محمد فرحات جابر (55 عاماً)، أب لسبعة، من سكان حيّ جابر في الخليل، اعتقله جنود في 15.8.24 وأطلقوا سراحه بعد عدة أيام من التنكيل
أقيم مع زوجتي وأولادنا الثلاثة: لؤي (29 عاماً) وعُبيدة (22 عاماً) وعُدي (16 عاماً). يقع منزلنا قبالة حاجز جابر 2، على بُعد نحو 50 متراً من مدرسة زياد جابر.
سلطات الاحتلال تجعل حياتنا جحيماً لا يُطاق، وغايتها من ذلك هو تهجيرنا وإفراغ المنطقة من الفلسطينيّين
منذ اندلاع الحرب تفاقم الوضع في منطقتنا وبتنا نعاني كثيراً جرّاء تصرّفات جيش الاحتلال. إنّهُم يؤخّروننا مطوّلاً في الحواجز، وأحياناً لمدّة ساعات. وقد حدث أن اضطُررنا للمبيت لدى أقربائنا لأنّ الجنود لم يسمحوا لنا بالوصول إلى المنزل. كما أنّ الجنود عنيفون جدّاً. عدّة مرّات أوقفوا ولديّ عُدي وعُبيدة واقتادوهما إلى معسكر للجيش قرب بوّابة مستوطنة "كريات أربع" واعتدوا عليهما بالضرب. حتى أزمة المياه اشتدّت وتفاقمت. ولأنّنا لا نحصل على إمدادات منتظمة للمياه، عبر أنابيب وحنفيّات، فنحن نضطرّ أيضاً لشراء مياه الصّهاريج ومن ثمّ تخزينها في آبار وحاويات. ولكن لكي تصل شاحنة صهريج المياه إلى منطقتها ينبغي الحصول على تصريح وتنسيق الدّخول، ولكن منذ الحرب يرفض الجيش تنسيق دُخول صهاريج المياه بحجّة حالة الطوارئ. لهذا السبب صرنا نضطرّ إلى جلب مياه في دلو من المسجد المجاور.
سلطات الاحتلال تجعل حياتنا جحيماً لا يُطاق، وغايتها من ذلك هو تهجيرنا وإفراغ المنطقة من الفلسطينيّين.
في يوم الخميس الموافق 15.8.24، نحو السّاعة 20:00، شاهدت عشرات الجنود منتشرين في الشارع القريب من الحاجز الذي قبالة منزلنا. عندما وقفت عند مدخل المنزل وأخذت أتفرّج على ما يجري صرخ الجنود بي يأمرونني أن أدخل إلى المنزل. انصعت للأمر ودخلت وأغلقت الباب. بعد مضيّ نحو ساعة سمعت طرقاً على إحدى نوافذ المنزل. فتحت النافذة وإذ بأربعة جنود في الخارج يأمرونني أن أخرج إليهم.
عصب أحد الجنود عينيّ وكبّل يديّ خلف ظهري بأصفاد بلاستيكيّة، وشدّها كثيراً [...] ثمّ أجبرني أن أركع على الأرض قرب الحاجز، وأبقاني هكذا لساعات طويلة
حين خرجت من المنزل قال لي الجنود إنّهم يريدون الصّعود على سطح منزلنا عبر الدّرج الخارجيّ. فتحت لهُم البوّابة المؤدّية إلى ذلك الدّرج ثمّ عُدت ودخلت إلى المنزل. بعد مضي ساعة أخرى تقريباً، جاء عدّة جنود إلى منزلي ومعهم ابن أخي، مالك عبد الجبار (29 عاماً). ناداني مالك فخرجت إلى الشارع.
أخذني الجنود إلى حاجز طريق المصلّين، وكان هناك عشرات الجنود. أخذ أحد الجنود يستجوبني، باللّغة العربيّة، حول شابّين مرّا من الحاجز الذي قبالة منزلي، ثمّ أراني الجنديّ شريطاً مصوّراً يظهر فيه ابني عُبيدة وابن أخي، محمود (20 عاماً). أمرني الجنود أن أتّصل بعُبيدة ومحمود وأطلب منهما المجيء إلى الحاجز. قلت للجنود إنّ عُبيدة ذهب ليسهر خارج المنطقة، لدى أصدقاء له، ومحمود موجود في منزل أحد الجيران لأنّهم خطّطوا معاً وليمة شِواء.
هاتفت كلّاً من عُبيدة ومحمود وطلبت منهما المجيء. سألني الجنديّ عن محمود، وقال لي إنّه كان يحمل كيساً فيه سلاح. نفيت هذا الاحتمال وقلت لهم إنّ أبناءنا لا علاقة لهم بمثل هذه الأمور. قال لي الجنديّ إنّ محمود كان يحمل كيساً فقلت له "ربّما توجد في الكيس أشياء أخرى". عندئذٍ أخذ الجنديّ يشتمني ويتّهمني بأنّني أكذب. عصب أحد الجنود عينيّ وكبّل يديّ خلف ظهري بأصفاد بلاستيكيّة، وشدّها كثيراً. طلبت منه أن لا يشدّها بقوّة فراح يسبّني مجدّداً، ثمّ أجبرني أن أركع على الأرض قرب الحاجز، وأبقاني هكذا لساعات طويلة، حتى السّاعة 3:00 فجراً. بعد ذلك أدخلوني إلى سيارة "جيب". بسبب الرّكوع المتواصل لم أكن قادراً على الوقوف وعانيت من تشنّجات في رجليّ.
في سجن "عوفر" أخرجوني من "الجيب" وقام السجّانون بتفتيشي عارياً ثمّ أخذوا أغراضي الشخصيّة
سار "الجيب" بي إلى معسكر للجيش في وادي الغروس، وهناك أخذوني إلى طبيب لتعبئة استمارة طبّية. بعد ذلك أعادوني إلى "الجيب" وأخذوني إلى معسكر للجيش في وادي الحصين. هناك أنزلوني من "الجيب" وأجبروني أن أركع مرّة ثانية في ساحة المعسكر وأطأطئ رأسي. احتجزوني على هذا النحو مدّة ساعة تقريباً، ثمّ أعادوني إلى "الجيب".
سار بي الجيب إلى معسكر للجيش في تلّ رميدة، وهناك أبقوني محتجزاً داخل "الجيب" مدّة ساعتين تقريباً. بعد ذلك سار "الجيب" إلى مكان لم أعرف ما هو، وهناك اقتادوني إلى غرفة وأجبروني مرّة أخرى على الرّكوع بالوضعيّة المؤلمة نفسها مدّة ثلاث ساعات، وكانت عيناي لا تزالان معصوبتين. ثمّ أخذوني مرّة أخرى إلى مكان لا أعرفه، وهناك احتجزوني داخل "الجيب" مدّة تُقارب الساعتين.
بعد ذلك أخذوني مجدّداً في "الجيب"، وفي هذه المرّة جاءوا بي إلى معسكر "عتصيون"، ولكن لم يُبقوني هُناك إذ أكمل "الجيب" السّفر إلى معسكر آخر للجيش، لا أعرف ما اسمه. أبقوني هناك داخل "الجيب" ثم استأنفوا السّفر إلى سجن "عوفر".
في سجن "عوفر" أخرجوني من "الجيب" وقام السجّانون بتفتيشي عارياً ثمّ أخذوا أغراضي الشخصيّة. بعد ذلك أعطوني الملابس الخاصّة بالسّجناء وأدخلوني إلى زنزانة صغيرة فيها سرير ومرحاض.
بعد مضيّ ثلاث ساعات تقريباً، اقتادني سجّان إلى غرفة تحقيق. كان هناك محقّقان اثنان يتحدثان اللغة العربيّة، وجّها إليّ تهمة حيازة سلاح. أنكرت التهمة. قلت لهُما إنّ جنوداً جاءوا وأخرجوني من منزلي، وأنا لا أعرف عمّ يتحدّثان. أخذ أحد المحققين يشتمني ويوجّه إليّ الإهانات. كذلك شتم حماس ويحيى السّنوار.
استمرّ التحقيق 15 دقيقة، أعادوني بعد ذلك إلى الزنزانة. بقيت في الزنزانة حتى ظهر يوم السّبت حيث جاء سجّان وأخذني إلى غرفة التحقيق، وفي هذه المرّة كان محقّق آخر - حقّق معي باللّغة العربيّة حول سلاح وحول أنّني أحاول التستّر على الشابّ ولا أريد أن أقول إنّه كان يحمل سلاحاً. كان يقصد محمود، ابن أخي.
تصرّفتُ وفقاً لتعليماتهم وأخذت أصرخ وأُسمع أصواتاً تشي بأنّني أتعرّض للضرب
أجبته: "كاميراتكُم وثّقت شابّاً يافعاً يحمل كيساً، ولكن هذا لا يعني أنّه يوجد سلاح في داخل الكيس". غضب المحقّق وراح يصرخ بي ويتّهمني بأنّني أكذب ويهدّد باعتقال أولادي. بعد مضيّ نحو عشر دقائق على التحقيق أعادوني إلى الزنزانة.
في ساعات العصر، أخذني سجّان إلى غرفة التحقيق مرّة أخرى، وفي هذه المرّة كان في الغرفة المحقّقان اللّذان حقّقا معي في المرّة الأولى. ومجدّداً، حقّقا معي حول الشبهات نفسها. أنكرت جميع الادّعاءات الموجّهة ضدّي وضدّ محمود، ابن أخي. بعد تحقيق استمرّ نصف ساعة أعادوني إلى الزنزانة.
بقيت في الزنزانة بدون تحقيق حتى عصر يوم الإثنين، 18.8.24، حيث جاء سجّان وأخذني مرّة أخرى إلى غرفة التحقيق. في هذه المرّة تعامل معي المحقّق بشكل أفضل، وقال لي "نحن سوف نطلق سراحك، ولكن قبل ذلك سنأخذك إلى زنزانة قريبة من زنزانة محمود، ونريد منك أن تصرخ بقوّة بحيث يستطيع محمود أن يسمع صوتك". أخذني المحقّق إلى تلك الزنزانة.
لم أر محمود، لكنّهم قالوا لي إنّه في الزنزانة المجاورة. تصرّفتُ وفقاً لتعليماتهم وأخذت أصرخ وأُسمع أصواتاً تشي بأنّني أتعرّض للضرب، لكي يسمعني محمود؛ لكنّه لم يُصدِر أيّ ردّ فعل ولم أسمع منه أي صوت.
بعد نحو عشر دقائق أعادني السجّان إلى غرفة التحقيق وقال لي إنّ الخطّة قد فشلت ولذلك سوف يرسمون خطّة أخرى.
بعد ذلك أجبروني أن أجلس على كرسيّ قبالة طاولة مكتب، واختبأ أحد المحقّقين تحت الطاولة. كانت خطّتهم أن يظنّ محمود أنّني في الغرفة وحدي، وأمروني أن أسأله أسئلة معيّنة. بعد أن خرج المحقّق الثاني من الغرفة أدخل السجّان محمود. كان واضحاً أنّه تعرّض لضرب مُبرّح إذ لم يكن قادراً على الوُقوف. كذلك كانت علامات ضرب على وجهه. أجلس السجّان محمود على كرسيّ قبالتي وخرج من الغرفة، فيما المحقّق لا يزال مختبئاً تحت الطاولة.
وجّهت إلى محمود الأسئلة التي أمروني أن أسألها. في البداية سألته عن حاله وبعد ذلك سألته هل مرّ عبر الحاجز ومعه سلاح. فوجئ محمود من سؤالي وأجاب: "أيّ سلاح، يا عمّي؟ من يحمل سلاحاً في هذه المنطقة؟". أجبتُهُ بمثل ما أمرني المحقّق من قبْل ـ أنّ كاميرات الجيش وثّقته مع سلاح وأنّني شاهدت شريط الفيديو.
غضب محمود وأجاب: "ما الذي تقوله؟"، وقال لي إنّه لم يكن يحمل شيئاً، وأنّ أدوات الشواء هي التي كانت في الكيس.
في تلك الأثناء دخل المحقّق، وأخرج السجّان محمود من الغرفة. خرج المحقق الذي اختبأ تحت الطاولة فسأله المحقق الثاني عن محادثتنا وأخبره الأوّل بما قيل في المحادثة.
أمروني أن أحلق أيضاً شعري، شواربي ولحيتي، وتوعّدوا أن يقوموا بذلك بأنفسهم إذا لم أفعل ذلك. انصعت لهُم في هذه المرّة أيضاً
بعد أن انتهى كلّ ذلك، قال لي المحقّق إنّهم سوف يُطلقون سراحي وسراح محمود إلى حين إتمام الإجراءات. أعادوني إلى الزنزانة، وبعد نحو أربع ساعات أخذني سجّان إلى ممرّ كان يقف فيه ثلاثة عناصر شرطة، يرتدون زيّ الشرطة الكحليّ. أخذني عناصر الشرطة إلى المرحاض وكان محمود هناك. أمرونا أن نخلع ملابسنا ثمّ ناولوني ماكينة حلاقة وأمروني أن أحلق شعر محمود، الشوارب واللّحية.
رفضت ذلك في البداية، لكنّني انصعتُ بعد أن توعّدوا بأنّهم سوف يقومون هُم بذلك وعلى طريقتهم إذا لم أفعل. قمت بحلاقة شعر محمود، لحيته وشواربه، بينما كان عناصر الشرطة يتضاحكون ويتهكّمون علينا.
عندما أنهيت حلاقة شعر محمود أمروني أن أحلق أيضاً شعري، شواربي ولحيتي، وتوعّدوا أن يقوموا بذلك بأنفسهم إذا لم أفعل ذلك. انصعت لهُم في هذه المرّة أيضاً وحلقت شواربي ولحيتي وشعر رأسي؛ ثمّ أعادوا لنا ملابسنا.
بعد ذلك أخذوني إلى مكتب وأجلسوني على الأرضيّة طوال ساعة ونصف تقريباً، ثمّ أخذوني إلى غرفة خلعت فيها ملابس السّجن وارتديت ملابسي. ثمّ أخذوني إلى بوّابة كهربائيّة وأمروني أن أخلع ملابسي كلّها ففعلت ذلك. ثمّ أدخلوني إلى غرفة لا يوجد فيها سوى طاولة، وأجلسوني على الأرضيّة طوال ساعة تقريباً.
بعد ذلك أخذوني إلى غرفة كانت فيها أغراضي الشخصيّة وأعادوها لي، كما أعادوا بطاقة هُويّتي، لكنهم لم يُعيدوا لي جهاز الهاتف.
حين سألتهم عن الهاتف أجابني السجّان "لا يوجد هاتف". بعد أن سلّموني أغراضي جلبوا محمود، وقد علمت منه أنّهم لم يُعيدوا له جهاز الهاتف خاصّته ولا مبلغ المال الذي أخذوه منه. أدخلونا إلى سيّارة وأقلّونا إلى حاجز لا أعرفه. هناك أوقفنا تاكسي وأقلّنا السّائق إلى منزل أقارب لي في سميراميس برام الله، ومن هناك جاء ابن أخي، نور إسماعيل جابر، وأخذنا إلى المنزل.
عندما عُدت إلى حيّنا خجلت لأنّ كلّ شعري كان محلوقاً. خجلت حتى أن أستقبل أقاربي الذين جاءوا ليهنّئوني على إطلاق سراحي
في حياتي كلّها لم أذق ذلّاً ومهانة كهذه. يصعب عليّ التغلّب وتجاوُز هذه التجربة، وحالتي النفسيّة سيّئة.
عندما عُدت إلى حيّنا خجلت لأنّ كلّ شعري كان محلوقاً. خجلت حتى أن أستقبل أقاربي الذين جاءوا ليهنّئوني على إطلاق سراحي.
خرج محمود من الاعتقال بوضع سيّئ حيث كانت كدمات زرقاء على كلّ جسمه ووجهه نتيجة الضرب، وكذلك علامات الأصفاد التي شدّوها على معصميه. توجّه محمود إلى المستشفى وأجريت له فحوصات، ثمّ عاد إلى المنزل وساءت حالته كثيراً فعاد إلى المستشفى وتمّ تسريحه بعد عدّة ساعات.
حتى الآن لم أتعاف جسمانيّاً بعد. لقد تركت الأصفاد علامات على معصميّ، وما زلت أعاني من تشنّجات في الذراع اليسرى وأوجاعاً في العُنق.
ملاحظة: أطلق سراح محمد جابر وابن أخيه، محمود جابر، في 19.8.24، ولم تُتخذ بحقّهما أيّة إجراءات قضائيّة.
* سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري في 21.8.24