بتسيلم.

التحقيق مع يزن ومحمد الرّجبي تحت التعذيب لم يكن بمبادرة شخصيّة من هذا المحقّق أو ذاك وإنّما هو جزء من نهج التحقيقات الذي يعتمد أسلوب حبس المحقّق معه معزولاً عن العالم في ظروف شديدة القسوة ومُهينة والتحقيق معه وجهاً لوجه لوقت طويل وسط استخدام العُنف. محققو الشاباك يطبقون نهج التحقيقات هذا لكنّ سُلطات أخرى تشارك فيه وتكرّسه عبر إتاحة استخدامه، بضمنها سُلطة السّجون التي توفّر ظروف السّجن القاسية والقضاة الذين يمدّدون فترات الاعتقال "على ذمّة التحقيق" المرّة تلو الأخرى وسط تجاهُل تامّ لما يتعرّض له المعتقل وكذلك جهاز إنفاذ القانون الذي يوفّر لمحقّقي الشاباك حصانة تحميهم من المُساءلة القانونيّة.

يزن الرّجبي (22 عاماً، من سكّان حيّ سلوان في شرقيّ القدس) يحدّث أدناه عن التحقيق معه تحت التعذيب في آب 2021 في المسكوبيّة وفي سجن مجيدو وسجن "شيكما"– من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري في 28.3.22:

في يوم الأحد الموافق 22.8.21 نحو السّاعة 6:00 صباحاً، توجّهتُ إلى محطّة الشرطة في المسكوبيّة في القدس بعد أن تلقيتُ استدعاء من الشاباك. اعتقلوني فورَ وصولي إلى هناك. جلبوا لي ملابس ارتديتها بدل ملابسي ثمّ أدخلوني إلى زنزانة كنت فيها لوحدي. بعد ساعة تقريباً، أخذوني إلى التحقيق. اتّهمني المحقّقون بإطلاق النار على مركبات لحرس الحدود وللشرطة في 9.7.21 لكنني أنكرت ذلك. أصلاً كنتُ في حيّ الطور في ذلك اليوم حيث ذهبت مع أخي لزيارة صديق لنا ولم أشارك في المُواجهات التي اندلعت في سلوان يومذاك. أصيب في تلك المواجهات شابّ (19 عاماً) من أقاربي في ظهره برصاص الشرطة. قلت هذا كلّه للمحقّقين لكن رغم ذلك واصلوا التحقيق معي حتى السّاعة 23:00. كان هناك 12 محقّقاً يتناوبون على التحقيق معي – 6 يستبدلون 6 في كلّ مرّة. كانوا ينهالون عليّ بالأسئلة دون توقّف وطوال ذلك الوقت كنت جالساً على كرسيّ بينما كانت يداي مكبّلتين إلى الخلف ورجلاي مقيّدتين أيضاً. لم يضربوني أثناء التحقيق لكنّهم كانوا يشتمون عائلتي وأمّي. لم يسمحوا لي بدخول المرحاض ولم يجلبوا لي طعاماً ولا ماء رغم أنّني طلبت منهم ذلك. أحد المحقّقين قال لي إنّ لديهم أموراً أهمّ من الماء والمرحاض.

في اليوم التالي لم يحقّقوا معي فاسترحت من الجلوس على الكرسيّ. في الصّباح جلبوا لي بيضة مسلوقة وحبة شوكولاتة. كان في الزنزانة صُنبور مياه. الزنزانة نفسُها كانت تكفي للنّوم فقط، إذ كانت صغيرة جداً إلى درجة أنّني كنت مجبراً على طيّ جسمي وقت النوم ولم يكن متسع لمدّ الرِّجلين. لا يوجد فيها متّسع لمدّ الرّجلين. في الزنزانة أيضاً مرحاض "عربي" بدون مقعد ومغسلة صغيرة. كان السّقف منخفضاً لدرجة أنني لم أتمكّن من الوقوف منتصباً فكنت مجبراً على الانحناء.

في يوم الثلاثاء عند السّاعة 8:30 صباحاً، أخذوني إلى التحقيق مرّة أخرى. عرفت الوقت لأنّ أحد المحقّقين أخبرني به. أجلسوني مرّة أخرى على الكرسيّ مكبّل اليدين إلى الخلف والرّجلين إلى الأمام. بقيت في هذه الوضعيّة لمدّة يومين وهُم يحقّقون معي طوال الوقت ويُمطرونني بالأسئلة. في هذه المرّة أيضاً كان عدد المحقّقين ستّة وكانوا يتناوبون كلّ أربع ساعات. كانوا يضغطون عليّ طوال الوقت كي أعترف بأنّني شاركت في إطلاق النّار في 9.7.21. قلت لهم إنّني كنت عند صديق لي في حيّ الطور لدى حصول المواجهات وإنني تلقيتُ هناك نبأ إصابة أحد أقاربي في المواجهات الجارية في الحيّ ثم إخلائه إلى مستشفى المقاصد القريب من منزل صديق لي فذهبت إلى هناك فور سماعي النبأ. قلت للمحقّقين إنّ بإمكانهم فحص كاميرات المراقبة المنصوبة في الشارع.

طوال هذه الجولة من التحقيقات، والتي استمرّت يومين، لم يسمحوا لي بالدخول إلى المرحاض فاضطررت إلى التبوّل في ملابسي. كذلك لم يسمحوا لي بتبديل ملابسي فبقيت مع البول والغائط في ملابسي داخل غرفة التحقيق. كان المحقّقون يحفظون مسافة بيني وبينهم بسبب رائحة الغائط ويرشّون العطر في الغرفة. لم يُسمح لي بتبديل ملابسي إلّا بعد أن عُدت إلى الزنزانة وعندئذٍ غسلت جسمي بمياه المغسلة.

خلال الأسبوع الأوّل من اعتقالي حبسوني في خزانة خشبيّة منخفضة ومغلقة داخل إحدى غرف التحقيق. أجلسوني في الخزانة مقرفصاً ورأسي بين رجليّ المكبّلتين. لم أستطع رفع رسي. كذلك كانت يداي مكبّلتين إلى الخلف. لا أذكر كم من الوقت أبقوني داخل الخزانة - ربّما ساعتين أو أكثر. عندما فتح المحقّقون الخزانة كنت غائباً عن الوعي. أعتقد أنّ المحقّق يعرف كم من الوقت بالضّبط يمكن للإنسان أن يصمد داخل خزانة كهذه. الأمر أشبه بطنجرة ضغط. من شدّة الضغط شعرتُ بأنّ رأسي يكاد ينفجر وظهري يكاد ينكسر. عندما استفقت رأيت المحقّقين الستّة الذين أدخلوني إلى الخزانة. باشر هؤلاء التحقيق معي فوراً ولكن حول موضوع آخر. في هذه المرّة اتّهموني بأنّني جمعت تبرّعات نقديّة من شبّان في سلوان من أجل شراء مفرقعات في اليوم الذي قامت فيه البلدية بهدم دكّان أحد الأهالي بحجّة البناء غير المرخّص. لا أذكر تاريخ الهدم لكنّني أذكر أنّني كنت في ذلك اليوم في يافا، في مكان عملي. كنّا نعمل في مدّ المواسير في موقع بناء قرب شاطئ البحر. حتى أنّني التقطت صورة "سِلفي" في الموقع نفسه. لم أقل ذلك للمحقّقين لأنّني احتفظت بحقّ الصّمت ورفضت الإجابة على جميع أسئلتهم.

أثناء التحقيقات جلبوا إلى غرفة الحقيق معتقلاً آخر يُدعى م. ج. (20 عاماً). قال لي: "أنا آسف، قلت لهُم تحت ضغط التعذيب إنّك شاركت في الأحداث في الصّيف". كان يبكي ويصرخ عندما قال لي ذلك. جلب المحقّقون شابّاً آخر يُدعى ح. ع. (19 عاماً) قال أيضاً قال لهُم، هو أيضاً، أنّني جمعت أموالاً لشراء مفرقعات.

بعد اعتقالي بأسبوعين تقريباً نقلوني إلى سجن مجيدو وهناك وضعوني في غرفة مع ستّة أشخاص آخرين. كنت على يقين بأنّهم "عصافير" (متعاونون مع الشاباك) لأنّهم حاولوا ابتزاز اعتراف منّي. في البداية حاولوا ذلك من خلال استدراجي في الحديث وعندما أخفقت محاولتهم تلك أدخلوا إلى الزنزانة تسعة أشخاص آخرين قالوا لي إنّني أنا نفسي متعاون مع الشابك وهدّدوني. كان بعضهم يحمل شفرات وحاولوا ترهيبي لكي أعترف. بعد ذلك جاء شخص آخر وناولني دفتراً وهو يأمرني بأن اكتب أسماء الشباب الذين يرشقون حجارة في سلوان. قلت له إنّني لا أعرف عمّ يتحدّث.

بعد أن أمضيت ثلاثة أيّام في الزنزانة مع "العصافير" جلبوني إلى المحكمة لتمديد فترة اعتقالي ثمّ أخذوني إلى سجن عسقلان. هناك أدخلوني إلى غرفة كبيرة كان فيها عدد كبير من المعتقلين. طلب أحد المعتقلين أن أساعده في طيّ الغسيل وبينما كنت أساعده أخذ يستدرجني في الكلام لكي أدلي بمعلومات. أراد منّي أن أعترف بأنّني أطلقت النار على مركبة لحرس الحدود وأنّني اشتريت مفرقعات. عندما عدت إلى الغرفة وجدتهم قد أعلنوا أنّني متعاون مع الشاباك، لأنّني رفضت أن أقول لماذا اعتقلوني وماذا حدث في غرفة التحقيق. عزلني "العصافير" في غرفة منفردة وقالوا لي: "ستبقى هنا إلى أن تعترف أمامنا بماذا فعلت. نحن نريد أن نحميك". في حمّام الغرفة كانت مياه باردة فقط. احتجزوني هناك لمدّة أربعة أيّام. كنت وحيداً تماماً هناك. أكلت فقط الطعام الذي جلبوه لي لأنّ "العصافير" منعوني من الخروج من الغرفة.

عندما عدت إلى الزنزانة تقدّم إليّ أحد المعتقلين وناولني هاتفاً. قال لي إنّه يمكنني التحدّث مع عائلتي فقلت له إنّني لا أذكر رقم هاتف والدي ولا رقم هاتف والدتي أو أيّ من إخوتي. في تلك اللحظة ضربني أحدهم على عُنقي بينما كان يقف خلفي. عندما التفتّ تبيّن لي أنّه أحد المحقّقين في المسكوبيّة. لم أفهم كيف ظهر فجأة. يبدو أنّه كان ينتظرني هناك مع "العصافير". قيّد المحقّق يديّ ورجليّ ثمّ اقتادني إلى سيّارة خاصّة وعصب عينيّ بواسطة قطعة قماش. في داخل السيّارة لفّ حزام الأمان حول عُنقي وأقفله. طوال الطريق من عسقلان إلى القدس شعرت بأنّني أختنق. كان في السيّارة شخصان آخران أحدهما كان يجلس إلى جانبي. أثناء السّفر واصل المحقّقون الثلاثة التحقيق معي. قالوا لي: "هيّا اعترف وتخلّص من هذا العذاب" لكنّني احتفظت بحقّ الصّمت طوال الوقت.

أعادوني إلى المسكوبيّة وهناك استمرّ التحقيق. أجلسوني مرّة أخرى على الكرسيّ طوال يوم ونصف اليوم واضطررت مرّة أخرى إلى التبوّل في ملابسي. عند هذا الحدّ قرّرت إنهاء الأمر. قلت للمحقّقين: "أعترف بأنّني ألقيت حجرين خلال مواجهات جرت في المسجد الأقصى ولم أفعل أشي شيء آخر سوى ذلك". في تلك اللّحظة انتهى العذاب وتوقّفت التحقيقات وبعد بضعة أيام، بعد 42 يوماً من يوم اعتقالي، نقلوني إلى سجن مجيدو. وفي 17.12.21 حكموا عليّ بالسّجن الفعليّ لمدّة ثمانية أشهر والسجن مع وقف التنفيذ لمدة ستّة أشهر أخرى.

ما تعرضتُ له أثناء التحقيقات كان تجربة قاسية جدّاً ومؤلمة: كنت معزولاً عن العالم وعانيت من أوجاع في الرأس والبطن والعُنق بسبب الوضعيّات التي قيّدوني بها لساعات طويلة. كنت آكل مرّة واحدة في اليوم، في أحسن الأحوال. بل مرّت عليّ أيّام لم أذق فيها أيّ طعام، ربّما ثلاثة أيّام كهذه. منذ الإفراج عنّي لا أبصر بشكل جيّد.

محمد الرّجبي (20 عاماً، من سكّان حيّ سلوان في شرقيّ القدس) يحدّث أدناه عن التحقيق معه تحت التعذيب في آب 2021 في المسكوبيّة وفي سجن مجيدو – من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري في 28.3.22

في يوم الأحد الموافق 22.8.21 توجّهت إلى محطّة الشرطة في المسكوبيّة بعد أن تلقيتُ استدعاء من "الشاباك". اعتقلوني فوراً وأدخلوني إلى زنزانة كان فيها شخص آخر أظنّه كان من العصافير (أي المتعاونين مع الشاباك) لأنّه كان يحاول أن يستدرجنّي لأبوح بتفاصيل شخصيّة أو باعتراف. في تلك اللّيلة أخذوني إلى التحقيق. كان هناك عشرة محقّقين. اتّهموني بأنّني رشقت حجارة وألقيت مفرقعات وعبوات حارقة نحو مستوطنين في سلوان في 7 و9 تمّوز 2021.

لم يضربوني خلال التحقيق، كانوا يصرخون عليّ ويشتمونني فقط بينما كنت جالساً على كرسيّ مقيّد اليدين إلى الخلف ومقيّد الرّجلين إلى الأمام. قال لي المحقّق مراراً: "هيّا اعترف وإلّا فسوف تبقى جالساً على هذا الكرسيّ إلى الأبد". حقّقوا معي طيلة عشرين يوماً وفي كلّ جلسة تحقيق كنت أظلّ جالساً على ذلك الكرسيّ طيلة ساعات. كانوا يأتون لي بالطعام مرّة واحدة في اليوم، لدى انتهاء التحقيق. وكان هناك يومان لم أتناول فيهما أيّ طعام لأنّ التحقيق استمر كثيراً. قال لي المحقّق: "نريد إنهاء التحقيق. لا طعام". وحتى عندما أعادوني إلى الزنزانة لم يجلبوا لي شيئاً لآكل. قالوا إنّ الطعام قد نفد. كنت أعاني من آلام شديدة في المثانة بسبب حصر البول حيث منعوني من دخول المرحاض. التبوّل كان أوّل شيء أفعله في كل مرة كانوا يعيدونني فيها إلى المعتقل وكان ذلك مصحوباً بآلام أكثر شدّة.

بعد تحقيق دام عشرين يوماً بشكل متواصل اعترفت بأنّني رشقت حجراً واحداً. اعترفت لأنّني سئمت وكنت متعباً ومنهكاً. فقد عانيت طوال هذه الأيّام من أوجاع بسبب حرماني من دخول المرحاض ومن الطعام الكافي ومن النوم، إضافة إلى الجلوس مقيّداً لساعات طويلة على الكرسيّ، ربّما عشر ساعات أو 15 ساعة في اليوم.

بعد أن اعترفت نقلوني إلى سجن مجيدو وهناك وضعوني في غرفة "العصافير". وقد حاول هؤلاء استدراجي إلى الإدلاء بمزيد من المعلومات. زعموا أنّهم من "التنظيم" (الذارع العسكريّة لحركة "فتح") وأنّهم يساعدون الأسرى ويُريدون أن يعرفوا كلّ شي عنّي لكي يتمكّنوا من حمايتي داخل السّجن. احتجزوني في تلك الغرفة مدّة يومين. كانوا يهدّدونني بالضرب وكنت أخاف أن يفعلوا ذلك.

بعد بضعة أيّام أعادوني إلى المسكوبيّة وهناك استأنفوا التحقيق معي وأنا "مشبوح" على الكرسيّ كلّ يوم، مثلما فعلوا في جولة التحقيقات الأولى. أمطرني المحقّقون بالمزيد والمزيد من الأسئلة وكنت أقول لهُم كل الوقت: "لقد اعترفت بأنّني رشقت حجراً واحداً. هذا كلّ ما لديّ لأقوله". في تحقيقات الجولة الثانية هذه كانوا يسمحون لي بدخول المرحاض حين أطلب ذلك، ليس فور الطلب وإنّما بعد مضيّ ساعة أو ساعتين على الأكثر.

كان كلّ جسمي يؤلمني. لا أقصد فقط آلام حصر البول، بل لقد عانيت من آلام في رأسي وظهري وعُنقي بسبب تقييدي إلى الكرسيّ وصعوبة النوم في الزنزانة. كانوا يحتجزونني داخل زنزانة ضيّقة جدّاً فكنت مجبراً على طيّ جسمي طوال الوقت. لم يجلب السجّانون الطعام بانتظام إلى المعتقلين في الزنازين وأحياناً كنت أنا نفسي أرفض تناول الطعام لأنّه كان سيّئاً جدّاً: أرزّ غير مطبوخ جيّداً أو بطاطا مسلوقة نصف سلقة أو فطائر "بوريكس" جافّة وغير صالحة للأكل. كانت فترة التحقيق عصيبة جدّاً، أيضاً لأنّهم حرموني من النوم. طوال الوقت كان أحد السجّانين يطرق أبواب الزنازين بهدف إزعاج المعتقلين ومضايقتهم.

بعد انتهاء فترة التحقيقات الثانية نقلوني إلى سجن مجيدو. حكموا عليّ بالسّجن لمدّة ثمانية أشهُر. عندما اعتُقلت كنت تلميذاً في الصفّ الثاني عشر وقد خسرت دروساً كثيرة جرّاء الاعتقال. بعد الإفراج عنّي قرّرت ألا أعود إلى المدرسة. حاليّاً أنا أعمل في النظافة ولا أعلم إن كنت سأعثر على عمل آخر. هذا الاعتقال دمّر مستقبلي.

مواد مقترحة

التعذيب والتنكيل

تقرير جديد: جهنّم على الأرض: عنف جنسيّ، تجويع وتنكيل منهجيّ - 84 أسيرًا فلسطينيًا، على الأقل، توفّوا في معسكرات التعذيب التي تديرها إسرائيل

تنشر منظمة بتسيلم اليوم (الثلاثاء) معطيات وشهادات جديدة تجسد حجم العنف في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية، التي تعمل كشبكة من معسكرات التعذيب للفلسطينيين: تنكيل منهجيّ يشمل العنف الجسدي والتنكيل النفسي، الظروف غير الإنسانية، التجويع، منع العلاج الطبي، مما يؤدي إلى العديد من حالات الموت. ويروي بعض الشهود، أيضًا، عن حالات التنكيل والعنف الجنسيين اللذين تعرضوا لهما بأنفسهم أو كانوا شهودًا عليهما.يولي نوفاك، المديرة العامة لـ "بتسيلم": مراكز الاحتجاز الإسرائيلية أصبحت شبكة من معسكرات التعذيب، كجزء من الهجوم المخطط والواسع النطاق الذي يقوده النظام الإسرائيلي ضد المجتمع الفلسطيني، والذي يهدف إلى تفكيك وتدمير الفلسطينيين كجماعة. الإبادة الجماعية في قطاع غزة والتطهير العرقي في الضفة الغربية هما التعبيران الأوضح والأكثر تطرفًا عن هذه السياسة. بالرغم من الأدلة والتقارير العديدة التي نُشرت حول هذا الموضوع، إلا أنّ المجتمع الدولي، الذي يواصل منح النظام الإسرائيلي حصانةً من المساءلة والمحاسَبة عن الجرائم التي يرتكبها، يمنح الشرعية الفعلية، على أرض الواقع، لاستمرار إسرائيل في التعذيب، القمع والتطهير العرقي بحق الفلسطينيين ويتخلى عن الضحايا الفلسطينيين".يسجل التقرير84 حالة توفي فيها فلسطينيون (بينهم قاصر واحد) في معسكرات التعذيب منذ تشرين الأول 2023. تتضمن القائمة، التي تنشرها منظمة "بتسيلم"، اسم الأسير، مكان إقامته (50 من قطاع غزة، 31 من الضفة الغربية و3 مواطنين إسرائيليين) ومركز الاحتجاز الذي توفي فيه. حتى كانون الثاني 2025، كانت إسرائيل لا تزال تحتجز جثامين 80 من أصل 84 أسيرًا توفّوا خلال احتجازهم لديها وترفض تسليمها إلى عائلاتهم. وثمة مؤشرات على أن فلسطينيين آخرين لقوا حتفهم في مراكز التعذيب الإسرائيلية، لكن المعطيات الواردة في التقرير تتطرق فقط إلى أولئك الذين تمكنت "بتسيلم" من التحقق من المعلومات حولهم.يشير التقرير، ضمن أمور أخرى، إلى أن سياسة التنكيل هي سياسة مُعلَنة ومُتعمَّدَة وتأتي من أعلى المستويات. يظهر وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، المسؤول عن مصلحة السجون، في تقارير مُخطَّطَة تبثها وسائل الإعلام، كما ينشُر على شبكات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو وهو يتفاخر في كلها بسلوك السلطات في مراكز الاحتجاز. لكن بن غفير ليس وحده، بل تجندت المنظومة الإسرائيلية بأكملها لمنح قادة هذه السياسة ومنفّذيها حصانة مطلقة.يستند التقرير الحالي إلى التحليل والبحث المعمَّق الواردين في تقرير "أهلًا بكم في جهنّم"، الذي نشرته "بتسيلم" في آب 2024، وإلى معطيات مُحدَّثة وإفادات 21 أسيرًا فلسطينيًا أُطلق سراحهم من مراكز الاحتجاز الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة. كما يستند التقرير، أيضًا، إلى عمل منظمات لحقوق الإنسان، إسرائيلية ودولية، تقوم بمتابعة ما يجري في مراكز الاحتجاز.حتى أيلول 2025، كان نحو 10,900 فلسطيني محتجَزين في معسكرات التعذيب الإسرائيلية في ظروف مزرية وتحت نظام من التنكيل الجسدي والنفسي الشديد. وحتى كانون الثاني 2026، بعد إتمام الصفقة بين إسرائيل وحماس والتي تم في إطارها إطلاق سراح بعض الأسرى، لا تزال إسرائيل تحتجز حوالي 9,200 أسير فلسطيني.تؤكد "بتسيلم" أن مشروع الاحتجاز الإسرائيلي، الذي تم في إطاره، على مدى السنوات، احتجاز أكثر من 800,000 فلسطيني في السجون الإسرائيلية المختلفة، كثيرون منهم بدون محاكمة، هو إحدى الأدوات التي تستخدمها إسرائيل لتفكيك المجتمع الفلسطيني وقمعه.

20 كانون الثاني/يناير 2026

מימין לשמאל: אחמד, מוסטפא, מועתז, אייהם ומוחמד, צילום: עאמר עארורי, בצלם, 22.1.23

شرقيّ القدس

حيّ وادي قدوم، شرقيّ القدس: أفراد الشرطة يوقفون خمسة قاصرين دون علم أهاليهم، يحتجزونهم لأكثر من ستّ ساعات ويحقّقون معهم دون مرافقة شخص بالغ

في يوم الخميس الموافق 19.1.23 قرابة الساعة 17:30 وصل نحو عشرة أفراد شرطة إلى حيّ وادي قدوم في شرقيّ القدس، قبضوا على خمسة فتيان من سكّان الحيّ تتراوح أعمارهم ما بين 12-15 عامًا وأدخلوهم إلى مركبة شرطة. أجلس أفراد الشرطة الفتيان في المركبة بشكل متراصّ واحتجزوهم فيها لمدّة ساعة تقريبًا. ونحو الساعة 18:30 جُلِب الفتيان إلى محطّة الشرطة في شارع صلاح الدين، وهناك أجلِسوا على كراسي ووجوههم متّجهة نحو الحائط في غرفة شديدة البرودة كان المكيّف الهوائيّ مُشغَّلًا فيها ومُنِعوا من التحدّث بعضهم مع بعض. ونحو الساعة 19:00 وصل إلى المحطّة محامٍ وشرح للفتيان حقوقهم وعندها فقط سَمح لهم أفراد الشرطة بالذهاب إلى المرحاض. في أثناء ذلك، وصل إلى المحطّة أهالي أربعة من الفتيان لكنّ أفراد الشرطة منعوهم من الدخول فاضطُرّوا إلى انتظار أبنائهم في الخارج طوال ساعات. بعد ذلك، اقتيد الفتيان، كلًّا في دوره وبدون مرافقة شخص بالغ من قِبَلهم، إلى تحقيقات استمرّت ما بين ساعة وساعة ونصف الساعة. وبعد أن رفض قسم من الفتيان التوقيع على المحضر الذي كُتِب بالعبريّة وادّعوا بحزم بأنّهم لم يُلقوا حجارة أفادوا بأنّ محقّقي الشرطة أهانوهم وشتموهم وفي بعض الحالات استخدموا العنف الجسديّ ضدّهم. فعلى سبيل المثال، سحب أحد أفراد الشرطة كرسيّ مصطفى السلايمة (12 عامًا) وأوقعه أرضًا. وضرب محقّقٌ أيهم السلايمة (12 عامًا) على رقبته وضرب محقّقٌ معتز السلايمة (14 عامًا) على رقبته ووجهه وشدّه من شعره أيضًا. عند انتهاء التحقيقات احتُجِز الفتيان في المحطّة دون أن يشرح لهم أحد ما الذي سيحدث. ونحو الساعة 23:00 أعطاهم أفراد الشرطة كِسْرات خبز. وعند منتصف الليل تقريبًا، وبعدما وقّع نوّاف السلايمة، والد أيهم وأحمد السلايمة، على كفالة بقيمة 5,000 ش.ج. عن كلّ واحد من الفتيان الخمسة، أطلِق سراحهم من المحطّة وحُوِّلوا إلى الاعتقال المنزليّ لمدّة خمسة أيّام. لكن بعد نحو عشر دقائق من عودة نوّاف وابنيه إلى منزلهم، اتّصل بهم شرطيّ وطالبه بأن يعود ابنه أحمد إلى الشرطة بذريعة أنّ التحقيق معه لم يُوثَّق. فعاد أحمد إلى المحطّة مع والده وهو منهك وخائف وأدخِل مرّةً أخرى بمفرده إلى التحقيق الذي استمرّ نحو ساعة ونصف الساعة، وهذه المرّة وقّع على المحضر. وعندما سألَ المحقّقَ عمّا وقّع عليه، أجابه ذاك بأنّ هذا ليس من شأنه. هكذا اختُطِف خمسة فتيان من الشارع دون أن يُشرح لهم بماذا يُشتبه بهم أو إلى أين يتمّ اقتيادهم. تمّ التحقيق معهم في محطّة الشرطة دون أن يُبلِغ أفراد الشرطة أهاليهم بالأمر ودون السماح لهم بأن يكونوا حاضرين في أثناء التحقيق، تحت التهديد ومن خلال ممارسة الضغط، واحتُجزوا هناك لأكثر من ستّ ساعات. خلال الساعتين الأوليَين مُنعوا من الذهاب إلى المرحاض ولم يتمّ إعطاؤهم شيئًا لشربه. جرى هذا كلّه بينما لم يُسمح لوالدي أربعة منهم وصلوا إلى المحطّة بالدخول إليها، فاضطُرّوا إلى الانتظار في الخارج إلى حين إطلاق سراح أبنائهم. ينبغي النظر إلى اعتقال هؤلاء الفتيان على أنّه جزء من سياسة القمع الإسرائيليّة الشاملة في شرقيّ القدس والضفّة الغربيّة بشكل عام. هذه ليست حالة استثنائيّة، وإنّما هي جزء من معاملة إسرائيل المنهجيّة للقاصرين الفلسطينيّين ومن رفضها منحهم الحمايات الخاصّة التي يضمنها لهم القانون الدوليّ والتي يمنحها القانون الإسرائيليّ للقاصرين أيضًا. بدلًا من ذلك، يتعامل جهاز إنفاذ القانون الإسرائيليّ مع الفتيان الفلسطينيّين بوصفهم جزءًا من مجموعة سكّانيّة مُعادية، جميع أفرادها ـ الصغار والكبار على حدّ سواء ـ مذنبون ما لم يثبت خلاف ذلك، وهو يتّخذ إجراءات صارمة ضدّهم لا يجرؤ على اتّخاذها ضدّ مجموعات سكّانيّة أخرى في إسرائيل. هكذا وصف الفتيان ما مرّ عليهم في ذلك المساء، في الإفادات التي قدّموها لباحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري، في 22.1.23: محمّد السلايمة (15 عامًا): في يوم الخميس الموافق 19.1.23 قرابة الساعة 17:30 كنتُ في طريقي إلى البيت من زيارة لدى صديق في حيّ راس العامود سويّةً مع أصدقائي، أخوَيّ أحمد وأيهم وكذلك مع مصطفى ومعتز. نزلنا الأدراج التي بين حيّ راس العامود وحيّنا، وادي قدوم، وفجأةً صادفنا نحو عشرة أشخاص من قوّات الاحتلال فأوقفونا. لم أفهم ما كان يحدث على الإطلاق، كان ذلك مربكًا للغاية. لفّ أحد أفراد الشرطة ذراعه حول رقبتي بشكل مؤلم وسحبني بقوّة إلى المركبة. جلسنا هناك فوق بعضنا البعض وكان مزدحمًا جدًّا. في البداية أخذونا إلى راس العامود وهناك انتظرنا في المركبة، بجانب محطّة الشرطة التي هناك. طلبتُ من الشرطيّ ماء لكنّه تجاهلني. جلسنا في المركبة لمدّة ساعة تقريبًا ثمّ أخذونا إلى محطّة الشرطة في صلاح الدين وهناك أدخلونا إلى غرفة وأجلسونا على كراسٍ ووجوهنا متّجهة نحو الحائط وقالوا لنا ألّا نتحدّث مع بعضنا. هدّد الشرطيّ الذي كان هناك بأنّ مَن سيحكي سيتعرّض للضرب ولهذا السبب التزمتُ الصمت. بعد نحو نصف ساعة حضرَ محامٍ وشرح لنا حقوقنا، وبعد أن ذهب أخذونا إلى المرحاض واحدًا واحدًا. بعد أن عدتُ من المرحاض رأيتُهم يأخذون معتز ومصطفى إلى التحقيق، وبعد ذلك أخذوني أنا أيضًا إلى غرفة التحقيق. طلب المحقّق منّي أن أكتب الاسم على لوحة إلكترونيّة، كتلك التي يتمّ التوقيع عليها عند استخدام بطاقة الاعتماد. كما طلب منّي أن أكتب اسم المحامي الذي حضر سابقًا، ثمّ قال لي: "أنت متّهم بإلقاء حجارة على مركبات شرطة". قلتُ له هذا ليس أنا، فقال إنّ أصدقائي اعترفوا بإلقاء الحجارة. قلتُ له ثانيةً إنّ هذا غير صحيح وإنّنا كنّا ذاهبين إلى البيت سويّةً فقط ولا يمكن أن يكونوا قد اعترفوا بشيء لم نفعله. شتمَني وهدَّدني بأنّني إذا لم أوقّع على الورقة التي كانت على الطاولة فسوف أتعرّض للضرب. خفتُ منه ووقّعتُ على الورقة. أنا لا أعرف ما الذي وقّعتُ عليه لأنّه كان مكتوبًا بالعبريّة فقط. جلستُ في غرفة التحقيق لمدّة ساعة تقريبًا وبعد ذلك أعادوني إلى الغرفة نفسها التي جلسنا فيها سابقًا، للجلوس على الكرسيّ. كان بعض أصدقائي هناك وكان البعض الآخر لا يزال في التحقيق. قرابة الساعة 23:00 فقط أحضروا لنا قطعة خبز لنأكلها. كنتُ جائعًا جدًّا. بعد ساعة تقريبًا أطلقوا سراحنا للاعتقال المنزليّ لمدّة خمسة أيّام. وقّع لي أحد الآباء على كفالة بقيمة 5,000 شيكل. معتز السلايمة (14 عامًا): عندما اعتقلوني لم أفهم بالضبط ما كان يحدث ومن أين جاء أفراد الشرطة، لكنّهم أمسكوا بنا جميعًا من الرقبة. كدتُ أختنق عندما أحاط الشرطيّ ذراعه حول رقبتي وجذبني إلى داخل مركبة شرطة سويّة مع الجميع. أجلسونا في المركبة بعضنا فوق بعض. في المقدِّمة جلس شرطيّان اثنان. عندما قلتُ لهم بالعربيّة إنّ رِجلَيّ تؤلمانني بسبب طريقة جلوسنا، قال لي أحدهم: "إذا لم تسكتْ سأقطع رِجلك". منذ تلك اللحظة التزمتُ الصمت. سافرنا إلى محطّة الشرطة في راس العامود وانتظرنا هناك في المركبة لمدّة ساعة تقريبًا. طلبْنا ماء من أفراد الشرطة لكنّهم تجاهلونا. كان فمي قد جفّ من شدّة العطش. بعد ذلك وصلنا إلى محطّة شرطة في شارع صلاح الدين وهناك أدخلونا إلى غرفة باردة جدًّا كان المكيِّف الهوائيّ مشغَّلًا فيها في وضعيّة التبريد. أجلسونا على كراسٍ منفردة، مقابل الحائط، وقالوا لنا ألّا نحكي. عندما طلبْنا من الشرطيّ إطفاء المكيِّف لأنّنا كنّا نرتجف من البرد رفض ذلك. طلبْنا طوال ساعة عدّة مرّات أن يتيحوا لنا الذهاب إلى المرحاض، لكنّهم تجاهلونا. فقط بعد أن غادر المحامي الذي جاء للتحدّث معنا، أخذ شرطيّ كلّ واحد منّا على انفراد إلى المرحاض. عندما أخذني شتمني في الطريق إلى هناك وقال أشياء مشينة عن أمّي وأختي. أخذوني أنا ومصطفى إلى التحقيق، كلّ واحد على انفراد. أروني هناك شريط فيديو يظهر فيه راشقو حجارة. قلتُ للمحقّق إنّني لا أعرف هؤلاء الأشخاص وإنّني لم أفعل شيئًا. صرخ في وجهي وقال إنّني كاذب. كنتُ أخشى طوال الوقت أن يضربني. لم يتوقّف عن الشتم وذات مرّة، بعد أن صرختُ رادًّا عليه: "لماذا تشتم والدتي؟"، شدّني من شعري ولكمَني على وجهي ورقبتي. رفضتُ التوقيع على المستند. قال لي المحقّق إنّها إفادتي، لكنّها كانت مكتوبة بالعبريّة، لذا رفضت التوقيع. فسخِرَ منّي قائلًا: "حسنًا لا توقّع يا أحوَل!". كان ذلك مهينًا. بعد نحو ساعة ونصف الساعة من التحقيق أعادوني إلى الغرفة. نحو الساعة 23:00 أعطوني خبزًا لكي آكل وبعد ذلك بنحو ساعة أطلقوا سراحنا للاعتقال المنزليّ لمدّة خمسة أيّام، بكفالة قدرها 5,000 شيكل. أيهم السلايمة (12 عامًا): عندما وصلنا إلى محطّة الشرطة في صلاح الدين طلبتُ الذهاب إلى المرحاض لكنّ الشرطيّ رفض أخذي. عندما حضر المحامي وقلتُ له إنّني بحاجة للذهاب إلى المرحاض، عندها فقط أخذني الشرطيّ إلى هناك ثمّ أعادني إلى الغرفة. كان المحامي لا يزال هناك وقال لي إنّه شرح للجميع من قبل أنّه لا يحقّ للمحقّقين أن يضربونا أو يشتمونا. بعد ذلك ذهب وبدأ أفراد الشرطة باقتيادنا إلى التحقيقات، كلًّا على انفراد. خلال التحقيق معي كنتُ خائفًا جدًّا. لم أكن أعرف ما الذي سيحدث. أراني المحقّق مقطع فيديو وسألني إن كنتُ أظهر فيه. قلتُ له لا، فصرخ في وجهي وسألني إذا كان هؤلاء أصدقائي وأخي. فأجبتُه بأنّي لا أعرف مَن هؤلاء، وعندها ضربني على رقبتي وقال إنّه إذا اعترفت بأنّي ألقيتُ حجارة فسوف يُفرجون عنّي لأذهب إلى البيت. قلتُ له مرّة أخرى إنّني لم أفعل شيئًا. أعطاني مستندًا بالعبريّة للتوقيع عليه دون أن يشرح لي ما كُتِب فيه. وقّعتُ عليه لأنّني خفتُ أن أتعرّض لمزيد من الضرب. طوال التحقيق كان المحقّق يصرخ في وجهي ويخبط بيده على الطاولة. أحمد السلايمة (13 عامًا): أدخلونا إلى غرفة شديدة البرودة لأنّ المكيّف الهوائيّ كان يشتغل فيها بوضعيّة التبريد بدلًا من التسخين. أجلسونا على كراسٍ حديديّة ووجوهنا نحو الحائط وانتظرنا. بعد أن تحدّث معنا محامٍ أخذوني إلى المرحاض. وفي الطريق إلى هناك، قام الشرطيّ الذي أخذني بشتمي وبشتم أمّي وأختي. بعد ذلك أخذوني إلى التحقيق وأروني فيديو لأشخاص يرشقون حجارة في وادي قدوم. قال لي المحقّق إنّه إذا اعترفتُ بأنّني رميتُ حجارة فسأعود إلى البيت، لكنّني قلتُ له إنّني حقًّا لم أرمِ حجارة. شتمَ أمّي، أهانني وأراني شريط الفيديو مرّة أخرى وسألني مَن كان يرمي الحجارة هناك. أجبتُه بأنّني لا أعرف وعندها رمى كوب الماء الذي كان على الطاولة باتّجاهي. الكوب لم يُصبْني. رفضتُ التوقيع على الإفادة وعندها قال لي المحقّق إنّ بإمكاني الذهاب، وعندما كنتُ على وشك الخروج من الغرفة ركلني على مؤخِّرتي. أطلقوا سراحنا جميعًا في ساعة متأخّرة من الليل. أعادنا أبي أنا وأيهم إلى البيت، وبعد نحو عشر دقائق اتّصلوا بأبي من الشرطة وطالبوه بإحضاري إلى المحطّة. عندما وصلنا إلى المحطّة أدخلوني وحدي إلى التحقيق مرّة أخرى. قال لي المحقّق إنّهم لم يوثّقوا التحقيق الذي أجريَ سابقًا ولهذا أحضروني مرّة أخرى. سأل المحقّق الأسئلة نفسها حول إلقاء الحجارة ونفيتُ ذلك مرّة أخرى. كنتُ متعبًا جدًّا وهذه المرّة وقّعتُ على المستند المكتوب بالعبريّة. عندما سألتُ المحقّق عمّا هو مكتوب فيه، أجابني بأنّ هذا ليس من شأني. نوّاف السلايمة (47 عامًا)، أب لـ 6، والد أيهم وأحمد: في يوم الخميس الموافق 19.1.23 قرابة الساعة 18:00 قال لي أحد أولاد الحيّ إنّه رأى قوّات الاحتلال تعتقل ابنَي وثلاثة فتيان آخرين. اتّصلتُ على الفور بمركز معلومات وادي حلوة فوجّهوني إلى محامٍ للتواصل معه. استفسر المحامي عن الموضوع وأبلغني بأنّ ابنَيّ محتجزان في محطّة الشرطة في صلاح الدين. بعد ساعة تقريبًا، أي نحو الساعة 19:00، وصلتُ مع بعض أهالي الفتيان الآخرين إلى المحطّة، لكنّ أفراد الشرطة لم يسمحوا لنا بالدخول لرؤية الأولاد. وقفْنا هناك في الخارج في البرد نحو أربع ساعات، حتّى الساعة 23:00 تقريبًا، إلى أن خرج شرطيّ من المحطّة وطالبني بالتوقيع على كفالة بقيمة 5,000 شيكل عن كلّ ولد. أطلقوا سراحهم في منتصف الليل تقريبًا. وخرجوا من هناك منهكين، متجمّدين وجائعين. بعد عدّة دقائق من دخولي إلى البيت مع أيهم وأحمد اتّصلوا بي من الشرطة وطالبوني بإعادة أحمد إلى المحطّة بدعوى عدم توثيق التحقيق معه. سافرتُ معه إلى المحطّة وهناك أدخلوه وحده إلى التحقيق. عندما خرج من التحقيق، بعد نحو ساعة، قال لي إنّهم سألوه مرّة أخرى عمّا إذا كان قد شارك في رشق الحجارة.

9 آذار/مارس 2023

מג'ד רווידי לאחר שחרורו. צילום: מרכז ואדי חילווה, סילוואן

شرقيّ القدس

أفراد الشرطة و"الشاباك" يعتقلون ويضربون بوحشية فتىً في الـ 15 من العمر

في يوم الثلاثاء الموافق 28.6.22 نحو السّاعة 4:00 فجراً، جاء ما يقارب ثلاثين عنصراً من الشرطة و"الشاباك"، بعضهم ملثّمون، إلى منزل عائلة الرّويضي في سلوان. اقتحم قسم منهم غرفة مجد (15 عاماً) فاستيقظ مذعوراً. أخذ والده يهدّئ من روعه وقال له إنّهم من الشرطة. حين ردّ مجد قائلاً "وماذا أفعل لهُم" (بمعنى لا يهمّني أمرهم) دفعه أحد عناصر الشرطة بقوّة فردّ مجد بدوره ودفعه أيضاً. حينئذٍ انقضّ على الفتى عناصر شرطة آخرون وانهالوا عليه ضرباً ثمّ اقتادوه إلى الاعتقال وهو حافي القدمين والنصف العلويّ من جسمه عارٍ. كبّل عناصر الشرطة يدي مجد وواصلوا ضربه في الطريق إلى مركز الاعتقال في المسكوبيّة. في المحطّة أيضاً ضرب العناصر الفتى حتى جاء محاميه وصوّر علامات الضرب البادية على وجهه وجسمه. اقتيد مجد إلى التحقيق حيث اتّهموه برشق حجارة نحو سيّارات مستوطنين وعناصر شرطة وعند السّاعة 16:00 أُحضِر أمام محكمة الصّلح وكانت قد مرّت أكثر من 12 ساعة على انتزاعه من سريره وضربه والتحقيق معه، دون أن يأكل أو يشرب خلالها شيئاً. مدّد القاضي اعتقال مجد ليومين مكث خلالهما في الزنزانة طوال الوقت لأنّ أحداً لم يجلبه للتحقيق. في 30.6.22 أفرج عن مجد في ساعات العصر بعد أن وقّع والده على كفالة بقيمة 5,000 شيكل ومن ثمّ أرسل إلى الحبس المنزليّ لمدّة سبعة أيّام. ليست هذه حادثة استثنائيّة وإنّما هي جزءٌ من روتين حياة عائلات فلسطينيّة كثيرة في شرقيّ القدس. العُنف الذي تعاني منه هذه العائلات تمارسه وتتيحه سلطات عديدة: عناصر الشرطة الذين دهموا منزل العائلة في دُجى اللّيل وأفزعوا جميع أفرادها وهم نيام ثمّ انتزعوا فتىً في الـ15 من سريره بعُنف؛ عناصر "الشاباك" الذين رافقوهم؛ وأخيراً، القاضي الذي أمر بتمديد الاعتقال الذي لم يتّضح مبرره طالما أنّه لم يتمّ التحقيق مع مجد مرّة أخرى، ثمّ أرسله إلى الحبس المنزليّ دونما إجراء قضائيّ يمكّنه من الدّفاع عن نفسه. بمنتهى الاعتياديّة، تدير جميع السّلطات حياة الفلسطينيّين في شرقيّ القدس على هذا النحو وهي تتمتّع بصلاحيّات واسعة وتعمل دون حسيب أو رقيب. استمع باحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري إلى إفادات أدلى بها عدد من أفراد الأسرة. من إفادة مجد الرّويضي (15 عاماً) الذي روى ما جرى في تلك اللّيلة وخلال اعتقاله: في يوم الثلاثاء الموافق 28.6.22 نحو السّاعة 4:00 فجراً أيقظتني جلبة في المنزل. فجأة شاهدت أشخاصاً ملثّمين في غرفتي. تحدّث معي أحدهم بالعربيّة قائلاً "قُم وتعالَ معنا". خفت كثيراً. قال لي والدي إنّهم من الشرطة فتوتّرت وأخذت أصرخ. عندما نهضت من السّرير دفعني أحدهم فدفعته بدوري. طرد عناصر الشرطة الجميع من الغرفة ثمّ انهالوا عليّ ضرباً. ظلّوا يركلونني ويصفعونني طيلة بضع دقائق ثمّ كبّلوا يديّ إلى الخلف واقتادوني إلى خارج المنزل وأنا حافي القدمين ولا أرتدي قميصاً. ناولتهم والدتي قميصاً لكي أرتديه لكنّهم استخدموه ليغطّوا به وجهي. لحق بي أحد إخوتي وناولني حذاءً. أدخلوني إلى سيّارة وفي داخلها انتعلت حذائي. لم أستطع رؤية شيء لأنّ وجهي كان مغطّىً بالقميص. أثناء سير الجيب انهالوا عليّ ضرباً مرّة أخرى - على وجهي ورأسي وعُنقي. عندما توقّف الجيب سحبوني إلى خارجه بعُنف حتى أنّني كدت أقع منكفئاً على وجهي. لاحقاً علمت من محاميّ أنّني موجود في غرفة 4 في مركز التحقيقات في المسكوبيّة. أجلسوني راكعاً على ركبتيّ وواصلوا ضربي من حين لآخر. كانوا يصفعونني ويركلونني ويضربونني بمسدّس أو بندقيّة في مختلف أنحاء جسمي. لا أعرف كم من الوقت استمرّ ذلك. في مرحلة ما جاء المحامي وأراد أن يصوّر علامات الضرب التي على وجهي وجسمي. أوضح لي المحامي تفاصيل إجراء التحقيق والاعتقال وبعد أن غادر أخذوني إلى المرحاض حيث غسلت وجهي ثمّ جلبوني للتحقيق. كان في الغرفة محقّقان بلباس مدنيّ. جلست على كرسيّ ويداي مقيّدتان. اتّهمني المحقّقان بأنّني رشقت حجارة على سيّارات مستوطنين وعناصر شرطة. لا أعرف كم من الوقت استمرّ التحقيق معي، ربّما ساعتين. لم أكن أقدر على الكلام إلا بصعوبة بسبب الأوجاع الناجمة عن الضرب. كنت عطشاً جدّاً وقد طلبت ماءً لأشرب لكنّهم لم يجلبوه ولم يجلبوا لي طعاماً لآكل. كان التحقيق يجري باللّغة العربيّة لكنّهم دفعوا إليّ بأوراق مكتوبة بالعبريّة لكي أوقّع عليها وأنا لا أقرأ العبريّة. قال لي المحقّق إنّها أقوالي. وقّعت ومن ثمّ نقلوني إلى غرفة هي بالأحرى قفص بقُضبان. كانت يداي لا تزالان مقيّدتين وكنت منهكاً وعطشاً وجائعاً وأتألّم في جميع أنحاء جسمي. نحو السّاعة 16:00 جلبوني إلى المحكمة وهناك رأيت والدي وشقيقيّ أحمد (21 عاماً) وسمير (22 عاماً). لم أتمكّن من التحدّث إليهم. مدّد القاضي اعتقالي ليومين ثمّ أعادوني إلى مبنى المسكوبيّة. عرضوني على طبيب أعطاني مسكّنات للأوجاع ثمّ أدخلوني إلى غرفة فيها ثلاثة فتية في مثل سنّي تقريباً. كنت جائعاً وكان في الغرفة خبز ومربّى إلّا أنّني غفوت فوراً من شدّة التعب. عندما استيقظت تناولت قطعة خبز واحدة وشربت عصيراً. لم تكن لديّ أيّة شهيّة للطّعام. أبقوني في الغرفة حتى السّاعة 17:00 من يوم الخميس. لم يحقّقوا معي مرّة أخرى. وقّع والدي على كفالة بمبلغ 5,000 شيكل ثمّ أرسلوني إلى الحبس المنزليّ لمدّة سبعة أيّام. بعد أن أخرجوني من المعتقل ذهبت مع والدي وشقيقيّ أحمد وسمير إلى عيادة في عين اللّوزة في سلوان وهناك أجريت لي صور أشعّة. قال الطبيب إنّه توجد كدمات في أماكن مختلفة من جسمي وآثار دم جافّ في أذني اليسرى. أدناه يحدّث الوالدمحمود الرّويضي (49 عاماً) عن اعتقال ابنه وما جرى بعد ذلك: سمعت طرقات قويّة على الباب فنهضت ونهضت زوجتي إسلام (43 عاماً). سألت "من في الباب؟" فأجابوا: "نحن من الشرطة. افتح". كان هناك أكثر من ثلاثين شرطيّاً بعضهم يرتدي ملابس عاديّة وبعضهم يرتدي زيّاً أسود. كان قسم منهم ملثّماً. كان معهم ضابط "شاباك" سألني عن أسماء أبنائي فأجبت أنّه يوجد لديّ أربعة أبناء: ريتال (11 عاماً) ومجد (15 عاماً) وأحمد (21 عاماً) وسمير (22 عاماً). سألني أين ينام مجد فقلت له "في غرفة مع أخويه". عندئذٍ أمرني بأن أرافقه إلى الغرفة. دخل ثلاثة عناصر شرطة إلى الغرفة وانتشر الباقون في أرجاء المنزل. استيقظ مجد من نومه مذعوراً. قلت له "لا تخف. إنّهم من الشرطة" فأجابني: "وماذا أفعل لهم؟". عندما سمعه العنصر الذي من "الشاباك" دفعه بقوّة ففعل مجد بدوره بالمثل. ثلاثة أفراد من وحدة "يسام" ضربوا مجد ودفعوه نحو الأرض وانهالوا عليه ركلاً. صرخت عليهم أطالبهم بأن يتوقّفوا وأقول لهم إنّه مجرّد طفل. كانت زوجتي وابنتي تقفان عند باب الغرفة وتشاهدان ما يجري وهُما تصرخان وتبكيان. بعد ذلك دخل إلى الغرفة نحو 15 شرطيّاً وطردوني إلى الخارج. سمعت مجد يصرخ متألّماً. بعد مضيّ دقائق معدودة أخرجوه حافياً وبدون قميص. حاولت زوجتي أن تناول مجد قميصاً لكنّ شرطيّاً أخذه منها وغطّى به رأس مجد بدلاً من أن يناوله لمجد فيرتديه. خرج سمير يركض وراء مجد وناوله حذاءً. فور أن غادرت القوّة هاتفت المحامي محمد محمود وأخبرته بما جرى. بعد مضيّ ساعة عاود الاتّصال بي وأخبرني أنّ مجد معتقل في "غرفة 4" وأنّه قد تمّ تعيين جلسة في محكمة الصّلح في القدس عند السّاعة 11:00 صباحاً. بالطبع لم نستأنف نومنا بعد كلّ هذا، لا أنا ولا زوجتي ولا الأولاد. كنت قلقاً عليه كثيراً. أنا قلق على مستقبله عموماً لأنّني أيضاً كنت معتقلاً في السّابق لفترات مختلفة منذ العام 1988 ولا أريد لابني أن يمرّ بالتجربة نفسها. لا أريد أن يضيع مستقبله في السّجون. هاتفني المحامي لاحقاً وأخبرني بأنه قد تمّ تأجيل الجلسة إلى السّاعة 17:00. ذهبت إلى المحكمة مع ولديّ سمير وأحمد. عندما جلبوا مجد إلى قاعة المحكمة لم أصدّق أنّ هذا ابني. كانت ملامح وجهه متغيّرة تماماً. كان وجهه متورّماً ومليئاً بالكدمات لشدّة ما ضربوه. مدّد القاضي اعتقال مجد ليومين ثمّ أخلي سبيله بعد أن وقّعت على كفالة غير مدفوعة بقيمة 5,000 شيكل. بعد ذلك أرسلوه إلى الحبس المنزليّ لمدّة سبعة أيّام. بعد الإفراج عنه أخذناه فوراً إلى عيادة في سلوان حيث أجروا له فحوصات وأعطوه مسكّنات للأوجاع. الحمد لله أنّه لم تكن لديه كُسور، فقط كدمات وأوجاع. نحن نحاول أن ندعم مجد ونسانده في مجابهة الضرب والمهانة التي ذاقها. هو اليوم في حالٍ أفضل، الحمد لله.

14 آب/أغسطس 2022